الفيلسوف الذي حذّر مبكراً من غول التكنولوجيا الآتية

غونتر أندريس: البشريّة خلقت الظروف المناسبة لإبادة نفسها

غونتر أندريس
غونتر أندريس
TT

الفيلسوف الذي حذّر مبكراً من غول التكنولوجيا الآتية

غونتر أندريس
غونتر أندريس

لم تعد مسألة النّظر في التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي على مستقبل البشرية ووجودها ذاته من نافل القول، إذ اقتحمت نماذجه الأحدث كل مجالات الحياة المعاصرة، وأصبحت تطبيقاته في وقت قياسيّ جزءاً لا يتجزأ من فضاءات عديدة: الصناعة، والدفاع، إلى الطبّ، والتعليم، والإدارة، والصحافة، والنشر. ويعلّق كثيرون آمالاً كبيرة على هذه الخوارزميّات المتطوّرة بأن تعين البشريّة على التعامل مع تحديّات معقدة تواجهها كتغيّر المناخ، وتعظيم منافع الموارد القابلة للاستنفاذ، ومعالجة الأمراض المزمنة والعضال، وإنجاز المهام المتكررة والخطرة على نحو يوفّر وقت وطاقة البشر. لكن تلك الآمال الكبيرة تحمل في ثناياها تهديدات، تبدو عند محاولة تصورها، أقرب إلى ديستوبيا تامّة: من تحويل مليارات البشر إلى كتل متبطلة هائمة يأكلها البؤس بسبب أتمتة غالب الوظائف، وتطوير أسلحة متفوقة ذاتية التشغيل قد يساء استخدامها، ناهيك عن تعملق قدرات أنظمة الذّكاء الاصطناعي على نحو قد يخرج في لحظة ما عن سيطرة البشر، وينتج ما قد يتعارض مع رفاههم.

ومن الجليّ أن هذا التطوّر المتسارع لا توازيه، إلى اللحظة على الأقل، تدابير استباقيّة لضمان أن يسترشد استخدامه بأخلاقيات تمنع من تحول الذكاء الاصطناعيّ في النهاية إلى أداة لهيمنة فئة محدودة من البشر، وتبقيه دائماً في خدمة رفاهية النوع الإنساني، واستمرار وجوده.

غلاف «فلسفة التكنولوجيا»

من هذا المنظور، يمكن تفهّم تلك الاستعادة المفاجئة لأعمال الفيلسوف غونتر أندريس (1902 – 1992) إلى قلب الجدل الفكريّ المعاصر بعد طول إهمال. كان أندريس، مثل زوجته الأولى الفيلسوفة اليهوديّة الشهيرة هانا أرندت، قد تأمّل عميقاً في تراجع الأخلاق الإنسانيّة، وبحث في العوامل التي قد تدفع الإنسان إلى تعليق قدرته على التفكير المستقل، وخضوعه الطوعيّ للأنظمة على حساب حساسيته وتعاطفه الإنسانيّ.

في منتصف القرن العشرين، أي بعد تكشّف فظائع الحرب العالميّة الثانية، واستعمال الأسلحة النووية في حسم الحرب على الجبهة الآسيوية، ومن ثم انطلاق سباق التسلح بأسلحة الدّمار الشامل، لم تكن هناك مهمة أكثر إلحاحاً على الصعيد الفلسفي من فحص تلك النتائج التي قادت إليها الحداثة التقنية وجعلت من تكرار التوحش أمراً ليس ممكناً فحسب، بل إنه الاحتمال الأقرب.

انفصال أندريس عن أرندت في العلاقة التي جمعتهما، انعكس لاحقاً في تباعد مصائرهما ومساراتهما الفكريّة، إذ تحولت الأخيرة إلى عشيقة لمارتن هايدغر، الفيلسوف الذي يعده الكثيرون أباً فكريّاً للنازية، وهاجرت لاحقاً إلى الولايات المتحدة التي احتفت بها في أرقى الأكاديميات، وتحوّلت إنتاجاتها باللغة الإنجليزية إلى أدوات تبرر للهيمنة الأنجلوساكسونيّة في مواجهة النقيض الاشتراكيّ وكذلك للمشروع الصهيونيّ العنصريّ في فلسطين، فيما عاد أندريس، الذي هاجر مع موجة المفكرين اليهود الفارين من تعسّف النظام النازي إلى الولايات المتحدة، تالياً إلى القارة القديمة، واستمر ينظّر بالألمانية لمعنى كوارث الحرب الكبرى، وتأثير التكنولوجيا على الحداثة والحالة البشرية، لا سيما الهيمنة التدريجية للتكنولوجيا على جميع جوانب النشاط البشري: من التسليع الشامل، والتجريد من الإنسانية، إلى فصل النظرة إلى العالم عن الواقع الحقيقيّ بصورة بديلة أنتجتها تلك الهيمنة، وتعاظم احتمالات انقراض نوعنا بشكل نهائيّ.

لكن وعلى الرّغم من أهميتها الفائقة، فقد ظلّت أعمال أندريس غير معروفة في العالم الأنجلوساكسوني النّاطق باللغة الإنجليزية حتى وقت قريب، ليس فقط بسبب ما تحمله من «تشاؤم نقدي لاذع لا يرحم» - كما وصفها هربرت ماركوزه، ولكن أيضاً لأن تلك النّذر كانت لا تتوافق مع مضامين المشروع الآيديولوجي للغرب في تلك المرحلة من القرن العشرين. ومع ذلك يتم الاعتراف به الآن رائداً فكريّاً لعدد من الموضوعات الفلسفيّة الرئيسيّة التي تناولتها أعمال العديد من الفلاسفة اللاحقين له أمثال جان لوك نانسي، وبرنارد ستيجلر، وجان بيير دوبوي، وزيغمونت بومان.

غادر أندريس بلاده إلى باريس عام 1933، وانتهى به الأمر بعد نشوب الحرب العالمية الثانية لاجئاً في كاليفورنيا، بالولايات المتحدة، يكسب رزقه من خلال كتابة سيناريوهات الأفلام لصناعة السينما في هوليوود والقيام بوظائف متواضعة أحياناً في المصانع ومستودعات الأفلام. على أن تلك التجربة الحياتية القاسية هناك بموازاة اختلاطه بالمثقفين اليهود رواد مدرسة فرانكفورت مكنته من أن يراقب عن كثب ذلك الصعود الدراماتيكي للثقافة الاستهلاكية في الغرب، قبل أن يعود في عام 1950 للاستقرار بشكل دائم إلى فيينا ويشرع في تدبيج المقالات حول المعضلات التي تواجهها الحالة الإنسانية في مواجهة صعود التكنولوجيا بلغة سهلة قريبة من الجمهور العادي، متخلياً عن الأسلوب الأكاديمي المتعجرف لمعلميه إدموند هوسرل ومارتن هايدغر.

استنكر أندريس متلازمة العمى الجماعي للنخبة من السياسيين والمثقفين التكتيكيين، وانعدام الوعي لديهم بخطورة استغلال التهديد بالإبادة النووية لأغراض سياسية، وكتب محذراً بأن لا أحد منا لديه معرفة تتناسب مع ما يمكن أن تنتهي إليه حرب نووية ما يعني أن نهاية عجلى للعالم هي، في جوهرها، في أيدي ثلة من غير الأكفاء والحمقى، عاداً أن «الاستخدام الحديث للطاقة النووية أدى إلى طمس التمييز بين المدنيين والعسكريين، وجعل إمكانية وقوع كارثة حاسمة أمراً يمكن أن يبدأ من أي مكان. لقد تجاوزت البشريّة عتبة ربما لا يمكن العودة عنها بعدما علّقت متعمدة سيفاً مسلطاً على رأسها، وخلقت الظروف لإبادة نفسها».

وعدَّ أندريس أن الكوارث المروعة التي شهدها القرن العشرون كانت نتيجة تلقائيّة ومنطقية لذلك الاستبعاد التدريجي للبشرية من جميع عمليات الإنتاج الذي أطلقته الرأسماليّة - ما يسميه كارل ماركس بالاغتراب -، وهو الأمر الذي لم يعد يثير استهجاناً بقدر ما كان مدمراً، مشيراً إلى أن القنبلة النوويّة كانت التجسّد المادي لقوة غير مكتشفة ومقلقة ومؤرقة تؤججها أدوات التكنولوجيا المعقدة، التي كلّما تطورت وتقدمت تضاءل النوع الإنساني أمامها، وكلما أصبحت قدرتها غير مشروطة وغير محدودة، صار وجودنا ذاته مشروطاً بها ومرهوناً لها.

قراءة أندريس اليوم، كما كانت في الخمسينات من القرن الماضي، موجعة، لكنها ضرورية كما دواء مرّ

في عمله الأهم، «تقادم الإنسان» - الذي ظهر مجلده الأول بعنوان فرعي «عن الروح في وقت الثورة الصناعية الثانية» عام 1956، والمجلد الثاني «حول تدمير الحياة في وقت الثورة الصناعية الثالثة» عام 1980، قدم أندريس نقداً صارخاً للواقع الاستهلاكي الذي أنتجته التكنولوجيا الحديثة منطلقاً من تحليل عميق لنموذج العمل الحديث الموجه جذرياً لتعظيم الربح، الذي جعل العامل معنياً بعملية جزئيّة متكررة غافلاً عن المنتج النهائي، وما قد ينشأ عنه من عواقب اجتماعيّة أو بيئية، مع تلاشٍ متلاحق لإمكانية التعبير عن الذات أو التفكّر في أخلاقيات العمل. وعدَّ أن تقزيم بروليتاريا العمل توازي جنباً إلى جنب مع تصنيع مواد ذات نوعية رديئة مبرمجة للتقادم الفوري: إذ لم يعد المقصود من الأشياء أن تدوم، بل أن يتم استهلاكها كمواد قابلة للتلف، واستبدالها بمعدل محموم، وفي دورة لا نهائيّة من الإنتاج والتدمير، ما مكّن الإمبراطورية التكنولوجية الشمولية من اختزال البشر إلى مجرد تروس من الآلة الضخمة، تحت التهديد الدائم بالتصفية والبطالة لمصلحة الآلات.

بعض نذر أندريس المبثوثة في أعماله تبدو غريبة في قدرتها على التنبؤ بالكيفية التي تؤثر بها الأجهزة والآلات في أفكارنا ومناقشاتنا ومشاعرنا وحتى علاقاتنا، وكيف يتم حبس الأفراد وتجريدهم من إنسانيتهم وعزلهم عن بعضهم تحديداً من خلال توفير أدوات ظاهرها مطلق الحرية الشخصية وحقوق الفرد.

على الرغم من زيادة ترداد وسائل الإعلام لهذه التهديدات التي وصفها أندريس، فإننا نعيش عصراً من «فقدان القدرة على الخوف»، كما يقول، إذ ما زلنا بعد ما يقرب من 75 عاماً على تفجير أول قنبلة نووية سلبيين بشكل كبير في مواجهة كل هذا التطور التكنولوجي. فهل لنا الحق في مواجهة احتمال انقراض نوعنا غير البعيد أن نكتفي بالكسل المطلق والاستسلام للاستهلاك المفرط المتهور؟ إن «عمانا عن مواجهة استحقاق نهاية العالم»، الذي، وفقا لأندريس، دائماً نهج متأصل للثورة الصناعية الثالثة، التي يبدو البشر في ظلها مستمرين بـ«وضع الخطط والعيش كما لو أن كل شيء سيستمر في تقدمه كما عهدوه». أليس هذا وضعنا المؤسف تماماً اليوم قبالة تغوّل الذكاء الاصطناعي؟ قراءة أندريس اليوم، كما كانت في الخمسينات من القرن الماضي، موجعة، لكنها ضرورية كما دواء مرّ.


مقالات ذات صلة

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون،

شاكر نوري
ثقافة وفنون الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة

«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

في كتابها «إسكندرية فين؟.. رحلة تناجرا» الصادر أخيراً عن دار العين للنشر بالقاهرة، لا تنطلق الكاتبة والباحثة المصرية ياسمين عبد الله، في بحثها عن مدينتها

منى أبو النصر (القاهرة)

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».