برلين تحقق في تقارير روسية بشأن تسجيل منسوب لعسكريين ألمان يناقشون ضرب القرم بصواريخ «توروس»

شولتس يصف الحادث بـ«الخطير» ولندن تنفي تورط جنودها في أوكرانيا وموسكو تصف الخطط بـ«الماكرة»

عسكريون ألمان ينقلون صاروخاً من طراز «توروس» خلال معرض عسكري في 2016 (أ.ف.ب)
عسكريون ألمان ينقلون صاروخاً من طراز «توروس» خلال معرض عسكري في 2016 (أ.ف.ب)
TT

برلين تحقق في تقارير روسية بشأن تسجيل منسوب لعسكريين ألمان يناقشون ضرب القرم بصواريخ «توروس»

عسكريون ألمان ينقلون صاروخاً من طراز «توروس» خلال معرض عسكري في 2016 (أ.ف.ب)
عسكريون ألمان ينقلون صاروخاً من طراز «توروس» خلال معرض عسكري في 2016 (أ.ف.ب)

وجدت ألمانيا نفسها في موقف محرج للغاية بعد أن نشرت وسائل إعلام روسية شريط تسجيل مسرباً لمشاورات لكبار القادة العسكريين وضباط في سلاح الجو الألماني حول مسائل حساسة تتعلق بالحرب في أوكرانيا، وإمكانية تسليم أوكرانيا صواريخ «توروس» البعيدة المدى لاستخدامها في ضرب أهداف في العمق الروسي، واستهداف الجسر الذي يربط روسيا بشبه جزيرة القرم، على الرغم من الموقف المعلن رسمياً على لسان المستشار الألماني أولاف شولتس والمعارض لمثل هذه الخطوة؛ أي تزويد كييف بهذا النوع من الصواريخ.

صواريخ «توروس» المثيرة للجدل (أ.ب)

وقالت وزارة الدفاع الألمانية إنها تحقق في التسريب، لا يمكنها تأكيد صحة التسجيل، وأن المكتب الاتحادي لجهاز مكافحة التجسس بالجيش يحقق في الأمر، وسيتم اتخاذ جميع الخطوات اللازمة. لكن نقلت وسائل إعلام ألمانية تأكيدات خبراء ومصادر رسمية حول صحة التسجيل. وكان الضباط الألمان يتواصلون في هذه المشاورات عبر منصة «ويبيكس».

وزير الدفاع الألماني (أ.ب)

وقال المستشار شولتس، الذي كان في زيارة للفاتيكان، إنه «أمر خطير للغاية»، مضيفاً أنه يجري التحقيق فيه حالياً «بشكل مكثف وسريع». ورداً على سؤال حول الأضرار المحتملة جراء هذه الواقعة على صعيد السياسة الخارجية، قال شولتس: «لذلك سيتم الآن توضيح هذا الأمر بعناية فائقة، وبشكل مكثف وسريع للغاية. هذا أمر ضروري».

زيلينسكي يطالب برلين بأن تزوده بصواريخ توروس باستمرار (أ.ب)

وفي التسجيل الذي نشرته رئيسة تحرير «روسيا اليوم» مارغاريتا سيمونيان على «تلغرام»، ومدته 38 دقيقة، يُسمع فيه 4 قادة عسكريين يناقشون عدد صواريخ توروس الألمانية الصنع التي تحتاج إليها أوكرانيا لضرب جسر القرم، وما إذا كان الجيش الأوكراني سيحتاج لمساعدة الجيش الألماني في تنفيذ هكذا ضربة. ويمكن سماع المتحدثين يشيرون إلى أنه ليس هناك ضوء أخضر من السياسيين بعد لإرسال صواريخ توروس إلى أوكرانيا.

جندي أوكراني يجلس داخل دبابة ألمانية الصنع من نوع «ليوبارد 2 إيه 5» بالقرب من خط المواجهة (أ.ف.ب)

وكان مفتش (قائد) القوات الجوية الألمانية، إنجو غيرهارتس، من بين المشاركين في المشاورات التي نشرتها روسيا. ويُفترض أن هذا النقاش كان في إطار التحضير لتقديم إحاطة لوزير الدفاع بوريس بيستوريوس. وتناول النقاش الموثق في الملف الصوتي قضايا من بينها السؤال حول ما إذا كانت صواريخ توروس الجوالة قادرة من الناحية التقنية على تدمير الجسر الذي بنته روسيا ويوصلها مع شبه جزيرة القرم الأوكرانية التي ضمتها موسكو إلى الاتحاد الفيدرالي الروسي عام 2014. وتطرق النقاش إلى نقطة أخرى حول ما إذا كانت أوكرانيا قادرة على تنفيذ القصف دون مشاركة الجيش الألماني. ومع ذلك، يُسمع في التسجيل أيضاً أنه لا يوجد ضوء أخضر على المستوى السياسي لتسليم الصواريخ الجوالة التي طلبتها كييف.

ماكرون مع شولتس (أ.ب)

وكرر شولتس أكثر من مرة رفضه لإرسال هذه الصواريخ إلى كييف التي تطالب بها منذ فترة، خوفاً من جر ألمانيا إلى الحرب، رغم قرار بريطاني - فرنسي بإرسال صواريخ بعيدة المدى بريطانية وفرنسية الصنع. ويسمع في الشريط المسرب القادة العسكريون وهم يناقشون الاقتداء بالبريطانيين والفرنسيين، وإشارتهم إلى وجود بريطانيين على الأرض في أوكرانيا للمساعدة في تشغيل صواريخ «ستورم شادو» البريطانية.

وسيشكل مناقشة القادة العسكريين للدور الفرنسي والبريطاني إحراجاً كبيراً للحكومة الألمانية أمام حلفائها الأوروبيين الذين سيعدّونها غير موثوق بها. وقد سارع متحدث باسم رئيس الحكومة البريطانية ريشي سوناك لنفي تورط قادة عسكريين بريطانيين بأهداف روسية، وقال إن «استخدام أوكرانيا لنظام (ستورم شادو) البعيد المدى واختيار الأهداف هي فقط من مسؤولية الجيش الأوكراني».

ماكرون وسوناك على هامش «قمة العشرين» في نيودلهي سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الروسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الجمعة: «نطالب بتفسير من ألمانيا». وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف للصحافيين، اليوم السبت: «صارت الخطط الماكرة للقوات المسلحة الألمانية واضحة بعد نشر هذا التسجيل الصوتي. إنه كشف صارخ للذات».

وذكر موقع «دير شبيغل» أن المحادثة حصلت عبر تطبيق «ويبيكس» الذي يسهل اعتراضه، عوضاً عن خط آمن يستخدم عادة في هكذا مناقشات. وقالت المجلة إن واحداً من القادة العسكريين الأربعة كان يشارك في المحادثة من سنغافورة، وإنه على الأرجح استخدم هاتفه الجوال لفتح التطبيق. وقالت الصحيفة إن النقاش حصل للتحضير لاجتماع مع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الذي كان طلب معلومات مفصلة عن صواريخ توروس.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

ونقلت مجلة «فوكوس» على موقعها عن الخبير العسكري والكولونيل السابق رالف تيلي قوله، إنه «من غير المبرر بتاتاً مناقشة هكذا مواضيع عبر وسائل تواصل عامة، هناك حاجة لتغييرٍ في الثقافة» داخل الجيش الألماني. وأضاف أن الحادث يضيء كذلك «على نقص معدات التواصل اللازمة بين أصحاب القرار، ويعكس كذلك القرارات المتخذة داخل الجيش للتوفير في الإنفاق».

وتساءلت صحف ألمانية: كيف يمكن لقادة عسكريين استخدام برامج غير مؤمّنة لمناقشة أمور حساسة؟ وكتبت صحيفة «برلينر تزايتومتغ» تتساءل: «أليس هناك سفارة ألمانية في سنغافورة يمكن للجنرال فرانك غافيه استخدام الخط الآمن للحديث منها؟».

دمار سببه هجوم روسي بمسيرات ضد أوديسا الأوكرانية (رويترز)

وتسبب التسريب بعاصفة من الانتقادات داخل ألمانيا، ودعا فلوريان هان، المتحدث باسم الشؤون الدفاعية لدى المعارضة، «الاتحاد المسيحي الديمقراطي»، المستشار الألماني إلى تقديم توضيحات أمام لجنة الدفاع في 13 مارس (آذار) حول التسريب. وقال هان في تصريحات لصحيفة «بيلد» إن التسجيل المسرب يشير إلى أن المستشار أو وزير الدفاع «يكذبان» عندما يقولان إنهما ضد إرسال صواريخ توروس لأوكرانيا، والتسجيل يظهر العكس.

وقال رئيس لجنة الرقابة البرلمانية كونستانتين فون نوتس الذي ينتمي لحزب «الخضر» المشارك في الحكومة، إن الحادث لو ثبتت صحته فهو «كارثي»، وإنه يظهر «أن التركيبة الأمنية للجيش الألماني مبتدئة»، مضيفاً أن الشريط «يحقق عدة أهداف لروسيا».

ودعت رئيسة لجنة الدفاع في البرلمان ماري إيغنس شتراك زيمر التي تنتمي للحزب الليبرالي المشارك في الحكومة، إلى «تعزيز أمننا ومكافحة التجسس؛ لأننا معرضون للخطر بشكل واضح» في مجال التجسس والتلاعب بالمعلومات، وقالت في تصريحات للقناة الألمانية الأولى إنه «يجب علينا أن نتوقف عن لعب دور السذج».

ورأى النائب عن حزب «الخضر» أنتون هوفرايتر أن روسيا تريد من تسريب التسجيل منع ألمانيا من إرسال صواريخ توروس إلى أوكرانيا، وقال في تصريحات لصحيفة «تاغس شبيغل» إن «هدف روسيا منع إرسال صواريخ توروس إلى كييف، والواقع أن روسيا بكشفها عن معلومات استخباراتية للمرة الأولى أظهرت بأن صواريخ توروس هي فعالة في دعم أوكرانيا».

البرلمان الألماني يناقش التسريبات (أ.ب)

ورغم معارضة شولتس لإرسال هذه الصواريخ إلى كييف، فإن نواباً من حزبي «الخضر» والليبراليين المشاركين بالحكومة يؤيدون ذلك. ويدعو كذلك لإرسال هذه الصواريخ إلى كييف، «الحزب المسيحي الديمقراطي»، حزب المعارضة الرئيسي الذي تنتمي إليه المستشارة السابقة أنغيلا ميركل. وقد علق الخبير في الشؤون الدفاعية في الحزب النائب رودريش كيسفتر على التسريب بالقول إن نشر المحادثة «له هدف واضح، وهو منع ألمانيا من إرسال صواريخ توروس إلى أوكرانيا».

جندي أوكراني يجلس في موقعه في أفدييفكا بمنطقة دونيتسك بأوكرانيا في أغسطس الماضي (أ.ب)

أما في روسيا فقالت المتحدثة باسم الكرملين ماريا زاخاروفا إن موسكو تنتظر تفسيراً من برلين حول الشريط المسرب، وإن «محاولات تفادي الإجابة عن الأسئلة ستعدّ بمثابة الاعتراف بالذنب». وكتب رئيس الحكومة الروسي السابق دميتري ميدفيديف على منصة «إكس» تعليقاً على التسريب: «أعداؤنا التاريخيون، الألمان، تحولوا مرة أخرى إلى أعدائنا اللدودين. فقط انظروا كيف يناقشون تفاصيل اعتداءات بصواريخ بعيدة المدى على الأراضي الروسية، يختارون الأهداف والسبل لإلحاق الأذى بأرض أجدادنا وبشعبنا. كيف نرد دبلوماسياً على هذا؟ لا أدري». وأضاف بالإنجليزية: «الهتاف الذي يعود للحرب العالمية الثانية أصبح له معنى مرة جديدة: الموت للفاشيين».

وفي سياق متصل، طلب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، السبت، مجدداً من الدول الغربية تزويد بلاده بالمزيد من أنظمة الدفاع الجوي، في وقت أعلنت فيه كييف مقتل ستة أشخاص جراء قصف روسي، غالبيتهم في مدينة أوديسا الجنوبية. وذكر مسؤولون أوكرانيون أن الهجمات التي استهدفت أوديسا المطلّة على البحر الأسود ليل الجمعة السبت، أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص بينهم طفل، وتدمير مبنى مكوّن من تسعة طوابق. كما أصيب ثمانية أشخاص بجروح، بحسب مصادر في هيئات الإسعاف الأوكرانية.

وقالت القوات الجوية الأوكرانية إن روسيا أطلقت خلال الليل 3 صواريخ و17 مسيرة إيرانية الصنع من طراز «شاهد» تمكّنت من إسقاط 14 منها، لكن الحطام المتساقط تسبّب في إلحاق أضرار بالمباني السكنية في أوديسا وخاركيف.

في المقابل، يرجح أن أوكرانيا نفذت بدورها هجوماً بمسيرة ليل الجمعة إلى السبت، مما أدى إلى إلحاق أضرار بمبنى سكني في سان بطرسبورغ، ثاني أكبر مدينة في روسيا. وأفاد مسؤول في المدينة الروسية التي تبعد زهاء ألف كلم عن الحدود، بوقوع «حادث»، وهو مصطلح كان يستخدم في السابق لوصف الهجمات الأوكرانية. لكنه أكد عدم تسجيل أي إصابات. وأظهرت مقاطع فيديو تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي الروسية مسيّرة يبدو أنها سقطت على المبنى وتسببت بانفجار، بينما أفاد سكان بتحطم النوافذ ونشوب حرائق صغيرة. وقال الحرس الوطني في المدينة إن المعلومات الأولية تفيد بحدوث أضرار ناجمة عن «سقوط مسيرة».


مقالات ذات صلة

ألمانيا تطرد دبلوماسياً روسياً وتتهمه باستغلال منصبه لتنفيذ عمليات تجسس

أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)

ألمانيا تطرد دبلوماسياً روسياً وتتهمه باستغلال منصبه لتنفيذ عمليات تجسس

طردت ألمانيا دبولماسياً روسياً بعد أن اتهمته باستغلاله منصبه الدبلوماسي لتنفيذ عمليات تجسس على أراضيها.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا مبنى وزارة الخارجية الألمانية في برلين (أرشيفية - د.ب.أ)

ألمانيا تبلغ سفير موسكو طرد دبلوماسي روسي بعد توقيف امرأة بتهمة التجسس

استدعت ألمانيا، الخميس، السفير الروسي وأبلغته قرار طرد دبلوماسي روسي يُشتبه في ضلوعه بقضية مواطنة ألمانية - أوكرانية أُوقفت الأربعاء بتهمة التجسس.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا القائمة بالأعمال البريطانيّة في موسكو داناي دولاكيا (إ.ب.أ)

روسيا تعلن طرد دبلوماسي بريطاني لاتهامه بالتجسس

أعلنت روسيا، الخميس، طرد دبلوماسيّ بريطانيّ تتّهمه بأنّه عنصر في «الأجهزة السريّة» البريطانيّة، وسط توتر متصاعد بين موسكو والغرب؛ بسبب الحرب في أوكرانيا. …

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)

تقرير: غرفة سرّية تحت السفارة الصينية في لندن تثير مخاوف أمنية

كشفت صحيفة «تلغراف» البريطانية أن الصين تعتزم بناء غرفة سرّية بمحاذاة أكثر كابلات الاتصالات حساسية في بريطانيا، ضمن شبكة تضم 208 غرف سرّية تحت سفارتها الجديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية للصين، وحُكم عليه بالسجن لأكثر من 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

زعماء دول الاتحاد الأوروبي يجتمعون لإعادة تقييم العلاقات مع أميركا

رئيس الوزراء الهولندي ديك شوف (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) خلال اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في بروكسل 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الهولندي ديك شوف (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) خلال اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في بروكسل 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

زعماء دول الاتحاد الأوروبي يجتمعون لإعادة تقييم العلاقات مع أميركا

رئيس الوزراء الهولندي ديك شوف (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) خلال اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في بروكسل 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الهولندي ديك شوف (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) خلال اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في بروكسل 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

قال دبلوماسيون إن زعماء دول الاتحاد الأوروبي سيعيدون النظر في علاقاتهم مع الولايات المتحدة في قمة طارئة، الخميس، بعد أن أدّى تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية، وباللجوء إلى عمل عسكري للاستحواذ على غرينلاند، إلى زعزعة الثقة في العلاقات عبر الأطلسي، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وتراجع ترمب فجأة، الأربعاء، ​عن تهديده بفرض رسوم جمركية جديدة على 8 دول أوروبية، واستبعد أيضاً استخدام القوة للسيطرة على غرينلاند، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي وتابعة للدنمارك، ما يشير إلى أن هناك اتفاقاً في الأفق لإنهاء هذا الخلاف. والدنمارك عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

ولا تزال حكومات دول بالاتحاد الأوروبي قلقة من تغيير ترمب لرأيه مرة أخرى، وهو رئيس تتسم سياساته بالتقلب، ويُنظر إليه بشكل متزايد على أنه يلجأ للاستقواء، وأن على أوروبا أن تتخذ من ذلك موقفاً. وتركّز الحكومات على الخروج بخطة أطول أمداً بشأن طريقة التعامل مع الولايات المتحدة، في ظل الإدارة الحالية، وربما الإدارات المقبلة أيضاً.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (في الوسط) مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (على اليسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا خلال اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في بروكسل 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وقال دبلوماسي من الاتحاد الأوروبي: «اتخذ ترمب خطوات لا رجعة فيها، وقد يفعل ذلك مرة أخرى. لا عودة إلى ما ‌كان الوضع عليه. وسيناقش ‌الزعماء ذلك»، مضيفاً أن التكتل بحاجة إلى الابتعاد عن اعتماده الكبير على ‌الولايات ⁠المتحدة ​في العديد ‌من المجالات.

وأضاف الدبلوماسي: «نحن بحاجة إلى محاولة إبقائه (ترمب) قريباً، بينما نعمل على أن نصبح أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة. هذه عملية من المرجح أن تستغرق وقتاً طويلاً».

وتبدأ قمة قادة الاتحاد الأوروبي في الساعة السابعة مساء (18:00 بتوقيت غرينيتش).

وبعد الاعتماد على واشنطن في الدفاع في إطار حلف شمال الأطلسي على مدى عقود، يفتقر التكتل إلى القدرات في مجالات المخابرات والنقل والدفاع الصاروخي والإنتاجي اللازم للدفاع عن نفسه ضد أي هجوم روسي محتمل. ويمنح هذا الولايات المتحدة نفوذاً كبيراً.

كما أن الولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري لأوروبا، ما يجعل الاتحاد الأوروبي في وضع يتأثر بسياسات ترمب المتعلقة بفرض الرسوم الجمركية ⁠لتقليص العجز التجاري الأميركي ولتحقيق أهداف أخرى، كما في حالة غرينلاند.

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس تصل إلى بروكسل لحضور اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

طريقة التعامل مع ترمب

قال دبلوماسي آخر من الاتحاد الأوروبي: «نحتاج لمناقشة مواضع الخطوط الحمراء، ‌وكيف نتعامل مع هذا المستقوي في الاتجاه الآخر من الأطلسي، وما هي ‍نقاط قوتنا».

وأضاف: «ترمب يقول لا رسوم اليوم، لكن هل يعني ذلك أنه لن يفرض رسوماً أخرى في الغد، أو أنه سيغير رأيه سريعاً؟ نحتاج لمناقشة ‍ما سنفعله وقتها».

وأفاد مسؤولون بأن الاتحاد الأوروبي كان مستعداً لفرض حزمة رسوم جمركية مضادة على واردات أميركية بقيمة 93 مليار يورو (108.74 مليار دولار) واتخاذ تدابير مناهضة للإكراه، لو مضى ترمب قدماً في فرض رسومه الجمركية التي كان من المقرر أن تدخل حيّز التنفيذ في أول فبراير (شباط).

واحتجاجاً على الضغوط الأميركية لضم غرينلاند، علّق البرلمان الأوروبي، الأربعاء، أعماله المتعلقة بالتصديق على اتفاق ​التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الذي جرى التوصل إليه في منتصف عام 2025.

وقال عضو البرلمان الأوروبي البارز، بيرند لانغ، إنه بينما زال التهديد بالتحرك الأميركي، يحتاج البرلمان إلى توضيح بشأن خطط ⁠الولايات المتحدة المتعلقة بغرينلاند، قبل استئناف مناقشة اتفاق التجارة.

وقال ترمب، الأربعاء، إنه توصل إلى اتفاق إطاري بشأن غرينلاند مع الأمين العام لحلف الأطلسي مارك روته، وقال اليوم إن التفاصيل قيد الإعداد، لكن الولايات المتحدة سيتاح لها «الوصول الكامل» دون أي تكلفة.

وقال لانغ، عضو الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني ورئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، لوكالة «رويترز»: «لا أحد يعلم ما هو هذا الحل المزعوم».

وأضاف: «نحتاج إلى موافقة صريحة من الدنمارك وغرينلاند. لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق بين طرفين. هذا يعني أننا سنجري تقييماً لتحديد ما إذا كان هناك تهديد لسيادة الاتحاد الأوروبي». ومع ذلك، أشار إلى ضرورة تعليق أي إجراءات مضادة محتملة من جانب الاتحاد الأوروبي.

وقال دبلوماسي أوروبي ثالث: «سئمنا قليلاً من كل هذا الاستقواء، وعلينا أن نتخذ إجراءات بشأن بضعة أمور... تعزيز متانة ووحدة موقفنا واستجماع أفكارنا بشأن السوق الداخلية والتنافسية. وعدم قبول مزيد من الاستقواء بالرسوم الجمركية».

وقال روته لوكالة «رويترز»، الخميس، إنه بموجب الاتفاق الإطاري مع ترمب سيعزز الحلفاء الغربيون وجودهم في القطب الشمالي، لكنه لم يوضح تفاصيل ذلك. وأضاف ‌أن المحادثات ستستمر بين الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة.

وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس: «رغم كل الإحباط والغضب الذي شهدناه في الأشهر الماضية، دعونا لا نتسرع في استبعاد الشراكة عبر الأطلسي».


كالاس: قادة الاتحاد الأوروبي قد ينضمون إلى «مجلس السلام» إذا اقتصر عمله على غزة

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس تصل إلى بروكسل لحضور اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس تصل إلى بروكسل لحضور اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

كالاس: قادة الاتحاد الأوروبي قد ينضمون إلى «مجلس السلام» إذا اقتصر عمله على غزة

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس تصل إلى بروكسل لحضور اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس تصل إلى بروكسل لحضور اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس ​مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، الخميس، إن القادة الأوروبيين قد ينضمون إلى «مجلس ‌السلام» الذي اقترحه ‌الرئيس ‌الأميركي ⁠دونالد ​ترمب ‌إذا اقتصر نطاق تركيزه على غزة.

وذكرت كالاس قبل انعقاد قمة قادة الاتحاد الأوروبي، التي ⁠من المقرر أن تناقش ‌اقتراح ترمب: «نريد العمل من أجل السلام في الشرق الأوسط، ونريد أن يقتصر عمل (مجلس السلام) هذا ​على قرار مجلس الأمن التابع للأمم ⁠المتحدة كما كان متوقعاً».

وأضافت: «لذا، فإذا اقتصر الأمر على غزة كما كان من المفترض أن يكون، فحينها يمكننا العمل على ذلك»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.


أربع رسائل فرنسية للبنان عشية اجتماع ماكرون وسلام

الرئيسان إيمانويل ماكرون ونواف سلام خلال لقائهما في دافوس يوم 20 من الشهر الحالي بمناسبة المنتدى الاقتصادي العالمي (أ.ف.ب)
الرئيسان إيمانويل ماكرون ونواف سلام خلال لقائهما في دافوس يوم 20 من الشهر الحالي بمناسبة المنتدى الاقتصادي العالمي (أ.ف.ب)
TT

أربع رسائل فرنسية للبنان عشية اجتماع ماكرون وسلام

الرئيسان إيمانويل ماكرون ونواف سلام خلال لقائهما في دافوس يوم 20 من الشهر الحالي بمناسبة المنتدى الاقتصادي العالمي (أ.ف.ب)
الرئيسان إيمانويل ماكرون ونواف سلام خلال لقائهما في دافوس يوم 20 من الشهر الحالي بمناسبة المنتدى الاقتصادي العالمي (أ.ف.ب)

استبقت رئاسة الجمهورية الفرنسية اللقاء المرتقب بعد ظهر الجمعة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور نواف سلام، بتوجيه مجموعة رسائل ليس فقط باتجاه لبنان، ولكن أيضاً لإسرائيل وللولايات المتحدة الأميركية والأطراف الأخرى المهتمة بالوضع اللبناني.

وتتمثل الرسالة الأولى في تأكيد فرنسا، على لسان الرئيس ماكرون، ووفق ما ورد في بيان الإليزيه، على «التزامها الدائم بسيادة لبنان واستقراره»، فضلاً عن تمسكها بعلاقات الصداقة التي تجمعها بلبنان. وانطلاقاً من هذا المعطى البديهي، فإن الرئيس الفرنسي سيشدد على أهمية تمسكه بـ«الالتزام التام والكامل باتفاق وقف إطلاق النار من جانب جميع الأطراف»، ما يُفهم منه أنه دعوة لإسرائيل التي تنتهكه يومياً، وبما يستجيب لمطالب السلطات اللبنانية بالضغط على الطرف الإسرائيلي لاحترامه.

مبنى مدمّر عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية قناريت وقرى أخرى جنوب لبنان الخميس أُصيب جراءها 19 شخصاً بينهم ثمانية صحافيين (إ.ب.أ)

وبينما يدور الجدل في لبنان حول الانطلاق بالمرحلة الثانية من حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية شمال نهر الليطاني، والمنتظر من قيادة الجيش أن تقدم خطتها بشأنه للحكومة اللبنانية في مطلع الشهر المقبل، فإن رسالة ماكرون الثانية مؤداها تذكير سلام بـ«ضرورة الانطلاق بتنفيذ» المهمة الهادفة لتمكين الدولة من «حصرية السلاح واستعادة سيادتها الكاملة» على كامل الأراضي اللبنانية، وذلك رغم الرفض المتكرر لـ«حزب الله» الذي يرى أن المطلوب منه قد انتهى، وقُلبت صفحته بعد الانتهاء من حصر السلاح في منطقة جنوب الليطاني.

وتشدد مصادر رئاسية فرنسية على أهمية السير دون تأخير بتنفيذ المرحلة الثانية، بالنظر لما يترتب عليه من تأثيرات على مؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوات الأمن الداخلي، والذي ستستضيفه باريس يوم 5 مارس (آذار) المقبل.

شمال الليطاني

كذلك حرصت هذه المصادر على التذكير، بعكس ما يدّعيه أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، ومسؤولو حزبه الآخرون، بأن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، والذي دخل حيز التنفيذ في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024، ينص صراحة على نزع السلاح شمال الليطاني، ما يعني أنه يشمل كافة الأراضي اللبنانية. وشددت مصادر الإليزيه على أن كامل الأسرة الدولية تعول كثيراً على ما سيحصل في هذا السياق.

وجاء في بيان الإليزيه أن الرئيس ماكرون «سيؤكد مجدداً دعم فرنسا الكامل للقوات المسلحة اللبنانية، بوصفها ركيزة السيادة الوطنية واستقرار البلاد، وذلك تمهيداً لعقد المؤتمر الدولي لدعم سيادة لبنان» الذي سيتولى ماكرون رئاسته وإدارته. وحتى ذلك التاريخ، سيُعقد اجتماع تمهيدي وتحضيري، والأرجح أن تستضيفه العاصمة القطرية.

استمرار «الميكانيزم»

وحرصت المصادر الفرنسية على توجيه الرسالة الثالثة للبنانيين، وقوامها أن آلية الرقابة الخماسية على وقف إطلاق النار (الميكانيزم) «باقية وليست ثمة أي خطط لوضع نهاية لها».

وهذا الحرص يأتي في حين تتخوف السلطات اللبنانية من إخراج «الميكانيزم» من المشهد، وأن تكون إسرائيل، بموافقة أميركية، ساعية لإخراجها من المشهد، وهو ما يدل عليه عدم اجتماعها رغم التشدد السابق لجهة ضم مدنيين إليها، وهو ما فعله لبنان بتعيين السفير سيمون كرم مندوباً مدنياً له إلى «الآلية»، وقد حضر بصفته هذه اجتماعين في الناقورة.

الرئيس عون ملتقياً السفير سيمون كرم بعد مشاركته في اجتماع «الميكانيزم» (الرئاسة اللبنانية)

وذكرت باريس أن من مهام «الآلية»، إضافة إلى مراقبة وقف إطلاق النار، وهي المهمة التي فشلت فيها تماماً بالنسبة لتواصل ما تقوم به إسرائيل بشكل شبه يومي، المساعدة على إيجاد مخارج للخلافات بين لبنان وإسرائيل بخصوص «الخط الأزرق» الذي تتحفظ بيروت عليه بما لا يقل عن 13 نقطة. ولذا، ما زالت باريس تشدد على دوام مهمة «الآلية»، في حين بدأ البحث بكيفية الإبقاء على حضور عسكري جنوب لبنان بعد انسحاب «اليونيفيل» بنهاية هذا العام.

الإصلاحات الاقتصادية

وتتابع باريس باهتمام كبير ما يقوم به لبنان على الصعيد الاقتصادي، ومدى استجابته لمطالب صندوق النقد الدولي والدول المهتمة بإنهاضه من العقوبات الاقتصادية التي يواجهها. ويمثل هذا الجانب محطة أساسية لدى كل لقاء مع مسؤولين لبنانيين، ولذا سيكون أحد الملفات الرئيسية التي سيناقشها ماكرون وسلام.

وجاء في بيان الإليزيه أن الطرفين «سيتناولان مواصلة لبنان مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لتعزيز سيادة لبنان واستعادة ازدهاره، ولا سيما إقرار (قانون الفجوة المالية) الذي قدمت الحكومة مشروعه إلى البرلمان اللبناني». ورسالة باريس الرابعة عنوانها أنه ليس للبنان مفر من السير بالإصلاحات الاقتصادية إذا كان حقيقةً يرمي إلى الخروج من وضعه المالي والاقتصادي الراهن.

آليات لقوة «اليونيفيل» في الناقورة جنوب غربي لبنان (أ.ف.ب)

سوريا وغزة

ولن يغيب الوضع في الشرق الأوسط، إن في سوريا أو غزة، عن اجتماع الجمعة. وسبق لباريس أن عبرت عن اهتمامها وسعيها لترتيب العلاقات اللبنانية - السورية، بما في ذلك ترسيم الحدود بين البلدين. وتنطلق فرنسا، وفق مصادرها، من مبدأ أنه «لا يتعين على سوريا أن تكون مصدر تهديد لجيرانها، كما أنه ليس لجيرانها أن يكونوا مصدر تهديد لها».

وكما في كل مناسبة، تؤكد باريس تمسكها بتوافر الأمن والاستقرار في المنطقة. بيد أن الصعوبة التي تواجهها، كما تقول مصادر سياسية في باريس، أنها «لا تمتلك الأوراق اللازمة» للتأثير على الوضع. وبرز ذلك مع المعارك التي نشبت بين قوات الجيش السوري وقوات «قسد» المشكلة في غالبيتها من عناصر كردية. وأفادت المصادر الفرنسية بأن باريس «لم تكن على اطلاع» على رغبة دمشق في إنهاء الملف الكردي بقوة السلاح، وأنها، عوضاً عن ذلك، كانت تدعو لتسويته عن طريق الحوار والمفاوضات، ما يوفر انطباعاً بأن أوراق اللعبة موجودة في واشنطن أكثر مما هي في باريس.

وسبق لنواف سلام أن التقى ماكرون في منتجع دافوس خلال الأسبوع الحالي لدى وجود المسؤولين للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يلتئم في دورته الـ56. ومن المقرر أن يلتقي سلام عدداً من الصحافيين في دارة السفير اللبناني بعد ظهر السبت.