صعود مجتمعات وانحدارها من خلال مجلاتها النسائية

كانت الفترة من 1880 - 1955 العصر الذهبيّ لمجلات المرأة خصوصاً في العالم الأنجلو ساكسوني

صعود مجتمعات وانحدارها من خلال مجلاتها النسائية
TT

صعود مجتمعات وانحدارها من خلال مجلاتها النسائية

صعود مجتمعات وانحدارها من خلال مجلاتها النسائية

منذ صدور «ذا ليديز»، المجلّة النسائيّة الرائدة في بريطانيا عام 1770، أصبح لدى مؤرخي الحياة الاجتماعيّة مصدر توثيقيّ آخر لتتبع تطور أدوار المرأة في المجتمعات عبر العقود، وتلقب مزاج التوقعات التي تضعها على كاهل نصفها اللّطيف. ففي فضاء القرن الثامن عشر الذي كان يمور بتحولات عميقة في أوروبا الغربيّة في موازاة صعود البرجوازيات وتراجع البنى التقليدية، حفلت المجلات النسائيّة بمحتوى رصين يدفع باتجاه مشاركة فاعلة للمرأة في مختلف جوانب الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، بينما عكست خلال القرن التالي هيمنة الذكوريّة البرجوازية، التي بفضل النجاح الفائق لثورتها الصناعيّة، تمكنت من فرض إيقاع نموذج العائلة النووية المثالية على المجتمعات، فتمحور مضمون المجلات النسائية حينها حول الإدارة المنزلية، وتقديم المشورة العملية للنساء بنبرة أخلاقيّة بدلاً من الترفيه، وافتقدت تماماً لروح الدّعابة ونزعة الاستقلال التي كان تلمس في محتوى تلك المجلات خلال القرن السابق، قبل أن تشرع مجدداً في توسيع آفاق القارئات بداية من الربع الأخير للقرن التاسع عشر وعشيّة مولد القرن العشرين ترافقاً مع التحولات النوعيّة التي شهدها العالم: في الصناعة، والملاحة، والتمدن، والتعمير، والتعليم، والطب ومكافحة الأوبئة الكبرى، كما في ظهور الأنساق السياسية الجديدة كالاشتراكية والماركسيّة والحركات النسائيّة والتعاونيات، وتكرّس نموذج الدّولة القوميّة.

ويمكن الآن وصف الفترة من 1880 - 1955 بالعصر الذهبيّ للمجلات النسائيّة، لا سيّما في العالم الأنجلو ساكسوني، حيث أصبحت صناعة واسعة تشغّل أعداداً كبيرةً من الصحافيين والمحررين والرسامين، فظهرت مجموعة من الدورياّت الجديدة عالية الجودة مثل «هاربر بازار» (1867) في الولايات المتحدة، وكل من «ذا ليدي» (1885) و«ذا جينتل وومان» (1890) في بريطانيا، التي كانت موجهةً بالأساس لنساء الطبقات العليا، وتوسعت في نشر الإعلانات التجاريّة، كما العديد من المجلات الأسبوعية زهيدة الثمن التي لعبت دوراً مهماً في تثقيف نساء الطبقات الوسطى بأساسيات النظافة، والتغذية، ورعاية الأطفال مع التسلية، والأزياء، وأخبار المشاهير.

ونجحت في الفترة ذاتها مجلات مثل «ليدز هوم» (1883)، التي اقترب توزيعها في وقت ما من النصف مليون نسخة شهريّاً، و«غود هاوس كيبينغ» (1885) التي أصبحت مرجعاً للسيدات في اكتشاف أحدث منتجات السلع الاستهلاكيّة، و«فوغ» (1892) أسبوعيّة بداية ثم شهريّة، وتخصصت بالأزياء والجانب الاحتفالي من الحياة المرفهة لنخبة مدينة نيويورك في تثوير طباعة وإخراج المطبوعات الدوريّة عموماً وتلك الموجهة للنساء خصوصاً، إذ أصبحت التصاميم الغرافيكيّة للصفحات أكثر جاذبيّةً، وتمّ تعزيز استخدام الألوان، والصور، وتعاظمت جهود المعلنين في إنتاج صفحات دعائيّة محفّزة نجحت في تسهيل الانتقال من سجن الصفحات الخلفيّة إلى مكانة بارزة في قلب الأقسام الرئيسيّة. ولا شكّ بأن هذا كله كان انعكاساً مباشراً لتحسن الدّخول وتوسع نطاق الطبقات الوسطى، وأيضاً التطور المتسارع في تكنولوجيا الطباعة وإنتاج الورق، وتوسع مجلات التوزيع بفضل انتشار شبكات السكك الحديدية والمطارات ومحلات التجزئة، والدّفق المستمر من مبادرات شركات المواد الاستهلاكيّة، كما تعملق صناعة الإعلان والدّعاية.

على أنّ النجاح التجاري للصحافة النسائيّة في عصرها الذهبي تضمّن أيضاً عناصر أدت بها في النصف الثاني من القرن العشرين لأن تفقد استقلالها على المستوى التحريري لمصلحة المعلنين، إذ مثّل هؤلاء مصدر التمويل الرئيس للمجلات، وكانت توجهاتهم غالباً محافظة اجتماعيّاً، تكرّس الأوضاع القائمة وتدفع لتشكيل وعي المرأة في قوالب من الامتثال والاستهلاك المسرف، ولعب الأدوار التي تخدم مصالح الرأسماليين. وقد انتهى ضعف المحتوى التحريري إلى تراجع تأثير المجلّة النسائيّة الرئيسة وفقدانها ولاء القارئات، ما فتح الباب أمام ظهور مجلات متخصصة للأعمار مثلاً المراهقات، أو التخصص (الطهو)، أو أخبار المشاهير والنميمة والموضة، فيما كان عمر غالب الدوريات النسائيّة الجذريّة قصيراً بحكم انعدام وجود بدائل تمويل كاف بغياب الإعلان.

وبالطبع فإن العالم ليس أنجلوساكسونياً بالمطلق، إذ إن مجتمعات عديدة أخرى أنتجت تجارب صحافة نسائيّة مهمة، سواء في مصر - كانت مجلة «الفتاة» التي أصدرتها اللبنانية هند نوفل بالإسكندرية عام 1892 أوّل مجلة نسائية تصدر في العالم العربي - أو الهند أو جنوب أفريقيا أو دول أمريكا اللاتينية، وأيضاً على البرّ الأوروبيّ في فرنسا وألمانيا وإسبانيا، ولكن إذا قبلنا الإيجاز لوصف تطور علاقة الصحافة النسائيّة بمجتمعاتها فسنجد أن أغلبها عاش دورة صعود وعصر ذهبي ثم هبوط وتشتت مماثلة - مع فروق محلية وزمنية - لما عاشته الصحافة النسائيّة الأنجلو ساكسونيّة، لا سيّما بشأن هيمنة المعلنين لاحقاً على المضمون التحريري، مع ضرورة استثناء تجارب روسيا والصين التي لعبت فيها المجلات النسائيّة في القرن العشرين أدواراً آيديولوجيّة محضة موجهة وممولة من الدّولة.

ويبدو أن القرن الحادي والعشرين سيشهد تلاشياً تدريجيّاً لمفهوم «المجلّة» النسائيّة على عمومه، بدلالة تراجع الصحافة المطبوعة على عمومها وبشكل كبير لمصلحة الصحافة الإلكترونيّة العامّة، وتلك التحوّلات الجذريّة في سلوكيات الأجيال الجديدة بشأن مصادر حصولهم على المعلومات والمعارف مع التقلبات السريعة في تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت، والانتشار المتشظي لاستعمال وسائل التواصل الاجتماعي على تنوعها. وتحاول معظم العناوين النسائية التي لم تتوقف عن الصدور الورقيّ حتى الآن إعادة اختراع ذاتها كمنتج يصلح للبقاء أقله في إطار العالم الافتراضي، مع قصص نجاح جدّ قليلة.

الملفت أن هذا الموت البطيء المعلن للصحافة النسائيّة قد أثار عند القراء المعاصرين موجة من الحنين للمجلات النسائية في أوقات أفضل تمثلت في سعي محموم عند كثيرين لاقتناء أعداد قديمة من تلك المجلات، وارتفاع أسعار المتوفر منها إلى مستويات قياسيّة غير معهودة في سوق تستمر بالازدهار. ويقول خبراء في تجارة الكتب والمجلات القديمة إن الطّلب تزايد على هذه النوعيّة من النسخ بشكل مضطرد منذ عام 2000 مع توقف العديد من العناوين عن الصدور، وأن أسعارها تضاعفت بمعدل سنوي يقترب من 20 بالمائة سنويّاً، حتى أن عدداً من مجلّة «فوغ» من عام 1940 - بطبعتها البريطانيّة - بُيع مؤخراً في لندن بما يقرب من 1000 دولار أمريكيّ.

كانت مجلة «الفتاة» التي أصدرتها اللبنانية هند نوفل بالإسكندرية عام 1892 أوّل مجلة نسائية تصدر في العالم العربي

وبغض النّظر عن الحنين النوستالجيّ المفهوم للقديم، تعدد الدوافع لدى الهواة في سعيهم لاقتناء الأعداد القديمة من المجلات النسائيّة، فبعضهم يبحث عنها كأيقونات فنيّة من عصر ذهبي، لا سيّما عندما كانت الأغلفة تنجز بمعرفة الرّسامين، ويراها آخرون سجلاً لتطور التصوير الفوتوغرافي لاحقاً وأعمال رواده، فيما يطارد البعض الآخر أعداداً فيها مقالات لكتابات لامعات مثل سوزان سونتاغ، أو عناوين عكست استقلالاً تحريرياً ظاهراً أو مقابلات مع شخصيات مشهورة في مراحل سابقة، أو تغطية لأحداث تاريخيّة مهمّة على مستوى ما. ولا شكّ أن حالة النسخة، كما تسلسلها ضمن الأعداد العشر الأولى للإصدار، تضيف جاذبيّة ترفع بشكل عام من الأسعار، لا سيّما وأن المضمون التحريري فيها يكون عادة في أوجه مع سعي العنوان لتأسيس هويته وموقعه في أذهان القارئات.

وقد سهلت التجارة على الإنترنت على هواة اقتناء الأعداد القديمة من المطبوعات النسائيّة مشقة العثور على الأعداد التي يبحثون عنها إذا أصبح العالم كله مجالاً لبحثهم، ووجد كثيرون أيضاً ممن تراكمت لديهم نسخ من مجلات كانت تقتنيها أمهاتهم - وربما جدّاتهم - وتشغل مساحات ميتة من أماكن التخزين لديهم أن تلك أصبحت اليوم أشبه بثروة صغيرة. وهكذا، حتى في لحظات احتضارها الماديّ، فإن المجلات النسائية ما زالت تحمل في طياتها توثيقاً عميقاً لطبيعة الحياة الثقافيّة للمجتمعات، وتعاقب صيغ تبادل الأفكار والمقتنيات، وفوق ذلك كله تفاوت الأدوار المتوقعة من النساء في المراحل المختلفة.


مقالات ذات صلة

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
كتب أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.