بايدن يصف دعوة شومر إلى انتخابات في إسرائيل بـ«الخطاب الجيد»

قال إن كبير الديمقراطيين في مجلس الشيوخ «عبّر عن مخاوف جدية... يشاركه فيها عدد كبير من الأميركيين»

الرئيس الأميركي جو بايدن في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض اليوم الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض اليوم الجمعة (أ.ب)
TT

بايدن يصف دعوة شومر إلى انتخابات في إسرائيل بـ«الخطاب الجيد»

الرئيس الأميركي جو بايدن في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض اليوم الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض اليوم الجمعة (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي جو بايدن، اليوم الجمعة، إن زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر ألقى «خطاباً جيداً»، الخميس، عندما دعا إلى إجراء انتخابات جديدة في إسرائيل ووجه انتقادات قوية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووصفه بأنه عقبة في طريق السلام.

وقال بايدن للصحافيين في البيت الأبيض عند سؤاله عن تصريحات شومر في قاعة مجلس الشيوخ، الخميس: «لقد ألقى خطاباً جيداً». وأضاف بايدن: «لقد عبّر (شومر) عن مخاوف جدية... يشاركه فيها عدد كبير من الأميركيين»، مشيراً إلى أن شومر أبلغ موظفي الرئاسة بأمر الخطاب في وقت سابق لإدلائه به.

وفي «تزامن» لافت مع تصريحات شومر التي انتقد فيها إسرائيل لفشلها في معالجة الأزمة الإنسانية في غزة، داعياً إلى إجراء انتخابات جديدة لتغيير حكومتها، نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين أن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، وقّع الخميس، على رسالة يؤكد فيها لإدارة الرئيس جو بايدن أن إسرائيل ستستخدم الأسلحة الأميركية وفقاً للقانون الدولي، وستسمح بدخول المساعدات الإنسانية التي تدعمها الولايات المتحدة إلى غزة. وهو ما عد استجابة للضغوط الأميركية المتزايدة على إسرائيل، لضبط عمليتها العسكرية المستمرة في غزة، في ظل المخاوف من أن يؤدي إصرار حكومة نتنياهو على اجتياح رفح «من دون خطة واضحة لحماية المدنيين»، إلى زيادة الاعتراضات، خارج الولايات المتحدة وداخلها.

كبير الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي السيناتور تشاك شومر (إ.ب.أ)

وفيما عدت تصريحات شومر بمثابة تتويج لحملة ضغط أميركية مستمرة منذ أشهر، انتقلت من الظل إلى العلن، عدت أيضاً إشارة إلى أن صبر بايدن وشومر، المؤيدين بقوة لإسرائيل، قد نفد تجاه نتنياهو، وتمهد الطريق لانتقادات يتوقع أن تتزايد في الفترة المقبلة، من قبل العديد من المعترضين الأميركيين على سياسات نتنياهو، الذي خسر على ما يبدو ثقة بايدن، بعدما بدا أنه يعمل لمصلحة أجندة الجمهوريين في معركة الرئاسة الأميركية المقبلة.

ضغوط مضبوطة

وعدّ غيث العمري، كبير الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تصريحات شومر أنها رسالة منسقة مع الإدارة، وتحذير من أن إسرائيل تخسر أقرب حلفائها. وأضاف العمري لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التصريحات ستبقى الآن في إطار الضغوط الإعلامية، لكن إذا قامت إسرائيل باجتياح رفح، يمكن أن يتغير المشهد وحصول بعض التحركات المدعومة أميركياً في مجلس الأمن، على سبيل المثال. وأضاف أن إظهار الخلاف بين بايدن ونتنياهو لا يعود فقط لأسباب انتخابية أميركية داخلية فقط، بل لخلافات أساسية على السياسات.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

ونقل العمري انطباعات من حوارات مع إسرائيليين أنفسهم، أن هناك انزعاجاً من سياسات نتنياهو تجاه بايدن، ويرون أن استقبال الوزير بيني غانتس الأخير من قبل كبار المسؤولين الأميركيين، رسالة واضحة بأن واشنطن لا تتعامل مع الحكومة، بل مع إسرائيل بوصفها دولة.

وأعلن مسؤول كبير في الإدارة أن التغيير في اللهجة مقصود، وقال: «لقد أصبح خطابنا حول المساعدات الإنسانية أكثر حدة مع تفاقم الوضع الإنساني في غزة». وأضاف أن المبادئ العامة للإدارة ظلت كما هي، وهي السعي إلى عودة الرهائن، وهزيمة «حماس»، وحماية المدنيين، والسعي في نهاية المطاف إلى حل الدولتين.

شومر أقرب لساندرز

وبدا شومر، السيناتور اليهودي، الذي كان من أبرز المدافعين عن إسرائيل، ووقف في وجه التيار المتنامي في الحزب الديمقراطي المؤيد للفلسطينيين، أقرب إلى السيناتور التقدمي بيرني ساندرز، الذي طالما انتقد نتنياهو. وقال، الخميس: «لم يعد ائتلاف نتنياهو يناسب احتياجات إسرائيل بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول). لقد تغير العالم بشكل جذري منذ ذلك الحين، ويتم خنق الشعب الإسرائيلي الآن برؤية حكم عالقة في الماضي». وقال إنه إذا رفضت إسرائيل تغيير المسار، أي لحماية 2.2 مليون فلسطيني في غزة والسعي إلى حل الدولتين، فيجب على الولايات المتحدة أن تلعب «دوراً أكثر نشاطاً في تشكيل السياسة الإسرائيلية باستخدام نفوذنا لتغيير المسار الحالي».

الرئيس الأميركي جو بايدن خلال اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكتوبر الماضي (رويترز)

ورغم ذلك، تعرض شومر للانتقادات، وخصوصاً من الجمهوريين. وقال رئيس مجلس النواب مايك جونسون، الذي يدفع بتقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل بشكل منفصل عن المساعدات الخارجية لأوكرانيا، بأن خطابه «غير مناسب على الإطلاق». لكن خطاب شومر لم يكن ممكناً لولا التحولات التي شهدتها إدارة بايدن في الأسابيع الأخيرة، مدفوعة بالضغوط السياسية المتزايدة من الديمقراطيين والأصوات المؤيدة للفلسطينيين داخل واشنطن وخارجها.

توقيع الضمانات لا يغير سياسات واشنطن

في هذا الوقت، قال موقع «أكسيوس» إن طلب الضمانات الذي تقدمت به إدارة بايدن، الشهر الماضي، بموجب مذكرة الأمن القومي، لا يعد تغييراً في السياسة تجاه إسرائيل بالتحديد. لكنه جاء بعدما أعرب بعض أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين عن قلقهم إزاء الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة.

وطلبت إدارة بايدن من إسرائيل التوقيع على خطاب الضمانات بحلول منتصف الشهر الجاري. وأمام وزير الخارجية أنتوني بلينكن مهلة حتى 25 مارس (آذار) الجاري، للتأكيد على مصداقية التزامات إسرائيل المكتوبة. وإذا لم يتم منح الشهادة، فسيتم تعليق عمليات نقل الأسلحة الأميركية إلى إسرائيل. وفيما أعطت حكومة الحرب الإسرائيلية لغالانت الضوء الأخضر للتوقيع على خطاب الضمانات يوم الأحد الماضي، لكنه لم يقم بتوقيعه إلا يوم الخميس. وقال مسؤول إسرائيلي إنه تم تسليم الرسالة بعد ذلك إلى السفير الأميركي لدى إسرائيل جاك ليو.

وتنص مذكرة الأمن القومي، التي نُشرت في 8 فبراير (شباط)، على أنه قبل توريد الأسلحة الأميركية، يجب على أي دولة أن تقدم للولايات المتحدة «ضمانات كتابية موثوقة» بأنها ستستخدمها وفقاً للقانون الإنساني الدولي. كما تنص على عدم منع أو تقييد المساعدة الإنسانية التي تقدمها الولايات المتحدة والجهود الدولية التي تدعمها حكومة الولايات المتحدة لتقديم المساعدة الإنسانية للفلسطينيين».

في المقابل، قال مسؤولون أميركيون وإسرائيليون إن إسرائيل طلبت قبل التوقيع على المذكرة، من إدارة بايدن أن تضيف إلى الضمانات المكتوبة، رسالة أخرى تؤكد التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل، وحقها في الدفاع عن نفسها، والمساعدة العسكرية. لكن مسؤولي إدارة بايدن، ردوا أن مثل هذا الطلب سيتطلب وقتاً طويلاً من المشاورات والمفاوضات التي لن تفي بالموعد النهائي المحدد في المذكرة، مفضلين إبقاء هذه العملية في «إطار فني» قدر الإمكان، وعدم تحويلها إلى مفاوضات سياسية قد تتطلب من إسرائيل تقديم المزيد من الضمانات المكتوبة.

وكان أكثر من 30 نائباً ديمقراطياً قد أعربوا، الأسبوع الماضي، في رسالة إلى بايدن، عن مخاوفهم من أن يؤدي اجتياح رفح إلى انتهاك مطلبه باستخدام المساعدات العسكرية الأميركية وفقاً للقانون الدولي، مشيرين إلى «غياب خطة ذات مصداقية» لحماية المدنيين.


مقالات ذات صلة

السعودية تُرحِّب باتفاق الحكومة السورية و«قسد»

الخليج الرئيس السوري أحمد الشرع يرفع أمام الصحافيين اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل لـ«قسد» ضمن مؤسسات الدولة (أ.ف.ب) play-circle 00:22

السعودية تُرحِّب باتفاق الحكومة السورية و«قسد»

رحَّبت السعودية باتفاق وقف إطلاق النار واندماج قوات سوريا الديمقراطية بكامل مؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن الدولة السورية، مشيدة بجهود الولايات المتحدة في ذلك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز) play-circle

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عناصر من إدارة حماية الحدود الأميركية في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا (رويترز) play-circle

«البنتاغون» يستعد لنشر 1500 جندي في ولاية مينيسوتا

ذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، ​الأحد، نقلاً عن مسؤولين، أن وزارة الحرب الأميركية أمرت نحو 1500 جندي في الخدمة بالاستعداد لنشر ‌محتمل في ولاية ‌مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) play-circle

ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، إن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟


وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.