هشاشة الأشياء ونسبيتها في فن تيسير البطنيجي المسكون بالمكان

التشكيلي الفلسطيني يُشارك «الشرق الأوسط» علاقته باللحظة الحرجة

يأتي تيسير البطنيجي إلى الشارقة مُحمَّلاً بالفقد الشخصي (الشرق الأوسط)
يأتي تيسير البطنيجي إلى الشارقة مُحمَّلاً بالفقد الشخصي (الشرق الأوسط)
TT

هشاشة الأشياء ونسبيتها في فن تيسير البطنيجي المسكون بالمكان

يأتي تيسير البطنيجي إلى الشارقة مُحمَّلاً بالفقد الشخصي (الشرق الأوسط)
يأتي تيسير البطنيجي إلى الشارقة مُحمَّلاً بالفقد الشخصي (الشرق الأوسط)

شكَّل عام 1997 بداية تعامُل الفنان التشكيلي الفلسطيني، المقيم في باريس، تيسير البطنيجي مع تيمة المفتاح، متّخذاً منها موضوعاً حميماً. تتبنّى «المفاتيح» رمزية «العودة»، فيضيف بُعداً شخصياً بإسقاط الهوية الفردية على هذا الشكل ليحظى بالخصوصية. يحضُر إلى الشارقة لإعادة إحياء مجموعته التشاركية «من باب الاحتياط»، من إنتاج عام 2015. وضمن «لقاء مارس» من تنظيم «مؤسسة الشارقة للفنون» (1 - 3 مارس/ آذار الحالي)، نحاوره في تعاطي عمله الفني مع اللحظة الحرجة المُمثَّلة في إبادة شعبه.

يأتي مُحمَّلاً بالفقد الشخصي، فأحبّة قضوا في الجحيم المفتوح على مصراعيه داخل مدينته غزة. شيءٌ غريب يصيبه وهو يعرض صوراً للوحاته المشغولة بصراع الإنسان والأرض؛ فهذا وجوده الأول في فضاء العرض منذ «7 أكتوبر». تلتقيه «الشرق الأوسط» للسؤال عن أصداء الواقع في موضوعه وأثره في كثافته، وعن الامتلاء بمكان قدره الاقتلاع عنه.

للمفتاح بُعد إنساني يتعلّق بالمكان الذي يسكن المرء (الشرق الأوسط)

اطمأن نسبياً إلى أنّ كل شيء «في مكانه»، وإن ابتعد عن الأرض والأهل. تراءت غزة «موجودة»، فاستكان إلى أنّ إقامته في فرنسا لا تحول دون تبديد المسافة المؤدّية إلى أصله. كان ذلك قبل الاحتراق الكبير. يرتبك في الكلام لارتقاء المعاني إلى مستوى الفظاعة. يختزل مفهوم «المفتاح»، في مجموعته، ما تتعثّر المفردات في وصفه، ليس لارتباطه بالذاكرة الفلسطينية ورمزية العودة فقط، بل لبُعده الإنساني المتعلّق بالمكان وهو يشهد تبدُّل الأدوار، فيسكن صاحبه، لا العكس، وإنْ تغرَّب في الأصقاع.

يُجنّب فنه الخطاب السياسي المباشر لإتاحة إسقاطه على عموم الإنسان... فالمعروض لا يستجدي التعاطف، ولا يقف موقف الضحية. يخشى فناً يستغلّ الحدث فيفرَغ تماماً من بعده، أو تجفّ منابعه حين لا تنهل من الآخرين. وَضْعه التجربة الفنية ضمن حيّزها الإنساني يعزّزها بما هو أبعد من النطاق الجغرافي والسياسي والتاريخي الضيّق. هنا فقط، تنطلق نحو الآفاق الواسعة.

«شلل الوقت» من أعمال تيسير البطنيجي (الشرق الأوسط)

يتحدّث عن «احتمال اشتباكٍ مباشر للفن مع الواقع» حين يفرض نفسه على الأعمال. يعود إلى عام 2001 مع بداية الانتفاضة الثانية في غزة، ليقول: «رأيتُ شباناً يرمون الاحتلال بالحجارة ويتصدّون بأسلحتهم وأجسادهم. تساءلتُ عن دوري بصفتي فناناً؛ فهل أرجم مثلهم؟ لا؛ دوري في فعل تعبيري آخر. ترافقت تلك المرحلة مع اهتمامي بالصورة، فالتقطتُ لحظات من حياتي اليومية تُمثّل المجالَيْن العام والشخصي. لأشهر، صوّرتُ الشارع والتنقّل بين الأماكن، إلى أن شعرتُ بنوع من الغرابة تتيحه هذه الصور لدى معاينتها من منظور خارجي. ولمّا أدركتُ أنني أمام الكاميرا ووراءها في آن، رحتُ أحتفظُ بالصور بدل اللامبالاة بها. تحت عنوان (غزة يوميات)، شكّلتها بإطار فيديو مع صوت مدّته 6 ثوانٍ. مَشاهد تُصوِّر حياة الناس اليومية تتخلّلها مقاطع سريعة جداً لسكين جزار يؤدّي دور مُقطِّع الصور. كلما قصَّ هذا (الساطور) صورة، توالت أخرى. لدى العرض، عدَّته تعليقاتٌ عملاً مباشراً. مع الوقت، عاينتُه أيضاً بنظرة مُشابهة، فقدّمتُ نسخة ثانية تخلو من السكين، من دون الكفّ عن عرض العمل الأول، فقد كان خلاصة علاقتي بالواقع وطريقة قراءتي له. تفادي المباشر ينقذ الفن من الوقوع في الخطاب».

يُلحق الجواب بتأكيد مفاده بأنّ طبيعة الفن قوامها السياسة، فيصعب فصل المسألتين، ويتابع: «الهواء الذي نتنفّسه مرتبط بالسياسة، لكن ثمة فارقاً بين تحوُّل العمل إلى خطاب أو ترجمة للمفاهيم السياسية، وبين مُساءلته السياسة واستدعائها لإعادة صياغتها وفق مفهوم إنساني. بهذا يستمدّ قيمته ولا يخضع تماماً للمفاهيم الضيّقة والمباشرة».

مادة القلم الرصاص تشكّل رمزية زهرة فلسطينية (الشرق الأوسط)

ماذا عن تأثيرات اشتعال الواقع في تحديد كثافة الموضوع؟ هل تُلهم الإبادة المرتكبَة تشكيلها فنياً بما لا يحرّكه الحدث العادي؟ الحرب بالنسبة إليه «فعل قائم»، لكن ما حدث «لم نعتده منذ النكبة». ليس استهانة بأحداث عام 1948 قوله إنّ الإبادة المتواصلة «تفوق جميع النكبات، لتُشكّل منعطفاً خطيراً في تاريخ القضية الفلسطينية»، عادّاً إياها «فعل وجود، فإما نكون وإما لا نكون». مع ذلك، يرى أنه من الصعب على الفنان تحويلها فجأة إلى منجَز إبداعي: «بإمكانه التفاعل إنسانياً، أما ترجمة المأساة إلى فن، فتحتاج بعض الوقت. على المستوى الشخصي؛ أعيش خسارة جزء من عائلتي، إضافة إلى الخسارة العامة. الوَقْع أليم جداً، والمسافة المطلوبة لولادة عمل لا تزال ضئيلة».

المعروض لا يستجدي التعاطف ولا يقف موقف الضحية (الشرق الأوسط)

المرة الأولى التي غادر فيها غزة كانت بكامل إرادته. حينها؛ شاء صقل النفس، وتطوير الأدوات والمهارات، فدرس الفنون في العاصمة الفرنسية. المغادرة اللاحقة يصنّفها اقتلاعاً، فيقول: «الإنسان لا يُسلَخ. ثمة أماكن تسكننا إلى الأبد. أقيم في فرنسا، لكنّ حياتي تسير على وَقْع الحرب في غزة. الجغرافيا هنا لا تُشكّل الروح الإنسانية. ما يُبقيها حيّة مسائل مرتبطة بالهوية والانتماء. البُعد لا يغيّر شيئاً في طريقة التفاعل. إنه يكثّف الشعور بالذنب والعجز، ويجعلنا حيارى حيال دورنا في تخفيف وطأة الألم».

يبتسم لافتراضٍ يُعرّي فنه من موضوعه الفلسطيني ويُسائله عما إذا كان ليقدّم لو لم يُعمَّد بتاريخ من الظلم والصراع؟ يجيب: «إنه سؤال صعب. وُلدتُ فلسطينياً، ويصعُب تخيُّل مصيري خارج هذه الهوية. أستطيع التأكيد أنّ فني لا بدّ سيتضامن مع حق الشعب الفلسطيني بالوجود وتقرير المصير والحرّية والعدالة».

تستوقف مسألة الهشاشة الناظر إلى أعماله المُجسَّدة عبر وسائط لا تكتفي بالمُحايد مثل السطح، بل تتعدّاه إلى المتحوِّل والقابل للتحلل مثل الصابون. اندراج هذه الأعمال تحت عنوان «الفن المفاهيمي» يجعله في وضعية بحث مستمر عن الأداة الأفضل تعبيراً عن أفكاره. تجسيداً للهشاشة والنسبية، حَفَر على الصابون البند الثالث عشر لحقوق الإنسان، رفضاً لازدواجية تطبيقه على البشر، فيحظى بعضٌ بحرّية الحركة والتنقّل ومغادرة الوطن والعودة إليه، ويُحاصَر ويُباد بعضٌ آخر. تحلل المادة وزوالها اعتراض صارخ على القانون الدولي.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.