«حرب غزة» تفرض أصوات «غير الملتزمين» على حملة بايدن

بعد انتخابات ميشيغان وساوث كارولاينا


الرئيس جو بايدن... تأييده لإسرائيل يهدد بحرمانه من أصوات الناخبين المسلمين والعرب (أ.ب)
الرئيس جو بايدن... تأييده لإسرائيل يهدد بحرمانه من أصوات الناخبين المسلمين والعرب (أ.ب)
TT

«حرب غزة» تفرض أصوات «غير الملتزمين» على حملة بايدن


الرئيس جو بايدن... تأييده لإسرائيل يهدد بحرمانه من أصوات الناخبين المسلمين والعرب (أ.ب)
الرئيس جو بايدن... تأييده لإسرائيل يهدد بحرمانه من أصوات الناخبين المسلمين والعرب (أ.ب)

حصل كل من جو بايدن ودونالد ترمب على أصوات احتجاجية كبيرة، ما طرح سؤالاً كبيراً عن وجهة تلك الأصوات في الانتخابات العامة في نوفمبر. وعلى الرغم من أن بايدن واجه معارضة ضئيلة في الانتخابات التمهيدية التي جرت حتى الآن، فإن جهود حملته لإقناع الناخبين بعدم الإدلاء بأصواتهم بعدّهم «غير ملتزمين»، فشلت في منع عشرات الآلاف من التصويت «غير ملتزم» في ميشيغان، احتجاجاً على سياساته تجاه الحرب بين إسرائيل و«حماس» والأزمة الإنسانية في غزة. وفاجأت نسبة «غير الملتزمين» حملة بايدن، التي لم تتوقع حتى عشية انتخابات الولاية قوة المشاعر المناهضة للرئيس بين الديمقراطيين في ميشيغان.

مخاوف ديمقراطية من تقدم ترمب على بايدن في كسب أصوات الشباب (أ.ب)

واختار ما يقرب من 16 في المائة من الناخبين الأساسيين كلمة «غير ملتزمين»، وهي نسبة ضئيلة مقابل 81 في المائة التي حصل عليها بايدن. لكنها تمثل أكثر من 75 ألف شخص في ميشيغان، ويرجح أن تنتشر في ولايات أخرى؛ حيث يمكن للناخبين في كثير منها اختيار «غير ملتزم» أو «لا يوجد أي تفضيل» في انتخاباتهم التمهيدية، كولايات كنتاكي وماريلاند ورود آيلاند وتينيسي وواشنطن. وإذا حصل هؤلاء على نسبة تتجاوز 15 في المائة، يمكنهم إرسال مندوبين إلى المؤتمر الوطني للحزب، ما يمنحهم القدرة على الدخول في مساومات سياسية.

وعدت هذه النتائج مقلقة للطرفين؛ خصوصاً أن بايدن كان قد فاز بولاية ميشيغان عام 2020 بنحو 154 ألف صوت، فيما فاز فيها ترمب عام 2016 بنحو 11 ألف صوت.

العرب والمسلمون «غير ملتزمين»

ورغم أن حصة الناخبين العرب الأميركيين والمسلمين صغيرة على المستوى الوطني، لكنها قد تكون حاسمة في سباق متقارب بالنسبة لبايدن. وإذا تأرجح الناخبون الأميركيون العرب والمسلمون بمقدار 30 نقطة لصالح ترمب، بحسب استطلاع مشترك لصحيفة «نيويورك تايمز» مع «كلية سيينا» في ميشيغان، فقد يكلف ذلك بايدن نقطة مئوية في ولاية حاسمة، حيث يتأخر بالفعل في استطلاعات الرأي. وإذا كان السباق متقارباً بدرجة كافية، فمن الممكن أن يقرر هؤلاء الناخبون انتخابات عام 2024.

فقد صوت نحو واحد من كل ثمانية ديمقراطيين، بأنهم «غير ملتزمين»، في ميشيغان. وفي بعض المناطق ذات الأغلبية العربية الأميركية كمدينة ديربورن، صوت نحو ثلاثة من كل أربعة ديمقراطيين «غير ملتزمين». ومع ذلك، عُدّ وجود واحد من كل ثمانية ديمقراطيين يصوتون في انتخابات تمهيدية غير متنازع عليها (حصل المنافس الديمقراطي الوحيد لبايدن، النائب دين فيليبس على أقل من 3 في المائة فقط) أمراً معتاداً. فقد صوت 11 في المائة من الديمقراطيين في انتخابات 2012 في ميشيغان على أنهم «غير ملتزمين» ضد الرئيس الأسبق باراك أوباما. لكن تصويت ثلاثة من كل أربعة ناخبين ديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية في المجتمعات العربية الأميركية بذلك، يعد رقماً لافتاً، ويتجاوز بكثير التوقعات، ما يعد مؤشراً قوياً على أن الحرب في غزة تشكل خطراً سياسياً على بايدن.

وربما كان الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لبايدن أداءه في آن أربور، وهي مدينة جامعية في ميشيغان. فقد حصل «غير الملتزمين» على 19 في المائة من الأصوات. وفي إيست لانسينغ؛ حيث مقر جامعة ولاية ميشيغان، حصلوا على 15 في المائة من الأصوات. وعلى الرغم من أنه لا يوجد في أي ولاية أخرى تعد ساحة معركة، كويسكنسن وجورجيا ونورث كارولاينا وأريزونا وبنسلفانيا، مجتمعات أميركية عربية بحجم مجتمع ميشيغان، فإن جميعها فيها مدن جامعية حيث يشعر الناخبون الشباب التقدميون بالغضب من الدعم الأميركي لإسرائيل.

الولايات المتأرجحة تراقب

على الرغم من أن التصويت لصالح «غير الملتزمين» يعد خطيراً على بايدن، لكنه ليس مثل التصويت لمصلحة ترمب في الانتخابات العامة؛ خصوصاً إذا استطاع الأخير مواصلة هجماته عليه، بسبب سنه ومشكلاته الأخرى. ومع أنه ليس من الصعب تفسير التصويت الاحتجاجي، فإن خطر انشقاق هذه المجموعة من الناخبين يجب أن يؤخذ على محمل الجد، ليس فقط في ميشيغان، بل وفي باقي الولايات التي تسكنها أقلية عربية. والتحدي الذي يواجه حملة بايدن هو إبطاء أي زخم ملحوظ بعد ميشيغان من قبل أولئك الذين يحتجون على سياسته في غزة.

تجمع لمؤيدي سياسة الصوت لـ«غير الملتزم» في ديربون بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)

وإذا كانت الحرب مستمرة وتواصل الولايات المتحدة إرسال المساعدات إلى إسرائيل، فليس هناك كثير مما يستطيع بايدن فعله لتهدئة الناخبين الغاضبين من ازدياد عدد القتلى الفلسطينيين، رغم تصريحاته الأخيرة عن محاولة التوصل إلى هدنة والإفراج عن المعتقلين والرهائن وإيصال المساعدات، قبل حلول شهر رمضان.

ودائما ما أظهر تاريخ هذا النوع من الاحتجاجات، أنه قادر على إحداث تغيير في نتائج الانتخابات العامة. وكثيراً ما أدت الصراعات الكبرى في السياسة الخارجية إلى إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية، وخاصة بين المجتمعات المهاجرة التي ظلت هويتها مرتبطة ببلدانها الأصلية.

فقد صوت الأميركيون الكوبيون وما زالوا، لمصلحة الجمهوريين، الذين يعدونهم مناهضين أكثر للحكم الشيوعي في الجزيرة. كما يصوت الأميركيون الفيتناميون عادة للجمهوريين، فيما يميل الأميركيون الآسيويون للديمقراطيين. وأدت الحرب العالمية الثانية إلى انقسام الناخبين بين دعم دول المحور والحلفاء. وصوت الأميركيون الألمان والإيطاليون والآيرلنديون للحزب الجمهوري عام 1940 اعتراضاً على انحياز الرئيس فرانكلين روزفلت لدول الحلف، بينما صوتت غالبية ساحقة من اليهود والبولنديين لمصلحته. وخلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، انشقت نسبة كبيرة من الناخبين اليهود لمرشح الطرف الثالث هنري والاس بسبب دعم الرئيس ترومان الفاتر لدولة إسرائيل حديثة المنشأ. وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) واندلاع الحرب ضد الإرهاب، وقرار إدارة الرئيس جورج بوش غزو العراق، تحول العرب والمسلمون الأميركيون نحو الديمقراطيين، وصوتوا في ميشيغان، عام 2004 لمصلحة جون كيري، بعدما كانوا قد صوتوا لبوش عام 2000.

عودة العرب إلى الحزب الجمهوري؟

وبينما يظهر تصويت العرب والمسلمين، أنهم كانوا كتلة محافظة تميل تاريخياً للجمهوريين، فلا شيء يمنعهم من العودة لتأييدهم هذا العام. وإذا حصل ذلك، فما من شك أنها ستكون أخباراً جيدة لترمب. لكن نظراً إلى أن كتلتهم تمثل شريحة صغيرة من الناخبين الأميركيين، فقد يكون من الصعب أن يؤدي تصويتهم إلى إحداث تغيير حاسم. وبحسب أرقام مركز «بيو» للاستطلاعات، يبلغ تعداد هذه الشريحة العرقية والدينية المتنوعة، أكثر من 3.7 مليون شخص، يمثلون نحو 1.1 في المائة من سكان الولايات المتحدة. ويشكل العرب الأميركيون 2 في المائة من سكان ولاية ميشيغان، وربما نسبة أقل من الناخبين. كما أن هناك ناخبين مسلمين غير عرب في الولاية، يضيفون نقطة مئوية أخرى أو أكثر. وفي النهاية لا يستطيع 3 في المائة من الناخبين أن يغيروا كثيراً. وبعض الإحصاءات تشير إلى أنه حتى لو كان بايدن خسر أصوات كل الناخبين في مدن ديربورن وهامترامك وديربورن هايتس؛ حيث يشكل الأميركيون العرب ما لا يقل عن 30 في المائة من سكانها، لكان سيفوز بميشيغان، وبفارق أكبر مما فاز به في ولايات ويسكنسن أو أريزونا أو جورجيا.

لكن إذا تأرجح الناخبون الأميركيون العرب والمسلمون بمقدار 30 نقطة لصالح ترمب، بحسب استطلاع مشترك لصحيفة «نيويورك تايمز» مع كلية سيينا في ميشيغان، فقد يكلف ذلك بايدن نقطة مئوية في ولاية حاسمة حيث يتأخر بالفعل في استطلاعات الرأي. وإذا كان السباق متقارباً بدرجة كافية، فمن الممكن أن يقرر هؤلاء الناخبون انتخابات عام 2024.

وحاول الديمقراطيون التخفيف من وطأة انتخابات ميشيغان، والتحذير من تداعياتها. وقال ديفيد أكسلرود، المستشار الكبير السابق لأوباما: «ستكون ميشيغان ولاية هامشية هذا الخريف. من الواضح أنه إذا انسحب الناخبون الذين سجلوا احتجاجهم اليوم هذا الخريف، فقد يكون ذلك حاسماً. لكن هذا كان تصويتاً مجانياً. وفي الخريف، سيكون الاختيار ذا عواقب أكبر بكثير».

هايلي مستمرة وترمب لم يحسن موقعه

بالنسبة لترمب، ورغم فوزه فيها، فقد عدت ميشيغان فرصة لمعرفة ما إذا كان بإمكانه تحسين دعمه بين الناخبين، بعدما كشفت انتخابات بداية العام عن نقاط ضعف ملحوظة في المنافسات التمهيدية للحزب الجمهوري. لكن بدلاً من ذلك، وبعدما حصلت منافسته هايلي على 40 في المائة من أصوات ولاية ساوث كارولاينا، حصلت على ما يقرب من 30 في المائة من أصوات ميشيغان. وسجلت هايلي أداء أفضل من أرقامها على مستوى الولاية، في الأماكن التي فيها أعداد كبيرة من الناخبين الحاصلين على تعليم جامعي، متفوقة حتى على النسبة المئوية التي حققتها في تلك الأماكن في ولايتها ساوث كارولاينا. وفي المنافسات التمهيدية السابقة، أظهرت هايلي قوة في مواجهة ترمب مع المستقلين والمعتدلين، الذين يعدون من الناخبين المتأرجحين المحتملين الذين يمكن أن يساعدوا في تحديد انتخابات نوفمبر ضد بايدن.

مؤيد لسياسة الصوت «غير الملتزم» في ديربون بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)

ورغم خسارتها لميشيغان، تعهدت هايلي بالبقاء في السباق حتى يوم «الثلاثاء الكبير» في 5 مارس (آذار)، عندما تجري 15 ولاية انتخاباتها التمهيدية. كما واصلت انتقادها لترمب، بشأن 91 تهمة جنائية يواجهها في تعامله مع وثائق سرية وجهوده لإلغاء الانتخابات الرئاسية لعام 2020، ودفعه أموال الصمت لنجمة إغراء واغتصابه لكاتبة وجرائم تجارية أخرى. وحذرت هايلي من أن الحزب الجمهوري سيستمر في رؤية الفشل الانتخابي إذا استمر خلف ترمب، وأن اختياره مرشحاً للحزب الجمهوري سيؤدي إلى إعادة انتخاب بايدن. وقالت: «عليك أن ترى الكتابة على الحائط، عليك أن ترى الثقب الموجود في السفينة». «وإذا لم ترَ الثقب الموجود في السفينة، فسنغرق جميعاً».

وبينما تعهدت هايلي في وقت سابق من الحملة بدعم مرشح الحزب النهائي، لكنها ترفض الآن إعادة تأكيد هذا الالتزام عندما تُسأل عن ترمب. وقالت: «ما سأقوله لك هو أن لدي مخاوف جدية بشأن دونالد ترمب. ولدي مخاوف جدية بشأن جو بايدن»، مضيفة أنها لا تريد أن يفوز أي منهما.

ولا تزال هايلي تراهن على حصول «مفاجأة» يوم الثلاثاء الكبير، قد لا تأتي أبداً، بحسب كل الاستطلاعات، وتعتمد على دعم عدد من كبار المانحين الجمهوريين، الذين يواصلون تمويل حملتها. لكنها تلقت يوم الأحد ضربة كبيرة، عندما أعلنت عائلة كوخ الثرية، وقف تبرعاتها لحملتها.

في المقابل، يواصل ترمب السير بخطى جيدة لضمان ترشيح الحزب الجمهوري، وتساءل في منشور على منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشال» يوم الاثنين بعدما أعلن «انتهاء الانتخابات التمهيدية»: «متى ستدرك نيكي أنها مجرد مرشحة سيئة؟». الجمهوريون المعترضون على ترمب قد يهددون خططه للعودة إلى البيت الأبيض

أصوات الشباب... مخاوف ديمقراطية من تقدم ترمب على بايدن

> ما زاد من مخاوف الديمقراطيين أن ترمب يقترب من تحقيق تقدم مع بايدن بين الناخبين الشباب. فقد لعب جيل الألفية دوراً أساسياً في فوزه عام 2020، حيث خرجوا بأعداد كبيرة وفضّلوه بنحو 20 نقطة في ذلك العام، وفقاً لتحليل مركز «بيو» للأبحاث. وأظهر استطلاع للرأي أجرته «أكسيوس لاب» في الفترة من 3 إلى 14 فبراير (شباط) الماضي، أن دعم بايدن القوي لإسرائيل يضرّ به بين الناخبين الشباب. فقد حصل على 52 في المائة مقابل 48 في المائة لترمب، في صفوف الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً. كما أظهر استطلاع لـ«نيويورك تايمز» بالتعاون مع كلية سيينا في ديسمبر (كانون الأول)، أن 49 في المائة من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يؤيدون ترمب، مقابل 43 في المائة لبايدن. وهو ما ألقى بظلال كثيفة على فرضية بات مشكوكاً فيها، بأن الشباب سيستمرون في الانضمام إلى الحزب الديمقراطي، مع انتشار موجة الشعبوية والدعوات للانعزال. ورغم ذلك، تظهر الاستطلاعات أن ارتباط الشباب بأي من الحزبين، يتضاءل. فقد أعلن 41 في المائة منهم أنهم مستقلون، في ظل شعور الكثير منهم بخيبة الأمل إزاء العملية السياسية والافتقار لمرشحين أصغر سناً (70 في المائة من الأميركيين يفضّلون مرشحين غير ترمب وبايدن بسبب سنهما). وغالباً ما باتت تُسمع الاعتراضات والشكاوى من الظروف التي تمرّ بها الولايات المتحدة، من تلك الشريحة. ولسان حالها أنها «سئمت من القلق بشأن الديون وتكاليف المعيشة، ومن العيش في مكان تزداد الرغبة في مغادرته لإحداث تغيير». وفي حين يعلن عدد من الناخبين الشباب أنهم لن يشاركوا في التصويت هذا العام؛ «لأن صوتهم لن يحدِث فرقاً»، لكن الكثيرين منهم ما زالوا يخططون للمشاركة. بعضهم سيصوّت لترمب رغم خيبة أملهم من سنه وبايدن، لكنهم يدعمون سياساته الاقتصادية وسياسات الهجرة. بينما سيصوّت آخرون، رغم عدم حماسهم لأي من المرشحين، لبايدن؛ «لأنه واجب مدني» أولاً، وسياساته البيئية مقبولة، وكذلك دعمه الإجهاض. وبحسب استطلاع «أكسيوس»، لا يزال بايدن يتمتع بفارق ضئيل ضد ترمب بين جميع الناخبين الشباب الذين شملهم الاستطلاع، ويتسع تأييده بين الناخبين المرجحين. ومن بين 42 في المائة من المشاركين الذين قالوا إنهم يخططون بالتأكيد للتصويت في نوفمبر (تشرين الثاني)، يحظى بايدن بدعم 59 في المائة منهم.

الرئيس جو بايدن... تأييده لإسرائيل يهدد بحرمانه من أصوات الناخبين المسلمين والعرب (رويترز)

 

 

 


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.