رئيس «أوكساجون»: نأمل في إعادة صياغة مفهوم المدن الصناعية حول العالم 

وانشو أكد لـ«الشرق الأوسط» أن المدينة تدعم طموحات «نيوم» وتتماشى مع «رؤية السعودية 2030»

مدينة «أوكساجون» الصناعية على ساحل البحر الأحمر والتي ستكون ضمن مدينة «نيوم» شمال غربي السعودية (الشرق الأوسط)
مدينة «أوكساجون» الصناعية على ساحل البحر الأحمر والتي ستكون ضمن مدينة «نيوم» شمال غربي السعودية (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «أوكساجون»: نأمل في إعادة صياغة مفهوم المدن الصناعية حول العالم 

مدينة «أوكساجون» الصناعية على ساحل البحر الأحمر والتي ستكون ضمن مدينة «نيوم» شمال غربي السعودية (الشرق الأوسط)
مدينة «أوكساجون» الصناعية على ساحل البحر الأحمر والتي ستكون ضمن مدينة «نيوم» شمال غربي السعودية (الشرق الأوسط)

تأمل مدينة «أوكساجون» الصناعية، والتي تعد جزءاً من مدينة «نيوم» العملاقة شمال غربي السعودية، في إعادة صياغة مفهوم المدن الصناعية حول العالم، حيث تهدف إلى مواجهة بعضٍ من التحديات الصناعية الأكثر إلحاحاً في العالم بأقل تأثير على البيئة والكوكب، وهو ما يمثل رؤية «نيوم» في الاستدامة وقابلية العيش والتنوع الاقتصادي والمحافظة على البيئة.

وقال فيشال وانشو، الرئيس التنفيذي لمدينة «أوكساجون» أن المصنّعين سيتمكنون من خفض بصمتهم الكربونية، باستخدام الطاقة المتجددة بنسبة 100 في المائة، وذلك من خلال العمليات التي سيجري تشغيلها في الوقت المناسب لمواجهة التحديات التي كانت تفرضها المواقع الصناعية التقليدية.

نهج «نيوم»

وأضاف وانشو في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «أوكساجون» تمثل نهج «نيوم» في تغيير مفهوم المدن الصناعية التقليدية، والتوجه نحو إنشاء نموذجٍ جديد يتمحور حول الإنسان والابتكار، وترسيخ قيم الاستدامة لتكون بوابة للقطاعات والصناعات المتقدمة والنظيفة في «نيوم»، وقال: «تتميز (أوكساجون) بموقعٍ استراتيجي يطل على البحر الأحمر، ففيها ميناء (نيوم) الذي يعد البوابة التجارية البحرية الرئيسية للدخول لشمال غربي السعودية».

أضاف: «إلى جانب ذلك، سيجري تشجيع الشركات المصنعة الراغبة في توسيع عملياتها وتأسيس مصانعها في (أوكساجون) على تبني أفضل الممارسات المستدامة في (نيوم)، والتي من شأنها أن تقود الاقتصاد الدائري، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تطبيق الاستراتيجيات الأربع التالية (التصميم، التصنيع، الاستخدام، الاسترداد) في عمليات المنشأة ومنتجاتها».

سلاسل توريد متكاملة

وأكد أن هذا التوجه سيدعم الميناء البحري فائق التطور وشبكة سلاسل توريد متكاملة، حيث سيتاح للمصنعين في «أوكساجون» الوصول المباشر بكل شفافية إلى أسواق «نيوم» والسعودية والمنطقة ككل، من خلال أكثر طرق النقل استدامةً.

و«إضافةً إلى ذلك، نقوم ببناء منظومةٍ للبحث والابتكار ستجعلنا الوجهة المثالية للمبتكرين وروّاد الأعمال، لنمكّنهم من تصميم واختبار وتصنيع منتجاتهم وطرحها في الأسواق، سواء داخل (نيوم) أو تصديرها لجميع أنحاء المملكة والعالم»، قال وانشو.

وتابع «يعد ميناء (نيوم) - أول الأصول التشغيلية لمدينة (أوكساجون) - عامل تمكين وركيزة أساسية لتعزيز الاتصال والربط المباشر بالأسواق العالمية، ما يعزز من القدرة التنافسية للمنطقة، ويسهم في نمو اقتصاد المملكة؛ خصوصاً بفضل ازدياد حركة البضائع الواردة مع الإقبال المتنامي نحو (نيوم)».

وشدد على أن التصنيع في «أوكساجون» سيسهم في التنميتين الاجتماعية والاقتصادية في جميع أنحاء «نيوم»، وقال: «نسعى إلى إنشاء نظامٍ متقدم للتصنيع يستند إلى مبادئ الثورة الصناعية الرابعة وتطوير المواهب، ما يمكّن الشركات المصنّعة من تطوير منتجات وخدمات مستديمة للمستقبل، وفي نهاية المطاف، فإنَّ كل ما نقوم به في (أوكساجون) يدعم طموحات (نيوم)، ويتماشى مع (رؤية السعودية 2030)، الهادفة إلى دفع عجلة التحول الاقتصادي وتحقيق الاستدامة المالية، وتمكين الصناعات المستدامة، إلى جانب توفير فرص عمل للمستقبل، والمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي».

موقع مثالي

وشدد الرئيس التنفيذي لمدينة «أوكساجون» على أن موقع المدينة على ساحل البحر الأحمر يوفر فرصةً مثالية للشركات المصنّعة الراغبة في توسيع عملياتها والدخول نحو أسواقٍ جديدة، بالإضافة إلى تحقيقها الاستفادة الكبرى من موقع السعودية الجغرافي والاستراتيجي بوصفه نقطة دخولٍ للأسواق الرئيسية الأوسع، حيث سيوفر اتصالاً أسرع بالأسواق المحلية والعالمية.

وقال: «مع مرور قرابة 13 في المائة من حركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، ستوفر (أوكساجون) أيضاً موقعاً استراتيجياً للمصنّعين الراغبين في الوصول إلى طرق التجارة العالمية التي تضمن الاستدامة والنمو على المدى البعيد».

وتابع: «علاوةً على ذلك، يعدُّ النقل البحري للبضائع أكثر استدامة من النقل الجوي أو البري، حيث يمكن لكل حاوية تصل إلى ميناء نيوم تقليل ما يصل إلى طنٍّ واحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مقارنةً بالنقل البري ووسائل النقل الأخرى».

وأكد أن «أوكساجون» ستوفر مساحةً للمبتكرين وروّاد الأعمال، حيث تسعى إلى تسريع تطبيق الأفكار وتحويلها إلى واقع، عبر نقلها من مرحلة التجريب في المختبرات إلى الأسواق، من خلال عملية التكرار السريع وبناء النماذج الأولية واستخدام تقنيات التصنيع المتقدمة.

فيشال وانشو الرئيس التنفيذي لمدينة «أوكساجون»

الطاقة الصافية

ولفت وانشو إلى أنه بالإضافة إلى توفير منطقة ابتكار متكاملة للعمل والعيش والترفيه، تشمل مزيجاً متنوعاً من المستأجرين بمن فيهم أصحاب الأعمال التجارية ومراكز التعليم والأبحاث، إلى جانب تجار محلات البيع بالتجزئة وبيوت الضيافة. أما بالنسبة للشركات الناشئة والمتوسطة، فستتمكن من الاستثمار في مجالات البحث والتطوير وإنشاء مرافق حديثة لها، ما سيعزز من مكانة مدينة «أوكساجون» بوصفها مركزاً للابتكار.

وقال: «إلى جانب ذلك، أطلقنا في العام الماضي أول برنامج مسرعة دولي مع شركة (مكلارين)، ونعمل حالياً مع الشركات الكبرى لتقديم دعمٍ لا مثيل له لمساعدة الشركات الناشئة والمتوسطة على مواجهة التحديات الصناعية العالمية، من خلال اختبار 3 برامج على نطاقٍ واسع في (أوكساجون)».

وحول مساعي إنشاء نظام الطاقة الإيجابية الصافية، أوضح أنه بمجرد اكتمالها، ستكون «أوكساجون» واحدة من المناطق الصناعية الوحيدة في العالم التي توفر بيئة تشغيل مدعومة بالطاقة النظيفة بنسبة 100 في المائة، لافتاً إلى أن تطوير ميناء «نيوم» يعد مثالاً على تحقيق هذا التوجه. وتابع: «من المخطط له عند الانتهاء من أعمال المشروع، توليد نصف الطاقة المتجددة للميناء ذاتياً عن طريق توليفة فريدة تجمع طاقة الشمس مع طاقة الرياح، وبالمقابل سيجري توفير بقية الاحتياجات من الطاقة بواسطة (إينووا) (شركة نيوم للطاقة والمياه)».

اختلاف جذري

وشرح وانشو أن ما تقوم «أوكساجون» يختلف جذرياً عما تقوم به بقية المدن الصناعية التقليدية، قائلاً: «نعمل على تمكين نموذجٍ صناعي ينبض بتنمية مجتمعه، وهذا ما يحثنا على توفير مستوياتٍ معيشية عالية للسكان والعاملين فيها على حدٍ سواء – مسترشدين بمبادئ التصميم الحضري الأساسية، بدءاً من مساحات المشي وحتى بناء المجتمعات المتكاملة، ومواءمتها مع الطبيعة في المنطقة».

وأشار إلى أن ذلك «سينعكس على تطوير مجتمعاتٍ مزدهرة متعددة الاستخدامات، تتميز بتكلفةٍ معيشية في متناول الجميع، بالإضافة إلى توفير حلول وخيارات للتنقل المستدام، وتجارب متنوعة في مختلف المجالات بما في ذلك البيع بالتجزئة والضيافة وأسلوب الحياة، حيث ستوفر مدينة (أوكساجون) الصناعية بيئةً مجتمعية نابضة بالحياة لكلٍّ من المواهب والباحثين، وصولاً إلى الخبراء وروّاد الأعمال، لتتناسب مع كل من الأفراد والعائلات».

المنجزات وجذب المستثمرين الدوليين

وحول أول نتائج المدينة، قال: «بدأنا بالعمل على الأصول السكنية والتجارية عبر مدينة (أوكساجون)، وتجري حالياً أعمال توسعة ميناء (نيوم) الذي سيخدم أكبر السفن في العالم، ومن المخطط أن تكون الطاقة الاستيعابية للميناء أكثر من 1.5 مليون حاوية قياسية بسعة 20 قدماً سنوياً بحلول عام 2025».

وأضاف: «سيشهد عام 2026 بدء المرحلة الأولى من بناء أول مجتمع سكني دائم في (نيوم)، حيث سيفتتح فندق يوتل أبوابه في منطقة الأبحاث والابتكار في (أوكساجون). كما باشرت أيضاً شركة (نيوم) للهيدروجين الأخضر في بناء أكبر مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر في العالم في (أوكساجون)، وستبدأ بمرحلة الإنتاج بحلول عام 2026، حيث سيكون المصنع لاعباً مهماً في خلق فرص العمل والتصنيع المحلي، وتطوير تقنيات جديدة ضمن منظومة تصنيع الطاقة المتجددة الذي يجري بناؤه في (أوكساجون)».

وعن مستهدفاتهم في جذب مستثمرين دوليين لمشروع «أوكساجون»، قال: «(أوكساجون) مدينة طموحة تتميز بكِبر حجمها واتساع مساحتها، وذلك ما يشكل تحدياً لنا، لذا فإنَّنا نحرص على تكوين شراكات مع كثير من الشركات في جميع أنحاء العالم لضمان تحقيق رؤيتنا وتحويلها إلى واقع».

رسم تخيلي لمدينة «أوكساجون» الصناعية

مختبر الأجيال

وتابع: «نسعى في (أوكساجون) إلى تطوير بيئةٍ توظف مختلف أنواع التقنيات الراسخة والمتطورة، بينما تعمل مختبراً حياً للأجيال المقبلة من صُنّاع التغيير في القطاع الصناعي. بالإضافة لذلك، نجري الآن مفاوضات متقدمة مع الشركات المهتمة من السعودية والعالم في ما يخص الفرص الاستثمارية والشراكات المتنوعة التي تقدمها مدينة أوكساجون، بدءاً من الاستثمارات في مجال التصنيع والعقارات والابتكار الصناعي، وصولاً إلى الاستثمارات التجارية واستثمارات التجزئة».

وشدد على أنهم على استعدادٍ كاملٍ لاستقبال المستثمرين، وقال: «نرحب بالشراكات طويلة الأمد المتوافقة مع طموحنا الرامي لبناء مستقبل الصناعات النظيفة، وتوفير منتجات وخدمات مبتكرة تقدم قيمةً اجتماعية واقتصادية مستدامة، تؤدي بدورها إلى إحداث تأثيرٍ عالمي».

وأكد أن المدينة تسير على الطريق الصحيح نحو تحقيق طموحات؛ حيث شهدت «أوكساجون» تقدماً كبيراً في عام 2023، إلى جانب عددٍ من التطورات المتعددة بما في ذلك استقبال ميناء «نيوم» لأكبر شحنة له على الإطلاق، وهي توربينات الرياح التي ستزود أكبر منشأة للهيدروجين الأخضر في العالم بالطاقة.

مستقبل التصنيع

ولفت إلى أن المدينة حققت عدداً من الإنجازات والتي تتضمن توقيع مذكرة تفاهم مع شركتي «بوش» و«باين» وشركائه بهدف صياغة مستقبل التصنيع، هذا عدا نجاح ميناء «نيوم» بتأمين مرسًى ثابت لاثنتين من أكبر شركات الشحن في العالم «MSC» و«CMA» و«CGM» - ما عزز من التواصل التجاري العالمي.

بالإضافة إلى الإعلان عن 3 شركاء في مجال الضيافة بما في ذلك فندق «يوتل» متوسط الحجم في منطقة الأبحاث والابتكار في «أوكساجون»؛ وفندق «إنديغو» (آي اتش جي IHG)، و«ذا هاوس ريزيدنس» (كيرتن للضيافة) للشقق الفندقية الراقية، وكلاهما يقع في أول مجتمعٍ سكني في «أوكساجون».

وقال: «بدأنا بالفعل في إنشاء عدة أصول تابعة لمدينة (أوكساجون)، ووضعنا حجر الأساس الخاص بها؛ بما في ذلك مركز الأبحاث والابتكار الخاص بنا؛ ومن المقرر أن يستمر الإعلان عن المشاريع قيد التنفيذ القادمة قريباً».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

«فيتش»: البنوك السعودية قوية ولا تهديدات جوهرية على تصنيفها

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني أن البنوك السعودية تتمتع بمؤشرات مالية قوية وسيولة ورأسمال وفير، ما يجعلها أقل عرضة لتأثير الصراع الإقليمي الأخير مع إيران.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة في ظلّ تعهد إيران بإطلاق النار على السفن العابرة لمضيق هرمز (رويترز)

خاص رهان «المظلة السيادية»... واشنطن تدفع بالهندسة المالية لإنقاذ حركة الشحن في «هرمز»

يرى مختصون أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول تقديم ضمانات للسفن عبر مضيق هرمز قد تكون غير كافية.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
خاص ميناء الملك فهد الصناعي بينبع (واس)

خاص خط أنابيب «شرق - غرب»... صمام أمان الطاقة في قلب الاستراتيجية السعودية

في ظل تصاعد المواجهات العسكرية الإقليمية، وتكرار استهداف الملاحة في مضيق هرمز، استعاد خط أنابيب «شرق - غرب» السعودي مكانته بوصفه من أهم صمامات الأمان.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد الأسواق الشعبية والبسطات بالحدود الشمالية في رمضان (واس)

الإنفاق الاستهلاكي في السعودية يسجِّل 3.7 مليار دولار مع بداية رمضان

سجَّلت المعاملات المالية في السعودية تراجعاً بنسبة 9.3 في المائة مع بداية رمضان، مع زيادة الإنفاق على الغذاء والشحن وارتفاع مكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
TT

خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)

ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ يوم الجمعة بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «الاستسلام غير المشروط» لإيران هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وذلك في ظلّ تجدد الهجمات على إيران.

وارتفع سعر خام برنت بحر الشمال، المعيار الدولي، بأكثر من 5 في المائة ليصل إلى 90.25 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2024. كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، العقد الرئيسي في الولايات المتحدة، بنسبة 8.1 في المائة ليصل إلى 87.56 دولار للبرميل.


الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
TT

الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)

شهد الاقتصاد الأميركي انخفاضاً غير متوقع في عدد الوظائف خلال شهر فبراير (شباط)، نتيجة إضراب العاملين في قطاع الرعاية الصحية والظروف الشتوية القاسية، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة.

وذكر مكتب إحصاءات العمل الأميركي في تقريره السنوي الذي يحظى بمتابعة دقيقة، أن الوظائف غير الزراعية انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يناير (كانون الثاني) نزولاً من زيادة قدرها 126 ألف وظيفة. وكان خبراء اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا زيادة في الوظائف بمقدار 59 ألف وظيفة، بعد زيادة بلغت 130 ألف وظيفة في يناير وفقاً للإعلانات السابقة.

وتراوحت توقعات الخبراء بين خسارة 9 آلاف وظيفة وزيادة 125 ألف وظيفة. إلى جانب إضراب 31 ألف عامل في مؤسسة «كايزر بيرماننت» في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية، جاء الانخفاض الأخير في التوظيف بمثابة تصحيح بعد المكاسب الكبيرة المسجلة في يناير.

وأشار الخبراء إلى أن مكاسب يناير كانت مدعومة بتحديث نموذج المواليد والوفيات الذي يستخدمه مكتب الإحصاءات لتقدير عدد الوظائف المكتسبة أو المفقودة نتيجة فتح أو إغلاق الشركات. وقد انتهى الإضراب في ولايتي كاليفورنيا وهاواي منذ ذلك الحين.

واستقر سوق العمل بعد تعثره في عام 2025 في ظل حالة من عدم اليقين الناجمة عن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب بموجب قانون للطوارئ الوطنية. وعلى الرغم من إلغاء المحكمة العليا الأميركية لهذه الرسوم، رد ترمب بفرض رسوم استيراد عالمية بنسبة 10 في المائة، ثم أعلن لاحقاً رفعها إلى 15 في المائة.

وأدرج مكتب إحصاءات العمل ضوابط جديدة للنمو السكاني، تأخرت بسبب إغلاق الحكومة الأميركية لمدة 43 يوماً العام الماضي. كما ساهمت تشديدات إدارة ترمب على الهجرة في انخفاض المعروض من العمالة، مما أبطأ من حركة سوق العمل.

وقدّر المكتب أن عدد سكان الولايات المتحدة ارتفع بمقدار 1.8 مليون نسمة فقط، أي بنسبة 0.5 في المائة، ليصل إلى 341.8 مليون نسمة في السنة المنتهية يونيو (حزيران) 2025. وقد أثّرت ضوابط النمو السكاني على بيانات مسح الأسر لشهر يناير فقط، ما يعني أن مستويات التوظيف والبطالة والقوى العاملة الشهرية لا يمكن مقارنتها مباشرة. وبلغ معدل البطالة 4.3 في المائة في يناير. ورغم ارتفاعه في فبراير، يبقى المعدل منخفضاً تاريخياً، حيث أشار الاقتصاديون إلى أنهم لن يشعروا بالقلق إلا إذا تجاوز 4.5 في المائة.

ومع تهديد الحرب في الشرق الأوسط بإذكاء التضخم، يرى الاقتصاديون أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لن يكون في عجلة لاستئناف خفض أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات جمعية السيارات الأميركية ارتفاع أسعار البنزين بالتجزئة بأكثر من 20 سنتاً للغالون منذ الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران الأسبوع الماضي، وردت طهران، مما وسّع نطاق النزاع نحو صراع إقليمي أوسع وفق المحللين.

ويحذر الخبراء من المخاطر السلبية على سوق العمل جراء استمرار الحرب؛ إذ تتسبب التقلبات في سوق الأسهم في دفع الأسر ذات الدخل المرتفع، المحرك الرئيسي للاقتصاد عبر الإنفاق الاستهلاكي، لتقليص نفقاتها.

ومن المتوقع أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه المقبل يومي 17 و18 مارس (آذار) سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة.


الأسواق الناشئة تختبر «حرب إيران»... والمستثمرون يراهنون على تعافٍ محتمل

بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة تختبر «حرب إيران»... والمستثمرون يراهنون على تعافٍ محتمل

بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)

أحدثت موجة خروج الأموال من الأصول عالية المخاطر اضطراباً في الأسواق الناشئة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، غير أن بعض المستثمرين يراهنون على أن قوة الأسس الاقتصادية وتغير التوازنات الجيوسياسية قد يسمحان باستئناف موجة الصعود التي استمرت نحو عام.

وقد دفع القصف الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران عملات وأسهم الأسواق الناشئة نحو تسجيل أكبر خسائر أسبوعية لها منذ جائحة كوفيد-19، في حين تعرضت السندات أيضاً لتراجعات حادة، وفق «رويترز».

وقام بنك «جي بي مورغان» بخفض توصيته بزيادة الوزن النسبي لاستثمارات العملات الأجنبية والسندات المقومة بالعملات المحلية في الأسواق الناشئة إلى مستوى «محايد للسوق»، مشيراً إلى حالة عدم اليقين. كما قلّص بنك «سيتي» انكشافه على عملات الأسواق الناشئة إلى النصف.

لكن مستثمرين مخضرمين يرون أن اقتصادات الأسواق الناشئة، ما لم تتعرض لصدمات كبيرة إضافية أو لفترة مطوّلة من ارتفاع أسعار الطاقة، قادرة على التعافي، مع بروز مؤشرات أولية على ذلك بالفعل.

وقالت كاثي هيبورث، رئيسة فريق ديون الأسواق الناشئة في «بي جي آي إم» للدخل الثابت: «لا أعتقد أننا شهدنا بعد ما يمكن وصفه بخروج الأموال الاستثمارية الحقيقية أو الأموال العابرة بين الأسواق. لا يزال هناك مستثمرون على الهامش كانوا ينتظرون تصحيحاً في الأسواق للدخول أو لزيادة مستوى انكشافهم».

متداول يراقب الأسهم في بورصة باكستان بكراتشي (إ.ب.أ)

نهاية الاتجاه أم مجرد توقف مؤقت؟

فمن الأسهم إلى السندات والعملات، كانت الأسواق الناشئة قد فاقت التوقعات جميعها حتى هذا الأسبوع.

وقد تضخمت التدفقات إلى هذه الأصول منذ بدء الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب في يناير (كانون الثاني) 2025. وأصدرت الدول الناشئة حجماً قياسياً من الديون في يناير، في وقت ارتفعت فيه الأسهم بقوة، بينما ضخ المستثمرون الباحثون عن العوائد أموالاً في ديون الأسواق الحدودية المقومة بالعملات المحلية.

ومع ذلك، كان المستثمرون قد حذروا مسبقاً من أن بعض «الأموال الساخنة» المقبلة من صناديق التحوط ومستثمرين غير متخصصين قد تغادر الأسواق سريعاً إذا تغير اتجاهها.

وقد أدى القصف الأميركي–الإسرائيلي لإيران إلى حدوث ذلك بالفعل، مع اندفاع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة؛ إذ ارتفع الدولار إلى جانب الذهب، بينما تزايدت التدفقات نحو السيولة النقدية.

وقال جيمس لورد، الرئيس العالمي لاستراتيجيات العملات والأسواق الناشئة في «مورغان ستانلي»: «لقد شهدنا صدمة كبيرة في الأسواق... وقد نشهد المزيد إذا ارتفعت أسعار النفط أكثر».

وأظهرت البيانات أن مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم الأسواق الناشئة فقد أكثر من تريليون دولار من قيمته السوقية منذ بلوغه الذروة يوم الخميس الماضي وحتى إغلاق الأربعاء.

وكان أحد أبرز التراجعات في مؤشر «كوسبي» الكوري للأسهم، الذي خسر نحو 20 في المائة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء في أكبر هبوط بتاريخ المؤشر. وكان هذا المؤشر، المتأثر بشدة بالاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق، قد سجل أفضل أداء بين أسهم الأسواق الناشئة.

وقال جوناس غولترمان، نائب كبير اقتصاديي الأسواق في «كابيتال إيكونوميكس»: «هذا بيع بدافع الذعر إلى حد ما»، مضيفاً أن ذلك يعكس سيطرة آلة السوق على العوامل الأساسية للاقتصاد.

لكن المؤشر استعاد جزءاً من خسائره يوم الخميس، مرتفعاً بنحو 10 في المائة، ولا يزال مرتفعاً بأكثر من 30 في المائة منذ بداية العام.

يعمل متداولون كوريون جنوبيون أمام الشاشات في بنك «هانا» بسيول (إ.ب.أ)

أسس قوية... ودرع في مواجهة الاضطرابات

ويرى مستثمرون أن السنوات التي قضتها العديد من الأسواق الناشئة والحدودية في تعزيز أوضاعها المالية وترسيخ الثقة في بنوكها المركزية قد تزيد أيضاً من جاذبيتها خلال أزمة مطوّلة.

وأشار لورد إلى أن العديد من البنوك المركزية اتبعت «نهجاً حذراً وموثوقاً للغاية في دورات التيسير النقدي»، ما ساعد على كبح التضخم ودعم العملات المحلية أمام الدولار.

كما أجرت دول مثل مصر ونيجيريا، حيث كان من الصعب سابقاً إعادة تحويل الأموال إلى الخارج، إصلاحات لتحسين وصول المستثمرين إلى أسواقها. ويرى بعض المحللين أن التدفقات الخارجية في الأيام الأخيرة تُظهر أنها أصبحت وجهة استثمارية موثوقة.

وقالت إيفيت باب، مديرة المحافظ الاستثمارية في «ويليام بلير»: «الأسواق الحدودية التي تلقت تدفقات كبيرة تُظهر الآن قدرتها على تلبية الطلب على العملات الأجنبية، كما تُظهر مرونة في أسعار الصرف، وهو ما نراه عنصراً إيجابياً في مثل هذه الظروف لإدارة الصدمات الخارجية من هذا النوع».

وأضافت: «نعتقد أن الأسس الاقتصادية في الأسواق الناشئة قوية بما يكفي لتحمّل صدمة خارجية، طالما أن التطورات الحالية لا تعرقل مسار النمو العالمي».

ووفقاً لبنك «باركليز»، سجلت صناديق السندات والأسهم في الأسواق الناشئة تدفقات داخلة خلال الأسبوع المنتهي في 4 مارس (آذار)، رغم الاضطرابات.

تهديد النفط

ويظل ارتفاع أسعار النفط أكبر مصدر تهديد. فاستمرار الأسعار فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة طويلة قد يؤدي إلى تسارع التضخم العالمي، وإضعاف النمو، كما قد يحد من قدرة بعض البنوك المركزية في الأسواق الناشئة على مواصلة خفض أسعار الفائدة.

وقالت ليلى فوري، الرئيسة التنفيذية لبورصة «جوهانسبرغ»، في تصريح لـ«رويترز»: «إن مدة وشدة الأزمة الجيوسياسية في إيران ستحددان إلى أي مدى سيستمر التحول بعيداً عن الأسواق الناشئة».

في المقابل، قال إلياس أ. إلياس، مدير المحافظ الاستثمارية في شركة «تمبلتون للاستثمارات العالمية»، إن مُصدِّري السلع الأولية في أميركا اللاتينية قد يستفيدون من ارتفاع الأسعار، في حين أن التقييمات المنخفضة لأسهم الأسواق الناشئة تعزز جاذبيتها رغم الاضطرابات الحالية.

وأضاف: «نحن متفائلون للغاية بأسهم الأسواق الناشئة كفئة أصول»، مشيراً إلى أن هذه الأسهم لا تزال تُتداول بخصم يقارب 28 في المائة مقارنة بالأسواق المتقدمة، مع توقعات بنمو أرباح أعلى.