الدكتوراه ليست جواز مرور لعالم الأكاديميا

المهم اليوم الكفاءة المختبرة عملياً بدلاً من عناوين جامعية أو مهنية

الدكتوراه ليست جواز مرور لعالم الأكاديميا
TT

الدكتوراه ليست جواز مرور لعالم الأكاديميا

الدكتوراه ليست جواز مرور لعالم الأكاديميا

أكثر البحوث تطوراً على مستوى التقنيات الحديثة إنما تحصل في مختبرات الشركات الخاصة (مختبرات «IBM» و«مايكروسوفت» مثالاً) لذا فقدت الجامعات كثيراً

من بريقها السابق

ظلّت شهادة الدكتوراه مطمح كثيرين بوصفها أعلى شهادة أكاديمية تمنحها الجامعات منذ بواكيرها التأسيسية الأولى. كان دخول الجامعة حلماً يتطلّبُ الكدّ والاجتهاد؛ فكيف لو حصل المرء على أعلى شهادة منها؟ ما يحصلُ في الغالب، خصوصاً في أوساطنا العربية، أنّ شهادة الدكتوراه هي حلمٌ مفعمٌ بالأمل والإحساس بالتفوق والإنجاز. غالباً ما يحلم المرء وهو يخطو خطواته الأكاديمية المبكّرة بأن يرى هذه الحروف الثلاثة السحرية PH.D تأتي مترافقة مع اسمه كتعريف قانوني به يبيحُ له كلّ الميزات الاعتبارية والمادية التي تتيحها هذه الشهادة. أهمّ هذه الميزات اعتبار هذه الشهادة جواز مرور مؤكّداً ومضموناً إلى عالم الأكاديميا (Academia) بكلّ مواصفاته النخبوية. لم تكن هذه الحال حصرياً مع منطقتنا العربية. حتى البلدان الغربية كانت هذه هي الحال الشائعة فيها، ويمكن تحسّس هذه الحقيقة مع ملاحظة حرص حملة شهادات الدكتوراه على كتابة أسمائهم تليها هذه الحروف الثلاثة: PH.D. غاب هذا التقليد اليوم أو كاد يغيب تماماً.

الثورات الرقمية والمعلوماتية

يبدو من مراجعة تاريخ الأكاديميا والسياسات الأكاديمية والجامعية وطبيعة الثورات التقنية أنّ تغييراً جوهرياً طال هذه السردية التي تجعل شهادة الدكتوراه طريقاً أحادية الاتجاه نحو وظيفة في عالم الأكاديميا، وقد تسارع هذا التغيير مع مقدم الثورات الرقمية والمعلوماتية. هناك أسباب واقعية وأخرى عملية كسرت هذا التوجّه، منها:

أوّلاً: من الطبيعي أن تتزايد أعداد الحاصلين على الدكتوراه في كلّ الميادين البحثية والمعرفية في حقول العلوم والهندسة والإنسانيات والحقول الاجتماعية، وهذه الزيادة لا تتوافق مع الزيادة المتوقّعة في أعداد الجامعات المستحدثة؛ لذا فإنّ فجوة مؤكّدة بين أعداد حَمَلة الـPH.D والمواقع الأكاديمية المحدودة لا بد أن تكون حاصلة.

ثانياً: هناك تغيّر جوهري في طبيعة الجامعة والتعليم الجامعي. لم تعد الجامعة تحتكرُ العملية البحثية، بل الملاحَظُ أنّ أكثر البحوث تطوراً على مستوى التقنيات الحديثة إنما تحصل في مختبرات الشركات الخاصة (مختبرات «IBM» و«مايكروسوفت» مثالاً)؛ لذا فقدت الجامعات كثيراً من بريقها السابق.

ثالثاً: لو راجعنا السيرة الذاتية لكثير من أساطين التقنيات الحديثة نجد أنهم لم يحصلوا على شهادة الدكتوراه، بل إنهم لم يكملوا حتى تعليمهم الجامعي ما قبل الدكتوراه (البكالوريوس). مارك زوكربيرغ مثال ساطع لهؤلاء. ما هو أكثر إثارة أنّ شركاتهم باتت توظّف العديد ممن حصلوا على الدكتوراه.

رابعاً: الغربيون معروفون بتوجّهاتهم العملية (البراغماتية). القسم الجامعي الذي تقلُّ أعداد المسجّلين فيه سيغلقونه لتوفير نفقاته غير المجدية. لا يوجد شيء عنوانه «التعليم مثل الماء والهواء للجميع». التعليم الجامعي في معظم البلدان الغربية ليس واجباً على الدولة تقديمهُ مجاناً لكلّ الناس بقدر ما هو نشاط اقتصادي يخضع للعوامل الحاكمة لأي منشط اقتصادي رأسمالي (عوامل العرض والطلب والربحية).

خامساً: شهادة الدكتوراه جزء من سياق فعالية بحثية مكلفة وليست ترفاً ذهنياً مجانياً؛ لذا فهي تتطلبُ تخصيصات مالية كبيرة. لن تخصّص جهة حكومية أو خاصة مالاً لا يخدم سياساتها العامة في حقول الدفاع أو التقنية أو العلوم المتقدّمة. بعبارة أخرى: يجب على دارس الدكتوراه أن يضع في اعتباره مخرجات شهادته وإمكانية توظيفها، وإلّا فإنها ستكون فعالية غير منتجة له ولبلده.

سادساً: التقنيات الرقمية أحدثت انقلاباً ثورياً على صعيد الأفكار والقدرات البشرية. صار النظر اليوم إلى الكفاءة المختبرة عملياً بدلاً من عناوين جامعية أو مهنية لا تقترن بخبرة مؤكّدة يمكن توظيفها وتحصيل الأرباح منها.

ما الذي ستفعلونه بعدها؟

كُتِب الكثير في أدبيات التعليم الجامعي والسياسات الأكاديمية بشأن المناخ المتبدّل لطبيعة الدراسة الأكاديمية وشهادة الدكتوراه. من الكتب المثيرة التي نُشِرت في هذا الميدان الحيوي كتابٌ حرّره البروفسور كريستوفر آر. مادان Christopher R. Madan ونشره في جزأين. البروفسور مادان يعمل أستاذاً مساعداً لعلم النفس بجامعة نوتنغهام البريطانية، ويشمل طيفُ اهتماماته البحثية موضوعات واسعة ومتداخلة، منها: الإدراك واللغة، العلوم العصبية الاحتسابية، التصوير العصبي، النمذجة العصبية... وقد نشر كتباً مهمّة في هذه الميادين.

كتاب مادان جاء بعنوان عريض: «الأكاديميا والعالم خارج أروقتها» Academia and the World Beyond. الإهداء الذي كتبه المحرّر في بداية الكتاب يكشف عن موضوعته الكبرى: (إلى طلبة الـPh.D غير العارفين كيفية الإجابة عن التساؤل التالي: «ما الذي سأفعله بعد هذا؟»، وكذلك إلى المشرفين الذين يجاهدون لدعم طلبة الدكتوراه الساعين إلى وظائف خارج النطاق الأكاديمي).

الكتاب بجزأَيه مصمَّم على أساس نمط الاستبيانات الشائعة في البحوث السيكولوجية؛ لكنّه تجاوز الاستبيانات التقليدية عندما عمد المحرّر إلى أن يجعله حواراً مفتوحاً يحكي فيه حاصل الدكتوراه عن تجربته بعد حصوله على الشهادة وكيف عانى ضياع حلمه (المفترَض) في الحصول على منصب أكاديمي، ثمّ تعلّم أنّ الحياة أكبر من أي منصب أكاديمي، وأنّ فيها إمكاناتٍ يجب أن نجتهد لبلوغها بعيداً عن أي تصوّر مسبّق يشلُّ قدرة عقولنا. أهمّ ما تركّز عليه الحوارات الخمسون في جزأَي الكتاب أنّ الدكتوراه رحلة لذيذة رغم مشقاتها، وهي ليست ميزة تضمن لصاحبها وظيفة أكاديمية مرفّهة بل يجب بعد الحصول عليها أن نطوّر إمكانياتنا لنظفر بعمل جديد. الحياة تعلُّم مستمر، وليست حفلة شاي في نهاية المطاف.

يكتب المحرّر في مفتتح مقدّمته للكتاب:

«سؤال شائع ذاك الذي يواجهه طلبة الدكتوراه من قِبَلِ أصدقائهم وعائلاتهم: (ما الذي ستفعلونه بعدها؟) لكنّ العديد من هؤلاء الطلبة هم في واقع الحال مسكونون بمتطلبات الشهادة ذاتها، وليست لهم الفرصة للتفكّر الكافي بحياة ما بعد الدكتوراه. تتشارك المهن الأكاديمية وغير الأكاديمية بعض المشتركات من حيث إن المهارات التي يتمّ تعلّمها في مرحلة الدكتوراه يمكن أن تكون ذات فائدة خارج نطاق الأكاديميا...».

وجّه المحرّر أسئلة محدّدة لهؤلاء الذين اختارهم ليكتبوا عن تجاربهم، وكلهم من الحاصلين على الدكتوراه في علم النفس (السيكولوجيا) أو العلوم العصبية. قد يكون هذا التخصيص مأخذاً على المحرّر؛ لكنّه يعترف بأنّه اقتصر على طلبة دكتوراه من حقله البحثي، وسيعمل لاحقاً على توسيع نطاق البحث ليشمل حقولاً بحثية أخرى. لكي يكون القارئ على بيّنة من طبيعة الأسئلة سأترجم بعضاً منها إلى العربية:

- عندما كنتَ تكمل شهادة الدكتوراه، هل كنتَ تفكّرُ بخطط محدّدة للمهن التي ستمتهنها بعدها؟

- كيف تغيّرت خططك المهنية بعد حصولك على الشهادة؟

- هل تستطيع إخبارنا بعض الشيء عن حياتك اليومية وأنت في مهنتك الحالية؟

- ما الذي تحبه أكثر من سواه في مهنتك الحالية؟

- ما الذي تمقته في مهنتك الحالية؟

- كيف ترى أنّ حصولك على الـPh.D قد ساعدك على النجاح في مهنتك الحالية؟

- أحد الأسباب التي تجعل حاصلي الدكتوراه يفضّلون الأكاديميا هو شعورهم بأنّها (الأكاديميا) توفّرُ لهم حرية أكثر بكثير من الحرية التي توفرها مهن في قطاعات أخرى غير الأكاديميا. ما مدى الحرية التي ترى أنك تحوزها في مهنتك الحالية لفعل ما ترغب في فعله والاستمتاع به؟

- معتمداً على رحلتك مع شهادة الدكتوراه وما بعدها؛ ما النصيحة التي تودُّ تمريرها لهؤلاء الذين هم على وشك إكمال الدكتوراه؟

النتيجة في النهاية هي خمسون رحلة كتبها أصحابها بكيفية أقرب إلى سرديات رفيعة تنقل لنا - ولحاصلي الدكتوراه بالتخصيص - خبرات ثمينة، أهمّها ضرورة التكيُّف مع المتغيرات العالمية وعدم اتخاذ نسق مسبّق إطاراً جامداً لنا.

الخصيصة المشتركة بين الرحلات التي ضمّها الجزآن هي قناعة أصحابها بأنّ عصر الثورة التقنية الرابعة التي نعيش بداياتها يوفّرُ ميادين مهنية مرغوبة أكثر من معظم الحقول البحثية لشهادات الدكتوراه الشائعة، وبلوغُ هذه الميادين شائع ومتاح ومجاني في الغالب لا يتطلبُ فواتير باهظة كما الجامعات، لذا فإنّ إتقان التعامل مع علوم البيانات أو الذكاء الاصطناعي أو لغة برمجية (مثل «بايثون») أو تصميم المواقع الرقمية قد يكون إحدى الإمكانيات المتاحة لمهن مرموقة خارج نطاق الأكاديميا.


مقالات ذات صلة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

ثقافة وفنون «مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية

ندى حطيط
ثقافة وفنون مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون حجاج أدول

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون برونو شولتز

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026،

حمزة عليوي

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».