الرئيس الفرنسي يدفع باتجاه بناء الدفاع الأوروبي

حثّ على تعزيز الصناعات الدفاعية وتبني مبدأ «الأفضلية الأوروبية»

إيمانويل ماكرون يلقي خطابه في جامعة السوربون الخميس 25 أبريل (أ.ب)
إيمانويل ماكرون يلقي خطابه في جامعة السوربون الخميس 25 أبريل (أ.ب)
TT

الرئيس الفرنسي يدفع باتجاه بناء الدفاع الأوروبي

إيمانويل ماكرون يلقي خطابه في جامعة السوربون الخميس 25 أبريل (أ.ب)
إيمانويل ماكرون يلقي خطابه في جامعة السوربون الخميس 25 أبريل (أ.ب)

يريد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يكون الصوت الداعي لتحويل الاتحاد الأوروبي من مجموعة اقتصادية وتجارية كبرى في العالم، إلى قطب له قدراته الدفاعية والعسكرية، ويكون قادراً على إسماع صوته، وفرض احترام مصالحه في عالم متغير، وخطر.

والطريق إلى ذلك، وفق ماكرون، تمرّ من خلال «بناء دفاع أوروبي يتحلى بالمصداقية»، بحيث تكون القارة القديمة قادرة على الدفاع عن مصالحها، وليست مرتهنة للإرادة الأميركية. ولا شك أن الانتخابات الأميركية المقبلة، واحتمال أن يعود الرئيس السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تضغط على الأوروبيين، خصوصاً أن الأخير له مواقف متذبذبة إزاء الحلف الأطلسي، ولا يخفي استهزاءه بالاتحاد الذي يأخذ على أعضائه اتّكالهم على الولايات المتحدة في الدفاع عنهم بمواجهة روسيا، وامتناعهم عن الإيفاء بالتزاماتهم المالية إزاء الحلف. ولأن الحرب عادت إلى أوروبا، وهي متواصلة منذ بدء «العملية العسكرية الخاصة» الروسية ضد أوكرانيا، فإن الأوروبيين بدأوا باستشعار الحاجة لتطوير قدراتهم العسكرية الخاصة، رغم تمسكهم بالمظلة الأميركية - الأطلسية.

دعوة متكررة

إن دعوة إيمانويل ماكرون إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية لا تحمل جديداً. فخطابه الخميس في جامعة السوربون التاريخية يُذكّرنا بخطاب ألقاه في المكان نفسه، في العام 2017، بعد أشهر قليلة على وصوله إلى قصر الإليزيه.

الرئيس الفرنسي حث على الذهاب إلى استراتيجية دفاعية أوروبية مشتركة (رويترز)

ولكن ما بين الخطابين فروق في الرؤية: ماكرون 2017 كان يدعو إلى «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا، التي فُهمت على أنها تخلٍّ عن الحلف الأطلسي، الأمر الذي أغاظ العديد من الدول الأوروبية، كألمانيا وبولندا وهولندا ودول البلطيق، وغالبية الدول المنضمة حديثاً إلى الحلف الأطلسي بعد انهيار حلف وارسو، وتبعه الاتحاد السوفياتي. ونقطة ارتكازها أنها ليست مستعدة للاستعاضة عن حلف موجود منذ 49 عاماً، وضمن لها السلام والأمن، بدفاع أوروبي غير موجود حقيقة.

وقد فهم ماكرون أن عليه أن يُعدّل طروحاته، وهو ما فعله شيئاً فشيئاً. وحُجّته كانت أن الاستقلالية الاستراتيجية لا تعني الانفصال عن الحلف الأطلسي، بل قيام قوة أوروبية إلى جانب الحلف الأطلسي، وليس بديلاً عنه. وجاء في خطابه ظهر الخميس: «نحن بحاجة إلى بناء مفهوم استراتيجي لدفاع أوروبي ذي مصداقية»، مضيفاً أنّه «يتعين على أوروبا أن تكون قادرة على الدفاع عما تعتبره عزيزاً عليها مع حلفائها، إذا كانوا جاهزين للقيام بذلك إلى جانبنا، ووحدنا، إن كان ذلك ضرورياً».

حُجّة الرئيس الفرنسي الأولى عنوانها «العدوانية الروسية»، التي يرى فيها المحرّك الأول القادر على دفع الأوروبيين للتحرك. وقال: «عندما نرى أن جارنا (روسيا) قد أصبح عدوانياً، وأنه يمتلك قدرات باليستية، وقد عمد إلى تطويرها في السنوات الأخيرة، كما أنه يمتلك السلاح النووي، وقد أبان عن قدراته (في هذا المجال)، نرى عندها أنه يتعين علينا أن نذهب إلى بناء مفهوم استراتيجي أوروبي خاص بنا يتمتع بالمصداقية».

لذا، فإن الرئيس الفرنسي كشف أنه سيعمد في الأشهر القادمة إلى «دعوة شركائنا إلى إطلاق مبادرة دفاعية أوروبية يجب أن تُجسّد بداية مفهوم استراتيجي». ولأن أمراً كهذا لا يمكن تصوره من غير المكون النووي، ولأن فرنسا هي وحدها «بعد بريكست» من بين دول الاتحاد الأوروبي التي تمتلك السلاح النووي، فإن ماكرون يشدد على أن قدرة الردع النووي الفرنسية «ستشكل عنصراً لا يمكن الالتفاف عليه في بناء الدفاع عن القارة الأوروبية»، أي بمعزل عن الردع النووي الأطلسي ثلاثي الأطراف: «الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا».

المظلة النووية الأوروبية

وخلاصة الرئيس الفرنسي أن توافر هذه القدرات الدفاعية ذات المصداقية من شأنها أن «تمكننا من توفير الضمانات الأمنية التي ينتظرها شركاؤنا في كافة أرجاء أوروبا، والتي سيكون الإطار الأمني المشترك الضامن لأمن الجميع».

المفوض الأوروبي تييري بروتون المسؤول عن الأسواق الداخلية الأوروبية مستمعا لخطاب ماكرون (إ.ب.أ)

وفق التصور الرئاسي، فإنه سيكون لباريس دور ريادي في بناء الدفاع الأوروبي، لأنها الوحيدة المتمتعة بالقدرات النووية. بيد أن طرحاً كهذا يثير عشرات الأسئلة. والسؤال الأهم يتناول استعداد باريس لمشاركة الأوروبيين في قرار اللجوء إلى السلاح النووي من عدمه. كذلك، ليس مؤكداً أن كل الدول الأوروبية ستكون مستعدة في السير وراء فرنسا، وتسليمها قيادة الدفاع الأوروبي. ولن يكون من المستغرب في حال قبلت طرح باريس أن تكشف عن شروطها، علماً بأن الدول التي تحفّظت على «الاستراتيجية الدفاعية الفرنسية» قد أصبحت جاهزة اليوم للتخلي عن المظلة النووية الأوروبية.

ما يطرحه ماكرون لن يتحقق في شهور، أو سنوات قليلة، لأنه، كما تقول مصادر فرنسية، «يتطلب تغيراً جذرياً في الذهنيات» داخل فرنسا، وخارجها. من هنا، أهمية متابعة ردود الفعل التي لن تتأخر؛ من اليمين الفرنسي المعروف برفضه تقاسم قوة الردع الفرنسية مع آخرين وإن كانوا شركاء باريس في الاتحاد الأوروبي. كذلك، يتعين النظر لردود فعل العواصم الأوروبية الرئيسية، كبرلين وروما ووارسو ومدريد.

قوة تدخل سريع

وبانتظار أن تتبلور المواقف، فإن ماكرون يقترح «قوة تدخل سريع مشكلة من خمسة آلاف رجل، بحلول العام 2025، تكون قادرة على الانتشار في المحيط الأوروبي المعادي خلال وقت قصير، وتكون مهمتها بشكل خاص أن تهب لمساعدة مواطنينا».

بيد أن ماكرون لم يوضح الفضاء الجغرافي الذي يعنيه، والذي سيكون بطبيعة الحال الشرق الأوسط وأفريقيا. ويريد الرئيس الفرنسي كذلك أن يهتم الأوروبيون، إلى جانب قدراتهم الدفاعية، بأمنهم السيبراني الذي قفز، في الأشهر الأخيرة، إلى مقدمة الاهتمامات الأوروبية، وذلك على خلفية التهديد الذي باتت تشكله روسيا والصين وفق تأكيدات عدة عواصم أوروبية.

واقتراح قوة الانتشار السريع ليس جديداً، بل طرح منذ عدة أعوام. بيد أن السير به ما زال يعاني صعوبات جمة حول تشكيلها، وتمركزها، وقيادتها، إضافة إلى غيرها من التساؤلات السياسية، واللوجيستية.

لم ينس ماكرون حرب أوكرانيا، وربطها بالصناعات الدفاعية الأوروبية، والحاجة لتطويرها في إطار جهد بعيد المدى، مع التركيز على «إعطاء الأولوية للموردين الأوروبيين في شراء المعدات العسكرية»، إن كانت الخاصة بجيوشهم، أو لإيصالها إلى القوات الأوكرانية. وتساءل الرئيس الفرنسي: «كيف سننجح في بناء سيادتنا واكتفائنا الذاتي إن لم نعمل على تطوير الصناعات الدفاعية الأوروبية؟ ولذا، علينا تبني مبدأ الأفضلية الأوروبية، وإطلاق برامج تسلح أوروبية، وتبنّي مبدأ أن يلعب بنك الاستثمار الأوروبي دوراً أكبر لجهة توفير التمويلات الإضافية (لهذه الصناعة)». وهذا الدور يبدو أكثر إلحاحاً وفق رؤية الرئيس الفرنسي، خصوصاً أن أوروبا «ليست مسلحة ضد المخاطر التي نواجهها» في عالم «تغيرت فيه قواعد اللعبة».


مقالات ذات صلة

الرئيس الفرنسي في جولة خليجية موسعة «لتعزيز الشراكات الاستراتيجية»

الخليج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)

الرئيس الفرنسي في جولة خليجية موسعة «لتعزيز الشراكات الاستراتيجية»

يجري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جولة موسعة في الخليج من أجل «تعزيز الشراكات الاستراتيجية»، خصوصاً في قطاعات الدفاع، والطاقة، والتكنولوجيات المتقدمة.

ميشال أبونجم (باريس)
الخليج الرئيس الفرنسي وأمير الكويت (أرشيفية - كونا)

ماكرون يبدأ جولة خليجية من الكويت لبحث أمن الطاقة والتعاون الدفاعي

يبدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين المقبل، جولة خليجية تستمر ثلاثة أيام، تشمل الكويت، والإمارات، والبحرين وقطر.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن البحرية الفرنسية اعترضت أمس (الاثنين) سفينة «يُشتبه في أنها تبحر تحت علم مزيف» و«متورطة» في عمليات «نقل وقود» روسي.

«الشرق الأوسط» (باريس )
خاص مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

أكد مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا يوجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

كفاح زبون (رام الله)
أوروبا عناصر من الشرطة البلدية الفرنسية ينفذون دورية أمام مدرسة «جوزيف لاكانال» الإعدادية في أوباني جنوب فرنسا بعد إصابة مديرها بطلق ناري من بندقية صيد وتوقيف مراهق اليوم (أ.ف.ب)

طالب يطلق النار على مدرّسين ببندقية صيد في الجنوب الفرنسي

قال مسؤول محلي فرنسي إن طالباً في المرحلة الإعدادية أطلق النار باستخدام بندقية صيد فأصاب مدير مدرسة ومعلمة بمدرسة قرب مرسيليا، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (باريس)

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)
TT

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)

خلافاً للموقف المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال العلاقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا لافتاً في تأكيد أنه «مهما بلغت الرغبات» فإن مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمر مستحيل».

وموسكو التي شككت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، وتحدثت عن صعوبة إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ عامين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتحدث باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها أمام استحقاق جديد بعدما بلغت الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية، وأعلن ترمب أنه لا يجد فيه «شخصاً يمكن التعامل معه»، كما تحدث عن حتمية التوصل إلى تسوية نهائية للصراع «من دون زيلينسكي».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وموقف الكرملين لا يبدو معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لذلك وبرغم الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوك زيلينسكي، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة، فإنها في الوقت ذاته لا تبدو متحمسة كثيراً للانقلاب الأميركي الكامل حيال الرجل.

في هذا السياق، قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف إن بلاده تتفق مع ترمب في أن «فولوديمير زيلينسكي غير مستعد لتحمل المسؤولية والسعي إلى تسوية سلمية».

ولكنه أضاف مباشرة: «إن عدم رغبة زيلينسكي في تحمل المسؤولية والسعي إلى تسوية سلمية أمر لا لبس فيه. ونحن نتفق تماماً مع الرئيس ترمب في هذه النقطة، لكن مهما بلغت رغبتنا، فإن مناقشة أي شيء دون مشاركة القيادة الأوكرانية الحالية أمر مستحيل».

يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، خصوصاً على خلفية ارتفاع حدة اللهجة ضد زيلينسكي ولغة الشماتة التي برزت في اليومين الماضيين في وسائل الإعلام الحكومية، وعلى ألسنة مسؤولين بارزين، مثل نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مديفيديف الذي وصف زيلينسكي بـ«الجرذ الذي عض يد صاحبه بعد كل المساعدات التي قدمت إليه».

لكن هذا الالتباس يخفي فهماً روسياً أعمق وأكثر تحديداً للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية، من الفهم الأميركي. وهنا تدخل ضرورات التعامل مع زيلينسكي بالنسبة إلى موسكو رغم كل الاعتراضات السابقة عليه.

في هذا السياق، كتب معلق بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمحاط بالضغوط أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

بهذا المعنى فإن الدعوة إلى تجديد الشرعية وإجراء انتخابات رئاسية، وربما برلمانية أيضاً، في أوكرانيا، هي دعوة محقة لأنها تفاقم الضغوط على الرئيس الأوكراني. لكن تنفيذ ذلك واقعياً يحتاج لترتيبات كثيرة؛ بينها إعلان هدنة مؤقتة وإفساح المجال أمام الأوكرانيين للإدلاء بأصواتهم واختيار قيادة جديدة. وهنا مع الرفض الروسي الواضح لفكرة الهدنة التي قد تستخدم لالتقاط الأنفاس وإعادة تزويد الجيش بما يحتاج إليه ومنحه فرصة لترتيب وضعه الدفاعي والهجومي، فإن النتيجة لا تبدو مضمونة. ماذا لو حصل زيلينسكي على تفويض جديد قوي من الشعب الأوكراني؟ سيكون الوضع أصعب بكثير أمام أي تنازلات محتملة لدفع تسوية سياسية.

في هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي. ويكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمل الحرب إذا لزم الأمر. واللافت أنه في مقابل غالبية مستعدة لمواصلة تحمل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً، لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينج» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية لتحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. اللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة إذا جرت الانتخابات بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة. اللافت في كل تلك النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات جرت قبل شهرين، وكذلك نتائج العام الماضي.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

على وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان كييف العاصمة الذين شملهم الاستطلاع؛ 72 في المائة من المستجيبين مستعدون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

واللافت أيضاً أن معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة.

ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر دنيبر».

لكن هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض، فقد أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

إذا أصبحت القضية الإقليمية شرطاً أساسياً للسلام، يعتقد 68 في المائة من الأوكرانيين أن القرار النهائي يجب أن يُتخذ حصرياً في استفتاء شعبي. ويرى 17 في المائة آخرون أن الرئيس يجب أن يتحمل هذه المسؤولية، بينما يرى 9 في المائة أن البرلمان الأوكراني (فيرخوفنا رادا) هو من سيُخول هذه المسألة.

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

وفي العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، فقد دلت الدراسات الحديثة كلها على أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المشهد السياسي في البلاد. ولا يزال زيلينسكي، بالإضافة إلى فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف، (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية)، يتصدرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

المعنى هنا أن الانتخابات لو جرت حالياً أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأكثر حظاً بالفوز ـ أو قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.

وكان لافتاً في استطلاعات سبتمبر أن زالوجني تجاوز زيلينسكي قليلاً بنسب الثقة المتوقعة. لكن المهم أن فوز أي من الرجلين لا يغير كثيراً في المشهد السياسي، بل سوف يبرز قيادة منتخبة قوية تحظى بتأييد واسع لسياساتها.

أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب)

العنصر الثاني المؤثر في هذا السياق هو الموقف الأوروبي. كانت تصريحات عدد من القادة الأوروبيين تجاه الأزمة بين ترمب وزيلينسكي لافتة. وكرر رئيس الوزراء اللاتفي، أندريس كولبيرغس، الخميس، مواقف عدد من السياسيين الأوروبيين، عندما قال إن «أوروبا لا تزال الحليف الوحيد لفولوديمير زيلينسكي في ظل تدهور العلاقات بين كييف وواشنطن». كما تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أهمية تقديم كل أنواع المساعدة العسكرية اللازمة لزيلينسكي.

وذكر موقع «بوليتيكو»، الجمعة، أن بعض قادة الاتحاد الأوروبي قلقون من توتر العلاقات بين زيلينسكي وترمب. مع إشارات إلى تماسك المواقف الأوروبية حيال ضرورة عدم تقديم تنازلات لروسيا وعدم ممارسة ضغوط على القيادة الأوكرانية. في هذا السياق، وصل زيلينسكي، الخميس، إلى بروكسل سعياً للحصول على دعم معزز من حلفائه الأوروبيين المجتمعين في قمة الخميس والجمعة.


إيطاليا تمدد تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا

علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بيكسلز)
علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بيكسلز)
TT

إيطاليا تمدد تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا

علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بيكسلز)
علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بيكسلز)

قال مصدر في الحكومة الإيطالية، ​اليوم الجمعة، إن بلاده مددت لمدة أسبوع آخر تعليقها لاتفاقية «شنغن» الخاصة بالسفر دون تأشيرات عبر الاتحاد الأوروبي ‌مع إسبانيا.

وقال ‌متحدث باسم ​الحكومة ‌الإسبانية إن ​وزيري الداخلية في البلدين سيعملان خلال الأسبوع المقبل على إلغاء إجراءات الرقابة الحدودية، وفقاً لوكالة «رويترز».

ويأتي التمديد الأحدث من جانب إيطاليا تماشياً مع ‌الإجراء المضاد ‌الذي اتخذته ​مدريد، التي ‌مددت مؤخراً تعليقها ‌لاتفاقية «شنغن» مع روما حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول).

وكانت إيطاليا قد ‌علقت لأول مرة اتفاقية «شنغن» مع إسبانيا في 31 يوليو (تموز)، بعد تدفق أكثر من 72 ألف مهاجر عبر الحدود إلى جيب سبتة الواقع شمال المغرب، ثم ​مددت هذا الإجراء مراراً.


السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)
النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)
TT

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)
النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

قضت محكمة بريطانية، اليوم الجمعة، بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة منظمة سويدية مرتبطة بالحكومة الإيرانية.

وأُلقي القبض على يوهانس ناتلاند، البالغ حالياً من العمر 19 عاماً، في غرفة بأحد الفنادق في مدينة هدرسفيلد بشمال إنجلترا في مارس (آذار) 2025، وكان بحوزته سلاحان ناريان وذخيرة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال الادعاء إن ناتلاند جُنّد من قبل شبكة «فوكس تروت»، وهي جماعة جريمة منظمة سويدية تستخدمها الدولة الإيرانية وفرضت عليها كل من بريطانيا والولايات المتحدة عقوبات.

وأقر بحيازة مسدس نصف آلي ومسدس دوّار وذخيرة، لكنه أنكر التآمر على القتل وادعى أنه لم يكن ينوي تنفيذ الخطة.

وأدين الشاب في يوليو (تموز) بعد إعادة المحاكمة، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 20 عاماً من محكمة وولويتش كراون في لندن.

وناتلاند أحدث شاب يَمثُل للمحاكمة في بريطانيا وغيرها في تهم تتعلق بجرائم خطيرة يُعتقد أنه ارتكبها بعد تجنيده عبر الإنترنت مقابل المال، وغالباً ما يكون الشخص المجنّد أداة بالوكالة لدولة أجنبية من دون علمه بذلك بالكامل.