بكين غاضبة من قمة بايدن - كيشيدا: شوهت الواقع والحقيقة

تحالف دفاعي بين أميركا واليابان لمواجهة التهديد الصيني

الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الياباني فومويو كيشيدا يتصافحان بعد مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الياباني فومويو كيشيدا يتصافحان بعد مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

بكين غاضبة من قمة بايدن - كيشيدا: شوهت الواقع والحقيقة

الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الياباني فومويو كيشيدا يتصافحان بعد مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الياباني فومويو كيشيدا يتصافحان بعد مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)

أبدت بكين، الخميس، استياءها من القمة التي جمعت في واشنطن الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الياباني فومويو كيشيدا، اللذين أعلنا «أهم شراكة دفاعية» بين بلديهما منذ الحرب الباردة، وقالت إنها تعرّضت «للتشهير والهجوم» خلالها. وكشف بايدن وكيشيدا، الأربعاء، خططاً لإعادة هيكلة القيادة العسكرية الأميركية في اليابان، وهو أكبر تغيير من نوعه منذ ستينات القرن الماضي. وسيعمل الجيشان الأميركي والياباني معا من أجل «توافق عمل القوات العسكرية» في حين تلتزم الولايات المتحدة دعم بعض المشاريع العسكرية اليابانية على المستويين المادي والتكنولوجي. والهدف من ذلك جعل قواتهما أكثر استعدادا في حال حدوث أزمة.

وركّزت قمة بايدن-كيشيدا على تعزيز العلاقات الدفاعية بين البلدين في منطقة المحيط الهادي في مواجهة الصين، وتهدف هذه الخطوة إلى جعل القوات الأميركية واليابانية أكثر استعدادا في حال وجود تهديدات، مثل غزو صيني لتايوان.

الرئيس الأميركي جو بايدن وبجانبه رئيس الوزراء الياباني فومويو كيشيدا وزوجتاهما عند مدخل البيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)

وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في مؤتمر صحافي دوري: «في تجاهل لمخاوف الصين، شهّرت الولايات المتحدة واليابان بالصين وهاجمتاها فيما يتعلّق بقضية تايوان والقضايا البحرية، وتدخلتا بشكل صارخ في الشؤون الداخلية للصين وانتهكتا الأعراف الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية».

معارضة شديدة

وخلال القمة في واشنطن، أعرب بايدن وكيشيدا عن «معارضتهما الشديدة لأي محاولة» من جانب الصين «لتغيير الوضع الراهن من جانب واحد بالقوة أو الإكراه في بحر الصين الشرقي» حيث تطالب بكين بجزر سينكاكو الواقعة تحت سيطرة طوكيو. وحول قضية تايوان، أكّد بايدن وكيشيدا «أهمية الحفاظ على السلام والاستقرار» وشجعا على «الحل السلمي للخلافات» بين بكين وتايبيه. ومن دون تسمية الصين، استنكر بايدن وكيشيدا «الأعمال المزعزعة للاستقرار في بحر الصين الجنوبي» في ما بدا أنهما يلقيان باللوم على العملاق الآسيوي في كثير من الحوادث التي وقعت أخيرا بين بكين ومانيلا حول شعاب مرجانية متنازع عليها.

الرئيس الأميركي جو بايدن يلقي كلمة وبجانبه رئيس الوزراء الياباني فومويو كيشيدا خلال مأدبة العشاء الرسمية في البيت الأبيض الأربعاء (أ.ف.ب)

وردا على سؤال حول زيارة كيشيدا وتعزيز العلاقات، أعربت ماو عن «استياء» الصين تجاه ذلك وقالت إن بكين «تعارض ذلك بشدة وقدمت احتجاجات رسمية للأطراف المعنية». وأضافت: «يجب ألا تستهدف العلاقات الأميركية-اليابانية دولا أخرى أو تضر بمصالحها، ويجب ألا تقوض السلام والاستقرار الإقليميين». ودافعت ماو عن مطالبات بكين في بحرَي الصين الشرقي والجنوبي، واتهمت واشنطن وطوكيو بـ«تشويه الوقائع والحقيقة» لتصوير صين عدوانية. وقالت: «نشاطات بكين في هذين البحرين تتوافق تماما مع القانون الدولي».

وتعدّ الصين تايوان جزءا لا يتجزأ من أراضيها لم تتمكن بعد من إعادتها منذ نهاية الحرب الأهلية الصينية في عام 1949. وتقول بكين إنها تفضل إعادة توحيد «سلمية» مع الجزيرة التي يسكنها 23 مليون نسمة والتي كانت تستعمرها اليابان (1895-1945). لكنها لم تستبعد استخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر.

قمة مع الفلبين

يستضيف الرئيس بايدن كلا من الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس جونيور ورئيس الوزراء الياباني في واشنطن لحضور قمة ثلاثية هي الأولى من نوعها. ويتصدر جدول أعمال الاجتماع الضغوط المتزايدة التي تمارسها الصين في بحر الصين الجنوبي، والتي تصاعدت على الرغم من المناشدة الشخصية التي وجهها بايدن للرئيس الصيني شي جينبينغ العام الماضي.

ويسعى الرئيس الفلبيني لتسليط الضوء على ضغوط الصين المتزايدة على مانيلا في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه والخروج بإعلان قوي عن جهود عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة واليابان والفلبين ومشروعات طموحة للإنفاق على البنية التحتية.

وقد شهدت علاقات الفلبين والصين عدة خلافات بحرية الشهر الماضي وهجوما علنيا متبادلا. وتتركز الخلافات حول منطقة سكند توماس شول التي تضم عددا صغيرا من القوات الفلبينية المتمركزة على متن سفينة حربية أوقفتها مانيلا هناك عام 1999 لتعزيز مطالبها السيادية.

صورة مركبة لزعماء اليابان وأميركا والفلبين (أ.ف.ب)

عزلة الصين

ويعترف مسؤولو الإدارة الأميركية بالقلق المتزايد بين الدول الثلاث بشأن التصرفات الصينية الاستفزازية في المحيط الهادي. ويرى البيت الأبيض أن القمة الثلاثية بمثابة مواجهة لمحاولات الصين إرهاب جيرانها وإرسال رسالة مفادها أن الصين ستكون الطرف المنعزل في هذا الجوار الإقليمي.

وقال أحد المسؤولين الأميركيين إن بايدن سيؤكد أن معاهدة الدفاع المشترك، التي تعود إلى حقبة الخمسينات والملزمة بين واشنطن ومانيلا، ستتطلب من الولايات المتحدة الرد على هجوم مسلح على الفلبين في منطقة توماس شول الثانية. وقال المسؤول للصحافيين مساء الأربعاء: «ما سترونه هو عرض واضح للدعم والتصميم من كل من الرئيس بايدن ورئيس الوزراء كيشيدا على أننا نقف جنباً إلى جنب مع ماركوس، وعلى استعداد لدعم الفلبين والعمل معها في كل منعطف».

دوريات خفر السواحل

وتخطط الولايات المتحدة للقيام بدورية مشتركة لخفر السواحل في منطقة المحيطين الهندي والهادي في العام المقبل بالإضافة إلى أنشطة التدريب البحري المشتركة. وقال مسؤول إن واشنطن ستضع أيضاً «سلع إغاثة إنسانية للاستجابة للكوارث المدنية الفلبينية» في القواعد العسكرية الفلبينية.

وقال مسؤول أميركي آخر إنه من المتوقع تسيير المزيد من الدوريات المشتركة في الأشهر المقبلة في بحر الصين الجنوبي بعد التدريبات التي أجرتها الولايات المتحدة وأستراليا والفلبين واليابان نهاية الأسبوع الماضي.

وتأتي هذه التحركات بعد أن قدم عضوان بارزان في مجلس الشيوخ الأميركي، الأربعاء، مشروع قانون من الحزبين لتزويد مانيلا بمبلغ 2.5 مليار دولار لتعزيز دفاعاتها ضد الضغوط الصينية.

وقد تحسنت علاقات الولايات المتحدة مع الفلبين مع مجيء ماركوس للسلطة في يونيو (حزيران) 2022 بعد فترات من التذبذب صعودا وهبوطا في العلاقات، وقد استضاف الرئيس بايدن ماركوس العام الماضي في البيت الأبيض، وفي ذلك اللقاء وافقت الفلبين على منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى أربع قواعد في الجزر التابعة لها.



الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)

رحّلت الولايات المتحدة أكثر من 25 ألف شخص بموجب اتفاقيات سرية مع 35 دولة لاستقبال مهاجرين لا تربطهم أي صلات بتلك الدول، وفقاً لتحقيق نُشرته (الاثنين) مجموعة «فوربيدن ستوريز» الصحافية.

ولكن التقرير كشف عن ظروف صعبة يمر بها المرحّلون من الولايات المتحدة إلى عدد من الدول الأفريقية، إذ كشف التحقيق عن أن ثلث اتفاقيات الترحيل التي وقّعتها الولايات المتحدة كان مع دول أفريقية (12 اتفاقية على الأقل).

التوجه نحو أفريقيا

أشارت «فوربيدن ستوريز» إلى أن إدارة ترمب تواصلت مع 49 دولة أفريقية، من أصل 54، خلال بحثها عن دول لاستقبال مهاجرين مرحَّلين لا تربطهم بها أي صلة، وأشرف على هذه المفاوضات مكتب «إعادة الهجرة» في وزارة الخارجية الأميركية، برئاسة كريستيان إيرهاردت.

وقال التحقيق إن المفاوضات في الغالب تكون سرية، وتستخدم ضغوطاً مثل قيود التأشيرات أو ربطها بمساعدات، في حين ترفض كثير من الدول قبول أصحاب السجلات الجنائية العنيفة، لكن بعضها يقبل بذلك مثل دولة سواتيني، التي وقّعت اتفاقية بقيمة 5 ملايين دولار لاستقبال 160 شخصاً.

واعتمد التحقيق على أكثر من 100 مقابلة (منها 33 مع مرحّلين)، ووثائق داخلية، وتتبع رحلات، فيما يشير إلى أن المرحّلين غالباً هم أشخاص عاشوا سنوات طويلة في أميركا، لديهم عائلات أو عملوا هناك، ومنحهم قضاة أميركيون حماية من الترحيل إلى أوطانهم.

تعنيف ممرضة!

كشف التحقيق عن أن غانا استقبلت أكثر من 110 أشخاص، عبر 9 رحلات على الأقل منذ سبتمبر (أيلول) 2025، ولكن غانا وافقت فقط على استقبال مرحّلين من أصول غرب أفريقية، وفي بعض الحالات، أعادت ترحيلهم سريعاً إلى بلدانهم الأصلية مثل نيجيريا أو سيراليون، رغم وعود أولية بتوفير «ملاذ آمن».

طائرات تُستخدم لترحيل المهاجرين على مدرج مطار في ولاية تكساس الأميركية (أ.ب)

ومن أشهر قصص الترحيل، رابياتو كوياتيه (58 عاماً)، وهي ممرضة عاشت معظم حياتها في أميركا بعد فرارها من سيراليون، بسبب الحرب الأهلية التي ضربت البلد الصغير والفقير الواقع في أقصى غرب القارة الأفريقية.

رُحّلت كوياتيه إلى غانا، ثم أُجبرت على العودة إلى بلدها الأصلي سيراليون وسط مشاهد عنيفة، حيث انتشر مقطع فيديو منها وهي حافية القدمَيْن وتُسحب من شعرها بعنف، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً.

مركز احتجاز

أما في غينيا الاستوائية فيبدو الوضع أكثر إثارة للقلق، حيث يشير التقرير إلى أنه بموجب اتفاق بقيمة 7.5 مليون دولار، استقبلت نحو 66 شخصاً عبر 6 إلى 7 رحلات منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، من جنسيات مختلفة مثل إريتريا، وإثيوبيا، ومصر، وأنغولا، والكاميرون، وكوبا، والبرازيل.

وأوضح التحقيق أن أغلب هؤلاء المرحّلين محتجزون في فندق «بامي» المتداعي على أطراف العاصمة مالابو، الذي تحول إلى سجن فعلي، وسط تقارير عن ظروف سيئة بسبب نقص الرعاية الطبية، والمنع من الاتصال، والضغط النفسي.

ويؤكد التحقيق أن السلطات الغينية اعتقلت في شهر سبتمبر (أيلول) الحالي مواطناً مصرياً وآخر إريترياً، بعد أن وثقا بالفيديو سوء الظروف التي يتم احتجاز المرحّلين فيها، ونقل التحقيق عن شهود ومحامين أن الشرطة غطت رأسيهما بأكياس، وقيدتهما، وضربتهما بأعقاب البنادق، ودفعتهما على الدرج.

نيكا الإيرانية

تناول التحقيق قصة نيكا الإيرانية (32 عاماً)، التي فرت من إيران قبل نحو 18 شهراً بعد مشاركتها في احتجاجات ضد النظام، وبعد وصولها إلى الولايات المتحدة، قضت أكثر من عام في مركز احتجاز للهجرة الأميركية، قبل أن يمنحها قاضٍ حماية قانونية بـ«منع الترحيل»، لأنها معرّضة لضرر جسيم أو خطر على حياتها إذا أُعيدت إلى إيران.

أُفرج عنها بموجب أمر قضائي في أواخر مايو (أيار) 2026، وأصبح بإمكانها العمل والبقاء في الولايات المتحدة مؤقتاً، ولكن بعد أقل من أسبوعين، أعادت سلطات الهجرة اعتقالها خلال موعد روتيني، ثم رحّلتها جواً إلى جمهورية أفريقيا الوسطى مع نحو 18 مهاجراً آخرين (من جنسيات مختلفة مثل أفغانستان والعراق وقيرغيزستان)، رغم الحماية القضائية.

لم يُخبروها بوجهتها مسبقاً، وظلّت مقيدة بالأصفاد طوال الرحلة، قبل أن تصل نيكا إلى عاصمة البلاد بانغي، وهي مدينة تصفها وزارة الخارجية الأميركية بأنها خطيرة جداً للسفر. حالياً تعيش في غرفة صغيرة شبه معزولة، وتخاف الخروج، وتنتظر مصيرها خشية أن تُرحّل مجدداً إلى إيران.


4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

قرّرت أربع شبكات أميركية كبرى تشكّل مجموعة التغطية الصحافية المشتركة لأنشطة الرئيس دونالد ترمب، الاثنين، وقف هذه التغطية، وذلك تضامناً مع شبكة «سي إن إن» التي استبعدها الرئيس الأميركي من البيت الأبيض، وفقاً لبيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال براين بونتون، ممثل شبكة «فوكس» والمنسق لهذه المجموعة من القنوات المكلفة بتصوير الرئيس الأميركي على مدار اليوم وتوزيع اللقطات المصورة على وسائل الإعلام الأخرى: «اعتباراً من اليوم، لن تتولى مجموعة التغطية التلفزيونية المشتركة تغطية الفعاليات التي يشارك فيها الرئيس والتي تندرج عادة ضمن نطاق التغطية المشتركة».

والشبكات الأربع هي «سي بي إس» و«إيه بي سي» و«إن بي سي» و«فوكس».


زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
TT

زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)

​يجلس مئات من زعماء العالم، الثلاثاء، تحت قبَّة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حاملين إلى دورتها السنوية الحادية بعد الثمانين آمالهم وتطلعات شعوبهم إلى عالم أفضل، لا ينهشه الجوع والفقر، ولا تستبد فيه الحروب والنزاعات، ولا تهدده الكوارث الطبيعية والتكنولوجيا الجديدة، وأحدثها الذكاء الذي من صنع الإنسان.

ولكن هيهات! كأن الجمعية العامة للأمم المتحدة (التي يشيع اختصار اسمها بـ«أونغا») في وادٍ، وواقع حال أعضائها الـ193 في وادٍ آخر.

ومع ،ذلك يترقب هذا الحشد الدولي الأكبر عالمياً اللحظة التي يدخل فيها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى المبنى العريق على الجادة الأولى في وسط مانهاتن، والمشرف على نهر إيست ريفر، لمعرفة ما إذا كان خطابه المكتوب لهذا العام يتضمن غير ما يكتبه في منشوراته شبه اليومية على منصات التواصل الاجتماعي، وتصريحاته التلقائية أمام الصحافيين والعدسات، وغيرها من الوسائل، بغية توصيل رسائله ونداءاته بأن «أميركا أولاً»، وبهدف تعميم شعاره «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» («ماغا» اختصاراً) على من يسعى إلى كسب وده وتجنب غضبه، وعواقب العقوبات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو المالية التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى، على من يتجرأ على تحدي جبروتها.

أشخاص يحملون صوراً وقناديل أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك خلال مناسبة للأميركيين من أصول إيرانية ضد النظام الإيراني (رويترز)

ولترمب قصة طويلة وقديمة مع الأمم المتحدة. كان يطمح عندما كان مطوراً عقارياً في نيويورك إلى الفوز بعقد استثماري لتطوير مجمع المنظمة الدولية الواقع على بعد عشرات الأمتار فقط من «برج ترمب» الفاخر على الجادة الأولى أيضاً. غير أن مستثمراً آخر فاز بالعقد المجزي.

وعلى الرغم من أنه لم يتمكن من تحقيق غايته، لم تتلاشَ عزيمة ترمب لتحقيق هذا الهدف؛ بل صار أكثر تصميماً من ذي قبل، ولا سيما أنه ومنذ صار رئيساً يرى حالات الضعف والفشل والأعطاب التي أصابت الأمم المتحدة التي أنشئت على أنقاض «عصبة الأمم» في نهاية عام 1945، على أساس التوازنات التي أرساها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية.

عظيمة كأميركا

وفي عالم شهد -ولا يزال يشهد- تحولات هائلة منذ ذلك الحين، يشبِّه البعض الإخفاقات الراهنة للأمم المتحدة بسنوات الفشل التي سبقت انهيار «عصبة الأمم». وتندَّر بعض الدبلوماسيين بأن الرئيس ترمب يريد أن يطلق شعاراً جديداً «فلنجعل الجمعية العامة للأمم المتحدة عظمية مرة أخرى» («مونغا» اختصاراً).

وفي دليل على جدية هذه التوجهات، يوزع المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، قبعات «مونغا» على فريقه الدبلوماسي وحلفاء الولايات المتحدة في المنظمة الدولية.

ووصفت الناطقة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، السفير والتز لي بأنه «مبعوث رئيسي لجميع أولويات الرئيس» ترمب، الذي «يُقدِّر جهود السفير والتز في سبيل جعل الأمم المتحدة عظيمة مرة أخرى».

غير أن الدبلوماسيين الذين يتحدثون مع السفير والتز يعتقدون أن جعل الأمم المتحدة عظيمة حقاً، يستوجب عقد صفقة كبرى على غرار مؤتمر يالطا، الذي عُقد في مطلع عام 1945 بمشاركة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، سعياً إلى استعادة هيبتها المفقودة في وقف حربين تنخرط فيهما دولتان من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة مع إيران، وروسيا مع أوكرانيا، بالإضافة إلى الحيلولة دون وقوع حرب جديدة يخشاها كثيرون بين الصين وتايوان.

واشنطن لا نيويورك

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ خلال اجتماع منظمة «بريكس» في نيودلهي بالهند (أ.ب)

ويعكس غياب كل من الرئيس الصيني شي جينبينغ، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، عن «أونغا» هذا العام، استمرار عدم الرضا من زعيمَي دولتين كبريين على التوازنات الراهنة في الأمم المتحدة، علماً بأن الرئيس الصيني سيقوم -وقت انعقاد الجمعية العامة- بزيارة دولة بدعوة من ترمب لواشنطن العاصمة، من دون أن يعرِّج على نيويورك القريبة.

وبينما يحاول ترمب وشي رسم معالم العلاقة التنافسية بين الولايات المتحدة والصين، يخشى دبلوماسيون من تحوُّل هذه المنافسة إلى مجرد بداية لحرب باردة جديدة، عوض أن تكون فرصة لصفقة جديدة على غرار مؤتمر يالطا، الذي كان مقدمة لنشوء الأمم المتحدة بصيغتها الراهنة.

ووفقاً لبرنامج الكلمات الذي أُعد لليوم الأول من أسبوع الاجتماعات الرفيعة المستوى للجمعية العامة، سيعتلي المنصة أولاً رئيس الدورة الحالية للجمعية، وزير الخارجية البنغلاديشي السابق خليل الرحمن، ثم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لإلقاء كلمتين افتتاحيتين، على أن تكون الكلمة الأولى للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وفقاً لتقليد تعتمده الجمعية العامة منذ نحو 7 عقود. ويليه الرئيس ترمب، بوصفه رئيس الدولة المضيفة للمنظمة الدولية.

وقبل أيام من هذه المناسبة، قال لولا دا سيلفا إنه سيطلب من ترمب «عدم التدخل في انتخابات البرازيل».

وظهرت التوترات بين الرئيس لولا دا سيلفا وإدارة ترمب عام 2025، حين طبَّقت الأخيرة موجة أولى من الرسوم الجمركية ضد البرازيل، رداً على محاكمة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي يعد من حلفاء ترمب.

أصحاب الكلام

وسيتوالى على الكلام -الثلاثاء أيضاً- كل من: ملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، فضلاً عن نحو 20 آخرين من رؤساء الدول والحكومات.

وعلى الرغم من الإخفاقات المتكررة للأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن الذي يعتبر القوة الرئيسية المحركة لها، في «صون السلم والأمن الدوليين» طبقاً لما جاء في ميثاقها، يُتوقع أن يعرض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (الذي تنتهي ولايته الثانية الأخيرة بعد مائة يوم فحسب) السنين العشر التي أمضاها في هذا المنصب، وكان خلالها شاهداً على تصدعات العالم ومصائبه.

لم يتمكن غوتيريش من فعل الكثير لوقف الحرب في سوريا، التي شهدت استخدام نظامها السابق الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، بينما كانت الأمم المتحدة عاجزة عن اتخاذ إجراءات لمنع الإفلات من العقاب. وتواصلت الأزمة في ليبيا على الرغم من تغيُّر المبعوثين الأمميين. ووقعت حرب جديدة في السودان من دون أن تتمكن الأمم المتحدة من إيصال المساعدات إلى ملايين اللاجئين. وكذلك فشلت في وضع حد للأزمة اللبنانية، رغم وجود نحو 10 آلاف جندي ضمن القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل).

ورافق غوتيريش -على غرار جميع الأمناء العامِّين الذين سبقوه- الشلل المزمن لمجلس الأمن في إيجاد تسوية منصفة للشعب الفلسطيني، الواقع منذ نشأة المنظمة الدولية تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ بل كان شاهداً على وقوع حرب غزة التي نفَّذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين من دون أي محاسبة، وحرب أوكرانيا وروسيا منذ أكثر من 4 سنوات ونصف سنة، وشاهداً أيضاً على بدء الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قبل نحو 7 أشهر.

ومع ذلك، لا يفقد غوتيريش الأمل في تعددية قطبية تبدو حتمية، إما على أساس التنافر، وإما على أساس التعايش تحت سقف القانون الدولي والأنظمة القائمة على القواعد.