«القوات اللبنانية» في الذكرى الـ30 لحلّها: عودة إلى الصدارة مسيحيّاً

بويز يشرح لـ«الشرق الأوسط» كيف اتخذ النظام السوري قرار التخلّص من سمير جعجع

رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع (رويترز)
رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع (رويترز)
TT

«القوات اللبنانية» في الذكرى الـ30 لحلّها: عودة إلى الصدارة مسيحيّاً

رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع (رويترز)
رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع (رويترز)

استحضرت الذكرى الثلاثون لحلّ حزب «القوات اللبنانية» مرحلة إمساك النظام الأمني السوري بمفاصل الحكم في لبنان، وإزاحة أي مكوّن لبناني يمكن أن يشكّل حالةً اعتراضيةً على إدارة هذا النظام لمؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، إذ جرى التمهيد لهذا القرار عبر جريمة تفجير كنيسة سيّدة النجاة في منطقة جونية، واتهمت «القوات اللبنانية» بها على الفور، وسجن قائدها سمير جعجع وعدد كبير من كوادرها، وتداعى مجلس الوزراء يومها إلى جلسة سريعة خصصت لإعلان القرار بحلّ هذا الحزب وحظر أي نشاط له على الأراضي اللبنانية.

إزاحة «القوات اللبنانية» عن المشهد شكلت ضربة قويّة للمسيحيين، خصوصاً أنها أعقبت عملية الإطاحة بميشال عون، في عملية عسكرية نفّذها الجيش السوري على قصر بعبدا.

ورغم أن المجلس العدلي برّأ جعجع وحزبه من جريمة تفجير الكنيسة، فإنه استكمل فتح الملفات القضائية له، ما أسفر عن سجنه أكثر من 11 عاماً.

يزبك: دفعنا ثمن معارضتنا خطف «اتفاق الطائف»

وعدَّ عضو كتلة «الجمهورية القوية»، النائب غياث يزبك، أنه «منذ أن أوكل الغرب إلى سوريا مهمّة الإشراف على تنفيذ اتفاق الطائف، انحرفت عن مبادئ عبور اللبنانيين إلى المصالحة، وجاءت معارضة (القوات اللبنانية) لهذا السلوك». وأوضح يزبك لـ«الشرق الأوسط» أن «القوات» ورئيسها وقادتها «دفعوا ثمن مواجهتهم لخطف اتفاق الطائف والدفاع عن مشروع بناء الدولة على أسس عادلة تحترم التنوع، كما تقف اليوم بوجه خطف الدولة من قبل (حزب الله)».

ورغم تبرئة جعجع وحزبه من جريمة تفجير الكنيسة، لم يكشف القضاء اللبناني ولا الأجهزة الأمنية عن الجهة التي نفذت تلك الجريمة حتى الآن. ورأى النائب يزبك أن «الوقائع تؤكد أن النظام السوري يقف وراء هذه الجريمة»، عاداً أن «القوات»، «لم تبدّل مبادئها وقناعاتها منذ إقرار اتفاق الطائف حتى اليوم، وهي انحازت إلى جانب الدولة ومشروع لبنان الواحد، ولا تزال».

ومع أن الحكومة التي اتخذت قرار حلّ «حزب القوات» كان يرأسها رفيق الحريري، فإن غالبية وزرائها كانوا من حلفاء سوريا.

بويز: «مناخ سوري» مهد لقرار حل «القوات»

وكشف وزير الخارجية الأسبق، فارس بويز، عن الأجواء التي سادت تلك الجلسة، وأعلن في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاعتراض على القرار كان خجولاً، وأنه عارض شخصياً مثل هذا القرار قانونياً». وقال: «حتى لو سلمنا جدلاً أن جهازاً أمنياً في (القوات اللبنانية) نفذ العملية، لا يمكن تحميل الحزب المسؤولية والذهاب إلى حلّه، حتى قبل صدور حكم قضائي».

وتحدثّ بويز عن «مناخ سوري» مهّد لهذا القرار. وأضاف: «هناك فريق مسيحي لبناني على رأسه إيلي حبيقة وسليمان فرنجية والحزب السوري القومي الاجتماعي، أقنع الرئيس حافظ الأسد بأن بقاء جعجع على المسرح السياسي سيجعل من المستحيل توحيد الدولة وبناء جيش قوي»، مشيراً إلى أن «قيادات أمنية وعسكرية لبنانية سوّقت في دمشق لفكرة أنه لا يمكن بناء جيش قوي في لبنان بوجود سمير جعجع الذي يمتلك قوة سياسية وشعبية وعقائدية، تجعله قادراً على استمالة أكثرية الضباط المسيحيين، خصوصاً بعد الإطاحة بميشال عون»، مشدداً على أن هذا الفريق «تمكّن من تغيير رأي حافظ الأسد، الذي كان يميل إلى طي صفحة الماضي وتشكيل حكومة لبنانية متوازنة يشترك فيها كلّ من أيّد اتفاق الطائف، بمن فيهم (القوات اللبنانية)».

ولفت بويز إلى أن «جهاز المخابرات السوري ومعه مسؤولون سياسيون وضباط لبنانيون، عادوا وأقنعوا حافظ الأسد بفكرة الإطاحة بجعجع، وقدّموا تصوراً يفيد بأن الأخير سيتحكّم بعهد إلياس الهراوي كما تحكّم بشير الجميل بعهد إلياس سركيس، فكان قرار التخلص من (القوات) وقائدها».

مضايقات لزوجة جعجع وأنصاره

واستطاع النظام السوري خلال هيمنته على لبنان أن يضعف «القوات اللبنانية»، إذ إنه بالتزامن مع سجن جعجع ومطاردة كوادر الحزب وعناصره واعتقالهم لأي سبب، كانت ستريدا، زوجة سمير جعجع، تعيش ما يشبه الإقامة الجبرية، فكانت الحواجز الأمنية تطوّق منزلها في منطقة يسوع الملك (كسروان - جبل لبنان) ويتعرضّ زوارها إلى مضايقات شديدة جداً تصل أحياناً إلى احتجازهم والتحقيق معهم.

وقبيل خروج جعجع من السجن بأيام، حصلت الانتخابات النيابية، وشاركت فيها «القوات» لأول مرّة، ونالت أربعة مقاعد، أحدها شغلته ستريدا جعجع، مقابل فوز كاسح لـ«التيار الوطني الحرّ» برئاسة ميشال عون، العائد لتوّه من المنفى الباريسي، الذي حصد 70 في المائة من أصوات المسيحيين. ومع انتخابات 2009 بقي عون الأقوى مسيحياً، مع تراجع ملحوظ جراء تحالفه مع «حزب الله»، فيما نالت «القوات اللبنانية» التي كانت أحد أبرز مكونات «قوى 14 آذار» 8 مقاعد، قبل أن تحصد في انتخابات الـ2022 الأكثرية المسيحية بـ19 نائباً.

أسباب صعود شعبية «القوات»

هذا الصعود التدريجي في شعبيّة «القوات» عزاه فارس بويز إلى التركيبة الطائفية في لبنان، وأن «كلّ طائفة تريد خلق قوة تحميها في ظلّ تراجع الخيارات الوطنية». وقال: «عندما وصل ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية ظهرت أخطاؤه، وبدأت شعبيته تتراجع بشكل كبير، خصوصاً عندما استأثر مع صهره جبران باسيل بكل المواقع المسيحية في الدولة ولم يحقق أي إنجاز، لا سيما في وزارة الطاقة التي تحوّلت إلى محرقة حقيقية، وبقي متمسكاً بها».

ورأى بويز أن «(القوات اللبنانية) قدّمت تجربة جيّدة جداً، إذ تعاطت السياسة باحتراف، واختارت وزراء من أصحاب الكفاءات، مثل إبراهيم نجار على رأس وزارة العدل، والمحامي كميل بو سليمان في وزارة العمل، وهؤلاء لم يكونوا حزبيين، بل كانوا يتمتعون باستقلالية معيّنة، وقدموا تجربة رائدة في العمل الوزاري، كما أبلت بلاءً حسناً في السنوات الستّ الأخيرة، عندما ابتعدت عن الصفقات التي احترفها أخصامها»، عاداً أن «سقوط العونية السياسية عمّق النفوذ القواتي في المجتمع المسيحي إلى حدّ كبير».


مقالات ذات صلة

استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

المشرق العربي عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)

استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

سُجّل استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية إثر استفزازات إسرائيلية للضغط عليه للانسحاب من نقاط تموضع فيها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

مرّ أكثر من عام على انتهاء الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، ولا يزال عدد كبير من اللبنانيين نازحين؛ يعيشون ظروفاً حياتية صعبة للغاية.

حنان حمدان (بيروت)
المشرق العربي قائد الجيش العماد رودولف هيكل (قيادة الجيش)

زيارة «مفصلية» لقائد الجيش اللبناني إلى واشنطن بداية فبراير

يستعد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، لزيارة واشنطن بين 3 و5 فبراير (شباط) المقبل، بعد تأجيل الزيارة التي كانت مقررة نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز الأحد (إعلام حزب الله)

السلاح لا يطمئن بيئة «حزب الله» بلا إعمار بلدات جنوب لبنان

يخطئ الأمين العام لـ«حزب الله» إذا ظن أن إكثاره من إطلالاته المتلفزة سيؤدي إلى شد عصب بيئته بتأييدها احتفاظه بسلاحه بلا تعهدات بإعمار البلدات المدمّرة.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي أهالي الضحايا يرفعون صور أبنائهم الذين قُتلوا في انفجار مرفأ بيروت يوم 4 أغسطس 2020 (الشرق الأوسط)

لبنان: اعتراض سياسي وشعبي على تعيين مديرة للجمارك ملاحقة قضائياً

تفاعل قرار مجلس الوزراء اللبناني، الذي أفضى لتعيين غراسيا القزّي - الملاحقة قضائياً في ملف انفجار مرفأ بيروت - مديرةً عامةً للجمارك، سياسياً وقضائياً وشعبياً.

يوسف دياب (بيروت)

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، اليوم (الثلاثاء)، أن «ما حققته الحكومة بين 5 أغسطس (آب) و5 سبتمبر (أيلول) بشأن حصر السلاح بيد الدولة ليس قليلاً».

وأضاف عون، خلال استقباله السلك الدبلوماسي: «منذ أكثر من 10 أشهر تمكّن الجيش من السيطرة على جنوب الليطاني ونظّف المنطقة من السلاح غير الشرعي».

وقال: «رغم كل الاستفزازات والتخوين والتجريح والتجني سنواصل أداء واجبنا تجاه الدولة».

وتابع: «نؤكد تطلعنا إلى استمرار مسارنا حتى تعود الدولة كاملة تحت سلطة واحدة، وسنوقف نهائياً أي استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وختم: «سنعمل كي يكون جنوب لبنان كما كل حدودنا الدولية في عهدة قواتنا المسلحة حصراً».

وتواصل إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرّت أكثر من عام. وتقول إسرائيل بشكل أساسيّ إن هذه الضربات تستهدف «حزب الله،» وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

وكان الجيش اللبناني أعلن قبل أسبوعين إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع سلاح «حزب الله»، التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن إسرائيل شككت في الخطوة وعدّتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطلبها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
TT

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وصرح المتحدث الرسمي باسم «الرئاسة المصرية»، محمد الشناوي، في بيان صحافي اليوم، بأن جدول أعمال المنتدى يتضمّن سلسلة من الفعاليات يشارك فيها قادة دول ورؤساء منظمات دولية وإقليمية، إلى جانب ممثلين عن كبرى مؤسسات القطاع الخاص.

وأشار الشناوي إلى أن جلسات المنتدى سوف تتناول موضوعات تتعلق بتعزيز التعاون الدولي، ودعم مسارات الازدهار العالمي، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار بوصفها قاطرة للنمو، فضلاً عن الاستثمار في رأس المال البشري.

ولفت المتحدث إلى أن الرئيس المصري سوف يلتقي على هامش أعمال المنتدى، نظيره الأميركي دونالد ترمب، وذلك للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.


ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
TT

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية، وسط تصاعد الضغوط الأميركية لحسم المواقف من المبادرة الجديدة.

ويدرك حلفاء واشنطن، وكذلك بعض خصومها وفي مقدّمهم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ، أن عامل الوقت لا يعمل لصالحهم، مع تكثيف البيت الأبيض ضغوطه على قادة الدول الـ65 المدعوة لتأكيد موقفها من المجلس، وتوقيع الميثاق التأسيسي بحلول الساعة 10:30 صباح الخميس في دافوس. ويتوقّع أن يعرض ترمب ملامح المبادرة التي يروّج لها باعتبارها «إطاراً دولياً جديداً» لإدارة النزاعات، في خطاب أمام قادة الأعمال المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الأربعاء.

ومع اتساع دائرة الدعوات لتشمل دولاً لا تجمعها علاقات ودية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة تفويض «مجلس السلام» وآليات اتخاذ القرار داخله. ويرى دبلوماسيون مجتمعون في دافوس أن المبادرة، التي يُفترض أن تبدأ بملف غزة قبل أن تمتد لاحقاً إلى بؤر ساخنة أخرى حول العالم، قد تُشكّل تحدياً مباشراً لدور الأمم المتحدة، وتعيد رسم قواعد إدارة الصراعات الدولية خارج الأطر التقليدية.

ميثاق المجلس: من غزة إلى النزاعات العالمية

بعد إعلانه المرحلة الثانية من خطة السلام في قطاع غزة في 17 يناير (كانون الثاني)، وجّه البيت الأبيض دعوة إلى أكثر من 60 دولة للانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي يشكّل ركناً أساسياً في برنامج أُقرّ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب وقف إطلاق النار في القطاع. وكان الهدف الأصلي من المجلس هو دعم الإدارة الفلسطينية عبر تنسيق جهود إعادة الإعمار وتحفيز التنمية الاقتصادية، بعد عامين من الحرب بين إسرائيل و«حماس».

دافوس تشهد الخميس تدشين «مجلس السلام» (رويترز)

وحظي المجلس حينها بموافقة رسمية بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أن يقتصر دوره جغرافياً على غزة وينتهي تفويضه في عام 2027. غير أن وثيقة الميثاق التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام تكشف عن مراجعة جوهرية في طموحات الرئيس الأميركي، إذ توسّع نطاق المهمة ليشمل «تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات»، من دون أي إشارة مباشرة إلى غزة.

رئاسة دائمة... وعضوية مشروطة

وتشير الوثائق الأولية إلى أن الرئيس ترمب سيحظى برئاسة دائمة للمجلس، فيما تُمنح الدول عضوية لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتحوّل إلى عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار. وفيما لم تتضح بعد الجهة المستفيدة من هذه المساهمات، لمّح مسؤولون أميركيون في تسريبات صحافية إلى أنها ستُخصّص لصندوق إعادة إعمار القطاع الفلسطيني.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستتطلب نحو 53 مليار دولار، ما يضيف بعداً مالياً بالغ الحساسية إلى المبادرة.

«استبدال» الأمم المتحدة

يرى ترمب نفسه على نحو متزايد كمهندس عالمي لـ«السلام بالقوة»، ويسعى إلى تكريس هذا الدور عبر طرح إطار دولي جديد يتجاوز، بحسب رؤيته، «بطء آليات العمل داخل الأمم المتحدة» وما يعتبره حالة من «الشلل المؤسسي» التي تعوق الاستجابة للأزمات الدولية.

وعبّر مسؤولون أوروبيون، ولا سيما في أروقة دافوس، عن مخاوفهم من سعي ساكن البيت الأبيض إلى تحجيم دور الأمم المتحدة، أو حتى «استبدالها»، عبر توسيع صلاحيات «مجلس السلام» خارج إطار غزة. وتزداد هذه الهواجس في ظل انعقاد اجتماعات المجلس في غياب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي اعتذر عن المشاركة في أعمال دافوس بسبب إصابته بالزكام، وفق نائب المتحدث باسمه فرحان حق.

«مجلس السلام» لن يكون محصوراً بغزة فقط (أ.ف.ب)

ويشير ميثاق المجلس، الذي نُشرت نسخة منه في وسائل إعلام عدة، إلى أن «العديد من مقاربات بناء السلام تُضفي طابعاً مؤسسياً على الأزمات، بدلاً من قيادة المجتمعات إلى تجاوزها»، داعياً إلى «التحلّي بالشجاعة للابتعاد عن أساليب ومؤسسات أخفقت مراراً في تحقيق أهدافها».

حذر أوروبي وتهديدات مبطّنة

يعمل حلفاء أوروبيون على تنسيق موقف مشترك والسعي لتعديل بنود الميثاق المقترح، بحسب مصادر مطّلعة، في وقت تتكثف فيه المشاورات خلف الكواليس، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة أو في أروقة دافوس المتوتّرة.

ويدرك الأوروبيون أن الوقت ليس في صالحهم مع اقتراب موعد الخميس، ولا سيما في ظل تزامن هذه الجهود مع مرحلة دقيقة من المفاوضات المرتبطة بالحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا، ومع تهديدات ترمب بـ«شراء» غرينلاند الدنماركية.

وكان الموقف الفرنسي الأشد حدّة داخل القارة الأوروبية، إذ استبعد الرئيس إيمانويل ماكرون انضمام باريس إلى المجلس «في هذه المرحلة»، مشيراً إلى تساؤلات جوهرية تتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة. وردّ ترمب لاحقاً بلهجة ساخرة، ملوّحاً في منشور على منصة «تروث سوشال» بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على صادرات فرنسية، قبل أن يستدرك بأن باريس «ليست ملزمة بالمشاركة».

مواقف دولية متباينة

من جانبها، عبّرت إسرائيل عن «تحفّظات» على المجلس. فرغم دعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مبدأ» «مجلس السلام»، اعتبر مكتبه أن اللجنة المنفصلة المعنية بغزة، والتي يُفترض أن تعمل تحت مظلة المجلس، «لم يتم التنسيق بشأنها مع إسرائيل وتتعارض مع سياستها»، ولا سيما بعد إدراج مسؤولين من قطر وتركيا ضمنها.

في المقابل، أبدت دول أخرى انفتاحاً مشروطاً. وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إنه منفتح «من حيث المبدأ» على الانضمام، مع التشديد على ضرورة مناقشة الشروط. فيما امتنع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تأييد المبادرة، مكتفياً بالإشارة إلى مشاورات مع الحلفاء.

وفي أميركا اللاتينية، أكّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أنه سيصبح عضواً مؤسساً في المجلس، فيما عرضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها «وسيطاً محتملاً». عربياً، قبل ملك المغرب محمد السادس الانضمام إلى المجلس، ليصبح أول زعيم عربي يؤكد مشاركته، إلى جانب دول مثل فيتنام وكازاخستان والمجر (هنغاريا).

وأبدت موسكو وبكين حذراً لافتاً. فقد أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقى دعوة رسمية، وأن موسكو تدرس تفاصيلها. أما الصين، فأكدت تسلّمها الدعوة من دون الإفصاح عمّا إذا كانت ستقبلها، في ظل هدنة تجارية هشّة مع واشنطن.