شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات وقصفاً مدفعياً على مناطق متفرقة من قطاع غزة، فجر اليوم (الأربعاء)، ما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات الفلسطينيين، حسبما أفادت «وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية» (وفا).
وأضافت الوكالة أن القوات الإسرائيلية اقتحمت كذلك «مجمع ناصر الطبي» غربي مدينة خان يونس، واعتقلت كوادر طبية ونازحين من داخله وفي محيطه.
وذكرت أنه في اليوم الـ173 من الحرب الإسرائيلية على القطاع، أعلنت مصادر صحية «استشهاد 3 مواطنين على الأقل وإصابة آخرين، إثر قصف إسرائيلي استهدف منزلين في خربة العدس وحي الشعوت بمدينة رفح جنوبي القطاع».
كما قصفت زوارق الجيش الإسرائيلي شاطئ بحر مخيم النصيرات، بينما قصفت مدفعيته المناطق الغربية لمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، وفقاً لـ«وفا».
وشهد محيط «مجمع الشفاء الطبي» غربي مدينة غزة، اشتباكات وقصفاً مدفعياً إسرائيلياً، ما أسفر عن مقتل عدد من الفلسطينيين.
وأشارت الوكالة إلى ارتفاع حصيلة الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى 32414 قتيلاً و74787 جريحاً، بينما لا يزال آلاف الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، ولا تستطيع طواقم الإسعاف والإنقاذ الوصول إليهم.
غضب بين الفلسطينيين
بغضب بالغ، يُعقّب الستيني أبو ياسين المجايدة على استهداف الجيش الإسرائيلي خيمتي نازحين في مواصي خان يونس ومقتل 12 فلسطينيا وإصابة آخرين جرَّاء ذلك، بعد ساعات فقط من قرار مجلس الأمن الدولي وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ويقول: «إسرائيل مش سائلة عن حدا». يشير الرجل بيده إلى بقايا الخيمتين المحترقتين وتناثر أشلاء النازحين وأمتعتهم وبقايا طعامهم في المكان نتيجة الاستهداف المباشر، لافتا إلى أنهم نزحوا من شمال غزة منذ خمسة أشهر إلى المواصي فرارا من الموت بالقصف الإسرائيلي، لكن ذات القصف باغتهم ليلقوا مصيرهم المحتوم. يعد أبو ياسين أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة ومواصلة سقوط مزيد من الضحايا الفلسطينيين رسالة للمجتمع الدولي بأن إسرائيل تضرب بكل قراراته عرض الحائط؛ فالذي يجري على أرض الواقع يخالف تماما القرار الأممي بوقف إطلاق النار في غزة.

ومنذ اللحظة الأولى لصدور القرار، لم يتوقع الرجل النازح من وسط خان يونس إلى المواصي تغييرا في سلوك إسرائيل ما دامت لا توجد إجراءات عملية تضغط عليها «لوقف عدوانها وقصفها واستهدافها المدنيين الأبرياء». ويؤكد في حديثه لـ«وكالة أنباء العالم العربي» أن كل مناطق القطاع، سواء التي يجتاحها الجيش الإسرائيلي أو تلك «الآمنة» التي يُجبِر الفلسطينيين على النزوح إليها، تشهد قصفا وإطلاق نار وسقوط مزيد من القتلى والمصابين. ويقول إن كل الآمال بإمكانية إنجاز تهدئة والحفاظ على حياة الفلسطينيين تبددت مع تصاعد حدة العمليات العسكرية. ورغم مرور يومين على قرار مجلس الأمن، لم يتغير شيء على أرض الواقع من حيث استمرار القصف الجوي والمدفعي لأنحاء متفرقة من قطاع غزة، ما أدى إلى مقتل 81 فلسطينيا وإصابة 93 خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى بعد صدور القرار وفق إحصائية وزارة الصحة الفلسطينية بغزة.
كان مجلس الأمن قد أصدر مساء الاثنين القرار 2728 الداعي إلى وقف إطلاق النار في غزة خلال رمضان. وأيد المجلس مشروع القرار بأغلبية 14 صوتا فيما امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت. يقول أبو ياسين: «الفلسطينيون فرحوا لمجرد صدور القرار، كانوا ينتظروا اللحظة التي يتوقف فيها القتل حتى يأمنوا على أبنائهم؛ لكن بعد ساعات من صدوره تحدث المجازر واستهداف العائلات المدنية النازحة». ويضيف: «الحقيقة أن إسرائيل لم تلتزم بأي شيء وأن قرار مجلس الأمن رغم أهميته لم يغير من الواقع شيئا، نحن نزداد إحباط ويأسا والنازحون يصلون إلى حد الجنون مع استمرار الأمور على حالها من القصف والموت اليومي».
«عجز العالم»
وفي رفح أقصى جنوب القطاع لم يكن المشهد مغايرا، حيث قصفت الطائرات الإسرائيلية نحو عشرة منازل فضلا عن أراض فارغة ومزارع خلال الساعات الأخيرة ما أدى إلى مقتل نحو 25 فلسطينيا، سقط أولهم باستهداف منزل يؤوي نازحين شمال رفح بعد ساعات معدودة من صدور قرار مجلس الأمن. بجوار المنزل المقصوف تحدث بدر الشوا (46 عاما) الذي كانت الضمادات تحيط برأسه وذراعه بعد إصابته في القصف. قال إنهم في البداية شعروا بارتياح بالغ بعد صدور القرار وتوقعوا أن يبيتوا ليلتهم في أمان، إلا أن قصفا جويا باغت عائلات أقاربه النازحين من مدينة غزة وأدى إلى مقتل 20 بينهم أطفال وكبار سن كعمَّته نازلة الشوا البالغة من العمر 92 عاما.

رغم إصاباته المتفرقة، يفتش بدر عن بقايا أشلاء أقاربه بين ركام المنزل ومعالم الصدمة ما زالت مسيطرة عليه، فالطائرات الإسرائيلية قصفت المنزل على ساكنيه دون أي اعتبار لكونهم مدنيين. يقول بغضب وبقايا الدماء ما زالت على رأسه وملابسه: «هنا تُجسد إسرائيل التزامها بقرار وقف إطلاق النار، بعد ساعات فقط تقصف منزلا مدنيا وتُبيد عائلات نازحة ليس لها أي ذنب سوى أنها تعيش في هذا المكان من العالم». يضيف: «لا معنى لأي قرار أممي دون وجود ضغط حقيقي يجبر إسرائيل على وقف عملياتها، وإلا فسنخسر مزيدا من الأبرياء بحرب الإبادة التي تشنها حكومة نتنياهو المتطرفة ضدنا». ويتهكم السبعيني عمر سليمان من عجز العالم عن إيقاف الحرب وإجبار إسرائيل على الالتزام بقرار مجلس الأمن، ويتعجب لأن المجتمع الدولي لديه المقدرة الكاملة على فعل ذلك، لكنه يرى أن الأمر يتعلق بغياب القرار والإرادة الدولية لممارسة أي ضغوط حقيقية على إسرائيل. يقول: «التجارب طوال العقود الماضية تؤكد أن إسرائيل لا تعبأ كثيرا لأي قرارات تصدر عن الأمم المتحدة ومؤسساتها، وأنها تستمر في استراتيجيتها التدميرية للفلسطينيين والعرب»، لافتا إلى أن اليومين اللذين تبعا قرار مجلس الأمن كانا من أشد الأيام قسوة من حيث القصف والاستهداف.

يجلس بين أحفاده قبالة خيمة نزوحه ويقول بألم: «ما رسالة إسرائيل من وراء ذلك سوى القول بأنها لن تلتزم بأي قرار وأن التزامها الوحيد يكمن في تحقيق أهدافها العسكرية ضد الأبرياء؟ ماذا نملك كفلسطينيين لوقف الحرب إذا عجز كل العالم عن ذلك؟».
غاب الأمل
لا يبدي ناجي الهسي (58 عاما) أي تفاؤل بإمكانية تطبيق إسرائيل للقرار الأممي ما دام غير مُرفق بعقوبات أو التزامات حقيقية تدفعها نحو التطبيق، وتوقع استمرار الحرب والعدوان بصرف النظر عن أي قرار بوقف إطلاق النار، «خصوصا أن إسرائيل لديها استراتيجية واضحة في الإبادة والتدمير والتهجير». يطالب ناجي النازح من مدينة حمد إلى المواصي، بمواقف أكثر جدية من دول العالم عبر ترجمة القرار إلى إجراءات عملية مثل الضغوط القانونية والاقتصادية ووقف تصدير السلاح والتهديدات السياسية والدبلوماسية وغيرها من الوسائل المتاحة، عادا أنه من دون ذلك «لن تتوقف الحرب، وسيستمر الجيش الإسرائيلي في قصفه وقتله للفلسطينيين». يقول: «نعيش حالة إحباط ويأس شديدين من أي قرار أممي كون إسرائيل لم تعاقَب على عدم التزامها بعشرات القرارات السابقة التي تنصف الحق الفلسطيني». وهو لا يستبعد إقدام الجيش الإسرائيلي على توسيع عملياته البرية في مناطق جديدة دون النظر لقرار مجلس الأمن، عادا أن ما يحدث منذ صدور القرار من قصف في كل أنحاء قطاع غزة دليل لا يقبل التأويل على أن القرار الأممي لا قيمة له من وجهة نظر إسرائيل.








