مقاطعة الأسماك في بورسعيد المصرية تثير ردوداً متباينة

سكان المدينة انتقدوا ارتفاع الأسعار رغم تنوع الموارد المائية

محافظة بورسعيد المصرية (الشرق الأوسط)
محافظة بورسعيد المصرية (الشرق الأوسط)
TT

مقاطعة الأسماك في بورسعيد المصرية تثير ردوداً متباينة

محافظة بورسعيد المصرية (الشرق الأوسط)
محافظة بورسعيد المصرية (الشرق الأوسط)

يُعِدّ سكان المدن الساحلية المصرية ومن بينها بورسعيد (شمال شرقي القاهرة)، الأسماك وجبة رئيسية لتنوعها ووفرتها ورخص أسعارها مقارنة ببقية المدن الأخرى، لكن ثمة تغيّرات وأسباباً دفعت بعض سكان مدينة بورسعيد إلى الدعوة لمقاطعة شراء الأسماك لإجبار البائعين على تخفيض الأسعار.

ودشنت صفحات «وغروبات» تابعة لناشطين من بورسعيد دعوات لمقاطعة الأسماك، وهو ما أثار ردوداً متباينة بين مؤيد ومعارض.

واتهم مواطنون من بورسعيد التّجار برفع سعر الأسماك بشكل غير مسبوق رغم تنوع مواردها في المدينة وتعدّد مواسم وفرة كثير من أنواعها.

ووفق محمد كمال، مصور فوتوغرافي في بورسعيد، وأحد الناشطين المهتمين بتراث المدينة، فإن «ارتفاع أسعار الإيجارات في سوق الأسماك الجديدة وسحب موجة غلاء أسعار المنتجات الأخرى على الأسماك وإقبال زائري المدينة من خارج المحافظة على شرائها، كلها أمور أسهمت في ارتفاع أسعار الأسماك بالمدينة، ما دفع الأهالي إلى تدشين حملات المقاطعة».

سوق أسماك بورسعيد (صفحة «السوق الجديد ببورسعيد» على «فيسبوك»)

وفي حين يعوّل المواطنون على استجابة التجار لحملة المقاطعة وشراء ما يحتاجونه من سوق منطقة علي بن أي طالب في حي الزهور بالمدينة، المعروفة برخص أسعارها مقارنة بالأسواق الحضرية الجديدة، يراهن كبار تجار الأسماك على زائري المدينة من المحافظات الأخرى والذين يُقبلون على شراء الأسماك من السوق الجديدة، خصوصاً في أيام الخميس والجمعة والسبت، حسب كمال، الذي يضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «ارتفاع أسعار الأسماك في الآونة الأخيرة أثار غضب سكان المدينة التي تُعدّ شبه جزيرة، إذ يحدها من الشمال البحر المتوسط ومن الشرق مجرى قناة السويس ومن الجنوب والغرب بحيرة المنزلة»، موضحاً أن «سكان المدينة لم يشعروا بتحسن في الأسعار رغم افتتاح مزارع سمكية جديدة بقناة السويس».

وتداول متابعون صوراً للسوق الجديدة وهي تشهد إقبالاً ضعيفاً من المشترين، للإشارة إلى انخفاض الأسعار استجابة للحملة.

السوق الجديدة ببورسعيد (صفحة «السوق الجديد ببورسعيد» على «فيسبوك»)

وقال وسام الصفتي، صاحب دعوة مقاطعة شراء الأسماك في بورسعيد، إن المقاطعة بدأت الأحد وستستمر لمدة أسبوع كامل، مضيفاً أن «كيلو الشبّار وصل سعره في الأسواق إلى 200 جنيه مصري»، مشيراً إلى أن المواطن البسيط في بورسعيد يعيش على تناول الأسماك ولا يتحمل ارتفاع أسعارها.

في المقابل، قال عبده رضوان رئيس شعبة الأسماك في بورسعيد وعضو مجلس إدارة الغرفة التجارية، إن هناك عوامل عدّة ترتبط بالسعر؛ منها أسعار الوقود لمراكب الصيد، وكذا وقود السيارات التي تنقل الأسماك إلى الأسواق وعدد العمالة التي تمتهن المهنة سواء من الصيادين أو البائعين، وكلٌ منهم مسؤول عن أسرٍ ويبحث عن سدّ احتياجاتهم من المستلزمات الأخرى.

وشدّد رضوان في تصريحات صحافية على «ضرورة تخفيض أسعار المنتجات الغذائية الأخرى على غرار اللحوم الحمراء والدواجن وعدم قصر الأمر على الأسماك»، متسائلاً: «كيف يبيع تاجر السمك بهامش ربح صغير وغيره من تجار السّلع الأخرى يحققون مكاسب كبيرة؟».

وأكد رضوان انعقاد اجتماع طارئ لأعضاء الشعبة لبحث تداعيات إعلان أهالي بورسعيد مقاطعة شراء الأسماك لمدة أسبوع.

وتتضمن أسواق الأسماك في بورسعيد أنواعاً كثيرة من بينها «البلطي والبوري والشبّار والماكريل وقشر البياض والدنيس والقاروص واللوت وموسى بجانب الجمبري».

إقبال كبير على السوق قبل حملة المقاطعة (صفحة «السوق الجديد ببورسعيد» على «فيسبوك»)

ووفق صلاح الدين مصيلحي، رئيس جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، فقد شهدت مصر قفزة قوية في إنتاج الأسماك خلال عام 2023، حيث بلغ إجمالي ما أُنتج نحو مليوني طن، منها 1.6 مليون طن من الاستزراع السمكي، بنسبة 80 في المائة، و400 ألف طنّ من المصائد الطبيعية في البحيرات والبحرين الأبيض والأحمر ونهر النيل.

وتطلّ مصر على السواحل البحرية بطول آلاف الكيلومترات، وتضمّ عدداً كبيراً من موانئ الصيد في المدن الساحلية.

ونفّذت مصر خلال السنوات الماضية مشروعاً قومياً طموحاً لزيادة إنتاج الأسماك، حيث دُشّنت مشروعات «بركة غليون»، و«مثلث الديبة»، و«شرق التفريعة»، و«شركة قناة السويس».

وفي حين يرى نشطاء أن تلك المشروعات لم تسهم في انخفاض الأسعار، فإن الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع يشدّد على أن النظرة إلى تلك المشروعات بوصفها عاملاً رئيسياً في انخفاض الأسعار قد تكون سطحية، مضيفاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأسماك تُعدّ من السلع البديلة التي قد يلجأ إليها المواطنون في حال ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء، وبالتالي زيادة سعرها متأثرة بزيادة الطّلب عليها وبحالة الغلاء في مصر بشكل عام».

البوري والبلطي والدنيس والجمبري من أشهر الأنواع ببورسعيد (صفحة «السوق الجديد ببورسعيد» على «فيسبوك»)

وفرّق نافع بين حملات المقاطعة التي تهدف إلى تخفيف الاستهلاك من أجل ضبط الأسعار، وحملات المقاطعة التي تهدف إلى إلحاق العقوبات، عادّاً أن النوع الأول يكون مفيداً أكثر لأن العقوبة تلحق الضرر بالعاملين المحليين والبائعين البسطاء.

وبلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من الأسماك في مصر 88 في المائة، ومن المتوقع أن يصل حجم إنتاج الأسماك في مصر إلى 3 ملايين طنّ خلال عام 2030، وفق مصيلحي الذي أضاف في تصريحات لوسائل إعلام محلية في فبراير (شباط) الماضي، أن «كمية صادرات مصر من الأسماك بلغت 29 ألف طنّ، في حين بلغت كمية الأسماك المستوردة نحو 373 ألف طن حسب إحصاء عام 2021».



بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
TT

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)

«مجموعة أسطورية»، هكذا عدَّ أحد خبراء الفن الانطباعي المجموعةَ التي أعلنت دار سوذبيز عن بيعها وقدرت لها مبلغاً يقارب نصف مليار دولار. المجموعة تضم اثني عشر عملاً فنياً من المدرسة الانطباعية وما بعد الانطباعية ظلت بعيدة عن الأنظار لعقود داخل مجموعة خاصة شهيرة في أميركا الجنوبية، بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وأعلنت دار «سوذبيز» للمزادات أنه من المتوقع أن تسجل أعمال لفنسنت فان جوخ وبول سيزان أرقاماً قياسية لهذين الفنانين خلال المزاد المقررة إقامته في نيويورك يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني). وفي حال تحقق ذلك، فسيكون مؤشراً جديداً على أن جامعي الأعمال الفنية يسعون - في ظل الأوقات التي تتسم بعدم اليقين - إلى إيجاد ملاذ آمن لاستثماراتهم في روائع الفن.

لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» لفان جوخ تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار (سوذبيز)

تأتي هذه اللوحات من مجموعة الراحلة الأرجنتينية «نيلي أرييتا دي بلاكير» وزوجها «كارلوس بيدرو بلاكير» - قطب صناعة السكر - ويقوم أبناؤهما حالياً ببيعها. وتشمل المجموعة لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» (Châtaigniers en fleurs) لفان جوخ، والتي تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار، ولوحة «هارلكين» (Arlequin) لسيزان، التي تبلغ قيمتها التقديرية 120 مليون دولار؛ علماً بأن أياً من هاتين اللوحتين لم تُعرض أمام الجمهور منذ نصف قرن.

ووصفت هيلينا نيومان، رئيسة قسم الفن الانطباعي والحديث في «سوذبيز»، المجموعة بأنها أشبه بـ«متحف أورسي مصغر»؛ في إشارة إلى المتحف الباريسي الذي يضم واحدة من أعظم مجموعات الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي في العالم.

وقالت نيومان: «خلال مسيرتي المهنية التي امتدت لأكثر من 30 عاماً في دار سوذبيز، لم أحظَ قط بشرف التعامل مع مجموعة بهذا المستوى من الجودة والقيمة الفنية».

وأشارت نيومان إلى أن لوحة فان جوخ التي تصور أشجار الكستناء المزهرة تجسد «انفجار الطاقة والحيوية» الذي شعر به الفنان عقب خروجه من المصحة النفسية في مايو (أيار) 1890، قبل أن يضع حداً لحياته بعد ذلك بشهرين. أما لوحة سيزان (هارلكين)، فهي واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه وهو يرتدي زي شخصية «هارلكين» (المهرج)، في حين توجد اللوحات الثلاث الأخرى في متاحف كبرى.

لوحة بول سيزان (هارلكين) المعروضة في المزاد واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه (إ.ب.أ)

وتضم المجموعة أيضاً لوحات لمناظر مدينة باريس بريشة كلود مونيه وكاميل بيسارو، ولوحة لسباق خيول لإدغار ديغا، ومشهداً لركوب القوارب لبيير أوغست رينوار؛ وتبلغ قيمة هذه الأعمال جميعها عشرات الملايين من الدولارات.

وقال خبير الفنون فيليب هوك، وهو مُنظِّم مزادات سابق في دار «سوذبيز»، إن هذه المجموعة «تُعدّ بالفعل أسطورية»، نظراً لأن مقتنيها لم يعيروا هذه الأعمال للمشاركة في أي معارض. وأضاف هوك: «لم يكن أحد يعلم حقيقة ما تحتويه المجموعة؛ لذا فإن الكشف عنها الآن يمثل أمراً مثيراً للغاية».

وتابع قائلاً: «لقد نجحوا في تكوين مجموعة تركز بذكاء شديد على اقتناء عمل فني واحد يمثل كل اسم من الأسماء البارزة (في الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي)، وهو أمر بالغ الصعوبة؛ لقد حققوا ذلك بأسلوب رائع ونجاح باهر».

لوحة رينوار «فتاة صغيرة في قارب» (سوذبيز)

وأشارت نيومان إلى أن عملية البيع ستجذب على الأرجح اهتماماً عالمياً؛ إذ تتراوح قائمة المشترين المحتملين بين أثرياء قطاع التكنولوجيا الأميركيين ومؤسسات مرموقة في الشرق الأوسط، فضلاً عن هواة جمع الأعمال الفنية الأثرياء من أميركا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وقالت: «في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي السائدة، يبدو الأمر وكأن هناك عودة للأعمال الفنية الراسخة والموثوقة والمُختبرة عبر الزمن»، والتي تُعد «عظيمة بلا منازع». وأضاف: «إن هذه المجموعة الانطباعية - التي تضاهي في جودتها مقتنيات المتاحف - تُعد نادرة للغاية».


بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
TT

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان خلال أحد أشهر مواسم مسيرته المهنية في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد على الإطلاق، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وارتدى جوردان هذا القميص الأبيض، المصنوع من نسيج شبكي والمُزين برقمه الشهير «23»، خلال المباراة الثالثة من سلسلة نهائيات «الدوري الأميركي للمحترفين (NBA)» عام 1998.

وقد مثلت تلك الفترة ختام مسيرة جوردان مع فريق «شيكاغو بولز»، وهي الحقبة التي عُرفت باسم «الرقصة الأخيرة» أو «The Last Dance»، ووُثقت في سلسلة وثائقية تحمل الاسم نفسه أنتجتها شبكتا «إي إس بي إن» و«نتفليكس» عام 2020.

وخلال تلك المباراة الحاسمة ضد فريق «يوتا جاز»، قدم جوردان أداءً مذهلاً أمام جماهير فريقه؛ مما أسهم في تحويل مسار «شيكاغو بولز» خلال البطولة، والفوز بلقبه الـ6 في غضون 8 مواسم.

ويُعدّ هذا القميص القطعة الوحيدة من بين القمصان البيضاء التي ارتداها جوردان في مباريات حاسمة خلال نهائيات 1998 التي تُعرض للبيع؛ مما يجعله قطعة تذكارية نادرة للغاية، وذلك وفقاً لدار المزادات الإلكترونية «جوبيتر» التي نظمت عملية البيع.

وبهذا البيع أصبح القميص الأغلى في تاريخ مزادات قمصان كرة السلة، محطماً الرقم القياسي السابق الذي سجله قميص آخر لجوردان كان قد ارتداه في المباراة الأولى من السلسلة النهائية ذاتها.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت سابقاً بأن القميص الأحمر اللون الذي ارتداه جوردان في المواجهة التي خسرها «شيكاغو بولز» قد بيع عام 2022 مقابل 10.1 مليون دولار.

ويحمل قميص أسطورة «كرة القاعدة (البيسبول)» الأميركية، بيب روث، الرقم القياسي الحالي لأغلى قطعة تذكارية رياضية بيعت على الإطلاق، حيث بيع مقابل 24.12 مليون دولار عام 2024. وارتدى روث هذا القميص خلال بطولة العالم للبيسبول عام 1932.


ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.