الرئيس الفرنسي يدفع باتجاه بناء الدفاع الأوروبي

حثّ على تعزيز الصناعات الدفاعية وتبني مبدأ «الأفضلية الأوروبية»

إيمانويل ماكرون يلقي خطابه في جامعة السوربون الخميس 25 أبريل (أ.ب)
إيمانويل ماكرون يلقي خطابه في جامعة السوربون الخميس 25 أبريل (أ.ب)
TT

الرئيس الفرنسي يدفع باتجاه بناء الدفاع الأوروبي

إيمانويل ماكرون يلقي خطابه في جامعة السوربون الخميس 25 أبريل (أ.ب)
إيمانويل ماكرون يلقي خطابه في جامعة السوربون الخميس 25 أبريل (أ.ب)

يريد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يكون الصوت الداعي لتحويل الاتحاد الأوروبي من مجموعة اقتصادية وتجارية كبرى في العالم، إلى قطب له قدراته الدفاعية والعسكرية، ويكون قادراً على إسماع صوته، وفرض احترام مصالحه في عالم متغير، وخطر.

والطريق إلى ذلك، وفق ماكرون، تمرّ من خلال «بناء دفاع أوروبي يتحلى بالمصداقية»، بحيث تكون القارة القديمة قادرة على الدفاع عن مصالحها، وليست مرتهنة للإرادة الأميركية. ولا شك أن الانتخابات الأميركية المقبلة، واحتمال أن يعود الرئيس السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تضغط على الأوروبيين، خصوصاً أن الأخير له مواقف متذبذبة إزاء الحلف الأطلسي، ولا يخفي استهزاءه بالاتحاد الذي يأخذ على أعضائه اتّكالهم على الولايات المتحدة في الدفاع عنهم بمواجهة روسيا، وامتناعهم عن الإيفاء بالتزاماتهم المالية إزاء الحلف. ولأن الحرب عادت إلى أوروبا، وهي متواصلة منذ بدء «العملية العسكرية الخاصة» الروسية ضد أوكرانيا، فإن الأوروبيين بدأوا باستشعار الحاجة لتطوير قدراتهم العسكرية الخاصة، رغم تمسكهم بالمظلة الأميركية - الأطلسية.

دعوة متكررة

إن دعوة إيمانويل ماكرون إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية لا تحمل جديداً. فخطابه الخميس في جامعة السوربون التاريخية يُذكّرنا بخطاب ألقاه في المكان نفسه، في العام 2017، بعد أشهر قليلة على وصوله إلى قصر الإليزيه.

الرئيس الفرنسي حث على الذهاب إلى استراتيجية دفاعية أوروبية مشتركة (رويترز)

ولكن ما بين الخطابين فروق في الرؤية: ماكرون 2017 كان يدعو إلى «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا، التي فُهمت على أنها تخلٍّ عن الحلف الأطلسي، الأمر الذي أغاظ العديد من الدول الأوروبية، كألمانيا وبولندا وهولندا ودول البلطيق، وغالبية الدول المنضمة حديثاً إلى الحلف الأطلسي بعد انهيار حلف وارسو، وتبعه الاتحاد السوفياتي. ونقطة ارتكازها أنها ليست مستعدة للاستعاضة عن حلف موجود منذ 49 عاماً، وضمن لها السلام والأمن، بدفاع أوروبي غير موجود حقيقة.

وقد فهم ماكرون أن عليه أن يُعدّل طروحاته، وهو ما فعله شيئاً فشيئاً. وحُجّته كانت أن الاستقلالية الاستراتيجية لا تعني الانفصال عن الحلف الأطلسي، بل قيام قوة أوروبية إلى جانب الحلف الأطلسي، وليس بديلاً عنه. وجاء في خطابه ظهر الخميس: «نحن بحاجة إلى بناء مفهوم استراتيجي لدفاع أوروبي ذي مصداقية»، مضيفاً أنّه «يتعين على أوروبا أن تكون قادرة على الدفاع عما تعتبره عزيزاً عليها مع حلفائها، إذا كانوا جاهزين للقيام بذلك إلى جانبنا، ووحدنا، إن كان ذلك ضرورياً».

حُجّة الرئيس الفرنسي الأولى عنوانها «العدوانية الروسية»، التي يرى فيها المحرّك الأول القادر على دفع الأوروبيين للتحرك. وقال: «عندما نرى أن جارنا (روسيا) قد أصبح عدوانياً، وأنه يمتلك قدرات باليستية، وقد عمد إلى تطويرها في السنوات الأخيرة، كما أنه يمتلك السلاح النووي، وقد أبان عن قدراته (في هذا المجال)، نرى عندها أنه يتعين علينا أن نذهب إلى بناء مفهوم استراتيجي أوروبي خاص بنا يتمتع بالمصداقية».

لذا، فإن الرئيس الفرنسي كشف أنه سيعمد في الأشهر القادمة إلى «دعوة شركائنا إلى إطلاق مبادرة دفاعية أوروبية يجب أن تُجسّد بداية مفهوم استراتيجي». ولأن أمراً كهذا لا يمكن تصوره من غير المكون النووي، ولأن فرنسا هي وحدها «بعد بريكست» من بين دول الاتحاد الأوروبي التي تمتلك السلاح النووي، فإن ماكرون يشدد على أن قدرة الردع النووي الفرنسية «ستشكل عنصراً لا يمكن الالتفاف عليه في بناء الدفاع عن القارة الأوروبية»، أي بمعزل عن الردع النووي الأطلسي ثلاثي الأطراف: «الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا».

المظلة النووية الأوروبية

وخلاصة الرئيس الفرنسي أن توافر هذه القدرات الدفاعية ذات المصداقية من شأنها أن «تمكننا من توفير الضمانات الأمنية التي ينتظرها شركاؤنا في كافة أرجاء أوروبا، والتي سيكون الإطار الأمني المشترك الضامن لأمن الجميع».

المفوض الأوروبي تييري بروتون المسؤول عن الأسواق الداخلية الأوروبية مستمعا لخطاب ماكرون (إ.ب.أ)

وفق التصور الرئاسي، فإنه سيكون لباريس دور ريادي في بناء الدفاع الأوروبي، لأنها الوحيدة المتمتعة بالقدرات النووية. بيد أن طرحاً كهذا يثير عشرات الأسئلة. والسؤال الأهم يتناول استعداد باريس لمشاركة الأوروبيين في قرار اللجوء إلى السلاح النووي من عدمه. كذلك، ليس مؤكداً أن كل الدول الأوروبية ستكون مستعدة في السير وراء فرنسا، وتسليمها قيادة الدفاع الأوروبي. ولن يكون من المستغرب في حال قبلت طرح باريس أن تكشف عن شروطها، علماً بأن الدول التي تحفّظت على «الاستراتيجية الدفاعية الفرنسية» قد أصبحت جاهزة اليوم للتخلي عن المظلة النووية الأوروبية.

ما يطرحه ماكرون لن يتحقق في شهور، أو سنوات قليلة، لأنه، كما تقول مصادر فرنسية، «يتطلب تغيراً جذرياً في الذهنيات» داخل فرنسا، وخارجها. من هنا، أهمية متابعة ردود الفعل التي لن تتأخر؛ من اليمين الفرنسي المعروف برفضه تقاسم قوة الردع الفرنسية مع آخرين وإن كانوا شركاء باريس في الاتحاد الأوروبي. كذلك، يتعين النظر لردود فعل العواصم الأوروبية الرئيسية، كبرلين وروما ووارسو ومدريد.

قوة تدخل سريع

وبانتظار أن تتبلور المواقف، فإن ماكرون يقترح «قوة تدخل سريع مشكلة من خمسة آلاف رجل، بحلول العام 2025، تكون قادرة على الانتشار في المحيط الأوروبي المعادي خلال وقت قصير، وتكون مهمتها بشكل خاص أن تهب لمساعدة مواطنينا».

بيد أن ماكرون لم يوضح الفضاء الجغرافي الذي يعنيه، والذي سيكون بطبيعة الحال الشرق الأوسط وأفريقيا. ويريد الرئيس الفرنسي كذلك أن يهتم الأوروبيون، إلى جانب قدراتهم الدفاعية، بأمنهم السيبراني الذي قفز، في الأشهر الأخيرة، إلى مقدمة الاهتمامات الأوروبية، وذلك على خلفية التهديد الذي باتت تشكله روسيا والصين وفق تأكيدات عدة عواصم أوروبية.

واقتراح قوة الانتشار السريع ليس جديداً، بل طرح منذ عدة أعوام. بيد أن السير به ما زال يعاني صعوبات جمة حول تشكيلها، وتمركزها، وقيادتها، إضافة إلى غيرها من التساؤلات السياسية، واللوجيستية.

لم ينس ماكرون حرب أوكرانيا، وربطها بالصناعات الدفاعية الأوروبية، والحاجة لتطويرها في إطار جهد بعيد المدى، مع التركيز على «إعطاء الأولوية للموردين الأوروبيين في شراء المعدات العسكرية»، إن كانت الخاصة بجيوشهم، أو لإيصالها إلى القوات الأوكرانية. وتساءل الرئيس الفرنسي: «كيف سننجح في بناء سيادتنا واكتفائنا الذاتي إن لم نعمل على تطوير الصناعات الدفاعية الأوروبية؟ ولذا، علينا تبني مبدأ الأفضلية الأوروبية، وإطلاق برامج تسلح أوروبية، وتبنّي مبدأ أن يلعب بنك الاستثمار الأوروبي دوراً أكبر لجهة توفير التمويلات الإضافية (لهذه الصناعة)». وهذا الدور يبدو أكثر إلحاحاً وفق رؤية الرئيس الفرنسي، خصوصاً أن أوروبا «ليست مسلحة ضد المخاطر التي نواجهها» في عالم «تغيرت فيه قواعد اللعبة».


مقالات ذات صلة

ماكرون: يجب المضي قدماً بحزم في حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً أمام السفراء الفرنسيين في قصر الإليزيه بباريس... 8 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ماكرون: يجب المضي قدماً بحزم في حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية

شدَّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة المضي قُدماً «بحزم» في حصر السلاح بيد الدولة في لبنان، مؤكداً أن المرحلة الثانية من العملية ستكون «حاسمة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي 
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)

الشرع يبحث في اتصالين مع إردوغان وماكرون مستجدات الأوضاع في حلب

ذكرت الرئاسة السورية أن الرئيس أحمد الشرع بحث في اتصالين هاتفيين مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون مستجدات الأوضاع في حلب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
تحليل إخباري الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)

تحليل إخباري ماكرون يرفض «الانهزامية» و«الاستعمار الجديد»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هاجم الرئيس دونالد ترمب من غير أن يسميه، واستخدم لغة حادّة ترفض «الانهزامية» و«التبعية» و«الاستعمار الجديد» و«تقاسم العالم».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً أمام السفراء الفرنسيين في قصر الإليزيه بباريس 8 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ماكرون: أميركا «تتخلى تدريجياً» عن حلفاء... و«تتجاهل القواعد الدولية»

أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، عن أسفه لأن الولايات المتحدة «تتخلى تدريجياً» عن حلفاء لها، و«تتجاهل القواعد الدولية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

ماكرون: التوصل إلى بيان أمني يصادق عليه حلفاء أوكرانيا بما فيهم أميركا «خطوة مهمة»

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن التوصل إلى بيان أمني يصادق عليه حلفاء أوكرانيا، بما فيهم الولايات المتحدة، يمثل «خطوة مهمة».

«الشرق الأوسط» (باريس)

انتفاضة نسائية متوقعة بفرنسا للمساواة في الأجور

مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة نسائية متوقعة بفرنسا للمساواة في الأجور

مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)

بداية من حزيران (يونيو) المقبل، سيكون على المؤسسات الفرنسية الالتزام بتعليمات الإدارة الأوروبية للشفافية. وبناءً عليه، يمكن للعاملات والموظفات في فرنسا مقارنة المرتبات والأجور التي يحصلن عليها بتلك التي ينالها زملاؤهن الرجال أصحاب المؤهلات المشابهة، وعن نوع العمل نفسه.

ومن المنتظر أن تشهد فرنسا ما يصفه المراقبون بانتفاضة اقتصادية وثقافية حين تكشف الشفافية للنساء الفارق بين أجورهنّ وأجور زملائهن، دون مبرر سوى التمييز الجنسي.

ومن المعروف أن الموظفات والعاملات يتلقين أجراً أقل من الرجل بما معدله 30 في المائة، وهو إجحاف قديم واجه احتجاجات كثيرة خلال العقود الماضية دون أن تسفر، أحياناً، إلا عن تحسُّن طفيف.

وصدرت مبادئ الإدارة الأوروبية حول الشفافية في الأجور قبل 3 سنوات. وسيكون على الجهات القانونية الفرنسية الالتزام بها في موعد أقصاه منتصف العام الحالي.

وتبدأ مراعاة تلك المبادئ منذ لحظة طلب موظفين وعمال؛ حيث يتوجب على رب العمل تحديد المرتب بشكل واضح دون الرجوع إلى الأجر السابق لطالب للمتقدم للعمل، كما تنطبق المبادئ على الموجودين في الخدمة فعلياً.

ويمكن لكل موظف التقدم بطلب للحصول على معلومات حول متوسط الأجر الذي يحصل عليه زملاء يشغلون المنصب نفسه.

وفي حال كانت هناك فروق غير مبررة يمكن للمتضررين طلب مساواة مرتباتهم مع نظرائهم الذين يؤدون العمل نفسه.

ونظراً للفروق التاريخية في الأجور بين الرجال والنساء في فرنسا، وبحجج عديدة مضى زمنها، فإن القانون الأوروبي سيكون فرصة لرفع ظلم عانت منه المرأة في بلد رائد في الدعوة للمساواة وحقوق الإنسان.


تقرير: غرفة سرّية تحت السفارة الصينية في لندن تثير مخاوف أمنية

المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)
المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

تقرير: غرفة سرّية تحت السفارة الصينية في لندن تثير مخاوف أمنية

المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)
المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)

كشفت صحيفة «تلغراف» البريطانية أن الصين تعتزم بناء غرفة سرّية بمحاذاة أكثر كابلات الاتصالات حساسية في بريطانيا، ضمن شبكة تضم 208 غرف سرّية تحت «السفارة العملاقة» الجديدة التي تبنيها في لندن.

وقد توصلت الصحيفة إلى مخططات تفصيلية لمجمّع تحت الأرض يقع أسفل الموقع الدبلوماسي الضخم في وسط لندن، وهو مشروع سعت بكين إلى إبقائه بعيداً عن أنظار الرأي العام.

ورغم المخاطر الأمنية الواضحة، يُتوقع أن يوافق رئيس الحكومة كير ستارمر، على مشروع السفارة قبل زيارة مقررة إلى الصين في وقت لاحق من هذا الشهر، حيث من المنتظر أن يلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ.

مخاوف من التجسس

وتشير الصحيفة إلى أن هذه المخططات، التي حُجبت أجزاؤها في جميع النسخ المتاحة للعامة، لم يُكشف عنها إلا بعدما عثرت «تلغراف» على النسخ غير المنقّحة منها.

وتُظهر الرسومات أن غرفة مخفية واحدة ستقع مباشرة إلى جانب كابلات الألياف الضوئية التي تنقل بيانات مالية إلى مدينة لندن، إضافة إلى رسائل البريد الإلكتروني وحركة المراسلة لملايين مستخدمي الإنترنت.

كما أن الغرفة السرّية نفسها مجهّزة بأنظمة لاستخراج الهواء الساخن، ما قد يشير إلى احتمال تركيب معدات تولّد حرارة، مثل حواسيب متقدمة تُستخدم لأغراض التجسس. وتُظهر المخططات أيضاً أن الصين تعتزم هدم وإعادة بناء الجدار الخارجي السفلي للغرفة، مباشرة بمحاذاة كابلات الألياف الضوئية.

وستعيد هذه الكشوفات إشعال المخاوف من أن بكين قد تكون تسعى للتجسس على المعلومات التي تمر عبر هذه الشبكة، بما قد يتيح لها الوصول إلى أسرار الدولة والبيانات المالية الحساسة.

«منصة لإطلاق حرب اقتصادية»

وقالت أليشيا كيرنز، وزيرة الأمن القومي في حكومة الظل، إن منح الموافقة على المشروع سيعني تسليم الصين «منصة لإطلاق حرب اقتصادية في قلب الجهاز العصبي للبنية التحتية الوطنية الحيوية لدينا».

وأضافت: «المخططات غير المنقّحة تكشف عن غرفة مخفية تمتد مباشرة بمحاذاة كابلات الألياف الضوئية الحيوية لحي المال (السيتي) وكناري وارف. الجميع يعلم التهديدات الواضحة التي يطرحها ذلك، وأساليب الصين في التمويه والخداع - فلماذا تحتاجها حكومة (العمال)؟».

وتشمل مناطق أخرى حُجبت تفاصيلها بسبب التنقيح، مولدات احتياطية للطوارئ، ومحطة رشّاشات مياه، ومصاعد جديدة، وكابلات اتصالات. كما تُخفي المخططات أيضاً حمّامات ومرافق استحمام، ما قد يسمح للمسؤولين بالبقاء تحت الأرض لفترات طويلة.

ويمتد مشروع السفارة على مساحة 22 ألف متر مربع في موقع دار سكّ العملة الملكية السابقة، ومن شأنه أن يكون أكبر بعثة دبلوماسية صينية في أوروبا.

وقد غرق المشروع في الجدل منذ أن سعت بكين لأول مرة للحصول على إذن التخطيط في عهد الحكومة المحافظة السابقة، لا سيما بسبب قربه من بنى تحتية اتصالية حساسة. وكان دومينيك كامينغز، المستشار السابق لبوريس جونسون، قد قال إن جهازي الاستخبارات البريطانيين «MI5» و«MI6» حذّراه من أن الصين «تحاول بناء مركز تجسس تحت السفارة».

وكانت معظم وثائق التخطيط المقدَّمة إلى مجلس بلدية منطقة «تاور هامليتس» خاضعة لتنقيحات واسعة، بدعوى ما وصفته الصين بـ«أسباب أمنية»، وهي خطوة دفعت أنجيلا راينر، التي كانت تشغل حينها منصب وزيرة الإسكان، إلى تأجيل الموافقة والمطالبة بتوضيحات إضافية.

الغرفة السرّية

من بين الغرف الـ208 التي كشفت عنها «تلغراف»، تبرز بشكل لافت غرفة تقع أسفل مبنى سجلّ البحّارة في الزاوية الشمالية الغربية من موقع دار سكّ العملة الملكية السابقة. ويحاذي الجدار الخارجي لهذه الغرفة شارع مانسيل، وهو شريان مروري مزدحم عند تقاطع منطقة تاور هيل.

وتُظهر المخططات وجود غرفة تحت الأرض ذات شكل مثلث، يصل عرضها إلى نحو 40 متراً وعمقها بين مترين و3 أمتار. والأهم من ذلك، أنها تشير إلى أن الجدار الخارجي للقبو المواجه لشارع مانسيل سيجري هدمه وإعادة بنائه.

ولا يُعرف بعد أي شركة ستعيّنها الصين مقاولاً لتنفيذ مشروع سفارتها الجديدة، ولا الجهة التي ستتولى هدم وإعادة بناء جدار القبو.

لكن أعمال البناء هذه ستضع المسؤولين الصينيين على بُعد يزيد قليلاً على متر واحد من كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت الرصيف، ما يثير احتمال إمكانية التنصّت عليها.

وتُظهر مخططات كابلات الاتصالات التي اطّلعت عليها صحيفة «تلغراف»، أن هذه الألياف الضوئية تعود لشركات من بينها «BT Openreach» و«Colt Technologies» وعملاق الاتصالات الأميركي «Verizon Business».

وتنقل هذه الكابلات إشارات تحمل أدق أسرار الاقتصاد المالي البريطاني؛ إذ تمتد بين مجموعة مراكز البيانات التابعة لشركة «Telehouse» في منطقة دوكلاندز ومراكز أخرى في أنحاء العاصمة. وترتبط هذه الشبكات معاً لتشكّل العمود الفقري لبورصة الإنترنت في لندن (Linx). وخارج لندن، تتصل هذه الكابلات بكابلات عابرة للمحيط الأطلسي تربط بريطانيا بالولايات المتحدة.

وتُعد «Linx» واحدة من كبرى نقاط تبادل الإنترنت في العالم؛ إذ تتعامل مع كميات هائلة من البيانات، تشمل كل شيء من المعاملات المالية إلى الرسائل الفورية والبريد الإلكتروني.

وتحمل كابلاتها بيانات المعاملات المالية التي تعتمد عليها المصارف لتحديث عمليات السحب والإيداع؛ مثل رواتب الناس العاديين ومدفوعات السلع المشتراة عبر الإنترنت.

وتشير رسومات إضافية ضمن مخططات الغرفة السرّية، إلى أنه سيتم تركيب ما لا يقل عن نظامين لاستخراج الهواء، مع تصريف الهواء عبر فتحة إضاءة قائمة وشبكة تهوية جديدة، ما يوحي بالحاجة إلى إخراج كميات كبيرة من الهواء الساخن من القبو.

وأحد التفسيرات لذلك أن الصين تخطط لتركيب بنية تحتية حاسوبية واسعة النطاق ضمن عملية تجسّس مرتبطة بكابلات شارع مانسيل.

إشارة تحذير

وقال البروفسور آلان وودوارد، الخبير الأمني في جامعة «سري» البريطانية: «الصين لن تقول ما الغرض من هذا القبو. قد يكون معدات اتصالات سرّية مشروعة - لكن هذا الوصف يمكن أن يخفي وراءه كثيراً من الأمور المشبوهة».

وأضاف: «لو أرادوا التنصّت على الكابلات، فلن يحتاجوا إلى الذهاب بعيداً، ولن يعرف أحد ما الذي يجري هناك في الأسفل».

وقد تشمل خيارات التجسس على البيانات تحويل مسار الكابلات، أو إدخال وصلة تنصّت، أو حتى وضع جهاز مباشرة فوق الكابلات؛ بل يمكن ثني الألياف الضوئية بحيث يتسرّب الضوء من غلافها، ما يسمح بقراءته باستخدام معدات متخصصة.

ووصف البروفسور وودوارد هدم جدار القبو بأنه «إشارة تحذير».

وقال: «هناك تاريخ طويل من التنصّت على الكابلات من قبل الشرق والغرب على حد سواء. وكل من يستطيع فعل ذلك، فعله بالفعل. التجسّس لا يقتصر على أسرار الدول؛ فالاستخبارات الاقتصادية عنصر أساسي في عمل أجهزة الاستخبارات الأجنبية». وأضاف: «لو كنت مكانهم، فإن وجود هذه الكابلات على عتبة بابي سيكون إغراءً هائلاً».

وبالطبع، قد تكون لدى الصين أسباب بريئة لتركيب أنظمة التبريد؛ فقد يُستخدم المكان مركزَ بيانات لخدمة موظفي السفارة، أو حتى صالة رياضية أو كافتيريا.

ومع ذلك، فإن القرب الشديد من أكثر بنى الاتصالات البريطانية حساسية سيزيد من القلق.


المستشار الألماني: السلطة في إيران تعيش «أيامها وأسابيعها الأخيرة»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
TT

المستشار الألماني: السلطة في إيران تعيش «أيامها وأسابيعها الأخيرة»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)

توقع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم (الثلاثاء)، قرب نهاية النظام الحاكم في إيران. وقال: «إذا كان النظام لا يستطيع البقاء في السلطة إلا من خلال العنف، فإنه يكون –عملياً- في نهايته. وأعتقد أننا نشهد الآن بالفعل الأيام والأسابيع الأخيرة لهذا النظام».

وقال ميرتس إن القيادة الإيرانية «ليست لديها أي شرعية بين الشعب عبر الانتخابات»، مضيفاً أن «الشعب ينتفض الآن ضد هذا النظام»، معرباً عن أمله في «إيجاد فرصة لإنهاء هذا الصراع سلمياً»، وقال: «يجب أن يدرك نظام الملالي ذلك الآن».

وأشار ميرتس إلى أن هناك مشاورات مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بشأن هذه القضية، وقال: «وزراء الخارجية على اتصال وثيق لضمان حدوث انتقال سلمي في إيران إلى حكومة ديمقراطية شرعية».

وكان ميرتس قد أدان أمس عنف قوات الأمن الإيرانية ضد المتظاهرين السلميين، واصفاً إياه بأنه «غير متناسب» و«وحشي».

وأضاف: «أدعو القيادة الإيرانية إلى حماية شعبها بدلاً من تهديده»، مشيداً بشجاعة المحتجين، قائلاً إنهم يتظاهرون سلمياً من أجل الحرية في بلادهم، وهذا حقهم المشروع.

واستدعت إسبانيا وفنلندا، اليوم، السفيرين الإيرانيين لديهما، لإبداء «الاستنكار والإدانة الشديدين» لحملة القمع التي تقوم بها سلطات طهران للاحتجاجات.

وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس لإذاعة كاتالونيا: «يجب احترام حق الإيرانيين، رجالاً ونساء، في الاحتجاج السلمي وحرية التعبير، ويجب الكف عن الاعتقالات التعسفية».

وكتبت وزيرة الخارجية الفنلندية إلينا فالتونن على منصة «إكس»: «نظام إيران قطع الإنترنت ليتمكن من القتل والقمع في صمت».

وأضافت: «هذا لن يُقبَل. نحن نقف إلى جانب الشعب الإيراني، نساءً ورجالاً على حد سواء»، مشيرة إلى أنها «ستستدعي السفير الإيراني هذا الصباح».

كما قالت فالتونن إن الدولة الاسكندنافية «تبحث أيضاً -بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي- في إجراءات للمساعدة على إعادة الحرية إلى الشعب الإيراني».

ويتظاهر إيرانيون منذ أكثر من أسبوعين ضد النظام الحاكم. واتسع مدى الاحتجاجات التي اندلعت بسبب أزمة اقتصادية، لتشمل أنحاء متفرقة من البلاد. ووقعت اشتباكات عنيفة واضطرابات خطيرة في المدن، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى قمعها بقوة مفرطة. وتعد هذه أشد احتجاجات تشهدها إيران منذ سنوات.