العقوبات الأميركية تُعرقل جهود روسيا لإصلاح مصافي التكرير

فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات على روسيا مما جعل من الصعب على الشركات الروسية الحصول على قطع الغيار والتكنولوجيا (رويترز)
فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات على روسيا مما جعل من الصعب على الشركات الروسية الحصول على قطع الغيار والتكنولوجيا (رويترز)
TT

العقوبات الأميركية تُعرقل جهود روسيا لإصلاح مصافي التكرير

فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات على روسيا مما جعل من الصعب على الشركات الروسية الحصول على قطع الغيار والتكنولوجيا (رويترز)
فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات على روسيا مما جعل من الصعب على الشركات الروسية الحصول على قطع الغيار والتكنولوجيا (رويترز)

عندما اكتشف المهندسون في شركة النفط الروسية «لوك أويل» تعطل توربين في أكبر مصفاة لديهم في 4 يناير (كانون الثاني)، أدركوا بسرعة أن المشكلة ليست بسيطة على الإطلاق.

ولم تكن هناك سوى شركة واحدة تعرف كيفية إصلاح وحدة إنتاج البنزين في مصفاة «نورسي»، الواقعة على نهر الفولغا، على بُعد نحو 430 كيلومتراً (270 ميلاً) شرق موسكو. إلا أن المشكلة الحقيقية، وفقاً لخمسة مصادر مطلعة على الحادث، كانت أن الشركة أميركية، حسب «رويترز».

وبعد انسحاب شركة هندسة النفط العالمية «يو أو بي» من روسيا بعد غزو البلاد لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، قال مصدر مقرب من «لوك أويل» طلب عدم ذكر اسمه، لأنه غير مصرح له بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إنهم (المهندسون) هرعوا للعثور على قطع غيار ولم يتمكنوا من العثور على أي شيء. ثم توقفت الوحدة بأكملها.

وأفادت أربعة مصادر أخرى بأن الوحدة -وهي عبارة عن تكسير حفزي يُستخدم لتحويل الهيدروكربونات الثقيلة إلى بنزين- معطلة عن الإنتاج منذ يناير، ولم يتضح متى يمكن إصلاحها بسبب نقص الخبرة داخل روسيا. وتعد وحدة «كيه كيه - 1» واحدة من وحدتي تكسير حفزي فقط في المصنع.

ونتيجة لذلك، خفضت مصفاة «نورسي» -رابع أكبر مصفاة في روسيا- إنتاج البنزين بنسبة 40 في المائة، وفقاً لاثنين من المصادر. ولم تردّ شركة «لوك أويل» على طلبات التعليق على هذه القصة.

مواجهة العقوبات والهجمات

ومصفاة «لوك أويل» هي مثال على مشكلات أوسع في قطاع الطاقة الروسي، حيث تكافح بعض شركات النفط في مواجهة العقوبات الغربية لإصلاح مصافيها التي تم بناؤها بمساعدة شركات هندسة أميركية وأوروبية، وفقاً لما لا يقل عن 10 مصادر صناعية روسية.

وصعّبت هجمات الطائرات المُسيرة الأوكرانية التي أصابت ما لا يقل عن اثنتي عشرة مصفاة روسية هذا العام الوضع أكثر فأكثر، وفقاً للمصادر في الصناعة. وأجبرت الهجمات المصافي الروسية على إغلاق نحو 14 في المائة من طاقتها الإنتاجية في الربع الأول، وفقاً لحسابات «رويترز».

وقال الخبير في صناعة الطاقة الروسية وزميل غير مقيم في مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي، وهي مؤسسة فكرية تُعنى بالشؤون الدولية، سيرغي فاكولينكو: «إذا استمر تدفق الطائرات المُسيرة بهذا المعدل ولم تتحسن الدفاعات الجوية الروسية، فستتمكن أوكرانيا من خفض عمليات التكرير الروسية بشكل أسرع مما تستطيع الشركات الروسية إصلاحه».

وقال نائب رئيس الوزراء الروسي المسؤول عن الطاقة، ألكسندر نوفاك، الأسبوع الماضي، إن منشآت «نورسي» المتضررة يجب أن تستأنف عملياتها خلال شهر أو شهرين، حيث تعمل الشركات الروسية على إنتاج قطع الغيار اللازمة.

وأضاف أن المصافي الروسية الأخرى عززت إنتاجها بعد هجمات الطائرات المُسيرة ولا يوجد نقص في سوق الوقود المحلي.

ولم تردّ وزارة الطاقة الروسية على طلب للتعليق. وقال الوزير نيكولاي شولغينوف يوم الأربعاء، إنه سيجري إصلاح جميع المصافي بحلول يونيو (حزيران)، دون الخوض في تفاصيل أخرى.

وتبلغ طاقة مصفاة «نورسي»، التي تقع بالقرب من مدينة نيجني نوفغورود 405 آلاف طن متري شهرياً من البنزين أو 11 في المائة من إجمالي إنتاج روسيا.

وسيؤدي الانقطاع الحالي إلى تكبد شركة «لوك أويل» خسائر تقارب 100 مليون دولار شهرياً من الإيرادات المفقودة، بناءً على متوسط سعر البنزين الروسي البالغ 587 دولاراً للطن المتري، وفقاً لحسابات «رويترز».

وقالت شركة «هانيويل إنترناشونال» المحدودة، الشركة الأم لشركة «يو أو بي»، في بيان لـ«رويترز»، إنها لم تقدم أي معدات أو قطع غيار أو منتجات أو خدمات إلى المصفاة في نيجني نوفغورود منذ فبراير 2022، ولا إلى مصفاة «سلافينسك إيكو» التي تُدار بشكل مستقل.

وتعرضت مصفاة «سلافينسك» لهجوم بطائرة مُسيرة أوكرانية في 18 مارس (آذار) واشتعلت فيها النيران لفترة وجيزة.

وقالت «هانيويل» لـ«رويترز» عبر البريد الإلكتروني: «نحن نعمل بنشاط على تحديد ومقاطعة أي تحويل محتمل لمنتجاتنا إلى روسيا عبر أطراف ثالثة». وأضافت الشركة أنها تلتزم جميع متطلبات تراخيص التصدير وقوانين العقوبات واللوائح المعمول بها.

وفرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات على آلاف الأهداف الروسية منذ غزو أوكرانيا وأعلنت نحو 1000 شركة مغادرتها البلاد.

وثبت أن اقتصاد روسيا البالغ 2.2 تريليون دولار والموجّه نحو التصدير، أكثر قدرة على الصمود أمام عامين من العقوبات غير المسبوقة مما كان يتوقعه كل من موسكو أو الغرب.

حرب استنزاف

قامت شركات غربية مثل «يو أو بي» ومجموعة الهندسة السويسرية «إيه بي بي» بتوريد التكنولوجيا والبرامج إلى جميع المصافي الأربعين الأكبر في روسيا على مدى العقدين الماضيين، وفقاً لأكثر من 10 مصادر صناعية روسية. وتحتوي كل مصفاة على مزيج من المعدات الروسية والأجنبية.

وأكدت شركة «إيه بي بي» لـ«رويترز» أنها توقفت عن تلقي طلبيات جديدة في روسيا منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، وليس لديها أي خطط للعودة إلى روسيا بمجرد الوفاء بالتزاماتها التعاقدية الحالية، حسبما قال متحدث باسم الشركة. ولم تذكر الشركة تفاصيل تلك الالتزامات.

ولم تُشر أي من المصادر إلى أن عطل التوربين في يناير الماضي في «نورسي» كان نتيجة لهجمات طائرات مُسيرة، لكنّها قالت إن المشكلات في المصنع تفاقمت فقط بعد أن تعرضت «نورسي» لأول ضربة من طائرات مُسيرة أوكرانية في فبراير عندما تضررت معدات أخرى، مما أدى إلى إجهاد إضافي على المصفاة بأكملها.

خفض إيرادات موسكو

وكما هو الحال في الولايات المتحدة، فإن سعر البنزين موضوع حساس سياسياً في روسيا، وتحاول السلطات الحد من ارتفاع الأسعار. وشملت الإجراءات الأخيرة فرض حظر على صادرات البنزين لمدة 6 أشهر في فبراير.

وتقول أوكرانيا إنها تهاجم المصافي الروسية لأنها تريد تقويض آلة الحرب في الكرملين عن طريق خفض إيرادات الدولة وقطع الوقود عن الجيش.

وقال فاكولينكو، الذي كان رئيساً سابقاً للاستراتيجية في شركة الطاقة الروسية العملاقة «غازبروم نفت»، والذي غادر الشركة وروسيا بعد أيام قليلة من بدء الحرب في أوكرانيا: «الطائرات المُسيرة أرخص بعشرات، إن لم يكن مئات، المرات من تكلفة الإصلاحات، وهذا مهم في حرب الاستنزاف».

وروسيا هي ثاني أكبر مصدّر للنفط في العالم. وقد أعادت توجيه معظم صادراتها من الخام والمنتجات إلى آسيا وأفريقيا منذ أن فرضت الدول الغربية عقوبات على موسكو.

وإذا واجهت موسكو انخفاضاً حاداً في إنتاج المصافي فستضطر إلى خفض صادرات الوقود لصالح الخام، وفقاً لأكثر من 10 من تجار النفط الروس.

وتورّد روسيا الخام إلى عدد قليل من كبار المشترين، مثل الصين والهند وتركيا، لكنّ مجموعة مشتري الوقود لديها أوسع نسبياً، حيث يمكنها الشحن إلى مستهلكين أصغر من دون أنظمة تكرير كبيرة في أفريقيا وأميركا الجنوبية.

ويعود تاريخ صناعة تكرير النفط الروسية إلى الأربعينات من القرن الماضي، عندما قدمت الولايات المتحدة معدات بموجب برنامج الإقراض والاستئجار خلال الحرب العالمية الثانية.

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، استثمرت شركات النفط الروسية عشرات المليارات من الدولارات في أعمال التحديث بمساعدة شركات مثل «يو أو بي» و«إيه بي بي».

وساعدت «يو أو بي» على ترقية مصافي «نورسي» و«سلافيانسك إيكو». وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات حول العالم، بما في ذلك في تركيا، لمنع نقل التكنولوجيا إلى روسيا.

ولطالما تمكنت دول تقع تحت عقوبات غربية مثل روسيا وإيران من إيجاد ثغرات للحصول على قطع غيار للمعدات المصنَّعة غربياً مثل الطائرات أو السيارات.

لكنّ معدات التكرير أكثر ندرة وتخصصاً؛ وشددت الشركات الغربية إجراءاتها لمنع روسيا من استيراد قطع الغيار عبر دول ثالثة، وفقاً لأحد المصادر الخمسة.

وقال مصدران إن «لوك أويل» طلبت من شركات صينية إصلاح الوحدة «كيه كيه - 1» في «نورسي». ولم يذكر المصدران اسم الشركات الصينية. ورفضت «لوك أويل» التعليق عندما سئلت عمّا إذا كانت قد لجأت إلى الصين.

وقال أحد المصادر: «الصين لديها التكنولوجيا. ولكن في كثير من الأحيان، هذا يعني استبدال الوحدة بالكامل بتكلفة باهظة بدلاً من الإصلاح العادي والرخيص والمستمر».


مقالات ذات صلة

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

الاقتصاد حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

قال مدير عام شركة تسويق المنتجات النفطية (سومو) العراقية، الاثنين، إنه تم استئناف تصدير النفط من حقول كركوك عبر خط الأنابيب العراقي - التركي إلى ميناء «جيهان».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد محطة وقود في لندن (أ.ب)

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد من المتوقع أن تُفرغ سفينة النفط الروسية حمولتها بميناء «ماتانزاس» في كوبا (رويترز)

ناقلة نفط روسية تصل إلى كوبا

أفادت وكالة «إنترفاكس»، نقلاً عن وزارة النقل الروسية، بوصول ناقلة النفط «أناتولي كولودكين»، التي تحمل شحنة إنسانية من النفط الخام تزن 100 ألف طن متري، إلى كوبا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)

حكومة الأردن تبدأ إجراءات تقشفية

أصدر رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسَّان، اليوم الاثنين، إعلاناً عاماً يقضي بترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق في جميع المؤسسات الحكومية والدَّوائر الرسميَّة.

«الشرق الأوسط» (عمان)
الاقتصاد محطة للتزود بالوقود في بكين تابعة لشركة «بتروتشاينا» الصينية (رويترز)

«بتروتشاينا»: إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز تمثل 10 % من عملياتنا

قال رئيس مجلس إدارة شركة «بتروتشاينا»، عملاق النفط المملوك للدولة في الصين، يوم الاثنين، إن أعمال تكرير النفط والغاز الطبيعي في الشركة تعمل بشكل طبيعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
TT

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)

قال مدير عام شركة تسويق المنتجات النفطية (سومو) العراقية، الاثنين، إنه تم استئناف تصدير النفط من حقول كركوك عبر خط الأنابيب العراقي - التركي إلى ميناء «جيهان» وكذلك عبر الطرق البرية.

وأضافت الشركة: «ندرس العروض المقدمة من بعض شركات النقل البحرية المحلية والعالمية لنقل النفط عبر المنافذ الحدودية الجنوبية».

ودعت الشركة وزارة النفط العراقية، إلى ضرورة تكثيف الجهود لغرض تصدير النفط والمنتجات النفطية.


ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».