بول رايان.. رجل الأفكار الاقتصادية

رئيس مجلس النواب الأميركي الجديد يسعى لتوحيد الجمهوريين المعتدلين والمتشددين قبل الانتخابات

بول رايان.. رجل الأفكار الاقتصادية
TT

بول رايان.. رجل الأفكار الاقتصادية

بول رايان.. رجل الأفكار الاقتصادية

لم يأت انتخاب بول رايان رئيسا جديدا لمجلس النواب الأميركي مفاجأة داخل الأوساط السياسية في الولايات المتحدة. فعلى امتداد 17 سنة أمضاها رايان نائبا في المجلس عن مقاطعة جاينزفيل بولاية ويسكونسن، نجح في جذب الأضواء إليه بعد جهوده في ملفات اقتصادية مهمة وشائكة داخل الكونغرس.
فقد برز اسم رايان بعد وضعه مقترحات لتعديل برنامج الرعاية الصحية ورسم خطة محكمة لإعادة هيكلة قانون الضرائب، ومقترحات لتقليل النفقات وتوفير الضمان الصحي للمسنين. كذلك شغل رايان منصب رئيس لجنتين من أهم وأقوى لجان مجلس النواب الأميركي، هما لجنة الميزانية ولجنة المواصلات.

في عام 2012 اختاره ميت رومني مرشح الحزب الجمهوري لرئاسة الجمهورية ليكون نائبه من منطلق إعجابه بأفكاره القيادية، إلا أن رومني - كما هو معروف - خسر الانتخابات أمام الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن.
في الواقع، لم يسع النائب عن ولاية ويسكونسن إلى منصب رئيس مجلس النواب، بل سعى المنصب إليه بضغوط من قادة الحزب الجمهوري، الذين اعتبروا أن رايان يملك المؤهلات المطلوبة للمنصب، وأنه السياسي الأقدر على توحيد صفوف الجمهوريين المنقسمين على أنفسهم. وبالفعل، تردّد رايان في تولي المنصب، لكنه استجاب في النهاية لضغوط قادة الحزب بعد انسحاب النائب كيفن ماكارثي الذي كان الأقرب إلى المنصب. ثم إنه، قبل أن يقبل ترشيحه رسميا، طالب بأن يتّحد خلفه ساسة الحزب الجمهوري بكل أجنحته وتياراته، وأن يحصل على دعم تيار اليمين المتشدد والمحافظين داخل الحزب جنبا إلى جنب مع أصوات المعتدلين.
وحقا، نجح رايان (45 سنة)، الذي يصف نفسه بأنه من «صقور» الحزب - أي متشدديه - في قضايا الميزانية بحصد أصوات 236 صوتا من مجلس النواب بكامل هيئته (إجمالي 435 عضوا) خلال عملية الاقتراع التي أجريت أخيرا، وبذا غدا الرئيس الرابع والخمسين في تاريخ مجلس النواب الأميركي، بل، والرئيس الأصغر سنا بين كل من تقلدوا هذا المنصب الرفيع منذ الحرب الأهلية الأميركية، أي منذ 140 سنة. وللعلم، وفقا للدستور الأميركي، يُعد رئيس مجلس النواب الرجل الثالث في هرم السلطة في الولايات المتحدة بعد الرئيس ونائبه.
في كلمته الأولى أمام الكونغرس بعد انتخابه، ركّز رايان على أهمية عمل كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي معا، والاستماع إلى وجهات النظر المتعارضة، والتأكيد على أن النقاش والخلافات جزء ضروري من العملية التشريعية، داعيا إلى «قدر أكبر من الاحترام والعمل لجعل الشعب الأميركي أكثر وحدة وأكثر حرية».
وحقا، فإن فكرة توحيد الحزب والاتفاق على أرضية مشتركة هي القضية الأساسية التي تشغل بول رايان اليوم بعدما كادت تمزق الحزب الجمهوري خلافات طاحنة بين تياري المعتدلين والمتشددين، بلغت حد دفع رئيس مجلس النواب السابق جون بوينر إلى تقديمه استقالته في أعقاب الهجوم الضاري الذي شنه أعضاء متشددون في الحزب عليه، واتهامهم إياه بالتراخي والتخاذل والتلكؤ في الوقوف بحزم في وجه سياسات إدارة الرئيس أوباما وحزبه الديمقراطي.
جدير بالذكر أن الحزب الجمهوري عانى طويلا من صراع داخلي في ظل تنامي أصوات الجناح المتشدد من الجمهوريين لا سيما التجمع المحافظ الذي يطلق عليه اسم «حفلة الشاي». ولقد تسبب هذا الصراع الداخلي بكثير من الأزمات داخل الكونغرس، كان أبرزها إغلاق الحكومة الفيدرالية في أكتوبر (تشرين الأول) 2013 بعد فشل تيارات الحزب في الاتفاق على استراتيجية تجنب الإغلاق الحكومي.
ولذا دعا رايان إلى طي صفحة الماضي وبدء صفحة جديدة. وخلال الأيام القليلة الماضية خرج رايان في أربعة حوارات تلفزيونية يطالب الحزب بتوحيد الصفوف وتبنّي سياسات جيدة والالتفاف حول أفكار كبيرة. وقال رايان في برنامج «واجه الصحافة» على شبكة «إن بي سي» الأحد الماضي: «كان الحزب قويا في التكتيكات، لكنه خجول في الخروج بأفكار وسياسات، وهذا هو ما علينا القيام به». كذلك قال الرئيس الجديد لمجلس النواب: «ما علينا فعله هو الالتفاف حول مجموعة مشتركة من المبادئ وتطبيقها على المشاكل وإعطاء البلاد خيارا جريئا».
في المقابل، يرى محللون أن هدف رايان في توحيد الحزب الجمهوري وتحقيق التوافق في الآراء بين أعضائه سيكون تحديا كبيرا بالنسبة له. وهذا أمر يدركه الرئيس الجديد الذي قال في حواراته التلفزيونية بصراحة: «ليس لديّ سبب للاعتقاد أن الحزب الجمهوري سيظهر فجأة في حالة وحدة وطنية بين عشية وضحاها». بل ذهب بعض المحللين لأبعد من ذلك، قائلين إن رايان دخل بقدميه إلى «عش دبابير»، حيث سيواجه سلسلة من القضايا الخلافية التي يمكن أن تقوّض قبضته على مجلس النواب، وهذا في إشارة إلى أن الحزب الجمهوري يواجه أزمة وجودية مع المشاحنات والخلافات بين فصائله وطبقاته الآيديولوجية. وسيضطر رايان إلى خوض معارك مالية طاحنة داخل الحزب وخارجه، وهي المعركة التي قسمت الجمهوريين منذ حقق الحزب السيطرة على مجلس النواب في انتخابات عام 2010.
بالتحديد، أبرز تحدٍ يواجهه رايان هو تحفيز الحزب الجمهوري للخروج ببرنامج جيد للسياسة الضريبية، وتقديم بديل جيد لبرنامج الرعاية الصحية الذي طرحه الرئيس أوباما، المعروف باسم «أوباما كير». وهو التحدي الذي واجهه سلفه جون بوينر الذي حاول عبثا توحيد الحزب خلف مقترحات بديلة لبرنامج «أوباما كير»، وخرجت عدة مشاريع قوانين لكن الجمهوريين لم يتمكنوا من التوافق حول فكرة أو مقترح أو مشروع قانون.
رغم هذا، نجح بوينر قبل أن يترك منصبه في تمرير موافقة على ميزانية لمدة سنتين، وتمديد سقف الدين حتى عام 2017، مما مهد لرايان القدرة على بدء التفاوض بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ حول سياسات التمويل للميزانية. وسيكون الآن أمام رئيس النواب الجديد العمل للتوصل إلى اتفاق بشأن مشروع قانون الاتفاق الشامل كي يصبح قانونا قبل انتهاء التمويل الحالي بحلول 11 ديسمبر (كانون الأول) والتصدي للقضايا الشائكة مثل قانون الرعاية الصحية بأسعار مناسبة، وتنظيم الأسرة، وإعادة العلاقات مع كوبا، وغيرها. وهنا لا بد من القول بأن رايان نفسه كان قد حاول توحيد الحزب للحصول على موافقته لاستخدام عوائد الضرائب على الشركات لتمويل قانون للطرق السريعة، لكنه لم يستطع تحقيق ذلك.
رايان وأوباما وماكونيل
من جهة أخرى، يترقب المحللون كيف ستكون العلاقة بين رئيس مجلس النواب الجديد، والرئيس أوباما، وشكل الديناميكية التي ستكون بينهما، ومساحات التعاون والاختلاف، ومدى التعاون بين موظفي الرئيس في البيت الأبيض وموظفي رئيس المجلس.
وفي هذا المجال، استبق رايان أي لقاءات مرتقبة مع أوباما معلنا في حواره مع شبكة «سي إن إن» أنه يرفض التعاون مع أوباما في ملف الهجرة، رافضا أي تعديل محتمل قبل عام 2017، وأردف: «لماذا نقر قانونا حول موضوع يثير انقساما مع رئيس لا يمكن الوثوق به؟».
لكن هناك ثنائيا آخر ستكشف الأيام مدى التقارب والتباعد بينهما، هما رايان وزعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل (73 سنة). والسؤال المطروح هو ما إذا كان بمقدور الرجلين دفع جدول أعمال الحزب والمضي قدما في قضايا السياسة مع اقتراب انتخابات الرئاسة العام المقبل، بحيث يتجنب الحزب حالة الفوضى قبل التوجه للانتخابات. وفي هذا الصدد يقول روجر ويليامز، النائب عن ولاية تكساس: «أعتقد أنه ستكون هناك خطوط اتصال بين رايان وماكونيل خاصة أنهما يرتبطان بعلاقة مهنية ودية بكل المقاييس». مع هذا، يقول المقربون من رايان إنه يريد مواصلة الدفع بمبادراته، مثل إعادة هيكلة قانون الضرائب لتمويل مشاريع الطرق السريعة، في حين يعارض ماكونيل سرا وعلانية مناقشة تعديل قانون الضرائب لتمويل مشاريع الطرق، وهو يريد ضمه إلى مشروع قانون إصلاح ضرائب موسع، معتبرا أنه ليس هناك الوقت الكافي للتوصل إلى اتفاق على هذا التشريع الضريبي المعقد خلال الشهور المتبقية من حكم أوباما. لكن، إذا تمكن مجلسا الشيوخ والنواب من التوافق حول مشروع موحّد فإن هذا سيكون بمثابة فوز كبير لكل من رايان وماكونيل.
وحول التحديات الأخرى التي يواجهها رئيس مجلس النواب الجديد يقول البروفسور ماثيو غرين، أستاذ الدراسات البرلمانية بالجامعة الكاثوليكية في واشنطن: «أمام رئيس مجلس النواب بول رايان مهمتان رئيستان: فهو يحتاج إلى تهدئة الخلافات داخل حزبه وتهدئة مخاوف وقلق الناخبين حول الحزب، حتى يغدو بإمكان الحزب الجمهوري مساعدة مرشحه في السباق الرئاسي إلى البيت الأبيض».
ومن جانبه، يرى آرثر بروكس، رئيس معهد «أميركان إنتربرايز»، أنه «لا يوجد داخل الحزب الجمهوري من هو أفضل من رايان للقيام بمهمة توحيد الحزب، وهو الذي قدم خلال السنوات الماضية مقترحات حول تعديل الميزانية والضرائب، ومقترحات لعلاج مشاكل الفقر، وتقليص البرامج الحكومية، وتوسيع فرص الأفراد، وتحويل الرعاية الصحية إلى نظام القسائم. لذا فهو الشخص المثالي لقيادة مجلس النواب». ويضيف: «إن أفضل طريقة للنجاح هي توسيع القيادة، أي إعطاء المزيد من الفرص لوجهات النظر المعارضة، وعرض المزيد من الأفكار والرؤى. وهذا ما يحاول رايان القيام به، وأحد الأسباب التي دفعت أعضاء مجلس النواب للتصويت لصالحه. لقد وعد رايان بإدارة مجلس النواب من أسفل إلى أعلى، وليس من أعلى إلى أسفل (أي من قاعدة النواب إلى رئيس المجلس وليس العكس)». ويشير إلى أن رايان - الذي يتمتع بملامح رياضية تضيف مظهرا شبابيا للحزب الذي يعجّ بكبار السن كما يتمتع بقدرات بلاغية ومهارة في التعبير عن أفكاره وقناعات الفكرية بسهولة - يحظى بقبول المحافظين المتشددين، وفي الوقت نفسه يشيد الجمهوريون المعتدلون بطموحه وقدراته السياسية وأفكاره الاقتصادية.
سيرة شخصية
ولد بول ديفيز رايان في 29 يناير (كانون الثاني) 1970 في مدينة جاينزفيل بولاية ويسكونسن، بشمال الولايات المتحدة، لأب من أصول آيرلندية اسمه بول موراي رايان كان يعمل محاميا، وأم من أصل ألماني إنجليزي. وهو الولد الأصغر بين إخوته الأربعة. تربى رايان في بيئة منزلية ومدرسية كاثوليكية، إذ درس في مدرسة كاثوليكية في جاينزفيل، وكان نشطا في رياضات التزلج وكرة السلة وكرة القدم. غير أنه صدم في سن السادسة عشرة بمأساة وفاة والده إثر نوبة قلبية، وهو ما دفعه لممارسة الرياضة بكثافة.
حصل رايان على درجة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة ميامي بمدينة أكسفورد في ولاية أوهايو، وعلى شهادة البكالوريوس في الآداب عام 1992. وخلال سنوات الدراسة عمل نادلا ومدربا للياقة البدنية، وانخرط في وظائف أخرى لتغطية مصاريفه الجامعية. وبعد التخرج شق رايان طريقه السياسي موظفا متدربا في الكونغرس بمكتب السيناتور بوب كاستن، العضو الجمهوري في مجلس الشيوخ عن ولاية ويسكونسن، ثم أصبح مساعدا له. وفي عام 1997 عاد رايان إلى ويسكونسن حيث عمل لمدة سنة مستشار تسويق لشركة البناء رايان إنكوربوريتد التي يمتلكها أقاربه.
انتخب رايان لأول مرة عضوا في مجلس النواب عام 1998، وأعيد انتخابه ثماني مرات ملحقا هزائم مريرة بمنافسيه من الديمقراطيين. وفي عام 2007 أصبح رايان عضوا بارزا في لجنة الميزانية بمجلس النواب، ثم انتخب رئيسا لها في عام 2011 بعد سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب. وخلال عمله في مجلس النواب رعى أكثر من 70 مشروع قانون وتعديلا، وكان من المؤيدين لتخفيضات الرئيس جورج بوش «الابن» الضريبية وخطط إنقاذ صناعة السيارات. وفي عام 2008 قدّم رايان «خريطة طريق» لمستقبل أميركا عرفت باسم «ميزانية رايان»، واقترح تخفيضات للضرائب عن طريق خفض معدلات ضريبة الدخل والقضاء على ضرائب الدخل على الأرباح الرأسمالية وأرباح الأسهم والفائدة وإلغاء الضريبة العقارية.
وأثناء عمله التشريعي صوت رايان ضد قانون الرعاية الصحية الذي طرحه الرئيس أوباما «أوباما كير» عام 2010، وشارك مع غيره من الجمهوريين اليمينيين المحافظين في وضع تدابير لتقييد الإجهاض وفرض عقوبات على الأطباء الذين يجرون عمليات الإجهاض، كما عارض كغيره من اليمينيين المحافظين زواج المثليين. ومنذ 2013 قاد جهودا لتعديل برامج لمكافحة الفقر داخل الولايات الأميركية. أما على صعيد السياسة الخارجية فكان رايان من الجمهوريين الذين صوتوا لصالح استخدام القوة العسكرية في العراق، كما أيد زيادة الإنفاق على الحرب في أفغانستان وفي الإنفاق على منظومات الأسلحة المختلفة.
رايان متزوج من المحامية جانا ليتل، ولديهما ثلاثة أطفال هم ليزا وتشارلز وسام. وهو يعد من الأتباع النشطين في كنيسة القديس جون (مار يوحنا) الكاثوليكية. كما يعرف عنه شغفه بموسيقى الهارد روك.
رئيس مجلس النواب الأميركي الجديد يصفه محبوه بأنه رجل الأفكار الجديدة، ويشيدون بمهارته في اختيار التوقيت المناسب لعرض أفكاره، ولقد وصفه الرئيس السابق جورج بوش بأنه «رجل الرؤى والأفكار».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.