باول في موقف صعب: هل سيُقرر «الفيدرالي» خفض أسعار الفائدة أم المخاطرة بارتفاع التضخم؟

عوائد سندات الخزانة الأميركية ترتفع مع ترقب المستثمرين لبيانات اقتصادية واجتماع «المركزي»

رئيس «الفيدرالي» جيروم باول يعقد مؤتمراً صحافياً بعد اجتماع لمدة يومين للجنة السوق المفتوحة الفيدرالية حول سياسة الفائدة في واشنطن في مارس (رويترز)
رئيس «الفيدرالي» جيروم باول يعقد مؤتمراً صحافياً بعد اجتماع لمدة يومين للجنة السوق المفتوحة الفيدرالية حول سياسة الفائدة في واشنطن في مارس (رويترز)
TT

باول في موقف صعب: هل سيُقرر «الفيدرالي» خفض أسعار الفائدة أم المخاطرة بارتفاع التضخم؟

رئيس «الفيدرالي» جيروم باول يعقد مؤتمراً صحافياً بعد اجتماع لمدة يومين للجنة السوق المفتوحة الفيدرالية حول سياسة الفائدة في واشنطن في مارس (رويترز)
رئيس «الفيدرالي» جيروم باول يعقد مؤتمراً صحافياً بعد اجتماع لمدة يومين للجنة السوق المفتوحة الفيدرالية حول سياسة الفائدة في واشنطن في مارس (رويترز)

يمكن تلخيص النهج الأحدث لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن سياسة أسعار الفائدة باستخدام مثل صيني قديم ينصح بـ«عدم التدخل، وسيتم إنجاز كل شيء».

إذ من المرجح أن يثبّت مسؤولو «المركزي» سعر الفائدة الفيدرالي الأساسي، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من عقدين، عند نحو 5.3 في المائة خلال اجتماع السياسة النقدية الذي يبدأ يوم الثلاثاء ويستمر لمدة يومين، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

ومن المحتمل أن يؤجل التضخم الأقوى مما كان متوقعاً في الأشهر الثلاثة الأولى من العام تخفيضات أسعار الفائدة في المستقبل المنظور. ونتيجة لذلك؛ من المحتمل أن يشدد المسؤولون على استعدادهم لإبقاء أسعار الفائدة ثابتة، عند مستوى يتوقع معظمهم أن يفرض قيوداً مجدية على النشاط الاقتصادي، لفترة أطول مما توقعوه سابقاً.

ونظراً لعدم وجود توقعات اقتصادية جديدة في هذا الاجتماع والتوقعات بتغييرات ضئيلة في بيان «الفيدرالي»، سيكون المؤتمر الصحافي لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول هو الحدث الرئيسي يوم الأربعاء.

وفي ما يلي أبرز النقاط التي يجب التركيز عليها:

1. انتكاسة التضخم

منذ اجتماع المسؤولين في مارس (آذار)، استمر الاقتصاد في إظهار زخم قوي. لكن التضخم جاء مخيباً للآمال بعد سلسلة من القراءات الباردة في النصف الثاني من عام 2023 والتي أثارت التفاؤل بأن «المركزي» قد يخفض أسعار الفائدة. وفي مارس، استبعد باول احتمالية أن تكون ضغوط الأسعار القوية في يناير (كانون الثاني) مجرد عقبة مؤقتة في طريق خفض التضخم. وأدت القراءات الثابتة لشهري فبراير (شباط) ومارس (وإن لم تكن مرتفعة مثل يناير) إلى إضعاف هذا التفاؤل. وأثارت احتمال استقرار التضخم بالقرب من 3 في المائة، حيث يستهدف «الفيدرالي» تضخماً بنسبة 2 في المائة بمرور الوقت.

ومن المحتمل أن يكرر باول رسالة وجهها قبل أسبوعين، عندما قال إن البيانات الأخيرة «لم تعطنا بالتأكيد ثقة أكبر» في أن التضخم سيستمر في الانخفاض إلى 2 في المائة «وتشير بدلاً من ذلك إلى أنه من المحتمل أن يستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً لتحقيق ذلك».

وسيتركز الاهتمام في هذا الاجتماع على كيفية قيام باول بتوصيف نظرة «الفيدرالي» لمستويات أسعار الفائدة. في حين يعتقد معظم استراتيجيي «وول ستريت» أن تخفيضاً أو اثنين في أسعار الفائدة لا يزال ممكناً في وقت لاحق من هذا العام، لا سيما وأن احتمالية إعادة المعايرة هذه دون دليل واضح على ضعف الاقتصاد تظل ورقة رابحة أكبر مما كانت عليه قبل أسابيع قليلة فقط. في المقابل، يعتقد البعض أن «الفيدرالي» قد لا يقدِم على أي تخفيض على الإطلاق.

ويعتمد توقع «الفيدرالي» لأسعار الفائدة على توقعاته للتضخم، وتثير البيانات الأخيرة احتمالين. الأول هو أن توقع «الفيدرالي» بأن التضخم سيستمر في الانخفاض ولكن بطريقة متفاوتة و«وعرة» لا تزال سليمة - ولكن مع تقلبات أكبر. وفي مثل هذا السيناريو، لا يزال من الممكن إجراء تخفيضات متأخرة وبوتيرة أبطأ في أسعار الفائدة هذا العام.

أما الاحتمال الثاني فهو أن التضخم، بدلاً من أن يكون في مسار «وعر» نحو 2 في المائة، قد يتعثر عند مستوى أقرب إلى 3 في المائة. وفي حالة عدم وجود أدلة على أن الاقتصاد يتباطأ بشكل ملحوظ، فقد يؤدي ذلك إلى إلغاء مبررات تخفيض الأسعار تماماً.

2. سياسة أسعار الفائدة «في وضع جيد»

من المحتمل أن يقرّ باول بأن المسؤولين لديهم قناعة أقل بشأن موعد ومقدار تخفيض أسعار الفائدة. في مارس، توقع معظم المسؤولين أن تخفيضين أو أكثر في أسعار الفائدة سيكونان مناسبَين هذا العام، وأشارت أقلية ضئيلة إلى ثلاثة تخفيضات على الأقل. وعلى الرغم من أن المسؤولين لن يقدموا توقعات جديدة هذا الأسبوع، فإن باول اغتنم الفرصة في اجتماعات أخرى من دونها لإعادة تأكيد تلك التوقعات القديمة باجتماع واحد أو، بدلاً من ذلك، إعلانها بأنها لم تعد صالحة. ومن المرجح أن يؤدي اجتماع يوم الأربعاء إلى النتيجة الأخيرة.

وفي الوقت نفسه، أشار مسؤولو «الفيدرالي» إلى أنهم مرتاحون إلى حد كبير لموقفهم الحالي. وهذا يجعل التحول المتشدد نحو زيادات أسعار الفائدة أمراً غير محتمل. وقال باول في 16 أبريل (نيسان): «إن السياسة النقدية في وضع جيد للتعامل مع المخاطر التي نواجهها». وأضاف أنه إذا استمر التضخم في الارتفاع إلى حد ما، فسيبقي «الفيدرالي» ببساطة أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية لفترة أطول.

ومع توقع المشاركين في السوق المالية لتخفيضات أقل، سترتفع عائدات سندات الآجل الطويل. وهذا في الواقع يحقق النوع نفسه من التشديد في الظروف المالية الذي سعى إليه مسؤولو «الفيدرالي» عندما رفعوا أسعار الفائدة العام الماضي. ومن المرجح أن تؤدي العائدات المرتفعة عبر منحنى عائدات الخزانة الأميركية في النهاية إلى ضرب قيم الأصول، بما في ذلك الأسهم، وإبطاء زخم الاقتصاد.

وقالت رئيسة استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية في «سوسيتيه جنرال»، سوبادرا راجابا: «إذا ظل التضخم ثابتاً، فهذا ما يريدون رؤيته في النهاية».

3. مخاطر منخفضة للمحور المتشدد

إن الصعوبة التي يواجهها مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي في التعبير عن توقعاتهم في الوقت الحالي تتلخص في الطبيعة المشروطة لتصريحات «إذا/ثم» التي يتطوع بها مسؤولو «الفيدرالي»، والتي تستند إلى مجموعة واحدة من النتائج. فعندما يؤدي الاقتصاد أداءً لا يتوقعه المسؤولون، فإن تصريحاتهم السابقة ربما لم تعد صالحة.

وعليه، قد يواجه باول صعوبة في استبعاد أي زيادات إضافية، على الرغم من أنه من المحتمل أن يكون من السابق لأوانه تحرك المسؤولين بشكل هادف في هذا الاتجاه. ولكن تحولاً متشدداً، يشير إلى أن رفع أسعار الفائدة أكثر احتمالاً من تحفيضها، يبدو غير محتمل في الوقت الحالي. ومن المرجح أن يحدث أي تحول كهذا على مدى فترة أطول. وسيتطلب ذلك مجموعة من العوامل، مثل صدمة عرض جديدة سيئة كزيادة الكبيرة في أسعار السلع، أو إشارات إلى تسارع نمو الأجور، وأدلة على أن الجمهور يتوقع استمرار ارتفاع التضخم لفترة طويلة في المستقبل.

وسيصدر مكتب العمل الأميركي مؤشراً رئيسياً على الأجور يوم الثلاثاء، والذي سيتضمن تقريراً عن مؤشر تكلفة العمالة للربع الأول. ويرى مسؤولو «الفيدرالي» هذا المؤشر أكثر مقياس شامل لنمو الرواتب. ومن المرجح أن تؤدي المؤشرات إلى استمرار تراجع ضغوط الأجور إلى تهدئة المخاوف بشأن استمرار التضخم في قطاع الخدمات.

4. الميزانية العمومية

قال مسؤولو «الفيدرالي» إنهم يمكنهم الإعلان «قريباً إلى حد ما» عن خطتهم لإبطاء عملية سحب جزء من سندات الخزانة الأميركية بقيمة 4.5 تريليون دولار التي يمتلكونها، والتي تُعدّ جزءاً من محفظة أصولهم البالغة 7.4 تريليون دولار. ودفع هذا المحللين إلى توقع خطة رسمية تعلن عن التباطؤ في اجتماعهم هذا الأسبوع، على الرغم من أن البعض يرى أن ذلك سيحدث في اجتماعهم اللاحق في يونيو (حزيران).

ويدور النقاش حول برنامج بدأه «المركزي» قبل عامين لتقليص تلك الممتلكات بشكل سلبي من خلال السماح لسندات الخزانة الأميركية «باستنزاف» ممتلكاتها دون شراء سندات جديدة. وقد حصل على تريليونات الدولارات من سندات الخزانة وسندات الرهن العقاري لتحقيق الاستقرار في الأسواق المالية في عام 2020 وتقديم حوافز إضافية في عام 2021.

وفي كل شهر، كان يسمح المسؤولون باستحقاق ما يصل إلى 60 مليار دولار من سندات الخزانة الأميركية وما يصل إلى 35 مليار دولار من الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري دون استبدالها. وتهدف هذه العملية إلى تقليص حجم الميزانية العمومية لـ«الفيدرالي»، والتي بلغت ذروتها عند نحو 9 تريليونات دولار قبل عامين.

وفي اجتماع مارس، بدا أن المسؤولين يتفقون حول خطة لتقليل معدل السحب «بنحو النصف». ونظراً لأن ارتفاع أسعار الفائدة أبقى عملية سحب سندات الرهن العقاري عند مستوى منخفض؛ فإن المسؤولين لن يغيّروا هذا الجزء من برنامجهم وسيقومون بدلاً من ذلك بخفض الحد الأقصى لاستحقاقات سندات الخزانة الشهرية. والتغييرات الأخيرة لا تتعلق بتحديد أسعار الفائدة، بل تهدف بدلاً من ذلك إلى تجنب اضطرابات كبيرة في أسواق الإقراض ليوم واحد والتي حدثت قبل خمس سنوات.

كما أن خفض الأصول يستنزف النظام المالي من ودائع المصارف الموجودة لدى «الفيدرالي»، والتي تسمى الاحتياطيات. ولا يعلم المسؤولون في أي نقطة ستصبح الاحتياطيات نادرة بما يكفي لرفع العائدات في أسواق الإقراض بين المصارف. ويرى الكثير من المسؤولين أن إبطاء العملية الآن هو أمر مفضل؛ لأنه قد يسمح باستمرار سحب الأصول لفترة أطول قليلاً دون المخاطرة بالنوع نفسه من ضوضاء السوق التي حدثت في عام 2019.

* ارتفاع عوائد السندات

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بشكل طفيف يوم الثلاثاء حيث يتطلع المستثمرون إلى البيانات الاقتصادية للحصول على تلميحات حول حالة الاقتصاد قبيل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وفي الساعة 4:07 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بنحو نقطتين أساس إلى 4.6343 في المائة. وكان عائد سندات الخزانة لأجل سنتين عند آخر قراءة له 4.9809 في المائة بعد ارتفاع بأقل من نقطة أساس، وفق شبكة «سي إن بي سي».

وينتظر المستثمرون صدور بيانات اقتصادية، ويترقبون اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حيث يأملون في الحصول على توجيهات جديدة حول نظرة المجلس لمستويات أسعار الفائدة، حيث إن التساؤلات حول موعد خفض أسعار الفائدة وعدد مرات التخفيضات المحتملة هذا العام كانت تتصدر اهتماماتهم.

وكانت الأسواق تأمل في خفض أسعار الفائدة في أقرب وقت في يونيو، إلا أن هذا الجدول الزمني تأجل إلى سبتمبر (أيلول) بعد أن أشارت البيانات الاقتصادية الأخيرة إلى استمرار التضخم وقدرة الاقتصاد على الصمود.

وفي الأسبوع الماضي، جاء مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مؤشر التضخم المفضل لدى الفيدرالي الأميركي، أعلى قليلاً من التوقعات لشهر مارس. وارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الرئيسي بنسبة 2.7 في المائة على أساس سنوي، بينما أظهر مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يستبعد تكاليف الغذاء والطاقة، ارتفاعاً بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بالعام السابق.

وسيراقب المستثمرون يوم الثلاثاء مؤشرات ثقة المستهلك قبل صدور سلسلة من بيانات سوق العمل في وقت لاحق من الأسبوع. ويشمل ذلك بيانات عن فرص العمل لشهر مارس، وكذلك تقرير الرواتب غير الزراعية لشهر أبريل.


مقالات ذات صلة

«المركزي» الأوروبي: نواجه ضغوطاً لرفع الفائدة مع تفاقم أزمة حرب إيران

الاقتصاد متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)

«المركزي» الأوروبي: نواجه ضغوطاً لرفع الفائدة مع تفاقم أزمة حرب إيران

أفاد عضو بمجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، بأن البنك يتجه نحو رفع أسعار الفائدة الشهر المقبل، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام مستدام بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد متداولان في بورصة نيويورك (أ.ب)

بين ضغوط التضخم الأميركي والترقب الجيوسياسي... الأسواق العالمية في أسبوع حاسم

تترقب أسواق الصرف الأجنبي والسندات العالمية أسبوعاً حافلاً بالبيانات الاقتصادية المفصلية التي تنطلق يوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

سيولة الأسهم العالمية تتراجع بـ6 مليارات دولار تحت ضغط عوائد السندات

سجّلت صناديق الأسهم العالمية أول تدفقات نقدية خارجة أسبوعية لها منذ 9 أسابيع خلال الأسبوع المنتهي في 20 مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (لندن، نيويورك )
الاقتصاد قاضي المحكمة العليا الأميركية كلارنس توماس يؤدي اليمين الدستورية لكيفين وإلى جانبه زوجته بالبيت الأبيض (د.ب.أ)

حقبة وارش تبدأ: مواجهة نارية مع التضخم وعوائد السندات

تسلّم كيفين وارش رسمياً دفة قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي بعد أدائه اليمين الدستورية ليصبح الرئيس الحادي عشر للبنك المركزي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متسوّقون يتفحصون المجوهرات داخل أحد المتاجر في نيويورك (رويترز)

ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة تهبط إلى أدنى مستوى تاريخي في مايو

أظهر مسحٌ نُشر يوم الجمعة أن ثقة المستهلكين الأميركيين هبطت إلى أدنى مستوى تاريخي في مايو، مع تصاعد المخاوف من ارتفاع أسعار البنزين نتيجة الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط تذبذب سعر الدولار الأميركي، تواصل السلطات المصرية ملاحقة من يتاجرون في النقد الأجنبي خارج السوق الرسمية. فعلى مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه (377.3 ألف دولار).

وقد أثارت الملاحقات الأمنية التي تعلن عنها «الداخلية» يومياً، تساؤلات حول «انتعاش السوق السوداء مجدداً في البلاد». وبينما رهن بعض الخبراء عودة «السوق السوداء» بعدم «توفُّر العملة في البنوك»، رأى مراقبون أنَّ «استمرار الملاحقات يشي بوجود (السوق السوداء) للعملة، وأن هناك من يتاجرون خارج السوق الرسمية».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثَّرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 53 جنيهاً.

وأكدت «الداخلية» في إفادة، مساء السبت، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع في النقد الأجنبي والمضاربة في أسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

يأتي هذا في وقت انخفضت فيه العملة الأميركية، يوم الأحد، بعد موجة ارتفاعات سجلتها على مدار الأيام الماضية؛ حيث سجلت في معظم البنوك أدنى مستوى وهو 53 جنيهاً.

واستمر تذبذب سعر الدولار في البلاد، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 55 جنيهاً، شهد تراجعاً، ثم عاد إلى الارتفاع الطفيف، ثم انخفض مجدداً في تداول الأحد.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة، الشهر الماضي، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة».

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أن «ما يحدث الآن هو أن البعض يكتنز الدولار، ولكن أن تكون هناك متاجرة خارج نطاق السوق المصرفية، فهي ليست العامل الكبير لتغيير سعر الصرف». ودلَّل على أن «السلطات تضبط المتلاعب بالعملة ثم تحوِّله بعد إجراءات قانونية للنيابة، ثم إلى المحكمة التي تتخذ قراراً بإدانته أو الإفراج عنه؛ وهذا لا يحرك السوق اليوم».

ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحرك السوق اليوم هو زيادة المعروض في العملة الأجنبية، ما يؤثر في سعر الصرف الأجنبي».

آلية أخرى تحدَّث عنها بدرة، وهي «عندما يكون هناك تحسُّن في آليات جذب العملة الأجنبية إلى البلاد وتحسُّن في قيمة الجنيه، تبدأ العملات الأجنبية -بما فيها الدولار- في الانخفاض». ويشير إلى أنه «في حال عدم توفر العملة في البنوك تظهر السوق السوداء، ولكن ما دامت العملة متوفرة لأي مستثمر بالسعر الرسمي المعلن، فلماذا يلجأ للسوق السوداء؟».

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مصري يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

كما يرى بدرة أن «آلية تذبذب الدولار هي الباعث الأساسي أو الرافد الأساسي للسوق السوداء». ويشير إلى «عدم ظهور أزمة لتدبير العملة بالنسبة للحجاج المصريين هذا الموسم، على عكس شكاوى البعض خلال سنوات ماضية من عدم توفر العملة، وهذا يدل أن الدولة دبَّرت احتياجات المسافرين من العملات الأجنبية لموسم الحج، رغم ما يحدث منذ الحرب الإيرانية من خروج للأموال الساخنة».

وتؤكد الحكومة بشكل متكرر «حرصها على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية والسلع الاستراتيجية للمواطنين».

من جهته، قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده، إن «المحدد الرئيسي لتحديد سعر الصرف، هو قوى العرض والطلب». ويرى أن «قوى العرض والطلب ليست ثابتة بسبب المتغيرات الإقليمية التي تسببت في رفع سعر الدولار، منذ بدء الحرب الإيرانية. ولكن مع الإعلان عن اتفاق، مساء السبت، تذبذب سعر الدولار نحو الانخفاض». ويشير إلى أن «هناك عوامل كثيرة تتحكم في سعر الدولار».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «البعض يرى في شراء الدولار الآن فائدة؛ خصوصاً مع تصاعد حديث عن ارتفاع سعره خلال الأشهر المقبلة في البلاد، ومن هنا تنشط وزارة الداخلية في ضبط كثير من القضايا».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على فيسبوك)

لكن عبده يرهن «عودة السوق السوداء بعدم توفر الدولار في البنوك بالنسبة للمستثمرين، ولكن ما دام متوفراً -كما هو حالياً- فلا توجد سوق سوداء». ويقول إن «الفاصل في انتعاش السوق السوداء من جديد هو مدى قدرة البنوك على تلبية احتياجات المستوردين والمستثمرين، والإفراج عن البضائع في الجمارك».

وأكد وزير المالية أحمد كجوك، في أبريل (نيسان) الماضي، أن «الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل اعتمدت 47 جنيهاً كمتوسط لسعر الصرف، بناء على سعر الصرف السائد في تاريخ إعداد الموازنة».

وحسب المراقبين: «يعدُّ سعر الدولار بالموازنة سعراً استرشادياً لتحديد حجم الموازنة، وبالتالي يمكن أن ينخفض أو يزيد عليه وفق مرونة سعر الصرف وتدفقات موارد العملة».


تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.