العراق.. انتخابات على صفيح ساخن

عنف وإرهاب ومشكلات طائفية.. اقتصاد يتداعى و{داعش} تعزف على أوتارها

العراق.. انتخابات على صفيح ساخن
TT

العراق.. انتخابات على صفيح ساخن

العراق.. انتخابات على صفيح ساخن

على الرغم من تكرار الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية بل وحتى المالية فإن الطبقة السياسية العراقية الحاكمة لا تبدو في حرج مما يجري في البلاد.
لعل السبيل الأسهل للتخلص من الحرج المتزايد هو إما بالانسحاب بل والاعتزال مثلما فعل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر مؤخرا تاركا كتلته البرلمانية والوزارية في أشد أوضاعها حراجة، أو تقاذف كرات الاتهام بين كبار المسؤولين في الحكومة والبرلمان. وإذا كان يحسب لزعيم تيار جماهيري ورجل دين مثل الصدر إعلانه الانسحاب على الرغم من أن أحدا لن يوجه له أي لوم في حال بقي حاضرا في المشهد السياسي لأنه ليس مسؤولا تنفيذيا في الحكومة أو تشريعيا في البرلمان فإنه من النادر أن تجد مسؤولا عراقيا نافذا أعلن مسؤوليته عما يجري أو الاستقالة بسبب فشل أو تهمة فساد.
ما يحصل هو العكس تماما. فالمسؤول عالي المستوى يتحول في نظر مريديه إلى «قائد ضرورة» - وهو اللقب الذي كان يحتكره صدام حسين لأكثر من ثلاثة عقود - حيث لا بديل له. كما أن ما يجري في البلاد من مشكلات وأزمات سببه «أجندات خارجية» تدفع أموالا وتشتري ذمما بمستوى مسؤولين كبار من أجل أن يبقى العراق على حافة الهاوية دائما.
يضاف إلى ذلك أنه حتى في حال تم الكشف عن ملفات فساد بحق هذا المسؤول أو ذاك فإنه إما يجري التستر عليه بهذه الطريقة أو تلك أو تمييع قضيته حتى في القضاء الذي بات وبحسب ما أعلنه رئيس لجنة النزاهة في البرلمان العراقي بهاء الأعرجي بأنه «يتعرض للضغوط من جهات سياسية وهو ما يجعله غير قادر على حسم أكثر الملفات خطورة التي تم نقلها من لجنة النزاهة البرلمانية إلى هيئة النزاهة الحكومية إلى القضاء».
وعلى الرغم من كشف الكثير من القضايا الخطيرة مؤخرا خصوصا على مستوى العجز في الموازنة فضلا عن استمرار الحرب في الأنبار على تنظيم «داعش» واحتمال نقل هذه المعركة إلى محافظات أخرى بعضها لا يقل سخونة عن الأنبار مثل ديالى «شرق بغداد» ونينوى «شمالا» فإن أنظار الجميع تتجه الآن نحو الانتخابات التي لم يعد يفصلنا عنها سوى شهرين ونصف. ومع أن الحملات الانتخابية لم تبدأ بعد فإنها بدأت بطرق وأساليب مختلفة. لكن أهم ما في الأمر أن جميع قادة الكتل والزعامات السياسية يتوجهون إلى الانتخابات وكأن شيئا لم يكن.. لا أزمة سياسية ولا أمنية ولا مالية. وفيما يرفع العراقيون شعار التغيير في الانتخابات المقبلة فإن كبار المسؤولين صادروا حتى هذا الشعار الذي تبنته قوى الحراك المدني الشعبي وقوى التيار الديمقراطي. حيث صار التغيير هو سبيل الكتل الكبيرة وزعاماتها للبقاء في السلطة.
وببساطة فإن مشكلات العراق وأزماته لخصها مؤخرا باحث أميركي زار مدينة النجف (160 كلم جنوب بغداد) التي هي مركز كبار رجال الدين الشيعة والحوزة العلمية. حيث يقول إريك ديفس الباحث وأستاذ العلوم السياسية في جامعة روتجرز الأميركية، المدير السابق لمركز دراسات الشرق الأوسط في الجامعة، إن التفكير السياسي لدى غالبية السياسيين العراقيين «يفتقر» لمشاريع استراتيجية بعيدة المدى. ويقول ديفس إن «اتحاد الأدباء والكتاب في النجف الأشرف استضافني لإلقاء محاضرة عنوانها عراق ما بعد 2003، وهل تتوفر رؤية عامة للدولة؟ وكيف السبيل لبلوغها»، مبينا أن «الوضع في العراق بحاجة إلى المزيد من الدراسة والبحث». ويتابع قائلا إن «هناك صعوبات كثيرة تعترض ظهور رؤية عامة للدولة في العراق ولعل من أبرزها إهمال الوسائل التي تدعم الوعي التاريخي للشعب من جهة وحدته الوطنية»، منوها إلى أنه «كذلك من الصعوبات الافتقار لمشاريع استراتيجية بعيدة المدى في ذهنية التفكير السياسي لدى غالبية السياسيين العراقيين».
ويكشف الباحث الأميركي حقيقة مهمة تعترض نشوء الدولة في العراق وهي «قلة وندرة الاهتمام الكافي بالتوجيه إلى الشباب العراقي ببرامج بعيدة المدى تعيد لديهم الشعور الوطني والتركيز على الهوية الوطنية الجامعة لكل الهويات الفرعية والدينية والقومية والمذهبية». وفيما يسير كل شيء في العراق في مرحلة ما قبل الدولة بسبب نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي أنشئت العملية السياسية الحالية بموجبه بعد عام 2003 فإن هذه العملية وطبقا للسياسيين والمحللين لم تنتج حتى الآن نظام دولة برؤية مؤسساتية قادرة على تخطي الأزمات المحتملة.

* نواقيس الخطر
على نحو مفاجئ دق رئيس لجنة النزاهة في البرلمان العراقي بهاء الأعرجي ناقوس خطر ربما لم يلتفت إليه الكثيرون في العراق حين دعا في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي الحكومة الحالية التي يرأسها نوري المالكي إلى تقديم استقالتها وتشكيل ما سماه «مجلس البحث العلمي لإنقاذ العراق». ومما قاله الأعرجي إن «الدولة اليوم تمر بمرحلة خطيرة جدا والسبب في ذلك يتمثل بسوء إدارة أجهزتها كافة وتصدي غير المهنيين»، مبينا «للأسف هذه الأجهزة تحاول إخفاء الصورة عن الشعب العراقي وأربع محافظات خارجة عن سيطرة الدولة، بالإضافة إلى زج الجيش في معركة الصورة لم تنقل بصورة صحيحة، وكذلك الاقتصاد العراقي مدمر».
وأضاف أن «الاقتصاد العراقي مدمر والاحتياط الموجود في العراق هو 75 مليار دينار»، مبينا أن ذلك «يعني أن عشرة أيام مقبلة من القتال في الأنبار ستنتهي هذه الأموال ولن تكون هناك رواتب للموظفين». واعتبر الأعرجي أن «الحكومة الحالية أصبحت حكومة أزمات وعدم ثقة لكثير من أبناء الشعب».
وفي سياق متصل كشف تقرير أعده المرصد النيابي العراقي أرقاما قد تكون صادمة للمواطن والناخب العراقي وهو يستعد للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة.
التقرير أفاد أن «مجموع عمل مجلس النواب خلال الدورة البرلمانية الحالية (أربع سنوات) بلغ 937 ساعة أي ما يعادل (39) يوما متكاملا أو ما يعادل (134) يوم عمل بمعدل سبع ساعات عمل يوميا، وأن معدل حضور النواب للجلسات في عام 2012 كان 190 نائبا (من مجموع 325) وفي عام 2013 بلغ المعدل 202 فقط، وكان عدد القوانين التي صوت عليها المجلس 203 لغاية نهاية 2013».
النائب المستقل في البرلمان العراقي عزة الشابندر يقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إننا «نواجه اليوم في العراق مشكلات وتحديات وحتى مآزق سياسية وغيرها، ما يمكن أن يدعو أو يبرر القيام بمظاهرات في سبيل إيجاد حلول لها. هناك فساد عام وهناك عدم أمانة على المال العام. وهناك ما هو أبعد من ذلك حيث إننا ما زلنا نواجه خطر الاحتراب الطائفي». ويضيف الشابندر أن «ذلك يتطلب من الجميع سياسيين كانوا أم وسائل إعلام أم منظمات مجتمع مدني العمل بشكل جاد وحقيقي من أجل وقف التدهور في مفاصل كثيرة وبالتالي فإنه لا يليق أن نختزل مشكلات العراق بالتقاعد وامتيازات أصحاب الدرجات الخاصة حيث إن هذا هو شكل آخر من أشكال الفساد لأنه تنصل عن القيام بالواجبات الحقيقية. إننا بحاجة إلى التفكير الجاد في كيفية توفير السكن الملائم والمدارس والخبز لكل الناس لا أن ننظر للأمور بعين واحدة». في سياق متصل يرى عضو البرلمان العراقي عن القائمة الوطنية العراقية حامد المطلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة التي نواجهها هي أن الحكومة لا تعترف بالفشل وهي فضلا عن ذلك تتخبط وبالتالي فإننا أمام أزمة حقيقية على كل الصعد وفي كل المجالات»، مشيرا إلى أن «الحكومة الحالية تتلاعب للأسف بمصائر الناس بهدف إما تأجيل الانتخابات أو إجراء انتخابات عقيمة لا نفع فيها ولا فائدة للمواطن الطامح للتغيير». ويمضي المطلك إلى أبعد من ذلك قائلا إن «الناس ملوا وأصابهم اليأس مما يجري وبالتالي فإن الحكومة تقود العراق إلى المجهول ولن يحصل شيء مهم وكنا قد طالبنا من وقت طويل باستقالتها حتى يمكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه». لكن النائب عن ائتلاف دولة القانون إحسان العوادي يرى في حديثه لـ«الشرق الأوسط» العكس مما يرويه زملاؤه النواب لواقع الحال السياسي والأمني. حيث يقول إن «هناك بالتأكيد فشلا وإخفاقات في جوانب كثيرة ولكن الحكومة ليست وحدها هي من تتحمل ذلك بل إن البرلمان الذي عطل الكثير من القوانين والإجراءات التي تهم المواطن هو من يتحمل السبب لأنه عمل فقط من أجل إسقاط هذه الحكومة». ويضيف العوادي قائلا إن «قانون البنى التحتية مثلا هو واحد من القوانين التي تخدم المواطن ولكن لأنه يمكن أن يحسب لصالح جهة معينة فقد وقف الجميع ضده في البرلمان من أصحاب الأصوات العالية الذين لا هم لهم سوى توجيه اللوم والانتقادات للحكومة مع أنهم شركاء فيها، فلديهم وزراء في الحكومة وبعض وزاراتهم أو كلها لها مساس مباشر بحياة المواطنين، فضلا عن أنهم يحتلون مواقع هامة في الدولة برلمانا وحكومة».

* قتال في قلب بغداد
المفاجآت تأتي دائما من قادة شيعة في ظل التقسيم العرقي والطائفي الذي جعل العراق بلد مكونات بلا هوية وطنية. فبالإضافة إلى ما أعلنه بهاء الأعرجي أحد أبرز قادة التيار الصدري قبل انسحاب زعيمه مقتدى الصدر من الحياة السياسية، فإن أبرز قياديي المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم وأحد أبرز منافسي المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة بعد انتخابات أبريل (نيسان) المقبل باقر جبر الزبيدي دق ناقوس خطر من نوع آخر في ظل استمرار الأزمة الطاحنة التي تواجه فيها الحكومة تنظيمات «داعش» في بعض مدن الأنبار وفي المقدمة منها مدينة الفلوجة. فهذه التنظيمات الإرهابية امتدت نحو صلاح الدين شمالا حيث ناحية سليمان بيك التي سبق لها أن دخلتها الأسبوع الماضي ولا تزال تلك التنظيمات على تخومها على الرغم من إخراجهم منها، كما امتدت جنوبا نحو محافظة بابل حيث أعلن مجلس قضاء المسيب سقوط القضاء عسكريا بيد هذه التنظيمات بعد أن طال قصفهم الأحياء السكنية. الزبيدي وفي بيان له قال «حذرت في السابق قبل أكثر من عامين أن القتال سيكون على أسوار بغداد لكن القتال هذه المرة سيصبح في قلبها فها هي المسيب تسقط بيد المسلحين كما أكد قائممقام المسيب، وستتحول هذه المدينة إلى نموذج سوري، وإذا استمر الأداء الأمني على هذا المستوى فإن الإرهاب سيقضم محيط العاصمة». وفي هذا السياق فإن لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي وعلى لسان أحد أعضائها «شوان محمد طه» عن كتلة التحالف الكردستاني يقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «العراق يعيش أزمة حقيقية والسب المباشر في ذلك أنه ليس هناك إدارة ناجحة لأي ملف من الملفات وفي المقدمة منها الملف الأمني». ويضيف طه قائلا إن «الدول لا تدار بهذه الطريقة التي تدار بها دولتنا حيث عنوان كل الملفات هو الفشل، حيث إن الكتلة التي تتحكم أكثر من سواها بمسار عمل الدولة هي كتلة دولة القانون لديها مشكلات مع الجميع فلديها مشكلة مع الأكراد ومشكلة مع العراقية ومشكلة حتى مع أطراف فاعلة في التحالف الوطني الشيعي»، معتبرا أن «مستقبل العراق يتجه فعلا نحو المجهول»، كاشفا عن «وجود تطابق في وجهات النظر بين الكرد وأطراف أساسية في الساحة السياسية من الشيعة والسنة لتغيير الحكم، علما أن الحكومة تعيش على الأزمات، ويبدو لي أن السيد المالكي ما لم يضمن نجاحه في ولاية ثالثة مائة في المائة فإنه يمكن أن يؤدي بالبلاد إلى كارثة».

* ديمقراطية عرجاء
لم يعد يفصل العراقيين عن التغيير عبر الانتخابات سوى شهرين. وعلى وقع طبول الأزمات ينقسم العراقيون إلى صنفين.. صنف يرى أن التغيير المأمول لا يمكن أن يجري إلا من خلال صناديق الاقتراع. وقسم آخر يرى أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان. المؤشرات الأولية لمستوى المشاركة في الانتخابات المقبلة استنادا إلى استطلاعات رأي قامت بها بعض مؤسسات المجتمع المدني ستكون متدنية إلى حد كبير حيث لا تتجاوز الـ35 في المائة. مؤشرات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لا تفرط في التفاؤل أيضا، حيث إن نسبة تحديث سجل الناخبين متوسطة كما أن مستوى توزيع البطاقة الإلكترونية للناخب ليس بالمستوى المقبول بما يجعل المشاركة تفوق المتوقع. وبينما ينتهي العمر الافتراضي للحكومة والبرلمان في منتصف الشهر السادس من هذا العام فإن هناك أكثر من أزمة طاحنة تتطلب حلولا قبل بلوغ يوم الانتخابات وهي أزمة الأنبار والموازنة والخلاف مع الأكراد. ففي حال لم يجر حل حقيقي لأزمة الأنبار فإن الانتخابات سوف تكون على كف عفريت وتأجيلها قد يفتح الباب أمام احتراب داخلي. وفي حال لم يتمكن البرلمان من إقرار الموازنة فإن الحكومة سوف تواجه مشكلة كبيرة كما يرى نائب محافظ البنك العراقي السابق الدكتور مظهر محمد صالح في حديثه لـ«الشرق الأوسط». وما لم تحل المشكلة مع الأكراد فإنه يصعب إقرار الموازنة. وحسب رؤية الدكتور صالح فإن «المشكلة أن الحكومة تأخذ على الأكراد بيع نفط بقيمة 21 مليار دولار لم تدخل خزينة الدولة وبالتالي فإنها في حال استقطعت حصة إقليم كردستان تحت هذه الذريعة سواء كانت مقبولة أم غير مقبولة فإننا حيال إشكالية وطنية كبرى وهي: ما هو مصير الأكراد.. هل هم جزء من العراق أم لا».
ويضيف نائب محافظ البنك المركزي السابق أن «الحكومة تريد من الإقليم تصدير 400 ألف برميل يضاف إلى الموازنة حيث إن العجز في الموازنة هو عجز مخطط وبالتالي فإن تصدير هذه الكمية يمكن أن يخفف هذا العجز حيث إن مجموع ما تدره هذه من أموال قد يصل إلى نحو 18 مليار دولار وهو ما يخفف كثيرا من العجز المخطط لكن في حال لم يتحقق ذلك يتحول العجز المخطط إلى عجز حقيقي».
هذه الأمور كلها يجملها عضو مجلس الحكم السابق والنائب السابق في البرلمان وائل عبد اللطيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلا إن «الحكومة الحالية وأقصد بها مجلس الوزراء والبرلمان هي نتاج انتخابات غير ديمقراطية (انتخابات عام 2010) حيث إنه بحسابات المقعد الذي أراده المشرع الدستوري فقد جعل نائبا لكل مائة ألف نسمة وبالتالي قسم العراق إلى 325 دائرة انتخابية، حيث إن قائمتين في بغداد (دولة القانون بزعامة المالكي والعراقية بزعامة علاوي) حصلتا على أكثر من 60 عضوا لم ينتخب الشعب منهم سوى 3 شخصيات هم نوري المالكي وإياد علاوي وطارق الهاشمي (محكوم بالإعدام غيابيا حاليا) حيث إن كل النواب الآخرين تم ترحيلهم بأصوات زعمائهم وبالتالي فإن الوزارة عرجاء لأن الديمقراطية التي أنتجتها عرجاء حيث لا وزير دفاع ولا داخلية ولا أمن وطني ولا استخبارات وبالتالي فإننا حيال عملية سياسية بائسة بكل المقاييس».
ويضيف عبد اللطيف إننا «بدأنا نواجه الآن وعلى الرغم من نداءات المرجعيات الدينية وقوى المجتمع المدني بضرورة التغيير نواجه حكومة العائلة ودولة العائلة وبالتالي فإنه ما لم يجر انتخاب طبقة سياسية بديلة تنتج عنها حكومة جديدة قادرة على التعامل مع الملفات الخطيرة والمؤجلة فإننا سوف نذهب إلى الهاوية».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.