ما لم يحدث وإمكانية فتح الأقواس في نهاية «خيوط المعازيب»

الدراما مثل الرواية والفيلم تشتغل كالمجاز المرسل

مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)
مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)
TT

ما لم يحدث وإمكانية فتح الأقواس في نهاية «خيوط المعازيب»

مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)
مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)

ينتهي المسلسل السعودي «خيوط المعازيب» بتحقّق «العدالة الشعرية»، بانتصار الخير على الشر؛ فالشرير أبو عيسى (عبد المحسن النمر) يلقى حتفه غرقاً في العين مقيّد اليدين والقدمين، وتُلقي الشرطة القبض على الجاني أبو أحمد (سعيد قريش)، ويمتلئ الجزء الأخير من الحلقة الأخيرة بالعرضة والغناء احتفالاً بعيد الأضحى، وبلحظات التسامح والتصالح بين الأصدقاء وطي صفحات الماضي.

⁨يتناول المسلسل منطقة الأحساء في حقبة الستينات من القرن الماضي (الشرق الأوسط)⁩

لم تَرُق هذه النهاية للبعض، كما يظهر في التعليقات والكتابات في وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما يدلّ على انتظارهم نهاية مختلفة، أو مفتوحة، ولكن خابت توقعاتهم؛ إذ كان لصانعي المسلسل وجهة نظر مختلفة تجسدت في إنهائه بخاتمة، بحل وإخماد بؤر الصراع والتوترات.

كتب وزير الثقافة والإعلام الأسبق إياد مدني، في «إكس»، مُعَلِّقاً على النهاية: «وجاء المشهد الأخير تقريرياً مُقحماً. وانتهى السيناريو سعيداً مفرحاً، فقد انهزم الأشرار وانتصر الأخيار وحُلَّت العُقد». وكتب الدكتور حسن مدن في مقالته الموسومة بـ«خيوط المعازيب» المنشورة في («التقدمي» - 14/ 4/ 2024): «بدا لنا أن ما نريد تسميته (إغلاق الأقواس) في الحلقة الأخيرة من المسلسل بنهاياتٍ (سعيدة) لمسارات التناقض والصراع في أحداث المسلسل وبين شخصيّاته، مُفْتَعلاً، وربما كان الأفضل إبقاء تلك الأقواس مفتوحة، تمهيداً لعملٍ متمّم».

لا يختلف رأيي في نهاية المسلسل عن موقفَي الوزير والدكتور، كنت مثلهما أنتظر نهاية مختلفة مفتوحة تدعو المشاهدين إلى تخيّل نهايات للمسلسل. لكنني لا أرى أن انتهاء المسلسل بإغلاق/ قفلة، يمنع صنع جزءٍ ثانٍ. أعتقد لو أن صانعيه أرادوا إنهاءه بما يمهد لتتمة، لفعلوا ذلك وبسهولة، مع إبقاء جزء العرضة والغناء من الحلقة. على سبيل المثال، بدفع عودة شيخة (مريم حسين) إلى ما بعد مشاهد الاحتفال بالعيد والغناء، وإنهاء الحلقة بدخولها بيت أبو عيسى أو حتى بوقوفها في المدخل. سيكون وقوفها نهاية مشوقة وموحية بتتمة.

مريم حسين في مشهد من العمل (الشرق الأوسط)⁩

مما قد يحدث في الجزء الثاني بعد عودة شيخة:

تعود شيخة إلى البيت الذي غادرته مُكرهة تفادياً لطلاقها، بعد أن رأت أنه لم يعد بيتها، ولم تعد السيدة فيه كما كانت قبل أن تدخله بدرية (ريم إرحمة) زوجة ثالثة لأبو عيسى. وزاد الطين بِلَّة تفضيل أبو عيسى لزوجته الأخرى مريوم (دانة آل سالم) على شيخة بعد أن ساءت العلاقة بينه وبين بدرية. فما أتخيل حدوثه هو سعي شيخة، في اللحظات الأولى بعد عودتها، إلى بسط سيطرتها على البيت، واسترداد مكانتها. لن تواجه في تحقيق هدفها أي صعوبة، فمريوم ضعيفة ومهيضة الجناح (حتى هذه اللحظة)، ولا تستطيع الوقوف في وجه شيخة المدعومة من ابن أختها عيسى (ياسر عماد). ولن يطمئن قلبها قبل أن تخطف «المرتعشة» من مريوم.

وربما يكون الاستيلاء عليها أول شيء تقوم به. شيخة لن تشعر بأنها «شيخة البيت»، قبل أن ترتعش «المرتعشة» المشهورة على صدرها.

المثير أن لـ«مرتعشة» أبو عيسى حياة، وحكاية خاصة؛ حكاية انتقالات وتغيرات في وظائفها ودلالتها. فبانتزاع شيخة للمرتعشة من مريوم، يكون صدرها «المكان» الذي تنبسط المرتعشة فيه وتخطف الأنظار إليها لأول مرة منذ اشتراها أبو عيسى لبدرية.

اشترى أبو عيسى «المرتعشة» لبدرية غطاءً لكذبته؛ بأن رحلته إلى البحرين للبحث عن ابنها فرحان (محمد عبد الخالق) باءت بالفشل، بينما هو لم يسافر لأبعد من الدمام. وعاد إليها بالمرتعشة ليغطي بها كذبته، ويغطي بها صدرها، لتكون، في الآن نفسه، رمزاً ودليلاً على حبه وتفضيله إياها، ودالة على ثرائه، ومثيرة لغيرة النساء الأخريات. ثم تحوّلت القلادة الذهبية الكبيرة إلى أداة لعقاب بدرية، عندما انتزعها أبو عيسى منها بعد اكتشافه محاولتها تسميمه وقتله، فانتهى المطاف بـ«مرتعشة أبو عيسى» على صدر مريوم، التي ارتفعت مكانتها، ما أثار غضب شيخة. سيكون صدر شيخة، في حال انتزاع «المرتعشة» من مريوم، المرفأ الأخير الذي طال انتظاره لرسوّها واستيلائها عليه.

يُعرف المسلسل ملامح الحياة الاجتماعية الأحسائية القديمة في العمل (الشرق الأوسط)

شيخة ترمي بتفاحة الخلاف في بيت أبو عيسى وخارجه

ثمة تشابه، إلى حد ما، في شخصيتي أبو عيسى وشيخة، في تجاور الحب والكره، والخير والشر، والنزعة التآمرية، وحب السيطرة. أبو عيسى جشعٌ وقاسٍ ومستبدٌ في الخارج، وفي بيته أبٌ محبٌ وحنون، وزوج محبٌ، خصوصاً لزوجته الأولى أم عيسى، ولبدرية، قبل أن يقلبَ عليها ظهر المجن. أما شيخة، فقد دفعها حبها لابن وابنة أختها وحرصها عليهما إلى الزواج من أبو عيسى.

أعتقد أن بعض الشر الذي غادر البيت وخلت «الديرة» منه بموت أبو عيسى سيعود متجسّداً في شيخة، وستكون مريوم أولى ضحاياه المحتمَلين؛ فمع وجودها وشيخة تحت سقف واحد ستجد مريوم نفسها خادمة لضرتها الأولى مثلما كانت من قبل. الشر لا يموت ولا ينتهي من العالم، وشيخة امرأة يلتقي فيها النزوع للشر والغيرة والشعور بالظلم لاعتقادها أنها لم تنل من «أبو عيسى» التقدير الذي تستحقه، رغم أن العلاقة بينهما لا يمكن وصفها بالعلاقة الزوجية العادية، أو بأنها قائمة على المودة بينهما، وهي التي أبقت باب حجرتها موصداً في وجهه منذ أن تزوجته.

ومن المحتمل أن ترمي شيخة تفاحة الخلاف بين عيسى وزوجة أبيه مريوم حول توزيع ميراث الأب، وبينه وبين بدرية التي ستُطالب بنصيب ابنتها من الميراث؛ ما قد يؤدي إلى تفجير خلاف بين عيسى وفرحان الذي من الطبيعي أن يَهُبَّ إلى مؤازرة أمه التي يرى أن «أبو عيسى» اضطهدها وظلمها، ولم تحصل منه إلاّ على البيت الخرابة. وقد تُحَرِّضُ شيخة ابن أختها على ملاحقة مَن سرقوا ثروة أبيه، ما يؤدي إلى اندلاع صراعات جديدة. وكان لذلك سابقة في تحريضها لعيسى وشقيقته فاطمة (إرم فيصل) على أبيهما، ومطالبته بنقل ملكية البيت إليهما.

مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)

لكن وبينما أنا أكتب هذا السيناريو، أدركُ أنه غير ملائم، لأسباب، أهمها أنه يُكرّر ويبعث توترات وصراعات قديمة، والتكرار يُوَلِّد الرتابة، ويخفضُ مستوى إلا بداع والإمتاع. ولا يُميّز هذا السيناريو سوى عرضه الشر بوجه أنثى (شيخة)، بالإضافة إلى تقديم بيت أبو عيسى كصندوق باندورا مصدَرَ كل الشرور، بينما الشر في كل مكان وزمان، وحتى في كل شخص، يشتبك في صراع مع نقيضه الخير.

إن إغلاق الأقواس لن يمنع صنع جزءٍ ثان، ولا أشك في أن صانعي المسلسل قادرون على فتحها، ربما بسهولة إزاحة مشهد عودة شيخة إلى نهاية الحلقة الأخيرة، لو أرادوا أو فكروا في ذلك. فإن لم يكن لديهم أي مفتاح الآن لمعالجة الأقواس التي أغلقوها بالنهايات السعيدة كما يقول د. مدن، فأمامهم ما يكفي من الوقت لصنع مفاتيح وابتكار حلول تمكّنهم من وَصْلِ المتأخر بالمتقدم، وبأكثر من طريقة.

يركز العمل على علاقة الأبناء بالآباء قديماً (الشرق الأوسط)

الدقة التاريخية والمقاربة المجازية للمكان

«خيوط المعازيب» (دراما فترة)، التفاتة إلى الوراء جميلة وممتعة «صمّغَت» عيون الكثيرين عبر العالم العربي بالشاشة الصغيرة. دراما تصوّر أجواء الحياة في الأحساء في ستينات القرن العشرين، يتجلى في حلقاتها اهتمامٌ كبير بالمكان، أفضى إلى انفراده بالبطولة في المسلسل كما ذكر الناقد محمد العباس، أو إلى طغيانه على عناصر أخرى، مثل بناء الشخصيات وتطويرها، حسب الأديبة والسيناريست الكويتية منى الشمري. طغيان المكان ناشئ، كما يبدو، عن الحرص على مطابقة الصورة للواقع ومحاولة نسخه/ استنساخه بدلاً من استحضاره وبعثه. كان يمكن تصوير المكان واستحضاره بأسلوب المجاز المرسل، حيث الجزء يرمز أو يعبّر عن الكل أو العكس، والقليل عن الكثير، وبأقل عدد من ملامح ومفردات الثقافة والبيئة الأحسائية آنذاك، وتركُ المشاهد ليشارك في إكمال صورة المكان معتمداً على ذاكرته أو مخيلته، أو عليهما معاً. أعتقد أن الدراما (مثل الرواية والفيلم) تشتغل كالمجاز المرسل في مقاربتها واستحضارها الأحداث التاريخية والأمكنة بموجوداتها، بدرجة عالية من والاختيار والانتقاء، حتى لو نجم عن ذلك تجاهل أحداث كبيرة في الحقبة التاريخية التي تعود إليها. يُحسب لـ«خيوط المعازيب»، عدم التفاته إلى الأحداث الكبيرة في المنطقة لأنها خارج دائرة الاهتمام، وليس لها تأثير على مجرى الأحداث. من ناحية أخرى، أتمنى لو أن صانعي المسلسل لم يُغرقوا العمل بفائض من الأشياء والتفاصيل التي جعلت المكان يظهر في «صورة متحفية»، كما علَق الناقد عيد الناصر.

سيكون الجزء الثاني، إن جاء، أفضل، وخالياً من المفارقات التاريخية ونقاط الضعف التي أشرت وأشار إليها آخرون. ومثل سابقه، سيوفر «خيوط المعازيب - 2» فرصة مشاهدة ممتعة، وسَيُلْصِقُ عيوناً كثيرة بالشاشات الصغيرة.


مقالات ذات صلة

«الشجرة الوحيدة» في ويلز... نجمة «إنستغرام» مهدَّدة بالاختفاء

يوميات الشرق تقف وحدها كأنها تعرف أن الزمن ليس في صفّها (غيتي)

«الشجرة الوحيدة» في ويلز... نجمة «إنستغرام» مهدَّدة بالاختفاء

قد يكون الوقت المتبقي لنجومية ما تُعرف بـ«الشجرة الوحيدة» على موقع «إنستغرام» قد أوشك على الانتهاء...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)

انتفاضة نسائية متوقعة بفرنسا للمساواة في الأجور

بداية من حزيران (يونيو) المقبل، سيكون على المؤسسات الفرنسية الالتزام بتعليمات الإدارة الأوروبية للشفافية. وبناءً عليه، يمكن للعاملات والموظفات في فرنسا مقارنة…

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق نفوق الشمبانزي التي قرأت الأرقام ورسمت العالم (غيتي)

وداعاً «الشمبانزي العبقرية» التي تعلَّمت العدّ والرسم

نفقت أنثى الشمبانزي المولودة في غرب أفريقيا، والتي كانت تستطيع التعرُّف إلى أكثر من 100 رمز صيني، إضافة إلى الأبجدية الإنجليزية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق صورة للتطبيق نشرتها شركة «مون سكيب تكنولوجيز» المطورة له

«هل أنت ميت؟»... تطبيق صيني للاطمئنان على من يعيشون بمفردهم

انتشر في الصين على نطاق واسع تطبيق جديد يحمل اسماً مقلقاً، وهو «هل أنت ميت»، ويعتمد على فكرة بسيطة لكنها مثيرة للجدل، وهي دعم الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق رواد الفضاء الأربعة سيعودون إلى الأرض (أ.ف.ب)

«ناسا» تعيد طاقماً من محطتها الفضائية بسبب مشكلة صحية

أعلنت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) أن أربعة رواد فضاء سيعودون إلى الأرض من محطة الفضاء الدولية قبل أكثر من شهر من الموعد المقرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
TT

المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)

يتوافد آلاف المصريين على محيط مسجد السيدة زينب، وسط القاهرة، لإحياء الليلة الكبيرة، الثلاثاء الموافق 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، قادمين من أماكن متفرقة على مستوى الجمهورية، بعد أسبوع من الاحتفالات التي أقامها زوار المسجد وبعض الطرق الصوفية في محيطه.

اعتاد طارق محمد (42 عاماً)، مهندس كمبيوتر حر، أن يحضر مولد السيدة زينب كل عام مع أصدقائه، حيث يستمتعون بحلقات الذكر والأناشيد الدينية وحلقات الصوفية والسوق المفتوح للسلع المختلفة في محيط المسجد، فضلاً عن الأجواء المبهجة الموجودة في المولد، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط»

مضيفاً أنه عادة ما يسعى لحضور المولد للاستمتاع بالأجواء الروحية الموجودة به، وكذلك للاستماع إلى حلقات الذكر والأناشيد والابتهالات المتنوعة التي تقيمها الطرق الصوفية في أماكن متفرقة بمحيط المسجد، كما يحضر أحياناً بعض الألعاب أو الحلوى لأطفاله.

ويُعبر المصريون من فئات متنوعة عن محبتهم للسيدة زينب، حفيدة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، بطرق شتى، وأطلقوا عليها العديد من الألقاب، مثل «رئيسة الديوان» و«أم العواجز» و«المشيرة» و«نصيرة الضعفاء»، يذهبون إلى مولدها في مسجدها الأثري العتيق.

الأضواء تحيط مسجد السيدة زينب في المولد (فيسبوك)

وعدّ الشيخ شهاب الدين الأزهري، المنتمي للطريقة الصوفية الشاذلية، موالد الصالحين وأهل البيت «مظاهرة حب لآل البيت، خصوصاً مولد الحسين ومولد السيدة زينب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها «مناسبة لاجتماع المصريين في مثل هذه الأيام في حلقات الذكر والتسابيح والعبادة والإطعام. والمصريون يتلهفون على الزيارة للعظة، ومن أجل المودة، ومن لا يستطيع زيارة النبي يزوره في أهل بيته، وفي الموالد جمع من العلماء يعلمون الناس كيفية الزيارة، وسيرة المحتفى في المولد».

ولفت الأزهري إلى أن «مصر بها نحو 40 فرداً من آل البيت، على رأسهم السيدة زينب وسيدنا الحسين، وربما يعود الاحتفال الشعبي الكبير في مولد السيدة زينب تحديداً للاعتقاد السائد بأن مصر محروسة ومحفوظة ببركة دعاء آل البيت لها، خصوصاً السيدة زينب التي دعت لمصر دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله، نصرتمونا نصركم الله)».

وتزخر مصر بالعديد من الموالد الشهيرة التي يزورها الآلاف، ووصل العدد في مولد السيد البدوي في طنطا (دلتا مصر) إلى نحو مليوني زائر، وهناك أيضاً مولد الحسين ومولد فاطمة النبوية ومولد السيدة نفيسة من آل البيت.

وترى أستاذة علم الاجتماع، الدكتورة هدى زكريا، أن «الموالد فرصة لتحقق الشخصية المصرية حالة من الذوبان الروحي في هذا الزخم الشعبي، فهذه الاحتفالات لا تأخذ طابعاً دينياً بقدر ما تحمل طابعاً اجتماعياً، ويحضرها المسلمون والمسيحيون، تماماً كما نجد في موالد العذراء مسلمين ومسيحيين جنباً إلى جنب».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «السيدة زينب وحدها حالة خاصة، لأنها عانت بشدة حين قتل جنود يزيد بن معاوية أخويها، وحين خيّرها يزيد أن تسافر إلى أي بلد، اختارت مصر، واحتفى بها جموع المصريين، وقالت فيهم دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله أكرمتمونا أكرمك الله)، وحتى اليوم يعتبر المصريون أنفسهم أخذوا بركة دعاء السيدة زينب».

ولدت السيدة زينب في السنة السادسة للهجرة بالمدينة المنورة، سمّاها النبي (صلى الله عليه وسلم) زينب إحياء لذكرى خالتها زينب التي توفيت في السنة الثانية للهجرة، وقد نشأت في رعاية جدها (صلى الله عليه وسلم) حتى انتقل إلى جوار ربه تعالى، ثم رحلت أمها السيدة فاطمة الزهراء أيضاً بعد 6 أشهر، وقد أوصتها أمها وهي على فراش الموت بأخويها (الحسن والحسين) بأن ترعاهما، فكانت تلقب بعقيلة بني هاشم، وقد أحسنت الوصية فدافعت عن أبناء أخيها الحسين بعد كربلاء، إذا سافرت إلى مصر، وقضت فيها فترة حتى توفيت فيها عام 62 هجرية.

وأشارت أستاذة علم الاجتماع إلى أن «الروح الصوفية المنتشرة في أوساط كثيرة بين المصريين تساعد على إحياء هذه الموالد وبثّ الروح فيها وحالة الذوبان الروحي التي تشهدها، فالطرق الصوفية تعدّ الآلية الدينية الروحية التي جمعت كل الأديان على أرض مصر لتتعايش في سلام ومحبة، وفيها يكمن عمق ونبل ملامح الشخصية المصرية، وهو ما ينعكس بشكل احتفالي في الموالد».


احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
TT

احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)

تنطلق خلال أيام بالقاهرة احتفالات عدة بذكرى مئوية ميلاد المخرج الكبير يوسف شاهين (25 يناير 1926- 27 يوليو 2008) والتي تشهد عرض فيلم وثائقي عنه، وإقامة حفل لموسيقى أفلامه، كما يحتفي به مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية بإصدار طبعة جديدة لكتاب للناقد إبراهيم العريس عنه، وتحتفي به «أفلام مصر العالمية» التي أسسها شاهين، وأنتج من خلالها أفلامه، حيث تقيم احتفالاً بمكتبه في شارع «شامبليون» بوسط القاهرة، كما تواصل ترميم أفلامه وإصدارها في نسخ رقمية جديدة.

وأعلنت قناة «الوثائقية» التابعة للشركة المتحدة عن عرض فيلم وثائقي خلال أيام عبر شاشتها بعنوان «شاهين... ابن النيل» يوثق سيرة يوسف شاهين بصفته أحد أهم صناع السينما في مصر والعالم.

ويستعرض الفيلم رحلة شاهين منذ البدايات الأولى بمدينته الإسكندرية، وشغفه بالفن وسفره لدراسة السينما بأميركا وعودته لمصر لتقديم أول أفلامه «بابا أمين» 1950 الذي انحاز فيه لقيمة الأسرة، ثم فيلمه الثاني «ابن النيل» 1951 الذي حمل رؤية واقعية لأخطار الفيضان على حياة المصريين البسطاء، لتتوالى أفلامه ومن بينها «الناصر صلاح الدين» 1963 كما يتطرق لإصراره بوصفه مفكراً سينمائياً، على مواجهة هزيمة 1967 عبر أفلام «الأرض» 1970، و«العصفور» 1972، كما يتطرق الفيلم لحرص المخرج الراحل على عرض فصول من سيرته الذاتية ومزجها ببعض المحطات التاريخية على غرار «إسكندرية ليه»، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«إسكندرية نيويورك»، ويتحدث بالفيلم حشد من رفاق رحلته من صناع السينما ونجوم الفن والنقاد.

بينما اختار معرض القاهرة الدولي للكتاب أن يحتفي بمئوية شاهين في افتتاح دورته 57 بحفل موسيقي كبير يقام 23 يناير (كانون الثاني) الحالي بمسرح المنارة (شرق القاهرة) في افتتاح استثنائي غير معتاد، ويقود الأوركسترا المايسترو نادر عباسي، ويشارك بها كورال الاتحاد الفيلهرموني لتقديم موسيقى وأغاني أفلام المخرج الكبير.

ويقيم مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية دورته الخامسة عشرة 30 مارس (آذار) - 5 أبريل (نيسان) 2026، تحت عنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، وكشف المهرجان عن ملصق دورته الذي يحمل صورة شاهين والمستوحى من شخصيته وعالمه الديناميكي، حيث يتنقل شاهين في فضاء بصري يجمع معالم بعض الدول الأفريقية ليعكس وحدة القارة وشخصية شاهين التي كانت، ولا تزال رمزاً للحركة والحرية والفكر المتمرد في الفن السابع، بحسب بيان المهرجان.

وقالت عزة الحُسيني مدير مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية إن المهرجان أعَد لاحتفالية ضخمة تليق بمسيرة المخرج الكبير تتضمن ندوات وعروض أفلام بالتعاون مع أفلام مصر العالمية، وبحضور بعض نجوم أفلامه.

ملصق الفيلم الوثائقي عن يوسف شاهين (قناة الوثائقية)

وأضافت الحُسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «المهرجان أيضاً سيقيم معرضاً لأفيشات وصور أفلامه»، واصفة المخرج الراحل بأنه «ليس شخصية فريدة كفنان سينمائي فقط، بل هو مخرج مرموق حظي بتقدير عالمي، وحاز السعفة الذهبية من مهرجان كان عن أفلامه، وقدم أفلاماً كشفت كثيراً من تمرده، علاوة على أفلام عبَّر فيها عن سيرته الذاتية، وهو نسق لم يكن موجوداً في أفلامنا من قبل».

وفي السياق تحتفي شركة أفلام شاهين «مصر العالمية» بمئوية ميلاد يوسف شاهين عبر احتفالات عدة تبدأ من مكتبه بشارع شامبليون بوسط القاهرة الذي شهد مولد أفلامه، وسوف يستقبل في مئويته صناع أفلام ونجوماً شاركوه مسيرته ومخرجين عملوا معه، بتنظيم من ابنة شقيقته المخرجة والمنتجة ماريان خوري.

من جانبه، أكد المنتج السينمائي جابي خوري أن «مئوية يوسف شاهين بها جانب احتفالي في مصر وخارجها، وجانب آخر يُعْنَى بالحفاظ على إرثه السينمائي»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الحفاظ على تراث يوسف شاهين بكل أشكاله».

يوسف شاهين على ملصق الدورة الـ15 لمهرجان الأقصر (مهرجان الأقصر)

ويضيف: «نقوم بتحويل هذا التراث لنسخ ديجيتال حتى يستفيد به الباحثون وصناع الأفلام، بما يتضمنه من سيناريوهات أفلامه، والمقالات التي كُتبت عن أعماله، والكتب التي صدرت عنه، وحواراته، وهذا ما نسعى إليه لنحقق خطوة مهمة هذا العام، إلى جانب ترميم بقية أفلامه».

وكان مهرجان الجونة السينمائي قد احتفى في دورته الماضية بمئوية يوسف شاهين، حيث أقام ديكوراً على شكل قطار على غرار فيلم «باب الحديد» تضمن شاشة كبيرة لعرض بعض أفلامه، كما أقام ندوة موسعة تحدث فيها مخرجون عرب تأثروا بأعمال يوسف شاهين، واحتفى مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ46 بمئوية شاهين بعرض فيلمي «المهاجر» و«الناس والنيل» في نسخ مرممة حديثاً.

وحاز المخرج يوسف شاهين شهرة عالمية، وشارك بأفلامه في مهرجانات دولية، وتم اختيار 12 من أفلامه ضمن أفضل 100 فيلم مصري في استفتاء مهرجان القاهرة السينمائي عام 1996، وأخرج شاهين على مدى مسيرته 39 فيلماً أثار بعضها جدلاً كبيراً، وحازت بعض أفلامه جوائز مهمة، من بينها «الدب الفضي» من مهرجان برلين 1979 عن فيلم «إسكندرية ليه»، و«السعفة الذهبية» لمهرجان كان عن مجمل أعماله، و«التانيت الذهبي» لمهرجان قرطاج 1970 عن فيلم «الاختيار».


«آثار معاصرة»... رؤية جديدة للمعالم التاريخية في معرض قاهري

المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
TT

«آثار معاصرة»... رؤية جديدة للمعالم التاريخية في معرض قاهري

المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)

في أروقة «بيت السناري» الأثري وسط القاهرة، تصطف لوحات وأعمال فنية متنوعة تقدم رؤية معاصرة للآثار القديمة، سواء كانت هذه الآثار مادية أو معنوية أو رمزية، ضمن المعرض الفني «آثار معاصرة» الذي تنظمه مبادرة «وحدات الحياة» بالتعاون مع سفارة النمسا بالقاهرة.

المعرض الذي افتتح في 11 يناير (كانون الثاني) الجاري، ويستمر حتى 24 من الشهر نفسه في المركز الثقافي «بيت السناري» التابع لمكتبة الإسكندرية، ضم أعمالاً متنوعة لـ21 فناناً من 10 دول، هي: مصر والمملكة العربية السعودية والنمسا والولايات المتحدة الأميركية، ورومانيا، والنرويج، وبلجيكا، والهند، وتايوان، وآيرلندا.

ويقدم الفنانون المشاركون أعمالاً تعكس مقاربات معاصرة تنطلق من مرجعيات تراثية وبصرية ممتدة، ضمن رؤية فنية تسعى إلى إعادة طرح العلاقة بين الماضي والحاضر في سياق فني عالمي.

لوحات المعرض تنتمي لأساليب فنية متنوعة (بيت السناري)

ويضم المعرض أعمال كل من: لينا أسامة، مهني ياؤود، فائق رسول، تانيا رشيد، شروق بنت فهد، عبد السلام سالم، أليكس سيجيرمان، أفيجيت موكيرجي، بريت بطرس غالي، كارمين بيترارو، سيسيليا فونج، يوليا موركوف، لين بيشيا، مايكل هايندل، بيتر بلودو، روايري أوبراين، سكايلر سميث، سابينا ديلاهاوت، توم شوانج، وهيروين سينز.

وأوضحت الفنانة لينا أسامة، منسقة المعرض ومؤسسة مبادرة «وحدات الحياة» هي والفنان مهني ياؤود أن المبادرة انطلقت عام 2016 لتنظيم المعارض الدولية، انطلاقاً من إيمانهما المشترك بأن «الفن أفضل وسيلة للتواصل بين الشعوب وتصحيح المفاهيم الخاطئة والتبادل الثقافي والحوار المشترك عبر لغة بصرية تتجسد في المعارض الفنية التي أقيمت تحت عناوين مختلفة وبشكل شبه دوري».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض الحالي في بيت السناري استغرق التحضير له نحو عام ونصف العام، والشريك الرئيسي فيه سفارة النمسا، بالإضافة إلى سفارة رومانيا ومؤسسة المحروسة».

ولفتت إلى أن كل الفنانين جاءوا من حضارات عريقة ومتأثرين بتراث بلدانهم، وجاءت أعمالهم بمثابة إعادة صياغة ومعالجة وتشخيص لهوية تلك البلدان، ويتضمن المعرض تنوعاً لافتاً في الأساليب والتقينات من رسم وتصوير فوتوغرافي ونحت معاصر، و«تكست آرت» وتجهيز في الفراغ لمهني ياؤود ولوحات جدارية لشروق بنت فهد متأثرة بالكثير من التاريخ وتعبر عن الهوية العربية، بالإضافة إلى أعمال الحفر لعبد السلام سالم، وفوتوغرافيا تانيا رشيد، وهي نمساوية عراقية لها أسلوبها الخاص.

وعن المعارض السابقة التي قدمتها المبادرة تقول لينا إن «أول معرض أقيم في 2016 وكان بعنوان (عن الذات والآخر وقصص أخرى) وضم 9 فنانين وسافر إلى النمسا في العام نفسه، وفي السنة التالية نظمنا معرضاً باسم (جينات متوارية) عن الجينات المخفية في البشر والتي تسمح بالتشابه أكثر من المتخيل، وضم هذا المعرض نحو 20 فناناً من جنسيات كثيرة بين مصر وإيطاليا والمغرب وأقيم في مركز الجزيرة للفنون وفي جوتة».

أعمال المعرض تناولت حضور معالم أثرية في حياتنا المعاصرة (بيت السناري)

وفي متحف التراث الأمازيغي في المغرب، نظمت المبادرة معرضاً بعنوان «ابن بطوطة حلم عابر للأوطان» يعتمد على فكرة التجوال والترحال الجغرافي وشارك فيه فنانون من دول مختلفة، ومن مصر شارك عمر الفيومي ومحمد عبلة وأحمد صقر ومن السودان صلاح المر، كما أقامت المبادرة معرضاً في متحف الحضارة المصرية بعنوان «7 درجات من لون البشرة»، شاركت فيها 9 فنانات من دول مختلفة مثل مصر ورومانيا وآيرلندا وموزمبيق وغيرها، كما توضح مؤسسة المبادرة.

افتتاح المعرض في بيت السناري التابع لمكتبة الإسكندرية (بيت السناري)

وبالنسبة للوحة التي شاركت بها في المعرض الأحدث تقول لينا: «نظمنا من قبل معرض ابن بطوطة للترحال عبر الجغرافيا؛ فأعتبر هذا المعرض الجديد (آثار معاصرة) ترحالاً عبر الزمن، ومن هذا المنطلق قدمت عملاً به كثير من الرموز والتكوينات المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة ومحاولة ربطها بالواقع المعاصر عبر فتاتين تقفان بجوار بعضهما البعض وتم تضفير شعرهما في ضفيرة واحدة، مستندة في ذلك إلى الموروث الشعبي وإلى رمزية الياسمين، تلك الشجرة التي تطرح زهوراً كل ليلة، وتسقط هذه الزهور في الصباح ليتجدد الأمر بلا توقف».

إحدى لوحات المعرض (بيت السناري)

وصاحب افتتاح المعرض الفني فقرات موسيقية وغنائية قدمتها كل من لينا عمر التي تسعى إلى توظيف الغناء والعزف على الغيتار وكتابة الأغاني كوسيلة لتحويل المشاعر إلى تعبير فني صادق، يستند إلى حضور أدائي لافت على خشبة المسرح. وفق بيان لـ«بيت السناري» بالقاهرة.

كما قدمت الفنانة بسمة البنداري رؤية موسيقية معاصرة تنطلق من التراث الغنائي المصري، عبر مشروع فني يمزج بين الروح الشرقية وإيقاعات الفلامنكو، من خلال مصاحبة العود للغيتار، في حوار موسيقي مع عازف العود إيهاب زكريا.