في سجن «داعش» لم يكن لديه أمل.. لكن بعد ذلك سمع صوت «الدرون»

أبو أحمد تعرض للصعق بالكهرباء ولم ير ضوء الشمس لمدة 5 أشهر وخضع لعمليات إعدام وهمية

في سجن «داعش» لم يكن لديه أمل.. لكن بعد ذلك سمع صوت «الدرون»
TT

في سجن «داعش» لم يكن لديه أمل.. لكن بعد ذلك سمع صوت «الدرون»

في سجن «داعش» لم يكن لديه أمل.. لكن بعد ذلك سمع صوت «الدرون»

قبل وصول القوات الخاصة الكردية والأميركية إلى باب زنزانته الشهر الماضي، لم يكن حسن أبو أحمد قد رأى النور لمدة خمسة أشهر.
وباحتجازه في سجن «داعش» القريب من بلدة الحويجة الواقعة شمال العراق، كان أبو أحمد، البالغ من العمر 46 عاما، متهما بالتجسس، وتلقى التعذيب بصورة منتظمة.
في بعض الأحيان، كانوا يضعون كيسا بلاستيكيا على وجهه حتى يكاد أن يختنق. كما تم صعقه بالكهرباء، وتلقى الضرب بالأنابيب البلاستيكية، وتم جلده بسلك كهربائي. وخضع لعمليات إعدام وهمية.
وقال أبو أحمد: «كانوا يصوبون المسدس نحو رأسي، ويهددونني بالقتل، ومن ثم يطلقون النار بجانبي». وأضاف: «كنا نخشى الإعدام في أي وقت».
وتطرق سجينان كانا محتجزين في نفس المنشأة إلى تفاصيل الحياة في سجن «داعش»، وعملية تحريرهم. وحررت تلك العملية - كما أوضح جندي كوماندوز كردي أيضا - 69 معتقلا، وهي المرة الأولى التي تؤكد فيها القوات الأميركية مرافقة القوات العراقية بشكل مباشر في ساحة المعركة في الحرب ضد تنظيم داعش.
لكن الغارة خلفت مقتل جندي أميركي أيضا، وهو أول قتيل في القتال منذ عودة القوات إلى العراق العام الماضي، مما يسلط الضوء على التكلفة التي تواجهها الولايات المتحدة وسط جهود وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) المبذولة لتوسيع التدخل العسكري في العراق وسوريا. ولخّص وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر مؤخرا استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة ضد «داعش» بأنها تتركز على ثلاثة أشياء: الرقة، والرمادي، والغارات. الرقة هي معقل «داعش» في سوريا، والرمادي هي مدينة عراقية وقعت تحت سيطرة المتشددين في وقت سابق من هذا العام.
وكان من المفترض أن تقود القوات الكردية الغارات في الحويجة، بيد أنه تم استدعاء القوات الأميركية عندما أخفقت القوات الكردية في التقدم.
وتلقت السلطات الكردية معلومات استخباراتية بأن الجنود الأكراد المأسورين - المعروفين باسم البيشمركة - يقبعون في سجن مؤقت. وتم حفر مقبرة جماعية بطول 20 ياردة على أرض السجن، وكانت هناك مخاوف من قتل المعتقلين قريبا.
وقال جندي كوماندوز كردي، شارك في الغارة، متحدثا شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن التخطيط للعملية استغرق خمسة أيام. وتلقت الولايات المتحدة طلبا بلعب دور «اللوجيستيات والدعم» خلال العملية.
وفي يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول)، اليوم الذي سبق الغارة، قال أبو أحمد إنه سمع صوت أزيز طائرات من دون طيار (درونز) في سماء المنطقة من زنزانته التي كان يتشاركها مع عشرات السجناء الآخرين، الذين وقعوا تحت طائلة قوانين «داعش» الصارمة.
وتلقى أبو أحمد اتهاما بتزويد السلطات الكردية بالمعلومات، وهو شيء أقر بفعله.
وذكر أبو أحمد: «دائما ما أعطي معلومات للأشخاص هنا، لأننا أردنا التحرر لمنطقتنا». وأضاف: «كنا نراقب ما يجري في المنطقة، وكذلك أعداد أفراد (داعش)، وإذا ما كانوا يعتزمون الهجوم أم لا».
وأثارت رحلات أبو أحمد المتكررة إلى مدينة كركوك المجاورة، خارج منطقة «داعش»، الشكوك حوله. وعندما تولى المتشددون السيطرة على الحويجة، التي تقع نحو 150 ميلا شمال العاصمة بغداد، في يونيو (حزيران) 2014، قاوم أبو أحمد الضغوط للانضمام لـ«داعش».
وأوضح أبو أحمد: «كانوا يعرفونني شخصيا، وعائلتي، وقبيلتي، بشكل جيد». وتابع: «كانوا يتطلعون لانضمام الأشخاص المؤثرين إليهم».
واستطرد أبو أحمد بالقول إن الحياة في البلدة تحولت من «الأبيض إلى الأسود»، عندما وقعت تحت قبضة «داعش».
وفي مايو (أيار)، ظهر خمسة أعضاء مسلحين من «داعش» في منزله للقبض عليه، وبعد أن عصبوا عينيه واقتادوه إلى السجن في ذلك اليوم، لم ير أبو أحمد النور من وقتها لمدة خمسة أشهر.
وأشار أبو أحمد إلى أنه ظل يدعو الله من أجل إنقاذه، لكن أمل التحقيق لديه كان ضئيلا.
وفي تمام الساعة الثانية ظهر يوم 22 أكتوبر، شنت القوات الخاصة من قسم مكافحة الإرهاب في المنطقة الكردية عملية الإنقاذ، يرافقها نحو 30 جنديا أميركيا. كما شاركت المروحيات الأميركية من طراز «شينوك» و«بلاك هوك» في العملية.
وسمع أبو أحمد صوت اقتراب المروحيات. وعندما بدأ الحراس في الصراخ، أدرك أنها محاولة إنقاذ جارية.
وصرخ الحارس وهو مرتبك، قائلا: «قوات مظلات، قوات مظلات!»، بحسب أبو أحمد. ويقول المسؤولون الأميركيون والأكراد إن قوات المظلات لم تشارك في الغارة، حيث هبطت المروحيات على مقربة نحو 30 ياردة من السجن.
وفي زنزانة أخرى، فزع قاسم عوض، عمره 36 عاما، من صراخ الحراس.
وقال عوض: «سمعنا أصوات المروحيات. كنا جميعا خائفين، واختبأنا في الحمامات».
وأوضح عوض أنه كان يقبع في السجن لمحاولته الهروب من الحويجة مع زوجتيه وأطفاله العشرة. وبقي في السجن لمدة أسبوعين قبل محاولة الإنقاذ.
ولم يتم التحقق من أسباب احتجاز السجناء بشكل مستقل. وكان ضابط أمن كردي حاضرا أثناء مقابلتهم، التي جرت في مقر الأمن بأربيل، عاصمة كردستان العراق. وبعد أسبوعين من الغارة، لا يزال المعتقلون السابقون يخضعون لإجراءات السلطات الكردية والأميركية، مع مخاوف من أن بعضهم قد يكونون متعاطفين مع «داعش» لكن أُلقي القبض عليهم لارتكابهم جرائم طفيفة.
وذكر عوض، وهو سائق شاحنة خدم في الجيش العراقي، إن المحقق الرئيسي معه في السجن، وهو مقاتل من محافظة ديالي المجاورة، كان يدعى «أبو حجار». وقال إنه خسر بعض سمعه بعد ضربة على رأسه بأنبوب بلاستيك.
وأضاف عوض: «اعترفت. لم أتحمل التعذيب. أخبرني السجناء الآخرون عن الصدمات الكهربائية، ولم أتحمل ذلك. قررت أن الموت هو أفضل طريقة للخروج من المحنة، وبعدها جاءت عملية الإنقاذ».
وأردف عوض بالقول إنه وضع بصمته على اعتراف مكتوب، رغم أنه لم يعرف ما كان مكتوبا بداخلها، لأنه كان معصوب العينين في ذلك الوقت.
وتابع عوض أنه لم يكن يعرف أنه بانتظار صدور الحكم من محكمة «داعش»، لكنه كان يتوقع الإعدام.
وفي ليلة الغارة، قال جندي الكوماندوز الكردي إن فريقه تعرض لإطلاق نار من حراس السجن بمجرد هبوط المروحيات. وكانت الخطة هي تولي القوات الكردية القيادة.
وأضاف الجندي: «هاجمونا على الفور. وفي تلك المرحلة، كنا نقود الهجوم. فخاضت القوات الكردية القتال، مما أسفر عن مقتل حارسين»، لافتا إلى أن فريقه حاول دخول أحد عدة منشآت في السجن، الذي كان منزلا في السابق.
لكن الفريق تعرض لإطلاق النار مجددا حينها. وذكر جندي الكوماندوز: «كنا مشتركين في تبادل إطلاق نار مكثف، لذلك طلبنا الدعم من الأميركيين». وتابع: «خلال تبادل إطلاق النار المكثف، قُتل ضابط أميركي للأسف».
وعندما وصلت القوات الأميركية والكردية إلى زنزانة عوض، بحسب الجندي، صرخ سجين كان يتحدث بعض اللغة الإنجليزية، قائلا: «رجاء ساعدونا! رجاء ساعدونا!». وجرى تفتيش السجناء، وتم تكبيل أيديهم، وذلك قبل جلوسهم على الأرض بانتظار اقتيادهم إلى المروحيات ونقلهم جوا إلى مقر الأمن بأربيل.
* خدمة «واشنطن بوست»



العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
TT

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)

وسط تأكيد سعودي على الاستمرار في دعم اليمن لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الاثنين، على ضرورة احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات ومنع أي تشكيلات عسكرية خارج سلطة الدولة.

وجاءت تصريحات العليمي خلال استقباله في الرياض قائد «القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية» في اليمن، الفريق الركن فهد بن حمد السلمان، حيث يأتي اللقاء ضمن جهود التنسيق المستمر بين اليمن و«التحالف» لتعزيز قدرات القوات المسلحة اليمنية في مواجهة التهديدات الأمنية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وضمان الأمن في المناطق المحررة.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن العليمي تأكيده على أن احتكار الدولة السلاح «خطوة حاسمة لتعزيز سيادة المؤسسات الحكومية وتحقيق الاستقرار في المحافظات المحررة، ومنع أي تشكيلات عسكرية أو أمنية خارج نطاق الدولة».

كما أشاد بالدعم السعودي المستمر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، إلى جانب الدعم المباشر من الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، في مواجهة الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

اجتماع للقيادات العسكرية اليمنية في عدن لمناقشة إخراج معسكرات القوات خارج المدينة (سبأ)

وأشار العليمي إلى النجاحات النوعية التي حققتها «القوات المشتركة» خلال عملية تسلم المواقع العسكرية، وما رافقها من تقدم ملموس في تأمين العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

كما أعرب عن تقديره الجهود الإنسانية والمشروعات التنموية السعودية المصاحبة، بما في ذلك تمويل رواتب الموظفين؛ مما أسهم في دعم الاستقرار المحلي وتعزيز التنمية الاقتصادية.

استمرار الدعم

وجدد الفريق السلمان، قائد «القوات المشتركة»، التأكيد على استمرار دعم السعودية اليمن في المجالات العسكرية والأمنية والتنموية، مشدداً على التزام «التحالف» مساندة القيادة اليمنية في تحقيق تطلعات الشعب اليمني نحو الأمن والسلام والتنمية المستدامة؛ وفق ما نقله الإعلام الرسمي اليمني.

كما قدم الفريق السلمان تهانيه للعليمي بالمكاسب الأخيرة والقرارات التي من شأنها تعزيز الاستقرار ودعم المواطنين في المناطق المحررة.

يأتي هذا اللقاء في وقت تتواصل فيه جهود استعادة الدولة اليمنية وإعادة هيكلة القوات المسلحة لضمان سيادة الدولة ووقف انتشار التشكيلات المسلحة خارج نطاقها، في خطوة محورية نحو تعزيز الأمن الوطني وتحقيق السلام الدائم.


الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
TT

الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)

اتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، دولة الإمارات العربية المتحدة باستغلال مشاركتها ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن لتحقيق أجنداتها الخاصة، مؤكداً أن ممارساتها في المحافظة شكلت صدمة للسلطات المحلية ولأبناء حضرموت.

وقال الخنبشي، خلال مؤتمر صحافي عقده في مدينة المكلا، الاثنين، إن السلطات المحلية كانت تعوّل على أن تكون الإمارات «سنداً وعوناً» لليمنيين في إطار التحالف، إلا أن تصرفاتها على الأرض جاءت «مخالفة للتوقعات»، مشيراً إلى أن حضرموت عانت من هيمنة مجموعات مسلحة تابعة لعيدروس الزبيدي، وبدعم مباشر من أبوظبي.

وأوضح الخنبشي أن المحافظة تحررت من تسلط عيدروس الزبيدي والهيمنة الإماراتية»، متهماً المجموعات المسلحة التابعة له بنهب مقرات الدولة، وترويع الأهالي، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالأمن والاستقرار في حضرموت خلال المرحلة الماضية.

وأكد الخنبشي أن السلطات ستتخذ «الإجراءات القانونية كافة» تجاه الإمارات والمجموعات المسلحة التابعة للزبيدي، مشدداً على أن العدالة ستُطبَّق، وأن القانون «سيأخذ مجراه دون استثناء»، مع التعهد بدعم ضحايا الانتهاكات ومحاسبة جميع المتورطين.

وكشف عضو مجلس القيادة الرئاسي عن اكتشاف «عدد كبير من السجون السرية» قال إنها كانت تدار بدعم إماراتي داخل حضرموت، إضافةً إلى العثور على متفجرات جرى تخزينها في معسكر مطار الريان، وُصفت بأنها كانت معدة لاستهداف أبناء المحافظة وتنفيذ عمليات اغتيال.

وأشار الخنبشي إلى أن حضرموت طوت «صفحة مريرة وخطيرة» من تاريخها، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن هذا الدعم أسهم في استعادة الاستقرار، وتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء مرحلة من الفوضى والانتهاكات.

يأتي المؤتمر الصحافي للخنبشي في ظل جهود حثيثة لإعادة تطبيع الأوضاع الأمنية في حضرموت، وسط مطالب محلية متزايدة بتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء أي وجود مسلح خارج الأطر الرسمية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الماضية.


دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
TT

دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)

في خطوة تؤكد استعادة ملف الجنوب اليمني بوصفه قضية مركزية في مسار السلام في اليمن، احتضنت الرياض «اللقاء التشاوري الجنوبي» تمهيداً لمؤتمر حوار جنوبي شامل، حيث جمع اللقاء قيادات ومكونات جنوبية، بمن فيهم المطالبون باستعادة الدولة التي كانت قائمة في الجنوب والشرق اليمني قبل الوحدة الاندماجية مع الشمال في 1990.

ويأتي اللقاء التشاوري، الذي حضره نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي وقرأ بيانه الختامي، في إطار مسار سياسي تسعى السعودية لرعايته، بعيداً عن الاستقطابات الداخلية، والتدخلات الخارجية المثيرة للجدل، سعياً لحلول «عادلة، وآمنة، ومستدامة» وفق البيان الختامي للقاء.

وتظهر السعودية، من خلال رعايتها لهذا اللقاء، تحولاً في أدائها الإقليمي من طرف داعم عسكرياً يقود التحالف الداعم للشرعية إلى راعٍ سياسي رئيس للحل الشامل. وقد عبّر البيان عن هذا الدور بوضوح، مشيراً إلى أن المملكة «لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار» جنوبي، شرط أن يكون نتاج حوار جنوبي-جنوبي شامل، وغير مُحتكر.

جانب من الحضور في المؤتمر التشاوري الجنوبي المنعقد في الرياض (أ.ب)

وإضافة إلى الطبيعة المباشرة والشاملة للرعاية السعودية، تجاوز ذلك الدعم السياسي إلى معالجات اقتصادية عاجلة، ومنها تخصيص 1.9 مليار ريال سعودي لدعم الاقتصاد، وضمان صرف مرتبات الموظفين والعسكريين.

ويؤكد مراقبون أن هذه الخطوات تُعطي الرعاية السعودية مصداقية عملية، وتُقيم ارتباطاً مباشراً بين الاستقرار المعيشي ونجاح المسار السياسي.

رفض التدخل الفوضوي

في المقابل، حمل البيان الختامي للقاء التشاور الجنوبي، والمواقف المصاحبة له نقداً لاذعاً، وإن كان غير مباشر، للدور الإماراتي، الذي يتهمه مراقبون بتعزيز الانقسامات الجنوبية عبر دعم أطراف محددة، هي التي كانت مستفيدة من كل ما حولها بقيادة عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل الذي هرب إلى أبوظبي بعد رفضه الانخراط في الحوار الذي ترعاه الرياض.

ويشير التحليل الضمني إلى أن الرياض تُقدم نفسها بوصف أنها نموذج مضاد للتدخلات الإماراتية «الفوضوية»، عبر التركيز على الحوار الجامع للجنوبيين، ودعم مؤسسات الدولة ضمن مسار يقود لاحقاً إلى ترتيب كامل الجغرافيا اليمنية، وصولاً إلى سلام شامل في الشمال والجنوب على حد سواء.

وفيما يتطلع فريق من القيادات الجنوبية إلى الانفصال عن الشمال، واستعادة الدولة التي كانت قائمة قبل الوحدة الاندماجية، يتطلع فرقاء آخرون إلى صيغ أخرى، حيث يفضلون البقاء ضمن يمن اتحادي يحظى بأقاليم تحكم نفسها ذاتياً، فيما يتطلع فرقاء آخرون إلى حلول أخرى يرون أنها ستكون أكثر إنصافاً وبعداً عن الهيمنة، والتبعية المركزية المجحفة.

اللقاء التشاوري الجنوبي أكد على رفض استغلال المظاهرات لإحداث الفوضى (أ.ف.ب)

كل هذه الرؤى والتطلعات –بحسب المراقبين- تضع السعودية في موقع الوسيط الحريص على توحيد الجنوبيين، فيما قد يُنظر إلى أبوظبي على أنها طرف يغذي التفتيت، ويهدف إلى زعزعة الاستقرار، وتنفيذ أجندات مشبوهة.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي طلب من الإمارات مغادرة اليمن عسكرياً، ووقف التدخل في شؤونه الداخلية بعد أن قامت بدعم ورعاية التحركات الأحادية التي قادها الزبيدي عسكرياً لإخضاع حضرموت والمهرة بالقوة.

تحديات داخلية

ويكشف اللقاء الجنوبي التشاوري والبيان الختامي عن إدراك عميق للتحديات الداخلية التي أنهكت القضية الجنوبية، فقد شدد المشاركون على رفض «احتكار التمثيل»، أو «اختزال القضية» في مكون أو شخص، في إشارة واضحة إلى ممارسات سابقة لبعض القيادات، يتصدرهم عيدروس الزبيدي.

كما ميّز البيان بوضوح بين «عدالة القضية» بوصف أنها مطلب سياسي وحقوقي مشروع، وبين «الممارسات الفردية» لبعض القيادات التي ألحقت ضرراً بالقضية عبر «توظيفها في صراعات إقليمية»، أو «قضايا فساد وسوء إدارة». وسط الكشف عن قضايا فساد كبيرة مرتبطة بالزبيدي، والمقربين منه.

ويبدو أن هذا النقد الذاتي، لا سيما في أوساط من كانوا منتمين للمجلس الانتقالي الجنوبي قبل حلّه بقيادة الزبيدي، يعد تطوراً ملحوظاً، حيث يُظهر رغبة في تصحيح المسار، واستعادة المصداقية المفقودة أمام الشارع الجنوبي، والمجتمع الدولي.

اللقاء التشاوري الجنوبي انعقد بحضور عبد الرحمن المحرّمي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني (رويترز)

كما أن الدعوة الموجهة لجماهير الجنوب لدعم المسار الراهن «بوعي، ومسؤولية» تأتي في سياق محاولة استعادة الشرعية الشعبية للعملية السياسية، بعيداً عن توظيف الاحتجاجات الشعبية في عدن لأغراض ضيقة، كما يريد لها المراهنون على الفوضى التي تريد الإمارات تغذيتها عبر أدواتها، والرافضون لمنطق الحوار.

كل ذلك يشير إلى أن «القضية الجنوبية» باتت الآن في طريقها للبحث عن هيكلة جديدة، يكون الحوار والتمثيل الجامع أساسها، بدلاً من الزعامات الفردية، والخضوع للرغبات الأحادية المعتمدة على قوة السلاح.

فرصة تاريخية

ويصف البيان الختامي للقاء التشاوري مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل المرتقب انعقاده بأنه «فرصة تاريخية نادرة»، وهي فرصة تكمن في توفر رعاية سعودية تدفع للحوار من ناحية، ومن ناحية ثانية في وجود إجماع جنوبي مبدئي على الاحتكام لطاولة المفاوضات باعتبار أنه مسار وحيد، وآمن.

الأهم من كل ذلك، هو أن الحل السياسي للقضية الجنوبية أصبح يُنظر إليه، إقليمياً ودولياً، على أنه «مدخل أساسي» لأي تسوية شاملة في اليمن، مما يرفع سقف الأهمية والتركيز عليه.

شخصيات جنوبية تاريخية حضرت اللقاء التشاوري في الرياض يتصدرهم حيدر أبوبكر العطاس (رويترز)

لكن هذه الأرضية واعدة ومحفوفة بالمخاطر في الوقت ذاته، حيث إن الخطر الأكبر يتمثل في «محاولات العبث» بهذه الفرصة، سواء عبر «خلق استقطابات داخلية» مدعومة إقليمياً، أو «الزج بالجنوب في صراعات جانبية»، فضلاً عن تراكم المظالم والانقسامات الجنوبية-الجنوبية العميق، وهو ما سيجعل مهمة الحوار بحاجة إلى أكبر قدر من المسؤولية السياسية والتاريخية.

إلى ذلك، يظهر اللقاء التشاوري الجنوبي على أنه محاولة لإعادة تدوير القضية الجنوبية من مسار الصراع والانقسام إلى مسار الحوار والتسوية، لكن النجاح سيبقى مرهوناً بقدرة القيادات الجنوبية على تجاوز إرث الاحتكار والصراع وتوحيد كلمتهم، إلى جانب الجهد السعودي الذي سيتواصل لتحييد التدخلات المعيقة، وإقناع المجتمع الدولي بدعم هذا المسار باعتبار أنه جزء من حل يمني شامل.