اتهامات «الإساءة لرموز دينية» تلاحق مسلسلاً عراقياً

«الوقف الشيعي» دعا لوقف عرضه... ومخاوف فنية من «التضييق»

اتهامات «الإساءة لرموز دينية» تلاحق مسلسلاً عراقياً
TT

اتهامات «الإساءة لرموز دينية» تلاحق مسلسلاً عراقياً

اتهامات «الإساءة لرموز دينية» تلاحق مسلسلاً عراقياً

لاحقت اتهامات بـ«الإساءة لرموز دينية» مسلسلاً عراقياً يعرض خلال الموسم الرمضاني الحالي وسط دعوات لوقف بثه، بعد أن رأى منتقدوه أن إحدى شخصيات العمل التي تحمل اسم «مهدي أبو صالح» تمثل ما قالوا إنه «إساءة» إلى «مقام الإمام الثاني عشر (الغائب) لدى الطائفة الشيعية الإمامية».

وتتمحور الأزمة التي اتخذت أبعاداً دينية وسياسية وبرلمانية، حول مسلسل «عالم الست وهيبة»، الذي عرض الجزء الأول منه عام 1997، وتدور حول الممرضة وهيبة وعالمها في بغداد إبان عقد التسعينات وانعكاس الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق وقتذاك، وبروز عصابات السرقة نتيجة الظروف الاقتصادية القاسية، وقدّم الفنان غالب جواد شخصية (مهيدي، أو مهدي أبو صالح) الشاب الذي ينتمي إلى إحدى تلك العصابات.

وعاد جواد في الجزء الجديد (المعروض حالياً) ليقدم الشخصية نفسها، لكنه هذه المرة أثار حفيظة بعض الأطراف، بذريعة أن اسم الشخصية داخل المسلسل «مهدي أبو صالح» يُسيء إلى «مقام الأمام الثاني عشر (الغائب) لدى طائفة الشيعية الإمامية».

وقال نقيب الفنانين العراقيين جبار جودي لـ«الشرق الأوسط» إن «الأطراف الفنية والجهات المنتجة للأعمال الدرامية تجد نفسها مجدداً أمام معضلة (التفسيرات الخاطئة) التي تصدر عن الأطراف السياسية أو الجهات الرسمية للخطوط العامة وطبيعة المعالجات الفنية للأعمال الدرامية».

ومثلما واجهت قناة Utv (وهي الجهة المنتجة) والفنان غالب جواد بطل مسلسل «الكاسر» العام الماضي قراراً بإيقاف بث المسلسل صدر عن هيئة «الإعلام والاتصالات» الرسمية، يواجهان «القناة والبطل» هذا العام قراراً مماثلاً بإيقاف مسلسل «عالم الست وهيبة». وليس من الواضح بعد ما إذا كانت الهيئة تتخذ قراراً بمنع العرض أم لا.

«كتائب حزب الله»

وكان النائب سعود الساعدي عن كتلة «حقوق» التابعة لـ«كتائب حزب الله»، أول «المعترضين والمحرضين» على مسلسل «الست وهيبة». حيث طالب، أول من أمس، «هيئة الإعلام والاتصالات» بإيقاف بث المسلسل بذريعة أن «شخصيات المسلسل تسيء للرموز الدينية».

وقال الساعدي في وثيقة موجهة إلى الهيئة: «وردتنا العديد من الشكاوى والمناشدات من المواطنين تتضمن وجود إساءة عمدية للرموز الدينية في مسلسل عالم الست وهيبة، التي تتمثل باختيار شخصية (مهيدي أبو صالح)، في إشارة واضحة تتضمن الإساءة العمدية بصيغة الكناية والتورية إلى شخصية الإمام المهدي»، على حد قوله.

وأضاف: أن «استخدام هذه الشخصية واقتباسها من زمن النظام الصدامي البائد مع ما تحمله من دلالات ضمنية على شخصية الإمام تتضمن استهدافاً واضحاً للرموز الدينية، وهو الأمر الذي جرمته لائحة قواعد البث الإعلامي الصادرة من هيئة الإعلام».

وطالب الساعدي هيئة الإعلام بـ«اتخاذ الإجراءات القانونية والإعلامية المناطة بالهيئة وفقاً للأمر رقم (65) لسنة 2004 بشأن هذا الموضوع، فإما يتم إيقاف بث المسلسل بصورة كلية من القناة المذكورة، أو توجيه القناة باستقطاع المشاهد الواردة في المسلسل التي تتضمن ظهور شخصية (مهدي أبو صالح) بمشاهد مسيئة من جميع الحلقات التي ستعرض في الأيام المقبلة».

ورأى جودي لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تضييق على الفنانين والأعمال الدرامية أمر مرفوض وغير مقبول، ولا يعقل أن تفصّل الأعمال الدرامية على مزاج هذا السياسي أو رجل الدين، أو ذاك».

وأضاف، أن «الأعمال الدرامية وكل منجز فني أو إبداعي لا ينمو إلا في ظل أجواء حرة بعيدة عن الخوف والتضييق، أخشى أن كل ذلك سيعمل على تعطيل حركة الإنتاج الفني النامية في البلاد».

«الوقف الشيعي»

ولم ينتظر «ديوان الوقف الشيعي» كثيراً للانضمام إلى خانة الجهات المطالبة بإيقاف المسلسل، وقال في بيان إنه «اتخذ جميع الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة تجاه كل من يحاول ويسعى للإساءة إلى الرموز الدينية المقدسة، كما أنه لن يسمح للساعين إلى ذلك».

وأضاف أنه رصد «إساءة من قبل إحدى المؤسسات الإعلامية لمقدسات دينية عليا لأبناء الشعب العراقي وثوابته ورمزيته؛ لذا اقتضى اتخاذ الإجراءات القانونية المشددة بحق من يرتكب تلك الجرائم وبما يضمن تحقق الردع العام».

وفي مقابل الأصوات السياسية والدينية التي تعالت لإيقاف عرض المسلسل، يبدي طيف واسع من الفنانين والمثقفين والصحافيين استغرابه ورفضه لحالة التضييق على الأعمال الدرامية، وفي هذا الاتجاه، يقول الصحافي ورئيس تحرير صحيفة «الصباح» الرسمية السابق، فلاح المشعل، تعليقاً على المطالبات بإيقاف المسلسل، إنه «أمر لا يستقيم مع فكر وفقه التشيع الذي لا يأخذ بالقشور من الظواهر الاجتماعية والأحداث اليومية العابرة، بل يعبر عن سطحية القياس في قرار من يتبنى المنع لأنه لم يبن على خطاب فكري أو فقهي معقول».

وأضاف: «لهذا فإن المطالبة بالمنع لم تأتِ من مرجعية شيعية فقهية، بل من إحدى لجان البرلمان (سياسية)، ومؤسسة الوقف الشيعي (حكومية)، أي جهات غير اختصاصية في شؤون الفن أو شؤون الفقه الشيعي، مع كل الاحترام لعملهما».

في مقابل ذلك، لم يصدر أي إيضاح من القناة المنتجة للمسلسل (حتى إعداد التقرير) لكن مسؤولاً في القناة أبلغ «الشرق الأوسط» أنهم سيصدرون بياناً في وقت لاحق رداً على ما وصفها بـ«الاتهامات والأباطيل التي روج لها البعض حول المسلسل».


مقالات ذات صلة

الصدر يعلن إلحاق جناحه العسكري بالحكومة العراقية

المشرق العربي عراقي بأحد شوارع بغداد يمر أمام صورة لمقتدى الصدر مرتدياً الزي العسكري الخاص بـ«سرايا السلام» (أ.ف.ب)

الصدر يعلن إلحاق جناحه العسكري بالحكومة العراقية

قال زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الأربعاء، إنه قرر فك ارتباط جناحه العسكري «سرايا السلام» بالتيار وإلحاق عناصرها بالدولة.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد موظف يقوم بتعبئة الوقود في إحدى المحطات (رويترز)

العراق: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في بغداد

أعلنت شركة المنتجات النفطية العراقية، الأربعاء، أن محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في بغداد والمحافظات.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي السفير البريطاني في بغداد عرفان صديق (إكس)

السفير البريطاني في بغداد: التدخل الإيراني واسع وغير شرعي

وجّه السفير البريطاني لدى العراق، عرفان صديق، انتقادات لاذعة إلى الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، واتهمها بالابتزاز والعمل على طريقة «المافيا»...

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» في القائم على الحدود مع سوريا - 2 مارس 2026 (رويترز)

العراق... 5 فصائل تتجه لنزع السلاح وفصيلان يرفضان

تتحدث مصادر مقربة من أجواء قوى «الإطار التنسيقي» العراقي عن عدم ممانعة 5 فصائل نزع أسلحتها، في مقابل رفض فصيلين لمثل هذه الخطوة التي تصر عليها أميركا.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي صورة متداولة لشاحنة أغنام صفحة مستشار الحلال وتربية الأغنام

تعليق مرور «أغنام العوّاس» السورية اختبار لعودة الترانزيت عبر العراق

ثار الجدل بين الجانبين السوري والعراقي على خلفية تعليق عبور «الترانزيت» للمواشي إلى دول الخليج والسعودية عبر العراق.

سعاد جرَوس (دمشق)

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)

قال الجيش ‌الإسرائيلي، ‌الأربعاء، ​إنه ‌استهدف ⁠اثنين ​من مقاتلي ⁠حركة ⁠«حماس» ‌الرئيسيين ​في ‌شمال قطاع ‌غزة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي وقت سابق من الأربعاء، حمل عشرات الفلسطينيين جثمان محمد عودة، القائد الجديد لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، في جنازة بشوارع مدينة غزة.

وقُتل عودة على يد إسرائيل في إطار حملتها للقضاء على كبار قادة «حماس» على الرغم من وقف إطلاق النار.

وقال الجيش الإسرائيلي إن عودة قُتل في عملية دقيقة في غزة، مساء الثلاثاء، وذلك بعد أكثر من أسبوع من مقتل سلفه، عز الدين الحداد، في هجوم إسرائيلي على مبنى سكني في قطاع غزة.


هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)

شهد الشهر الماضي منعطفاً دراماتيكياً في تاريخ سوريا، الدولة التي مزَّقتها سنوات من الحرب الأهلية التي لم تنتهِ إلا في ديسمبر (كانون الأول) 2024. فبعد 16 شهراً من فرار الديكتاتور بشار الأسد إلى موسكو، بدأت السلطات الانتقالية السورية أخيراً باعتقال كبار مسؤولي النظام السابق، المسؤولين عن أبشع جرائم الحرب. وقد تكون هذه نقطة تحوُّل للحكومة الوليدة، لكن من غير الواضح إلى أي اتجاه ستتجه، بحسب خبراء دوليِّين.

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

في الأسابيع الـ6 الماضية، ألقت قوات الأمن القبض على عدنان عبود حلوة، وهو جنرال متهم بتدبير هجوم السارين عام 2013 على الغوطة الشرقية، وجايز الموسى رئيس أركان القوات الجوية للأسد وشخصية خاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي مرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية، واللواء وجيه علي العبد الله، الذي أدار مكتب الشؤون العسكرية للأسد لمدة 13 عاماً، وأمجد يوسف، ضابط المخابرات المتهم بقيادة مجزرة التضامن عام 2013، والتي تمَّ فيها اقتياد ما لا يقل عن 41 مدنياً إلى حفرة وإطلاق النار عليهم، وهو ما وثَّقه القتلة في ذلك الوقت بالفيديو.

اللواء الطيار الركن جايز حمود الموسى أحد أعمدة نظام الأسد (الداخلية السورية)

الاعتقالات أُعلن عنها عبر سيل من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي وعلى التلفزيون السوري. الأسماء معروفة لدى معظم السوريين، فهم «الرأس المدبر» لنظام قمعي وحشي. وتزامنت الاعتقالات مع بدء محاكمة عاطف نجيب، الذي كان أول المختارين، رمزياً، لأنه الرجل الذي أسهم تعذيبه العنيف لمعارضي الأسد اليافعين في إشعال فتيل انتفاضة 2011 التي أدت إلى سقوطه بعد أكثر من عقد من الزمان.

في العاشر من مايو (أيار) الحالي، جلس عاطف نجيب، ابن عم الأسد، في إحدى قاعات محكمة دمشق، مكبلاً بالأصفاد داخل قفص معدني، مرتدياً زي السجن المخطط الباهت. كان نجيب يشغل منصب رئيس الأمن في محافظة درعا الجنوبية عندما اعتُقل تلاميذ المدارس وعُذِّبوا لكتابتهم شعارات مناهضة للأسد على جدران مدارسهم. سُجن التلاميذ لمدة 45 يوماً، وبحلول وقت إطلاق سراحهم، كانت درعا تشهد مظاهرات أسبوعية سرعان ما امتدت إلى باقي أنحاء البلاد.

عاطف نجيب يدفع عن نفسه التهم بممارسات أمنية ضد أهالي محافظة درعا 2011 (سانا)

كان هذا ثاني مثول لنجيب أمام المحكمة. تلا القاضي 10 تهم، من بينها القتل والتعذيب. وُجِّهت التهم غيابياً إلى بشار وشقيقه ماهر الأسد. ونظراً لفرارهما إلى موسكو، لا يتوقع أحد اعتقالهما قريباً، لكن هذا الإجراء رمزي، كما كتب فضل عبد الغني، رئيس «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»: «لقد نُقل الأسد من موقع الرئيس السابق، وصاحب السلطة المطلقة، إلى موقع المتهم أمام القضاء السوري».

كان بعض «فتيان الكتابة على الجدران»، الذين أصبحوا الآن بالغين، موجودين أيضاً في المحكمة. وكان القاضي الذي يرأس الجلسة، فخر الدين العريان، قد حُكم عليه بالإعدام سابقاً من قبل النظام الذي سيحكم عليه الآن.

تزامن كل هذا مع توجيه اتهامات جديدة لأكبر مرتكبي الجرائم في الحرب الأهلية السورية. لم يكن هذا التسارع وليد الصدفة، ولم تكن المساءلة هي الدافع الوحيد، بحسب موقع «سليت»، فقد تعرَّض الرئيس أحمد الشرع، رئيس الحكومة الانتقالية، لضغوط متواصلة من عائلات الضحايا، ومنظمات حقوق الإنسان السورية، ونشطاء المجتمع المدني، وعواصم غربية تدرس تخفيف العقوبات، لإثبات جدوى خطابه حول العدالة الانتقالية. وقد أمضى العام الماضي في بناء أسس المساءلة، وإنشاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب مرسوم صدر في مايو الماضي، ولجنة المفقودين التي تُولي العدالة الانتقالية أولويةً قصوى.

سيارة محترقة قرب مقر وزارة الدفاع السورية في حي الباب الشرقي بدمشق الثلاثاء نتيجة انفجار سيارة مفخخة (د.ب.أ)

لكن الأمن هو المحرِّك الآخر. لم تختفِ شبكات النظام السابق، فبعض الشخصيات لا تزال تمتلك أسلحةً وأموالاً ونفوذاً محلياً، فضلاً عن صلات بجهات خارجية، لا سيما روسيا وإيران. لدى هذه الشبكات دوافع لاستغلال الوعود غير المُحقَّقة للمرحلة الانتقالية في بلدٍ تتسم فيه سلطة الدولة الجديدة بالتفاوت، وتشهد فيه أسعار الوقود والكهرباء ارتفاعاً حاداً، ويكافح فيه السوريون لإطعام أسرهم. وكان افتتاح المحاكمة الأولى وسيلةً لتلبية أحد هذه المطالب على الأقل.

«تتعرَّض السلطات لضغوط مشروعة من المجتمع، فيما يتعلق بالعدالة والاقتصاد؛ والآن، عليهم أن يستجيبوا، لذلك لا يمكنهم تجاهل مطالب الشعب»، كما يقول معتصم السيوفي، المدير التنفيذي لمنظمة «اليوم التالي»، وهي منظمة تعمل على دعم الانتقال الديمقراطي في سوريا.

من بعض النواحي، كان اعتقال هؤلاء الرجال الجزء الأسهل. أما المشكلة الأصعب فهي بناء نظام قضائي من الصفر لمحاكمتهم. ثمة فراغ في القضاء بعد إقالة معظم قضاة عهد الأسد. وتحاكم الحكومة الانتقالية عاطف نجيب بموجب قانون العقوبات لعام 1949، وهو قانون كُتب للقتل العادي، لا للجرائم ضد الإنسانية. ودون برلمان فاعل، سيتعيَّن تأجيلُ سنِّ قوانين جديدة تفي بالمعايير الدولية لجرائم الحرب.

عاطف نجيب يدفع عن نفسه التهم بممارسات أمنية ضد أهالي محافظة درعا 2011 (سانا)

يقول النقاد إنَّ الإطار القانوني المحلي غير كافٍ. فلا يوجد قانون ينصُّ على مسؤولية القيادة في القانون السوري. وتقتصر ولاية لجنة العدالة الانتقالية على جرائم عهد الأسد، مستثنيةً انتهاكات قوات الأمن الجديدة خلال المجازر الساحلية التي استهدفت العلويين العام الماضي، والعنف الطائفي ضد الدروز في مدينة السويداء الجنوبية.

يُمثل حجم القضايا المحتملة تحدياً آخر. فقد سجنت الحكومة الانتقالية الجديدة ما يُقدَّر بنحو 4 آلاف مسؤول سابق في النظام؛ ولا يزال آلاف آخرون، بمَن فيهم مَن ارتكب جرائم تعذيب بحق المعتقلين، في البلاد.

على سبيل المثال، اتُّهمت امرأة تُدعى هالة، كانت تُعرَف داخل سجون النظام باسم «مونيا»، من قِبَل ناجين، في أثناء عملها حارسةً في مركز احتجاز المخابرات الجوية سيئ السمعة، بأنها شاركت في التعذيب وسوء المعاملة خلال عهد الأسد. وقد أبلغ الضحايا السلطات بعد أن رأوها تعمل علناً حلاقة في حي راقٍ بوسط دمشق، ونشرت صوراً لتسريحات محلها، على الإنترنت. تَعرَّف المعتقلون السابقون على وجهها وصوتها. وأُلقي القبض عليها في مارس (آذار).

جثمانا طفلَي قال أقاربهما إنهما قُتلا جراء انفجار ناجم عن مخلفات الحرب خلال لعبهما في قرية بريف إدلب الشرقي يوم 21 مايو (أ.ب)

وكشف موقع «سليت»، عن أنَّ أكثر من 300 طالب في كلية الحقوق بجامعة دمشق، حضروا حلقة نقاش عُقدت مؤخراً، قدّمها متخصصون قانونيون دوليون في جرائم الحرب، من بينهم ستيفن راب، السفير الأميركي السابق المتجول لشؤون جرائم الحرب. ويهدف البرنامج إلى إنشاء برنامج عملي يُشرك الطلاب فوراً في العمل القانوني، ويُزوّدهم بأدوات تُساعد القضاة والمدعين العامين. ويقول راب: «إنّ كيفية بناء القضايا، وتحديد ما إذا كانت هناك جريمة، ومناقشة أشكال المسؤولية، هي مفتاح النجاح».

يقول بعض المسؤولين الحكوميين للموقع، إنَّ الهدف هو إجراء 500 محاكمة على مدى السنوات الـ5 المقبلة، لكن راب يقول: «حتى هذا الهدف قد يكون صعب المنال: سيواجهون صعوبةً في إقامة 500 محاكمة، وسيتعيَّن عليهم اتخاذ خيار استراتيجي بشأن مَن سيحاكمون».

ستكون لتلك الخيارات أهمية بالغة بالنسبة لمجتمع مُصاب بصدمة نفسية، وسيُصرّ أفراده على أن يكون لهم رأي في القرارات. إنَّ الاختبار الأكبر ليس في عدد الجنرالات السابقين الذين سينتهي بهم المطاف في السجن، بل في قدرة الحكومة الجديدة على إرساء عملية عدالة انتقالية شفافة وتعزيز سيادة القانون لأول مرة في سوريا.


الجيش الإسرائيلي ينذر سكان جنوب لبنان للإخلاء إلى شمال نهر الزهراني

 تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي ينذر سكان جنوب لبنان للإخلاء إلى شمال نهر الزهراني

 تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أنذر الجيش الإسرائيلي، مساء الأربعاء، سكان جنوب لبنان بأن المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني الذي يبعد نحو أربعين كلم من الحدود بين إسرائيل ولبنان، تعدّ «منطقة قتال».

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، دعا المتحدث باسم الجيش باللغة العربية أفيخاي أدرعي، جميع سكان هذه المناطق إلى إخلائها في اتجاه الضفة الشمالية من نهر الزهراني.

وقال أدرعي: «في ظلّ الانتهاكات المتكرّرة لاتفاق وقف إطلاق النار من قبل (حزب الله) الإرهابي، سيعمل جيش الدفاع ضدّه بقوة شديدة»، مضيفاً: «ننصح سكان جنوب لبنان بالإخلاء إلى شمال نهر الزهراني؛ إذ إن جميع المناطق الواقعة جنوب النهر تُعدّ منطقة قتال».

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير خلال مراسم تسلّم طائرة إمداد جديدة لسلاح الجو: «نكثّف عملياتنا في لبنان كي نوجّه ضربات تزداد قوّة لمنظمة (حزب الله)».

وأضاف في تسجيل مصوّر للمراسم نشرته الخدمة الإعلامية للجيش: «تنفّذ هذه العملية بدقّة، على كلّ الجبهات، جوّاً وبرّاً، بمسؤولية وعزم لمواجهة عدوّ أُضعف وانتكس بشدّة».

وتابع قائلاً إن «(حزب الله) يوجّه ضدّنا تهديدات واسعة، أبرزها المسيّرات» المتفجّرة، متعهّداً بمواصلة «الجهود بلا هوادة لتكبيد العدوّ ثمناً باهظاً، أكان على الجبهة أو في العمق».

سكان وصحافيون يتفقدون مبنى تضرر جراء غارة جوية إسرائيلية في اليوم السابق في شرناي بجنوب لبنان 27 مايو 2026 (أ.ب)

استهداف محيط مدينة صور

واستهدفت غارتان إسرائيليتان على الأقل محيط مدينة صور في جنوب لبنان، الأربعاء، وفق ما أفادت به «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية، وذلك بعد إصدار الجيش الإسرائيلي إنذار إخلاء شمل المدينة ومناطق قريبة منها.

وأفادت «الوكالة» بأن الطيران الإسرائيلي شنّ «غارة على محيط صور، كما أغار مستهدفاً منطقة المساكن قرب صور». وأفاد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» في صور بوقوع غارة واحدة على الأقل في محيط المدينة.

وأعلن «حزب الله»، الأربعاء، خوض اشتباكات مع قوات إسرائيلية تقدمت إلى بلدة تقع خارج «الخط الأصفر» الذي حددته في جنوب لبنان، على وقع تهديد تل أبيب بتوسيع نطاق عملياتها، وإنذارها مجدداً سكان مدينة النبطية بإخلائها غداة ضربات دامية.

وتوعّدت إسرائيل، هذا الأسبوع، بتصعيد عملياتها في لبنان، تزامناً مع استعداد البلدين لخوض محادثات جديدة في واشنطن، يبدأها وفدان عسكريان، الجمعة، وتُستكمل بجولة تفاوض بين ممثلين عن البلدين في 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل.

وكثّفت إسرائيل، الثلاثاء، غاراتها على لبنان، مستهدفة مناطق في جنوب البلاد وشرقها مع إنذارها سكان أكثر من 50 بلدة ومدينة لإخلائها قبل قصفها؛ ما أسفر عن مقتل 31 شخصاً على الأقل وفق السلطات اللبنانية، رغم سريان هدنة هشّة مع «حزب الله» منذ 17 أبريل (نيسان) الماضي.

وقال «حزب الله»، في بيان، إن مقاتليه «اشتبكوا»، صباح الأربعاء، «مع قوات العدو من مسافة صفر» في بلدة زوطر الشرقية «بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، وأجبروا العدو على التراجع ليعمد بعدها إلى تنفيذ أحزمة ناريّة في المنطقة».

وكان «الحزب» أعلن في بيانات متلاحقة منذ فجر الثلاثاء، استهدافه قوات إسرائيلية حاولت التوغل في البلدة بالقذائف الصاروخية والمسيّرات المفخخة.

وتكتسب البلدة الواقعة شمال مجرى الليطاني أهمية استراتيجية لقربها من مدينة النبطية؛ كبرى مدن الجنوب التي أنذر الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، لثاني يوم على التوالي، سكانها بإخلائها والتوجه شمالاً، متهماً «حزب الله» بخرق وقف إطلاق النار.

والبلدة ملاصقة لـ«الخط الأصفر» الذي حدده الجيش الإسرائيلي، الشهر الماضي، في جنوب لبنان، لفصل منطقة بعمق 10 كيلومترات عن الحدود، يمنع سكانها من العودة إليها، عن بقية أجزاء الجنوب.

وتزامن تقدم القوات الإسرائيلية إلى البلدة الواقعة على بعد نحو 10 كيلومترات في مسافة مباشرة عن أقرب نقطة حدودية مع إسرائيل، مع إعلان الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، أنه «يعمل بشكل موجّه بعد خط الدفاع الأمامي بهدف القضاء على التهديدات المباشرة التي تخيم على مواطني دولة إسرائيل وعلى الجنود».

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية - اللبنانية كما شوهدت من شمال إسرائيل 27 مايو 2026 (رويترز)

وكانت القوات الإسرائيلية موجودة براً داخل «الخط الأصفر»، حيث واصلت تنفيذ عمليات تفجير وهدم واسعة النطاق رغم سريان هدنة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الثلاثاء: «نحن بصدد تكثيف عملنا في لبنان... وتعزيز المنطقة الأمنية من أجل حماية مناطق الشمال» في إسرائيل من تهديد «حزب الله»، على وقع ازدياد الشكوك بشأن إمكانية إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

طريق إمداد

ومنذ اندلاع الحرب التي بدأها «حزب الله» باستهداف شمال إسرائيل في الثاني من مارس (آذار)، رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أولى الضربات الإسرائيلية - الأميركية على إيران، تنفذ إسرائيل بين الحين والآخر ضربات على منطقة البقاع الغربي وتنذر سكان بلدات عدة بإخلائها.

وتركزت الغارات في اليومين الأخيرين بشكل خاص على بلدة مشغرة، التي كانت تؤوي مئات العائلات النازحة من بلدات مجاورة استهدفتها إسرائيل منذ بدء الحرب، وباتت اليوم خالية تماماً من قاطنيها.

ومع تكرار الغارات والإنذارات، أبدى رئيس بلدية مشغرة إسكندر بركة في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خشيته من أن «تصبح منطقة البقاع الغربي ساحة مواجهة خلفية» مع «حزب الله»، بعد الجنوب.

وتشكل منطقة البقاع الغربي منطقة استراتيجية لـ«حزب الله»؛ إذ تربط البقاع الشمالي، معقل «حزب الله» بجنوب البلاد وتشكل طريق إمداد رئيسياً لقواته.

ويقول الخبير العسكري حسن جوني للوكالة: «تشكل منطقة البقاع الغربي ممراً إلزامياً لعناصر (حزب الله) إذا أرادوا أن يتحركوا بين البقاع والجنوب»، وهو ما يرجّح أن يجعلها «منطقة استهداف مركز ومتواصل في هذه المرحلة» من إسرائيل.

ولا يستبعد جوني أن يعمل نتنياهو في الأيام المقبلة على «توسيع العمليات الحربية باتجاهات تتخطى البقاع الغربي، وربما يستهدف البقاع الشمالي بشكل مكثف وحتى ضاحية بيروت الجنوبية» اللذين بقيا بمنأى نسبياً عن القصف منذ سريان الهدنة.

ورغم التصعيد الإسرائيلي، يأمل لبنان في أن يتمكن خلال جولة المفاوضات المقبلة من تثبيت وقف إطلاق النار.

ويشارك وفد عسكري شكّله لبنان، يضم ستة ضباط من اختصاصات عدة برئاسة مدير العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله، في محادثات مع وفد إسرائيلي تقام، الجمعة، في وزارة الدفاع الأميركية.

وقال مصدر عسكري للوكالة إن الوفد «سيشدد على ضرورة وقف إطلاق النار، ويعرض خطة الجيش لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية».