طرق مبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة

«بالونات» تخزن ثاني أكسيد الكربون نهاراً وتحرره ليلاً لإنتاجها

منشأة "دوم انرجي" الايطالية
منشأة "دوم انرجي" الايطالية
TT

طرق مبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة

منشأة "دوم انرجي" الايطالية
منشأة "دوم انرجي" الايطالية

لا تعد منطقة وسط سردينيا في إيطاليا مرتعاً للابتكار بصفة عامة: فهي منطقة قاحلة وريفية.

في أوتانا، وفي موقع سابق لمصنع للبتروكيميائيات، بدأت تتشكل تكنولوجيا جديدة قد تساعد العالم في إبطاء تغير المناخ. والمكون الرئيسي لهذه التكنولوجيا بعيد الاحتمال مثل الموقع البعيد ذاته: ثاني أكسيد الكربون، السبب الرئيسي للاحترار العالمي.

«بالونات الطاقة»

تدير شركة «دوم إنرجي»، وهي شركة ناشئة تتخذ من ميلانو مقراً لها، محطة تجريبية لتخزين الطاقة تساعد في معالجة حالة عدم التطابق في سوق الكهرباء المحلية. ويقول كلاوديو سباداسيني، الرئيس التنفيذي للشركة: «في سردينيا خلال النهار يذهب الجميع إلى البحر». ويضيف: «إنهم لا يستخدمون الكهرباء، ولكن هناك الكثير من الإمدادات» (من الطاقة الكهربائية)، مشيراً بيده إلى أشعة الشمس الوفيرة في الجزيرة الإيطالية.

الالواح الشمسية لانتاج الكهرباء قرب منشأة "دوم انرجي "

تستخدم «دوم إنرجي» ثاني أكسيد الكربون المحتفظ به في بالون ضخم، المسمى «القبة» على اسم الشركة، مثل نوع من البطاريات. وخلال النهار، تُستخدم الكهرباء من الشبكة المحلية - التي تنتج بعضها من مساحات كبيرة من الخلايا الشمسية المجاورة - في ضغط ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى سائل. وفي الليل، يتمدد ثاني أكسيد الكربون السائل مجدداً إلى حالته الغازية، لكي يدير التوربينات وينتج الكهرباء التي يُعاد إرسالها مرة ثانية إلى الشبكة.

تعد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من المصادر المتجددة سريعة النمو، ولكنها تعتمد على جدول الطبيعة الزمني المتقطع لإنتاج الكهرباء. ويقول العديد من الباحثين وصناع السياسات إن تخزين مثل هذه الطاقة حتى الوقت الذي نحتاج إليها، لساعات أو حتى لأيام، يشكل ضرورة أساسية لتحويل الاقتصادات بعيداً عن الوقود الأحفوري.

وكانت وزيرة الطاقة الأميركية جنيفر غرانهولم قالت في بيان صدر عام 2022، عندما أعلنت وزارتها أنها تعتزم تخصيص أكثر من 300 مليون دولار لتخزين الطاقة على المدى الطويل، إن «تطوير تقنيات تخزين الطاقة أمر بالغ الأهمية لتحقيق شبكة للطاقة خالية من الكربون».

طرق مبتكرة لتخزين الطاقة

تعمل الشركات على تطوير وتسويق طرق متنوعة ومبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة: تسييل ثاني أكسيد الكربون، ونزع الصدأ من الحديد، وبناء أبراج التدفئة المليئة بالرمال إلى درجات حرارة تكاد تكون ساخنة بما يكفي لصهر الألمنيوم. ولكن التنبؤ باحتياجاتنا من تخزين الطاقة في المستقبل، أمر في غاية الصعوبة، ومن غير الواضح أي من هذه السبل قد يثبت فعاليته وربحه.

تقول إلين هارت، المديرة المؤسسة لشركة «مومنت إنرجي إنسايتس»، وهي مؤسسة استشارية في مجال الطاقة النظيفة: «هناك حاجة ملحة حقيقية لإزالة الكربون من (عملية توليد) الكهرباء في جدول زمني أسرع بكثير مما توقعناه في الماضي». وتضيف: «نحن لا نحتاج إلى تقنيات مثل تخزين الطاقة طويلة الأمد أو الهيدروجين اليوم، ولكننا قد نحتاج إليها على نطاق واسع في السنوات الـ15 إلى 20 المقبلة، لذلك نحن في وقت حساس لتطويرها».

ولعقود، استجابت العديد من مرافق الكهرباء للطلب المتقلب عليه، باستخدام تخزين الطاقة الكهرومائية بهدف توليد الكهرباء عندما يكون الطلب عليه مرتفعاً. ولكن عندما يكون هناك فائض في العرض من الكهرباء يضخ الماء من خزان أدنى إلى خزان أعلى لتخزين الطاقة.

الادارة الالكترونية في منشأة "دوم انرجي "

وتعمل بعض المرافق الآن على تركيب خزانات كهرومائية جديدة تعمل بالضخ لموازنة إنتاج الطاقة الشمسية والرياح، بينما يعمل العديد من المرافق الأخرى على تركيب صفائف من بطاريات «الليثيوم» أيون لتخزين الطاقة الزائدة الناتجة عن مصادر الطاقة المتجددة، التي تشهد ازدهاراً واضحاً في السوق.

غير أن أساليب التخزين هذه لها حدود. إذ يستلزم ضخ الطاقة الكهرومائية وجود مناطق مرتفعة من جهة وهو يغير المناظر الطبيعية لها من جهة أخرى، كما أن بناء المرافق يُكلف الكثير من الأموال. والليثيوم مورد محدود، وعمليات استخراجه غالباً ما تكون ملوثة للبيئة، ويصبح باهظ التكلفة عندما يُصمم لتخزين الطاقة لأكثر من 4 ساعات.

مضخات حرارية

يقول سكوت مورتيشو، المدير التنفيذي لتحالف كاليفورنيا لتخزين الطاقة، وهو مجموعة صناعية تدعو للمزيد من التخزين على الشبكات الكهربائية: «التخزين طويل الأمد لا يصبح ضرورياً بصفة عامة إلا عند بلوغ مستويات عالية من طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ولكنه من الأهمية بمكان إن كنت ملتزماً بنزع الكربون عن الشبكة حقاً».

مضخة ثاني أكسيد الكربون

تقول شركة «ويستنغهاوس إلكتريك»، وهي مورد للمنتجات والخدمات لمشغلي المحطات النووية، إن تقنيات تخزين الطاقة الجديدة، التي تعتمد على ثاني أكسيد الكربون، مثل نهج شركة «دوم إنرجي»، تمثل تحسناً ملموساً مقارنة بالطاقة المائية العاملة بالضخ والليثيوم أيون.

تعمل تكنولوجيا الشركة مثل مضخة حرارية، باستخدام ثاني أكسيد الكربون في حالة حرجة للغاية - في درجة حرارة وضغط كبيرين لدرجة أنها تعمل مثل هجين من السائل والغاز - لنقل الحرارة، الناتجة عن الكهرباء الزائدة، إلى كتل خرسانية. وفي وقت لاحق، تُستخدم الحرارة المخزنة في تلك الكتل لتوليد الكهرباء.

يقول جون باتاغليني، نائب رئيس شركة ويستنغهاوس لتنمية الأسواق الجديدة في الأميركتين، إنه «لمن السخرية نوعاً ما أن يكون ثاني أكسيد الكربون المادة التي أسفرت عن الكثير من الابتكارات في هذا المجال».

وقد أعلنت شركة ويستنغهاوس، في سبتمبر (أيلول) الماضي، اعتزامها بناء منشأة للتخزين بقدرة 100 ميغاواط في ألاسكا، وهو ما يكفي لتزويد نحو 80 ألف منزل أميركي في المتوسط بالكهرباء لمدة تصل إلى 12 ساعة. ويضيف أن «تكلفة المنشأة ستبلغ حوالي نصف تكلفة المنشأة التي تستخدم بطاريات الليثيوم أيون... وأن الشركة تشعر بالارتياح الشديد حيال الجانب الاقتصادي».

تخزين طويل من صدأ الحديد

وتتوقع بعض الشركات زمناً ينبع فيه معظم الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة والشبكات التي تتطلب تخزيناً أطول بكثير. وتهدف شركة «فورم إنرجي»، ومقرها في سومرفيل بولاية ماساتشوستس، إلى توفير الكهرباء لمدة 100 ساعة، بعد أن خلصت بعض الدراسات إلى أن الشبكات القائمة على مصادر الطاقة المتجددة ستحتاج إلى أن تكون قادرة على توفير الطاقة الاحتياطية لفترة طويلة.

لتوفير هذا القدر الكبير من القدرة بأسعار معقولة، كان على «فورم إنرجي» أن تجد عملية تخزين منخفضة التكلفة للغاية، لذا تحولت الشركة إلى مادة رخيصة في كل مكان وتخضع لردود فعل مفهومة جيداً: «أكسدة، أو تصدّأ»، الحديد. عندما يصدأ الحديد، فإنه ينتج الطاقة؛ وعبر تغذية الطاقة مرة أخرى إلى النظام، يمكن لشركة «فورم إنرجي» أن تعكس التفاعل وتخزن الطاقة، التي يمكن إطلاقها لاحقاً عن طريق تصدّأ الحديد مرة أخرى.

يستخدم نظام «فورم إنرجي» للتخزين شكلاً مضبوطاً بصورة خاصة من الحديد لزيادة إمكانية عكس التفاعل وزيادة المتانة. وقال ماتيو جاراميلو، أحد مؤسسي شركة «فورم إنرجي» ومديرها التنفيذي: «هذا هو الموضع الذي شهد الكثير من الاختراعات من جانبنا. وهي واحدة من الحيل الرئيسية - أو سر تجارتنا». وتقول شركة «فورم إنرجي» إنها تستطيع تركيب سعة تخزينية بسعر يعادل تقريباً 10 بطاريات الليثيوم أيون.

هواء التجاويف الملحية وتسخين الرمال

تعمل شركة «كوري إنرجي»، ومقرها هولندا، على تخزين الطاقة لعدة أيام من خلال ضغط الهواء إلى ضغط عال داخل التجاويف الملحية، حيث يتم حلّ رواسب الملح الطبيعية تحت الأرض لتترك جيوباً فارغة كبيرة.

أعلنت شركة «كوري إنرجي»، في يونيو (حزيران)، عن صفقة في ألمانيا لتوفير ما يصل إلى 640 ميغاوات من الكهرباء، وهو ما يكفي لتزويد نحو 1.6 مليون منزل ألماني، لمدة تصل إلى 125 ساعة، أي حوالي عُشر تكلفة الليثيوم أيون. وتقوم شريكة «كوري إنرجي» بتطوير أربع تجاويف هناك الآن، ومن المقرر أن يبدأ تشغيل اثنين منها عام 2027.

تقول شركة «كوري إنرجي» إن الطلب على التخزين طويل الأمد مرتفع في شمال أوروبا، التي تحرص على مصادر الطاقة المتجددة ولكنها مُعرضة لفترات متعددة من الرياح وأشعة الشمس القليلة، والمعروفة في دوائر الطاقة الخضراء (والدوائر الألمانية) باسم Dunkelflaute (الهدوء المظلم).

يقول كيث ماكغراني، الرئيس التنفيذي لشركة «كوري إنرجي»: «إننا نحاول معالجة هذا الطلب المتسارع للتخزين طويل الأمد».

وتنتهج بعض الشركات أساليب قد تبدو بسيطة إلى حد مدهش، إذ تستخدم شركة فنلندية ناشئة تُدعى «بولار نايت إنرجي» الكهرباء الزائدة في تسخين الرمال إلى درجات حرارة مرتفعة تصل إلى 1100 درجة فهرنهايت (593.3 درجة مئوية). يمكن استخدام الرمال لاحقاً في توفير ما يصل إلى 100 ساعة من الحرارة للمنازل والشركات المحلية.

وفي هذا الشهر، أعلنت الشركة عن اتفاق لبناء منشأة تخزين لمدينة بورناينين، مع خفض الانبعاثات المتوقع بنسبة تقرب من 70 في المائة. وتعمل الشركة أيضاً على تطوير طريقة للمباشرة في توفير الطاقة الكهربائية بالإضافة إلى الحرارة.

وكان تومي إرونين، الرئيس التنفيذي لشركة «بولار نايت إنرجي»، قد تحدث في مؤتمر المناخ في فيينا في مايو (أيار) الماضي. وشرع في الترويج للشركة بين الحضور من ذوي الميول البيئية الخضراء.

خلق سوق جديدة

الطريق من المفهوم إلى تأسيس الشركة إلى وضع البنية الأساسية تظل محفوفة بالمخاطر دوماً، لذا يواجه تخزين الطاقة على الأمد البعيد تحديات خاصة.

يقول مورتيشو: «لا يمكنك أن تعرف ما تحتاج إليه إذا لم تتمكن من تصميمه. إنه مثل هاتف أيفون، وهو منتج لم تكن تعرف أنك بحاجة إليه حتى صنعه أحدهم».

هناك مسألة أخرى تتعلق بأساليب التخزين الجديدة، وهي الهيمنة والتحسين المستمر لبطاريات الليثيوم أيون. مع قيام الشركات المصنعة بتحسين تصميم البطاريات وزيادة إنتاجها، تستمر التكلفة في الانخفاض، مما يجعل الليثيوم أيون أكثر اقتصاداً تدريجياً لفترات أطول.

ألحقت هذه التحديات الضرر ببعض صانعي التخزين طويل الأمد. إذ أعلنت شركة «أزيليو»، وهي شركة تخزن الطاقة كحرارة في سبائك الألومنيوم داخل وحدات معيارية، الإفلاس في يوليو (تموز) الماضي.

مع ذلك، يقول بعض مزودي خدمات التخزين طويل الأمد إن السوق تنمو بسرعة وإنهم يكثفون من أعمال البناء لتلبية الطلب.

في أوتانا، يزيل الحفارون الأنقاض السوداء من بقايا المباني الصناعية القديمة لإفساح المجال لمنشأة تخزين تابعة لشركة «دوم إنرجي» ذات سعة تجارية تستوعب 40 ضعف الطاقة التي تستهلكها المحطة التجريبية المجاورة. برغم الاختلافات السطحية، وصف سباداسيني منشأة «دوم إنرجي» البراقة كنوع منحدر من المولدات القذرة العاملة بالنفط التي كانت تعمل في الموقع نفس. وقال إن «طاقة النفط كانت طاقة من الشمس، وكانت مخزنة بكفاءة معينة في النفط»، مشيراً إلى أن النفط يُستمد في الغالب من النباتات بالتمثيل الضوئي. و«نحن بحاجة إلى تخزين واستخدام تلك الطاقة بشكل مباشر وفعال قدر الإمكان».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«جي إي ڤيرنوڤا» تستهدف إنتاج توربينات بقدرة 30 غيغاواط سنوياً بحلول 2030

خاص المقر الرئيسي للشركة (الشرق الأوسط)

«جي إي ڤيرنوڤا» تستهدف إنتاج توربينات بقدرة 30 غيغاواط سنوياً بحلول 2030

قال الرئيس التنفيذي لـ«جي إي ڤيرنوڤا» في السعودية إن الشركة تستهدف رفع قدرتها العالمية لتصنيع التوربينات إلى 30 غيغاواط سنوياً بحلول 2030، وتوطين التقنيات.

عبير حمدي (الرياض )
خاص مشروع «هجر المستقل» لإنتاج الكهرباء (أكوا)

خاص «أكوا» لـ«الشرق الأوسط»: تخزين الكهرباء يواكب توسع الطاقة المتجددة في السعودية

كشف الرئيس التنفيذي لـ«أكوا» في السعودية، عمر الحسن لـ«الشرق الأوسط» أن قدرات الشركة تبلغ 98.2 غيغاواط لتوليد الكهرباء و9.7 مليون متر مكعب يومياً لتحلية المياه.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد جانب من الجلسة الحوارية ضمن أعمال مؤتمر البترول العالمي في الرياض (واس)

جلسة حوارية تركز على تكامل مصادر الطاقة لتلبية الطلب المتنامي

استعرضت جلسة حوارية بعنوان «مسارات نحو مستقبل الطاقة للجميع»، ضمن أعمال مؤتمر البترول العالمي، أهمية تكامل مصادر الطاقة لتلبية الطلب المتنامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد تتوقع «بي بي» أن تكون نتائجها في مجال تسويق وتداول الغاز أعلى بشكل كبير في الربع الثالث مقارنة بالربع السابق (رويترز)

«بي بي» تتوقع تضاعف هوامش التكرير 3 مرات وخفض الديون

قدرت شركة «بي بي»، الثلاثاء، أن هوامش التكرير في الربع الثالث تضاعفت 3 مرات مقارنة بالعام الماضي، حيث أدت حرب إيران إلى تعزيز أرباح شركات النفط الكبرى...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد محمد أبو نيان المؤسس ورئيس مجلس الإدارة في شركة «أكوا»، خلال حديثه في الجلسة (الشرق الأوسط)

رئيس «أكوا»: الطاقة المتجددة في السعودية أقل تكلفة من الغاز

أصبحت تكلفة الطاقة المتجددة في السعودية أقل من تكلفة توليد الكهرباء باستخدام الغاز، بفارق يقدّر بنحو 40 في المائة وفقاً للأسعار العالمية للغاز، وفق رئيس «أكوا».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان
TT

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

يمنح الذكاء الاصطناعي أبحاث إطالة العمر مساراً مستقبلياً جديداً من خلال توفير أدوات أفضل لتحديد التدخلات المحتملة، وطرق أكثر فاعلية لدراسة تأثيرات تلك التدخلات على البشر، كما كتب د. أليكس جافورونكوف. (*)

تحديد أهداف دوائية محتملة في بيولوجيا الشيخوخة

وتُبرز نتائج بحثين صدرت أخيراً عن فريقنا العلمي وشركائنا الأكاديميين، هذا التطور، حيث قدمنا في دورية «سيل» (Cell) ​​أدوات مفتوحة لتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يساعد الباحثين على تحديد أهداف دوائية محتملة في بيولوجيا الشيخوخة . أما في دورية «نيتشر بايوتكنولوجي» (Nature Biotechnology)، فقد بحثنا في كيفية دمج «قياسات الشيخوخة» المستمدة من عينات الدم ضمن التجارب السريرية لعقار طُوِّر باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ورغم أنه لا يمكننا الجزم حالياً بأن هذا العقار سيطيل عمر أي شخص، فإن هذه الدراسات تشير إلى مستقبل واعد في مجال تطوير الأدوية، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد علاجات محتملة، مع دراسة تأثيرات تلك العلاجات على بيولوجيا الشيخوخة بالتوازي مع تأثيراتها على الأمراض التي صُممت هذه الأدوية لعلاجها.

الذكاء الاصطناعي يوسع نطاق الاكتشاف

إن الذكاء الاصطناعي قادر على توسيع نطاق ما يمكن للعلماء اكتشافه وقياسه، بينما تظل التجارب العلمية الدقيقة والتجارب السريرية هي السبيل لتحديد أي من هذه التطورات يؤدي فعلياً إلى تحسين الصحة. وهكذا، يمكن لأدوات البحث المتاحة اليوم أن تصبح حجر الأساس لأدوية الغد.

أعتقد أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في نهاية المطاف في مضاعفة متوسط ​​عمر الإنسان. لكن هذا يظل طموحاً، وليس توقعاً يمكننا إثبات صحته اليوم. أما الفرصة المتاحة حالياً فهي تطوير أدوية أفضل، وبناء البنية التحتية اللازمة لاختبارها.

اكتشاف الأدوية يسير وفق إيقاعين

يعتمد اكتشاف الأدوية على إيقاعين: أحدهما حاسوبي، والآخر بيولوجي.

الإيقاع الحاسوبي. يسير الإيقاع الحاسوبي بسرعة كبيرة، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل البيانات البيولوجية، وتحديد الأهداف الدوائية المحتملة، وتوليد هياكل كيميائية، ومساعدة العلماء في اتخاذ قرارات بشأن التجارب التي ينبغي إجراؤها، ما يوسع آفاق الاحتمالات التي يمكن للباحثين استكشافها.

أمّا الإيقاع البيولوجي فيسير بوتيرة مختلفة، إذ يتطلب الأمر تصنيع الجزيء واختباره، والتأكد من وصوله إلى الأنسجة المستهدفة، وعمله وفقاً للمتوقع، وخلوه من الآثار الضارة. كما تتطلب الدراسات البشرية استقطاب المشاركين، وتحديد الجرعات المناسبة، وإجراء متابعة كافية لتقييم السلامة والفوائد.

تجربة مع عقار

وتُعد تجربتنا مع عقار «رينتوسيرتيب» (rentosertib) مثالاً يوضح هذا التمييز، فقد طُوِّر هذا العقار لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب idiopathic pulmonary fibrosis، وهو مرض يؤدي إلى تندب الرئتين بشكل تدريجي. وقد ساعد الذكاء الاصطناعي في تحديد هدف بيولوجي وتصميم جزيء يستهدفه. وتوصلنا خلال 18 شهراً إلى مادة «ما قبل سريرية» مُرشحة لهذا الهدف. كان ذلك بمنزلة إنجاز مهم في مجال الاكتشاف، وليس دواءً نهائياً. ثم تلت ذلك دراسات مختبرية وتجارب سريرية. وأظهرت دراسة المرحلة الثانية (A) تحسناً مُشجعاً في وظائف الرئة، وقد انتقل البرنامج الآن إلى المرحلة الثالثة من الاختبارات. وتُجيب كل مرحلة عن أسئلة لم تستطع المرحلة السابقة الإجابة عنها.

بالنسبة للمسؤولين التنفيذيين والمستثمرين يعني هذا قياس التقدم وفقاً للمعايير الصحيحة. فالتنبؤ الأسرع، والتجربة الواعدة، والتجربة السريرية الناجحة، كلها إنجازات مختلفة. إلا أن وضعها جميعاً على جدول زمني واحد قد يؤدي إلى خلق توقعات غير واقعية حول موعد استفادة المرضى.

«تصغير الأعمار»

طبّق التحليل المنشور في Nature Biotechnology المذكور آنفاً ستة نماذج لتقدير العمر البروتيني على عينات دم من مجموعة فرعية من المشاركين في تجربة «رينتوسرتيب». وتُقدّر هذه النماذج العمر البيولوجي من أنماط البروتينات المنتشرة في الدم. وقد رصدت إمكانات إحداث تحولات علاجية بهدف خلق أنماط أصغر سناً. لكن هذه النتيجة تستحق مزيداً من البحث. ولا تعني بالضرورة أن المرضى يمكن أن يصبحوا أصغر سناً بسنوات. وكان التحليل استكشافياً، وشمل 42 شخصاً مصاباً بمرض رئوي خطير، وامتد لفترة مراقبة قصيرة.

يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين التجارب السريرية

هناك مجال واسع لجعل التطوير السريري أكثر كفاءة. فتحسين تصميم البروتوكولات (العلاجية)، وزيادة فاعلية التوظيف، وتسريع مراجعة البيانات من شأنه أن يقلل من التأخيرات التي يمكن تجنبها. وقد يساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين في اختيار القياسات المفيدة وتحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة.

لكن الكفاءة لا تُجيب عن جميع التساؤلات البيولوجية. فقد لا يظهر أثر جانبي نادر إلا بعد أن يتلقى عدد كافٍ من الأشخاص الدواء. لذا فإن النتيجة تتطلب تحقيق فائدة مستدامة.

إنني لا أزال متفائلاً بشأن إمكانية إطالة العمر بشكل جذري. أتوقع أن يتحقق التقدم من خلال أجيال متتالية من الأدوية والتشخيصات والتقنيات الأخرى التي تقي من الأمراض وتعيد الوظائف الحيوية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في تطوير هذه التطورات ودمجها.

* المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إنسيليكو ميديسن»، مجلة «فاست كومباني».


لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
TT

لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات

ماذا لو وصلت لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) إلى القرى والمناطق النائية دون الحاجة لتبريد شديد؟ قد يعني ذلك تسهيل حملات التطعيم في أماكن تعوقها الحرارة أو انقطاع الكهرباء. هذا ما تُبشر به دراسة جديدة تمنح هذا الاحتمال أساساً تجريبياً، بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

رسم يوضّح دور الجسيمات الدهنية في حماية الحمض النووي الريبي المرسال وإيصاله للخلايا

تركيبات مطورة

طوّر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تركيبات تساعد على حماية هذه اللقاحات من الحرارة، في دراسة نُشرت بمجلة «Nature Biotechnology» في 28 سبتمبر (أيلول) 2026.

وبعد تجفيفها وتخزينها لمدة شهرين عند 37 درجة مئوية، أو لمدة عام في درجة حرارة الغرفة، احتفظت التركيبات المختبَرة بقدرتها على تحفيز جهاز المناعة لدى الفئران بمستوى مماثل للقاحات المستخدَمة للمقارنة.

إنها خطوة واعدة لتخفيف أعباء نقل اللقاحات وتخزينها، لكن الانتقال من نجاح التجارب الحيوانية إلى استخدامها لدى البشر ما زال يحتاج إلى إثبات السلامة والفاعلية.

المشكلة ليست في اللقاح وحده

أظهرت جائحة «كوفيد-19» إمكانات تقنية تطوير الحمض النووي الريبي المرسال «mRNA»، وكشفت تحدياً عملياً: كيف نحافظ على فاعلية اللقاح أثناء تخزينه ونقله؟ فالحمض النووي الريبي المرسال جزيء سريع التحلل، تُحيط به جسيمات نانوية دهنية (LNPs) تحميه وتساعده على دخول الخلايا. ومع ذلك تحتاج بعض هذه المستحضرات إلى التخزين في درجات حرارة شديدة الانخفاض.

رسم توضيحي لآلية عمل لصقات الإبر المجهرية التي تخترق الطبقة السطحية من الجلد ثم تذوب لتُطلق اللقاح المطور

وهنا تصبح متطلبات الحفظ عاملاً مؤثراً في وصول اللقاحات إلى الناس، فسلسلة التبريد تحتاج إلى تجهيزات متخصصة وكهرباء مستقرة ومراقبة للحرارة طوال النقل والتخزين؛ وهي شروط يصعب ضمانها في بعض المناطق النائية.

عندما تدخل الخوارزمية المختبر

طوّر الفريق العلمي نظاماً للذكاء الاصطناعي باسم «AGENT» يساعد الباحثين على اختيار التركيبات التي تستحق الاختبار. ويتعلّم النظام من نتائج التجارب السابقة، ويقترح خلطات يُرجَّح أن تحمي اللقاح من الحرارة، بدلاً من اختبار الاحتمالات واحداً تلو الآخر.

بدأ الباحثون بفحص نحو 50 مادة مساعِدة معتمَدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، واختاروا خمساً واعدة، ثم اقترح النظام نسب مَزجها، واختبر العلماء مدى قدرتها على حماية اللقاح. ومع كل جولة، أعادوا النتائج إليه ليحسّن اقتراحاته التالية. وخلال ست جولات استغرقت نحو شهر، توصّل الفريق إلى تركيبات محسَّنة، بعد محاولات يدوية امتدت أشهراً.

شهران عند 37 درجة مئوية

حوّل الباحثون اللقاحات إلى تركيبات صلبة بإزالة الماء تحت ضغط منخفض، واختبروا تخزينها لمدة شهرين عند 37 درجة مئوية، أو عامٍ في درجة حرارة الغرفة.

وأظهرت الاختبارات على حيوانات التجارب أن التركيبات المطوَّرة حفّزت جهاز المناعة بمستوى لا يقل عن اللقاحات الطازجة المستخدمة للمقارنة. ونجحت الطريقة مع جسيمات دهنية شبيهة بتلك المستخدمة في لقاحَي «موديرنا» و«فايزر»، باستعمال المواد المساعدة نفسها بنسب مختلفة.

لصقة بدلاً من الحقنة

قد يفتح تحمّل الحرارة الباب أمام طريقة أخرى لإعطاء اللقاح: لصقات تحمل مئات الإبر المجهرية المحمّلة به. وعند وضعها على الجلد، تذوب هذه الإبر وتُطلق محتواها، لتوصيل اللقاح دون استخدام الحقنة التقليدية.

واستخدم الباحثون التركيبة المطوّرة لصنع لصقات لقاح ضد الفيروس المسبّب لـ«كوفيد-19». وفي التجارب الحيوانية حفّزت جهاز المناعة بمستوى مماثل للقاحات RNA المحقونة، ما يدعم إمكان الجمع بين سهولة التخزين وطريقة مختلفة لإعطاء اللقاح.

ويظل من تحديات هذه اللصقات ضمان إيصال الجرعة المطلوبة بصورة موثوقة، وإنتاجها بجودة ثابتة.

لوحات إرشادية توضّح مراحل تلقي لقاح «كوفيد-19» في مدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية بالرياض

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

قد تكتسب هذه التقنية أهمية خاصة في العالم العربي، حيث تتداخل الحرارة والمسافات الطويلة وتفاوت الخدمات الصحية لتجعل إيصال اللقاحات إلى بعض المناطق أكثر صعوبة. فالتحدي لا ينتهي بوصول الشحنة إلى مستودع مركزي؛ بل يستمر حتى نقل الجرعة إلى مركز صحي بعيد أو فريق تطعيم متنقّل.

وقد تمنح اللقاحات الأكثر تحمّلاً للحرارة هذه الفرق مرونة أكبر، وتخفّف اعتمادها على تجهيزات التبريد، خصوصاً حين تتكرر انقطاعات الكهرباء. وإذا ثبت نجاحها عملياً، فقد تساعد على تقليل تلف الجرعات وتوسيع نطاق الحملات.

لكن التخزين عند 37 درجة مئوية في ظروف مضبوطة لا يحاكي بالضرورة رحلة نقل تتقلب فيها الحرارة تحت شمس الصحراء. لذلك، يلزم اختبار التركيبات في ظروف التوزيع الفعلية وتحديد شروط حفظها بدقة. وتظل «لقاحات بلا ثلاجات» أفقاً واعداً، لا إعلاناً عن انتهاء سلسلة التبريد.

بين الخوارزمية والتحقق السريري

سرّع الذكاء الاصطناعي الوصول إلى تركيبات واعدة، لكن التجارب المخبرية والحيوانية هي التي اختبرت أداءها، فالخلطة التي يقترحها النظام تظل احتمالاً يحتاج إلى دليل: هل تحمي اللقاح أثناء التخزين؟ وهل يحتفظ بقدرته على تحفيز المناعة؟

وقبل استخدامها لدى البشر، يلزم تقييم السلامة والفاعلية في دراسات سريرية، والتحقق من إمكان تصنيعها بكميات كبيرة وبجودة ثابتة. فنجاح عيّنة في المختبر لا يضمن وحده نجاح إنتاج آلاف الجرعات ونقلها وحفظها، كما لا يعني اعتماد المواد المساعِدة منفردةً اعتمادَ التركيبة الجديدة تلقائياً.

وتزداد أهمية أن تتمكن فِرق مستقلة من تكرار النتائج، وأن تتضح البيانات التي استندت إليها الخوارزمية وحدود توقعاتها. فقيمة تسريع البحث تتحقق حين يقود إلى لقاحات آمنة وفعّالة يمكن الوثوق بها خارج المختبر.

من تحليل البيانات إلى تصميم اللقاحات

تُظهر الدراسة كيف يمتد دور الذكاء الاصطناعي من تحليل الأشعة والسجلات إلى تطوير اللقاح نفسه، بما يشمل إمكان حفظه ونقله وإعطائه بعيداً عن ظروف المختبر المضبوطة.

قد لا تختفي ثلاجات اللقاحات غداً، لكن قيمة هذا التقدّم ستتضح حين تصل جرعة فعّالة إلى مركز صحي بعيد، أو تصبح حملة تطعيم أقل عرضة للتعطّل بسبب انقطاع الكهرباء. عندها، يتحوّل اختصار وقت البحث إلى تقليص المسافة بين الاكتشاف والمريض.


مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
TT

مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ

قطعت مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس (Perseverance)» مسافةً أبعد من أي مركبة أخرى في النظام الشمسي، باستثناء المركبات الموجودة على الأرض، بالطبع.

28 ميلاً... وما زال العد مستمراً

تجاوز عداد مركبة «برسيفيرانس» مسافة 28.06 ميل، وهي المسافة التي قطعتها داخل وحول فوهة «جيزيرو» منذ هبوطها على سطح المريخ في فبراير (شباط) 2021. ويتجاوز هذا الرقم المسافة التي قطعتها «أوبورتيونيتي»، إحدى مركبات «ناسا» الجوالة الأصغر حجماً في وقت سابق من عام 2004 حتى توقفها عن العمل في عام 2018. وأعلن مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا» الذي يُشغّل المركبة، هذا الخبر، يوم الاثنين الماضي، بعد تأكيد موقع «برسيفيرانس» ومسافة قيادتها الإجمالية الجديدة: 28.1 ميل.

وكان مديرو المهمة يعتقدون أن «برسيفيرانس» ستتجاوز هذا الإنجاز في أغسطس (آب)، لكنها عثرت بعد ذلك على صخور فاتحة اللون مثيرة للاهتمام، يُحتمل أن تكون من أقدم الصخور التي دُرست على سطح المريخ. لذا، توقفت عن العمل لمدة شهرين.

وقالت كاتي ستاك مورغان العالمة المشرفة على المشروع، في مقابلة أُجريت معها في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الحالي: «العلم هو السبب وراء وجود هذه المركبة الجوالة على سطح المريخ. نحن متحمسون لتحقيق الرقم القياسي حالما يتحقق. ولكن في الوقت الراهن، فإن (دراسة) الصخور هي المحرِّك الحقيقي للمهمة».

ومن المرجح أن تكون أميال طويلة أمام مركبة «برسيفيرانس» لتقطعها في السنوات المقبلة. إليكم بعض المحطات البارزة من رحلتها حتى الآن.

مظلة مركبة «برسيفيرانس» الفضائية أبطأت هبوطها على سطح المريخ.

المحطة الأولى: الهبوط في فوهة جيزيرو

في 18 فبراير 2021، هبطت مركبة «برسيفيرانس» في فوهة بركان جيزيرو على سطح المريخ، وهي منخفض يبلغ عرضه 30 ميلاً، كان بحيرة عندما كان الكوكب أكثر دفئاً ورطوبة، خلال السنوات الأولى للنظام الشمسي.

حمل الرسم الموجود على المظلة، التي أبطأت مركبة «برسيفيرانس» الفضائية في أثناء هبوطها عبر الغلاف الجوي للمريخ، رسالة سرية: «تجرأ على فعل أشياء عظيمة».

رحلة مروحية المريخ

من بين المهام المبكرة للمهمة، كانت هناك مهمة لم تتطلب قيادة تُذكر. كانت مروحية صغيرة تُدعى «إنجينيويتي (Ingenuity)» مُخبأة أسفل مركبة «برسيفيرانس». وبمجرد هبوطها على سطح المريخ، قامت «إنجينيويتي» بأولى رحلاتها المُتحكَّم بها والمُزوَّدة بالطاقة على كوكب آخر. وبقيت «برسيفيرانس» بالقرب منها للمراقبة ونقل البيانات من المروحية إلى الأرض.

كانت الرحلات التجريبية الـ4 ناجحة للغاية، ما دفع مديري المهمة إلى اتخاذ قرار بمرافقة «إنجينيويتي» لـ«برسيفيرانس» في استكشافها للمريخ. وقد قامت «إنجينيويتي» بـ72 رحلة حتى تعطَّلت إحدى مراوحها في يناير (كانون الثاني) 2024.

اختبار القيادة الذاتية

أمضت «برسيفيرانس» معظم عامها الأول في التجوال حول قاع فوهة جيزيرو، المُكوَّنة من صخور كانت انصهرت ثم تصلبت في أعقاب اصطدام نيزك شكّل الفوهة.

وعلى غرار بعض أحدث السيارات على وجه الأرض، تستخدم مركبة «برسيفيرانس» تقنية القيادة الذاتية لتحديد مسارها من النقطة «أ» إلى النقطة «ب» دون الحاجة إلى توجيهات تفصيلية من الأرض. وبفضل شريحة حاسوبية إضافية أسرع، تتفوق «برسيفيرانس» في هذا المجال على نظيرتها «كيوريوسيتي»، التي هبطت قبلها بأكثر من 8 سنوات وقطعت مسافة أقل، (كما أن «كيوريوسيتي»، المتجهة نحو قمة جبل، ليست في عجلة من أمرها).

قدرات «برسيفيرانس»

تتجاوز قدرات «برسيفيرانس»، التي لا يتجاوز حجمها حجم سيارة صغيرة، بكثير ما استطاعت «سوجورنر (Sojourner)»، أول مركبة روبوتية تابعة لـ«ناسا»، إنجازه عام 1997. فقد قطعت تلك المركبة مسافة 341 قدماً - أي أقل من خُمس ميل - على مدار 12 أسبوعاً، ولم تكن قادرة إلا على تنفيذ الأوامر المُرسلة إليها بدقة. وفي إحدى المرات، علقت إحدى عجلاتها في صخرة بسبب خطأ في تقدير المسافة من قِبل المشرف عليها.

وقال ماثيو والاس، مهندس في مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا»، واصفاً العمل المعقد الذي كان على فريق من المهندسين على الأرض القيام به لمجرد التخطيط لرحلة قصيرة لمركبة «سوجورنر»، مقارنةً بما تستطيع مركبة «برسيفيرانس» القيام به بمفردها: «الأمر مختلف (الآن) تماماً».

ذراع الروبوت التابع لمركبة «برسيفيرانس»

أنهار وصخور وتلال

بعد استكشاف قاع الفوهة، كانت المرحلة التالية من رحلة «برسيفيرانس»، التَّوجُّه إلى دلتا نهر قديم على طول الفوهة، حيث وصلت في أبريل (نيسان) 2022. عُدَّ هذا الموقع واعداً للبحث عن آثار بقايا عضوية، في حال وُجدت حياة على المريخ في أي وقت مضى. كان هذا هو الدافع الرئيسي لـ«ناسا» لاختيار فوهة جيزيرو وجهةً لـ«برسيفيرانس».

ما وراء جيزيرو

انطلقت مركبة «برسيفيرانس» من جيزيرو، وهي الآن تستكشف صخوراً يبلغ عمرها نحو 4 مليارات سنة في منطقة تُعرف باسم بحيرة شارم، نسبةً إلى خزان مائي في فرنسا. لا توجد صخور بهذا القِدم على الأرض، لأن حركة الصفائح التكتونية تدفع القشرة القارية باستمرار إلى باطن الكوكب.

صخور فاتحة اللون على الكوكب الأحمر

وقالت فيفيان صن، نائبة رئيس المشروع: «ما تقدِّمه لنا (برسيفيرانس) هو في الواقع نظرة على تاريخ النظام الشمسي المبكر جداً، أي خلال نصف المليار سنة الأول. هناك كثير مما يمكننا تعلمه من هذه الصخور». وتشمل هذه الصخور تلك ذات اللون الفاتح التي أثارت اهتمام علماء «ناسا» منذ أغسطس الماضي.

يتكوَّن معظم قشرة المريخ من البازلت، وهو صخر بركاني دقيق الحبيبات ذو لون رمادي داكن. (يُعزى اللون الأحمر للمريخ إلى الغبار، فعندما تتعرَّض الصخور للتعرية (نتيجة المناخ)، يصدأ الحديد الموجود في المعادن). وقالت الدكتورة ستاك مورغان: «لذا، كلما رأينا شيئاً فاتح اللون بشكل واضح، فإنه يلفت انتباهنا».

في الطرف الشمالي لوادٍ في بحيرة شارم، رصد العلماء مجموعة من الصخور فاتحة اللون، فانحرفت المركبة الجوالة عن مسارها لإلقاء نظرة عليها.

تُعرف هذه الصخور فاتحة اللون باسم «غابرو (gabbros)»، وهي صخور بركانية خشنة الحبيبات تشبه في تركيبها البازلت، ولكنها على الأرجح تَشكَّلت في أعماق أكبر تحت سطح الأرض حيث بردت الصهارة ببطء أكبر، ما سمح بتكوّن بلورات أكبر. وأضاف الدكتور ستاك مورغان: «لقد لاحظنا في هذه الصخور أدلة على انصهار شديد وصدمة قوية، وهذا بالضبط ما نتوقع رؤيته في صخور ما قبل جيزيرو القديمة جداً التي تمثل قشرة المريخ».

لغز غامض

يعتقد العلماء أن كتل الصخور قد تكون ناتجة عن 3 اصطدامات نيزكية منفصلة: الأول أدى إلى انصهار قشرة المريخ وتكوين الغابرو، والثاني خلق أنماطاً من الصدمات وانصهاراً إضافياً، والثالث دفعها إلى موقعها الحالي خارج جيزيرو مباشرةً. وقال الدكتور ستاك مورغان: «إنها أشبه بلغزٍ غامض».

حاولت مركبة «برسيفيرانس» حفر إحدى الصخور، لكن جمع عينة منها كان بالغ الصعوبة.

لم تضع «ناسا» خططاً طويلة الأجل بشأن وجهة «برسيفيرانس» بعد انتهاء مسحها للمنطقة الحالية. وفي مرحلة ما، ستحتاج الوكالة أيضاً إلى تحديد مصير عينات الصخور التي تحملها «برسيفيرانس». لكن مشروع «إعادة عينات المريخ»، الذي كان من المفترض أن يعيدها إلى الأرض، قد أُلغي، لأن المهمة، التي كانت ستكون تعاوناً بين «ناسا» و«وكالة الفضاء الأوروبية»، عُدَّت باهظة التكلفة. وقد تُعيد «ناسا» إحياء المشروع بوصفه مهمةً تجاريةً، لكنها لم تُصدر أي بيانات بهذا الشأن.

مسافة قياسية

قبل الإطلاق، أكدت «ناسا» قدرة مركبة «برسيفيرانس» على قطع مسافة 20 كيلومتراً، أو 12.4 ميل. وقال ستيفن لي، مدير مشروع المهمة: «تجاوزنا ذلك بكثير الآن». وتعمل «ناسا» حالياً على توسيع نطاق الاعتماد إلى 100 كيلومتر، أو ما يزيد قليلاً على 62 ميلاً.

وعلق والاس: «أتوقع أن تتجاوز المركبة حاجز الـ100 كيلومتر إذا استمرَّت على هذا المنوال. لكن لا شيء مؤكد. قد نكتشف موقعاً بالغ الأهمية لإجراء دراسات علمية، فنقرِّر البقاء فيه لفترة طويلة واستكشافه».

* خدمة «نيويورك تايمز».