مصريون يسعون لمنح شرم الشيخ «قبلة الحياة» عبر مبادرات محلية لتنشيط السياحة

خبراء لـ «الشرق الأوسط»: عائدها «محدود».. وعلى الدولة البحث عن بدائل حقيقية

أفواج السياح البريطانيين في طريقهم الى مغادرة مطار شرم الشيخ امس (ا.ف.ب)
أفواج السياح البريطانيين في طريقهم الى مغادرة مطار شرم الشيخ امس (ا.ف.ب)
TT

مصريون يسعون لمنح شرم الشيخ «قبلة الحياة» عبر مبادرات محلية لتنشيط السياحة

أفواج السياح البريطانيين في طريقهم الى مغادرة مطار شرم الشيخ امس (ا.ف.ب)
أفواج السياح البريطانيين في طريقهم الى مغادرة مطار شرم الشيخ امس (ا.ف.ب)

«إننا نروح شرم فهذا واجب وطني حاليا قبل ما يكون استجمام». أحد التعليقات المنشورة ضمن هاشتاغ «رايح_شرم»، والذي بات الأوسع استخدما لدى المغردين المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي بالإنترنت مؤخرا. فقد دشنت مؤسسات خاصة وجهات حكومية مبادرات محلية، تشمل حفلات غنائية وعروض سفر بأسعار بخسة، لإنقاذ الموسم السياحي في مدينة شرم الشيخ (جنوب سيناء)، والمهدد بشكل كبير عقب حادث الطائرة الروسية المنكوبة.
وقال خبراء سياحيون مصريون لـ«الشرق الأوسط» إن عائد تلك المبادرات «معنوي» أكثر منه مادي، وإنها تخاطب الجانب العاطفي للمصريين لرفع روحهم المعنوية، حيث إن ناتجها الاقتصادي «محدود» على مدخلات الدولة، داعين الحكومة للبحث عن بدائل حقيقة لتنشيط السياحة الأجنبية.
وشكل إعلان عدة دول من بينها بريطانيا وروسيا وتركيا وقف رحلاتها الجوية إلى منتجع شرم الشيخ، عقب تحطم طائرة ركاب روسية ومقتل ركابها الـ224 في سيناء قبل أيام، ضربة قوية للسياحة المصرية، التي تعد أحد أهم مصادر الدخل القومي والعملة الصعبة في البلاد. وأشارت تقارير استخباراتية غربية إلى أن الحادث جاء نتيجة «عمل إرهابي».
وبدأت بريطانيا وروسيا قبل أيام عملية واسعة لإجلاء رعاياهم من هناك. وقالت مصادر في القطاع السياحي الروسي إن 23 ألف سائح روسي تم نقلهم من المنتجعات المصرية منذ يوم (السبت) الماضي، مما أدى إلى تقليص عددهم في مدينتي شرم الشيخ والغردقة وغيرهما من الأماكن السياحية إلى 57 ألفا تقريبا.
وقدرت، جهات غير رسمية، خسائر مصر جراء رحيل السياح الروس والبريطانيين، بنحو 4 ملايين دولار في الوقت الراهن. فيما تشكل عائدات قطاع السياحة في مصر 11.3 في المائة من إجمالي الدخل القومي للبلاد. ونسبة 14.4 في المائة من إيرادات مصر من العملات الأجنبية.
وتلعب روسيا دورا رئيسيا في السياحة الوافدة إلى مصر، حيث تحتل المركز الأول في قائمة الدول المصدرة للسياحة. فقد بلغ عدد السياح الروس العام الماضي نحو 3.16 ملايين سائح، تليها بريطانيا، وتأتي ألمانيا في المرتبة الثالثة.
وردا على استغاثات العاملين المصريين في قطاع السياحة وخشيتهم من تدهور أحوالهم المعيشية، دشن الآلاف من المصريين على موقعي «فيسبوك» و«تويتر» هاشتاغ «أنا مع مصر»، وآخر «رايح_شرم». حيث أعلنوا عزمهم التوجه إلى شرم الشيخ تضامنا لإنقاذ مصر في الأزمة الحالية.
وبدأ مصريون نشر صورهم خلال زيارات سابقة إلى المدينة تبرز معالم شرم الشيخ السياحية الفاتنة، ومحمياتها الطبيعية ومواقع الغوص، حيث تعتبر إحدى أفضل ثلاث مواقع غوص معروفة عالميا.
وقدمت شركات سياحية عروضا للمصريين من أجل السفر وخصومات تصل إلى نصف الثمن، بأسعار تبدأ من (50 دولارًا) لقضاء أربعة أيام في المدينة شاملة الإقامة في الفندق والأطعمة ورحلات للتنزه.
وبثت عدة قنوات فضائية برامجها من داخل استوديوهات خاصة أقامتها بشوارع المدنية الساهرة. كما أطلق المغني الشهير محمد مُنير مبادرة بإقامة حفل غنائي كبير، ودعا جموع الشعب المصري والعربي للحضور والتكاتف خلف البلاد لدعم السياحة، حتى تعبر مصر من هذه المحنة.
وبدوره يستعد الفنان هاني شاكر (نقيب الموسيقيين) ومعه المغنيان سامو زين ونادية مصطفى لإحياء حفلات غنائية في شرم الشيخ قريبا. وناشد منظمو الحفل مصر للطيران بضرورة عمل جسر جوي بين القاهرة وشرم لضمان وصول أكبر عدد من الجمهور.
وقال الفنان سامح الصريطي عضو مجلس نقابة المهن التمثيلية، إن «المجلس قرر صياغة بيان موجه من فناني مصر إلى فناني العالم أجمع، يشرح ويوضح الموقف في مصر، وقدرة مصر على تأمين أي وفود سياحية قادمة إليها، بدليل نجاح زيارة الموسيقار العالمي ياني للقاهرة مؤخرا».
وشارك فنانون عرب في تلك المبادرات، حيث أطلق عدد من الفنانين التونسيين حملة «زوروا مصر» لدعم السياحة المصرية. وقالت الفنانة التونسية درة، إن الحملة تعبر عن الروح التونسية المحبة لمصر.
كما دشن مواطنون كويتيون حملة إلكترونية لزيارة شرم الشيخ تحت عنوان «معًا ضد مؤامرة ضرب اقتصاد مصر»، أشادوا خلالها بالجو الرائع في المدينة خاصة خلال فصل الشتاء.
وبدوره وجه رجل الأعمال البارز نجيب ساويرس، مؤسس حزب «المصريين الأحرار»، رسالة للسياح حول العالم بزيارة مصر قائلاً: «زوروا مصر، تحدوا الإرهاب، أمن مطاراتنا جيد وتطور عما قبل، نحن نحتاج للدعم، مصر جميلة».
وطالب الحزب بوقف حملات الإعلان السياحي المباشر في الدول التي منعت السفر إلى مصر واستبدالها بحملات إعلامية من خلال وكالة علاقات عامة متخصصة في كل دولة يهدف التعاقد معها إلى العمل على إحداث التوازن المطلوب لدرء الآثار السيئة الناجمة عن الأخبار السلبية المنتشرة عن مصر، وتكثيف الحملات الإعلانية في الأسواق العربية مع إعداد خطة لزيادة الفعاليات الفنية والثقافية الجاذبة للسائح العربي وذلك في المدن السياحية المتضررة.
رسميا، قال هشام زعزوع وزير السياحة المصري أمس إن الوزارة لديها خطة تسعى لتطبيقها خلال الفترة المقبلة لدعم السياحة. وأضاف: «في إطار تلك الخطة سيتم جدولة المستحقات التأمينية للمنشآت السياحية دون المساس بحق العاملين وبما يستهدف مؤازرة المنشآت السياحية والفندقية».
وأكد الوزير أنه «ستتم مخاطبة اتحاد بنوك مصر والجامعات المصرية الخاصة وقطاع البترول وكذلك النقابات وجمعيات رجال الأعمال لتنظيم رحلات إلى شرم الشيخ والتنسيق مع وزارة الشباب والرياضة بشأن دعوة النوادي للمشاركة في مبادرة لدعم شرم الشيخ سياحيا».
وقال زعزوع إنه سيتم أيضًا دعم السفر داخليًا عن طريق صندوق التمويل الأهلي لمشروعات الشباب، مشيرا إلى أنه سيعقد اجتماعات مع المستثمرين السياحيين والقطاع المصرفي لبحث المشكلات التي يواجهونها مع البنوك والحلول المقترحة لجدولة المديونيات، لمساندة القطاع السياحي في الأزمة الحالية.
ونوه زعزوع إلى أنه سيعلن عن برنامج جديد للسياحة الداخلية تحت عنوان «شرم في قلوبنا» لتنشيط السياحة الداخلية، ليقول المصريون إن شرم الشيخ في قلوبنا، وقال: «مافيش لمبة هتطفي في شرم الشيخ».
من جهتها، دعت نبيلة مكرم، وزيرة الدولة للهجرة ورعاية شؤون المصريين في الخارج، أبناء الوطن خارج مصر، بأن تكون مدن شرم الشيخ وطابا ورأس محمد والإسكندرية والغردقة والأقصر وأسوان، هي وجهتهم الوحيدة لقضاء عطلة نهاية العام، تحت عنوان «خلوا شتانا السنة دي مصري».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.