إيران لا تتوقع قراراً ضدها في اجتماع «الذرية الدولية»

إعلام حكومي اتهم الأوروبيين وإسرائيل بالتأثير على تقارير غروسي

اجتماع مجلس المحافظين لـ«الذرية الدولية» في فيينا سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)
اجتماع مجلس المحافظين لـ«الذرية الدولية» في فيينا سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

إيران لا تتوقع قراراً ضدها في اجتماع «الذرية الدولية»

اجتماع مجلس المحافظين لـ«الذرية الدولية» في فيينا سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)
اجتماع مجلس المحافظين لـ«الذرية الدولية» في فيينا سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

قال مصدر حكومي إيراني إن الدول المنضوية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية «لن تصدر قراراً» ضد بلاده، بعدما أبلغت الوكالة التابعة للأمم المتحدة أعضاءها «قلقها المتنامي» إزاء قدرة إيران على إنتاج أسلحة نووية.

وأفادت وكالة «إيسنا» الحكومية عن المصدر الحكومي بأن «الاجتماع الفصلي، لن يصدر قراراً ضد البرنامج النووي الإيراني».

ويعقد مجلس المحافظين البالغ عدد أعضائه 35 دولة، اجتماعه الفصلي الأول هذا العام، الأسبوع المقبل، من 4 حتى 8 مارس (آذار) في فيينا.

وذكرت الوكالة الحكومية الإيرانية أن «الدول الأوروبية والكيان الصهيوني يريدان مواصلة الضغط على إيران بطرق مختلفة، لكن الإدارة الأميركية المنشغلة بأزمة غزة وأوكرانيا والانتخابات الرئاسية المقبلة، لا تميل كثيراً إلى التصعيد فيما يتعلق بإيران، وتريد تجنب أي توتر عسكري دبلوماسي ونووي مع إيران».

لكنها أشارت أيضاً إلى احتمال أن تصدر الولايات المتحدة وحلفاؤها في «الترويكا» الأوروبي (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) بياناً «غير ملزم» حول البرنامج النووي الإيراني، مثلما حدث في اجتماعات سابقة.

ومع تقليص إيران التزاماتها النووية وإنتاج اليورانيوم عالي التخصيب منذ وصول جو بايدن، بات مخزونها من اليورانيوم المخصب يلامس مستويات إنتاج الأسلحة، واكتفت القوى الغربية بإصدار بيانات تطالب إيران بالتعاون مع «الذرية الدولية» دون إحالة ملفها إلى مجلس الأمن بموجب آلية ينص عليها الاتفاق النووي لعام 2015.

صورة نشرتها «الذرية» الإيرانية لشباب إيرانيين يقفون أمام نماذج لأجهزة الطرد المركزي

وحذرت الوكالة الإيرانية من أن «التصعيد في مجلس المحافظين، بينما تعمل إيران بالتزاماتها وفقاً لاتفاق الضمانات (الملحق بمعاهدة حظر الانتشار النووي)، وتواصل التعاون مع مفتشي (الذرية الدولية) في إطار الاتفاق المبرم في مارس العام الماضي، يمكن أن يدفع إيران إلى اتخاذ قرارات جديدة بما في ذلك زيادة أجهزة تخصيب اليورانيوم المتقدمة، أو زيادة مستوى ومخزون اليورانيوم، وهو موضوع لا يريد المسؤولون الأميركيون والأوروبيون والوكالة الدولية قبول مخاطره».

وسحبت إيران ترخيص مفتشين دوليين بعدما أصدرت الدول الغربية بياناً شديد اللهجة خلال الاجتماع الفصلي في سبتمبر (أيلول) الماضي، يدين تقاعس إيران بالتعاون مع «الذرية الدولية»، خصوصاً ما يتعلق بالملف المفتوح منذ سنوات بشأن أنشطة مشبوهة في المواقع السرية التي لم تبلغ عنها طهران، قبل أن تكشفها وثائق إيرانية سقطت بيد إسرائيل في 2018.

ووجهت الوكالة الإيرانية اتهاماً إلى الدول الأوروبية وإسرائيل بممارسة الضغط على مدير «الذرية الدولية»، رافائيل غروسي، و«التأثير» على تقريره بشأن البرنامج النووي. وذلك بعدما تسربت أجزاء أساسية من التقرير في وكالات الأنباء.

والاثنين، دعا غروسي مرة أخرى طهران إلى «التعاون التام»، بعدما شهدت العلاقات بين الطرفين تدهوراً في الأشهر الأخيرة.

مدير وكالة الطاقة الذرية الدولية رافائيل غروسي ورئيس «الذرية» الإيرانية محمد إسلامي خلال مؤتمر صحافي في طهران مارس 2022 (رويترز)

والأسبوع الماضي، اقترح غروسي زيارة طهران لمناقشة القضايا العالقة بين الطرفين، ورفضت طهران الموافقة حتى على طلبه، ووجهت له دعوة لحضور مؤتمر حول برنامجها النووي يُعقد في مايو (أيار) المقبل.

وأعربت «الذرية الدولية»، في تقريرين سريين أرسلهما غروسي إلى أعضاء مجلس المحافظين، عن «قلقها المتنامي» بشأن توسع البرنامج النووي الإيراني واقترابه من مستويات إنتاج أسلحة الدمار الشامل.

ولفتت «الذرية الدولية» إلى قيام إيران بتقييد تعاونها «بصورة غير مسبوقة» معها، وقد باتت «مرتهنة» بموقف الجمهورية الإسلامية. وقالت إن بعض المشكلات خفت حدتها، لكن تلك القائمة منذ فترة طويلة بين إيران ومفتشي الأمم المتحدة ما زالت قائمة. وذكر التقريران أن إيران لم تبدِ التعاون اللازم في عدد من القضايا الملحة، مثل ما يسمى «سحب اعتماد» بعض المفتشين، ما أدى إلى انخفاض كبير في حجم الخبرات في مجال التخصيب التي يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية نشرها في إيران.

وجاء في أحد التقريرين أن «المدير العام (غروسي) يأسف بشدة لأن إيران لم تتراجع بعد عن قرارها سحب الاعتماد من هؤلاء المفتشين. وهذا (التراجع) أمر ضروري للسماح تماماً للوكالة بإجراء أنشطة التحقق في إيران بشكل فعال».

مفتش من «الذرية الدولية» يتفقد المحطة النووية في نطنز 20 يناير 2014 (أ.ف.ب)

وقلصت إيران عمليات التفتيش بشكل كبير، وقامت بفصل كاميرات المراقبة، وسحبت اعتماد مجموعة من الخبراء.

وأكد مصدر دبلوماسي أن إيران سحبت اعتمادات 8 مفتشين من الجنسيتين الفرنسية والألمانية.

وأشار غروسي إلى أنّ «إيران تدلي بتصريحات علنية حول القدرات التقنية لإنتاج الأسلحة النووية، ما يعزز المخاوف». ودعا طهران مرة أخرى إلى «التعاون التام»، بعدما استمرت العلاقات بين الطرفين بالتدهور في الأشهر الأخيرة.

وقال مصدر دبلوماسي كبير للصحافيين، إنّ بعض المسؤولين السياسيين يدلون بتصريحات مثيرة للقلق، وفق ما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

وهذه المرة الثانية التي يبدى فيها غروسي قلقه، بعدما قال رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية السابق، علي أكبر صالحي في وقت سابق من هذا الشهر، إن البلاد لديها كل ما تحتاج إليه لصنع سلاح.

تخفيض المخزون بنسبة 60 %

وتواصل إيران زيادة إنتاجها، وباتت تملك ما يكفي من المواد لصنع قنابل ذرية عدة. مخزون إيران من اليورانيوم المخصب لدرجة 60 في المائة تقلص قليلاً.

وعلى الرغم من أن «الذرية الدولية»، تقول إن تخصيب اليورانيوم في إيران بنسبة تصل إلى 60 في المائة مستمر على قدم وساق، فإن طهران خففت كمية أكبر مما أنتجته في الأشهر الثلاثة الماضية، وفق ما ورد في أحد التقريرين.

ولم يذكر تقريرا «الذرية الدولية»، سبباً للتخفيض بمقدار 31.8 كيلوغرام من المواد المخصبة بنسبة 60 في المائة، وهو ما ترتب عليه تراجع المخزون بنحو 6.8 كيلوغرام إلى 121.5 كيلوغرام خلال هذا الربع.

ووفقاً لوثيقة ثانية نشرتها الوكالة الأممية، بلغت المخزونات بتاريخ 10 فبراير (شباط) 5525.5 كيلوغرام (مقابل 4486.8 كيلوغرام في نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، أي أكثر من 27 ضعفاً من المستوى المرخَّص به بموجب الاتفاق الدولي المبرم عام 2015.

وتقوم إيران بالتخصيب بمستويات عالية، بعيداً عن السقف المحدد بنسبة 3.67 بالمائة المعادل لما يُستخدم في محطات الطاقة النووية: ولديها الآن 712.2 كيلوغرام (مقارنة بـ567.1 كيلوغرام سابقاً) مخصبة بنسبة 20 بالمائة، و121.5 كيلوغرام عند 60 بالمائة (مقابل 128.3 كيلوغرام سابقاً).

وقال دبلوماسي كبير: «في بداية العام قرروا إجراء تقليص... وبعد أسبوعين قاموا بتخفيض آخر، وهذه المرة بكمية أقل»، مضيفاً أن السبب في قيام إيران بذلك غير معلوم، وأوضح: «ربما لا يريدون زيادة التوترات (مع الغرب). ربما لديهم اتفاق مع شخص ما. لا نعرف». وفق ما أوردت «رويترز».

صورة التقطها قمر «بلانيت لابس» لحفريات تحت جبل قرب منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم وسط إيران في 14 أبريل 2023 (أ.ب)

وفي نهاية العام الماضي، كان لدى إيران ما يكفي من اليورانيوم المخصب لدرجة 60 بالمائة لصنع 3 قنابل نووية، إذا جرى تخصيبها بدرجة أكبر، وفقاً للتعريفات النظرية للوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويلزم لصنع الأسلحة درجة نقاء تصل إلى 90 بالمائة.

لكن في نوفمبر (تشرين الثاني)، أنهت إيران هذا التباطؤ، وعادت إلى معدل إنتاج ما قبل التباطؤ، وهو نحو 9 كيلوغرامات شهرياً. وخلال فترة التباطؤ كان معدل الإنتاج عند 3 كيلوغرامات، وفق ما أظهر تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية في ديسمبر (كانون الأول).

وقال غروسي لـ«رويترز» في الأسبوع الماضي إن المعدل تباطأ قليلاً منذ نهاية العام الماضي إلى نحو 7 كيلوغرامات شهرياً، لكن الدبلوماسي الكبير قال إن غروسي كان يستخدم متوسطاً على مدة أشهر، وإن المعدل الحالي هو 9 كيلوغرامات في الشهر.

«دون أي مبرر مدني»

ويفضل الغربيون أيضاً تهدئة الوضع في السياق الجيوسياسي الحالي، حرصاً منهم على تجنب إثارة نزاع جديد في الشرق الأوسط.

وتتواصل اجتماعات مجلس محافظي «الذرية الدولية»، الذي يكتفي بإصدار تصريحات تندد بعدم تعاون إيران. ولم يتم إصدار أي قرار منذ نوفمبر 2022 على الرغم من تجاوز المستوى بانتظام.

والاثنين، أعربت الولايات المتحدة عن «القلق البالغ إزاء التوسع المستمر في البرنامج النووي الإيراني، دون أي مبرر مدني ذي مصداقية»، وفق المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر.

رأى إريك بروير، مدير «مبادرة التهديد النووي»، وهي منظمة غير حكومية، أن «الصورة العامة لا تزال قاتمة للغاية». وصرح لوكالة الصحافة الفرنسية، بأنه «لا يبدو أن أي حل دبلوماسي قادر على وقف التصعيد في المستقبل القريب»، وفي ظل هذه الظروف، تبدو «الذرية الدولية»، عاجزة.


مقالات ذات صلة

«الوكالة الذرية»: لا أضرار في «بوشهر» النووية الإيرانية بعد استهداف موقعها

أوروبا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية - أ.ب) p-circle

«الوكالة الذرية»: لا أضرار في «بوشهر» النووية الإيرانية بعد استهداف موقعها

نددت «روس آتوم»، شركة الطاقة النووية الحكومية ​في روسيا، بالهجوم الذي استهدف أراضي محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران، ودعت إلى تهدئة الوضع في محيط ‌المنشأة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى البيت الأبيض مساء الأحد قادماً من فلوريدا (أ.ب)

ردود متباينة على دعوة ترمب لتحالف دولي من أجل هرمز

واجهت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتشكيل تحالف دولي بحري يحمي الملاحة في مضيق هرمز ردود فعل متحفظة ورافضة، وتعقيدات قانونية وسياسية ولوجيستية.

هبة القدسي (واشنطن)
العالم المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (يسار) يصافح المدير العام لشركة «روساتوم» الروسية الحكومية للطاقة الذرية أليكسي ليخاتشيف خلال حديثهما مع وسائل الإعلام عقب المشاورات المشتركة بين روسيا والوكالة الدولية في موسكو في 13 مارس 2026 (رويترز)

مدير «الطاقة الذرية»: نسعى للتوصل إلى اتفاق نووي جديد بين أميركا وإيران

أعلن مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الوكالة تسعى للتوصل إلى اتفاق نووي جديد بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية ضابط أمن إيراني يرتدي الملابس الوقائية في منشأة لتخصيب اليورانيوم خارج مدينة أصفهان بوسط البلاد في عام 2005 (أ.ب)

«أكسيوس»: أميركا وإسرائيل تدرسان إرسال قوات خاصة للاستيلاء على مخزون إيران النووي

أفاد ​موقع «أكسيوس»، نقلاً عن 4 مصادر ‌مطلعة، ‌بأن ⁠أميركا وإسرائيل ناقشتا ⁠إرسال قوات خاصة إلى ⁠إيران ‌للحصول على ‌مخزونها ​من ‌اليورانيوم عالي التخصيب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة بالقمر الاصطناعي لمنشأة أصفهان النووية في إيران (رويترز) p-circle

تقرير: إيران قادرة على استعادة مخزون اليورانيوم المدفون في أصفهان

كشف مسؤولون مطلعون عن أن وكالات الاستخبارات الأميركية خلصت إلى أن إيران قادرة على استعادة مخزونها من اليورانيوم المدفون في أصفهان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إسرائيل تعلن اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني

وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
TT

إسرائيل تعلن اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني

وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، أن الدولة العبرية اغتالت وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب، وذلك غداة قتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقائد قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري» غلام رضا سليماني.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

وقال كاتس، في بيان: «ليلة أمس، جرى أيضاً القضاء على وزير استخبارات إيران إسماعيل خطيب».


تقرير: إسرائيل تأمل في قيام الإيرانيين بانتفاضة رغم أنها ستؤدي لمجزرة

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أرشيفية-أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أرشيفية-أ.ب)
TT

تقرير: إسرائيل تأمل في قيام الإيرانيين بانتفاضة رغم أنها ستؤدي لمجزرة

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أرشيفية-أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أرشيفية-أ.ب)

أبلغ مسؤولون إسرائيليون نظراءهم الأميركيين بأنهم يأملون في أن يقوم الإيرانيون بانتفاضة «رغم أنها ستؤدي إلى مجزرة»، وذلك وفقاً لبرقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية اطلعت عليها صحيفة «واشنطن بوست».

ولخّصت البرقية اجتماعاتٍ عُقدت مؤخراً بين مسؤولين أميركيين وكبار أعضاء مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ووزارتي الدفاع والخارجية، يومي الأربعاء والخميس.

ووفقاً للبرقية، أبلغ مسؤولون إسرائيليون كبار دبلوماسيين أميركيين بأن المتظاهرين الإيرانيين سيُذبَحون إذا خرجوا إلى الشوارع ضد حكومتهم، حتى مع دعوة إسرائيل العلنية لانتفاضة شعبية.

ونقلت البرقية، التي عمّمتها السفارة الأميركية في القدس، الجمعة، تقييماً إسرائيلياً مفاده أن النظام الإيراني «لا ينهار» ومستعدّ «للقتال حتى النهاية»، رغم اغتيال المرشد علي خامنئي في 28 فبراير (شباط) الماضي، وحملة القصف الأميركية والإسرائيلية المستمرة.

وتوقعت إسرائيل أن يؤدي اغتيال المرشد، الشهر الماضي، إلى «مزيد من الفوضى» داخل النظام في أعقاب ذلك مباشرة، وفق ما أفاد مسؤولون إسرائيليون نظراءهم الأميركيين، لكن في الأيام الأخيرة، بات تمسك النظام بالسلطة جلياً في قدرته على مواصلة إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة «أينما تشاء»، وفقاً للبرقية.

وقتل النظام آلافاً، خلال مظاهرات واسعة النطاق مناهِضة للحكومة، في وقت سابق من هذا العام.

ووفق البرقية، يقول مسؤولون إسرائيليون إنه في حال عودة أعداد كبيرة من الإيرانيين إلى الشوارع، «سيُذبَح الشعب»؛ لأن «الحرس الثوري» الإيراني «يمتلك اليد العليا».

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير الماضي (رويترز)

ورغم هذه التوقعات القاتمة، أعرب المسؤولون الإسرائيليون عن أملهم باندلاع ثورة شعبية، وحثّوا الولايات المتحدة على الاستعداد لدعم المتظاهرين في حال حدوث ذلك، وفقاً للبرقية.

من جانبها، قالت السفارة الإسرائيلية في واشنطن إن بلادها «تركز على القضاء على القدرات العسكرية للنظام؛ لما فيه مصلحة الجميع». وأضافت السفارة، في بيان: «لقد خاطر الإيرانيون بحياتهم بالنزول إلى الشوارع مراراً، بما في ذلك في يناير (كانون الثاني) الماضي. وهناك جماعات معارضة تعمل بشكل مستقل منذ سنوات للإطاحة بالنظام».

كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد قال، في خطاب في اليوم الأول للهجمات على إيران، إن بلاده «ستضرب بقوةٍ نظام الإرهاب، وستُهيئ الظروف التي تسمح للشعب الإيراني الشُّجاع بالتخلص من نير هذا النظام القاتل»، ووجّه نداء مماثلاً، الأسبوع الماضي.

وذكر مسؤولون إسرائيليون آخرون أن الهجوم على إيران يُعدّ نجاحاً، حتى لو لم تتحقق انتفاضة شعبية.

وقال زئيف إلكين، عضو المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي، في مقابلة على التلفزيون الإسرائيلي: «كل يوم نُضعف فيه هذا النظام هو مكسب لدولة إسرائيل».

ووفقاً للصحيفة، تغيرت نظرة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الخطر الذي يواجه المعارضة الإيرانية منذ بداية الحرب، ففي البداية حثّ ترمب الإيرانيين على «السيطرة على حكومتهم»، لكنه أقرّ مؤخراً بأن قوات الأمن الإيرانية ستقتل المتظاهرين إذا خرجوا إلى الشوارع. وقال ترمب، لقناة «فوكس نيوز»: «إنهم حرفياً ينشرون رجالاً في الشوارع مسلَّحين ببنادق ويطلقون النار على الناس إذا أرادوا الاحتجاج». وأضاف: «أعتقد حقاً أن هذا يمثل عقبة كبيرة أمام من لا يملكون سلاحاً».

وقال مسؤول بالبيت الأبيض، تحدّث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن ترمب «لا يحب أن يرى معاناة في أي مكان، بما في ذلك إيران، حيث كان النظام الإرهابي يذبح المتظاهرين قبل تدخُّل الرئيس، وهو الآن يستهدف المدنيين في جميع أنحاء المنطقة». كما صرّح مسؤولون أميركيون بأنهم لم يعودوا يسعون إلى الإطاحة بالمؤسسة الدينية والعسكرية في إيران.


كيف يمكن لاغتيال لاريجاني أن يطيل أمد الحرب؟

أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الراحل علي لاريجاني (رويترز)
أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الراحل علي لاريجاني (رويترز)
TT

كيف يمكن لاغتيال لاريجاني أن يطيل أمد الحرب؟

أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الراحل علي لاريجاني (رويترز)
أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الراحل علي لاريجاني (رويترز)

بصفته المسؤول الأول عن الأمن القومي الإيراني، برز علي لاريجاني كمهندس رئيسي للاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية للبلاد منذ بداية الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وبالأمس، أعلنت إسرائيل مقتله في غارة جوية، وهي خطوة حذَّر خبراء من أنها قد تطيل أمد الحرب.

ونقلت شبكة «سي إن إن» الأميركية عن الخبراء قولهم إن رحيل لاريجاني سيُفقد القيادة الإيرانية أحد أبرز أصواتها وأكثرها نفوذاً، وقد يُصعّب أي مفاوضات لإنهاء الحرب. فقد أصبح لاريجاني، في نظر العديد من المراقبين، الزعيم الفعلي لإيران وسط الاضطرابات التي شهدتها الأسابيع الأخيرة، لا سيما في الأيام التي أعقبت وفاة المرشد علي خامنئي.

وقال حميد رضا عزيزي، الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية: «لقد كان لاريجاني شخصيةً مُطّلعةً على خبايا النظام، أمضى عقوداً في قلبه، مما أكسبه مصداقيةً واسعةً لدى مختلف أطياف النخبة».

وأضاف: «النظام الإيراني درَّب نفسه على تجاوز فقدان الأفراد، لكن من الصعب تعويض شخصياتٍ ذات خبراتٍ متنوعةٍ مثل لاريجاني».

ولفت عزيزي إلى أن وفاة لاريجاني لن يكون لها تأثير فوري يُذكر على سير الحرب «لكنها ستعقّد إدارة الأزمة سياسياً، نظراً لإلمامه بالخطاب السياسي الإيراني وعلاقاته الدولية».

ويعتقد عزيزي أن «شخصاً مثل الرئيس مسعود بزشكيان - وهو شخصية معتدلة بارزة تم تهميشها إلى حد كبير منذ بداية النزاع - لن يكون قادراً على تشكيل ائتلاف داخل النخبة للتفاوض على إنهاء الحرب. ويتطلب الأمر شخصية بمكانة لاريجاني، تتمتع بقدرة فريدة على التوفيق بين التيارات المختلفة داخل النظام، لإقناع مختلف الفصائل بالتوصل إلى اتفاق محتمل».

نصف قرن من الخدمة

على مدى ما يقارب خمسة عقود، شغل لاريجاني مناصب رئيسية في «الحرس الثوري»، والمؤسسة الأمنية، والإعلام الرسمي، والبرلمان.

وأشاد المجلس الأعلى للأمن القومي بالمسيرة السياسية الطويلة للاريجاني، واصفاً إياه بأنه شخصية عملت «حتى آخر لحظات حياتها» من أجل تقدم إيران، ودعت إلى الوحدة في مواجهة التهديدات الخارجية.

وقال عزيزي: «هذا النوع من المسيرة نادر نسبياً» في إيران. المنصب الوحيد الذي كان ينقصه في سيرته الذاتية هو منصب الرئيس.

وكان لاريجاني، بحسب عزيزي، قائداً بارعاً في دهاليز السياسة المتغيرة للنظام الإيراني، و«محافظاً براغماتياً» قادراً على العمل في مختلف التيارات داخل النظام، مع ولائه التام للجمهورية.

وكان قائداً في «الحرس الثوري» خلال الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، ثم رئيساً للإذاعة والتلفزيون الرسمي.

وكان لاريجاني كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين في العقد الأول من القرن. ووصفه دبلوماسيون غربيون تفاوضوا معه بأنه «متمرس وذكي». وبعد تعيينه مستشاراً له عام 2004، بات يحظى بنفوذ متزايد لدى خامنئي في القضايا الأمنية.

ولمدة 12 عاماً حتى عام 2020، شغل منصب رئيس البرلمان الإيراني، مما وسَّع قاعدة نفوذه.

وفي مقابلة مع شبكة «سي إن إن» عام 2015، أشاد لاريجاني بالاتفاق الذي تفاوضت عليه إدارة أوباما والذي حدّ من البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، واصفاً إياه بأنه «بداية لفهم أفضل لقضايا أخرى».

وبعد نزاع العام الماضي مع إسرائيل، عاد لاريجاني إلى الواجهة كرئيس لمجلس الأمن القومي، واعتبره العديد من المحللين أهم صانع قرار في البلاد.

وقد يُطيل موته أمد الحرب. فيوم الاثنين، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية أن محسن رضائي، القائد السابق في «الحرس الثوري» الإيراني البالغ من العمر 71 عاماً، قد عاد من التقاعد ليصبح كبير المستشارين العسكريين للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي.

ويشير هذا، بحسب ما صرَّح به عزيزي، إلى أن القيادة أصبحت أكثر اعتماداً على «جيل حرب العراق»، وبالتالي أصبحت أكثر ميلاً للعسكرة، في غياب ثقل براغماتية لاريجاني.

وحذَّر «الحرس الثوري» الإيراني من أن مقتل لاريجاني سيؤدي إلى مزيد من الهجمات.

وأفاد التلفزيون الرسمي في إيران اليوم الأربعاء بأن طهران استهدفت تل أبيب بصواريخ تحمل رؤوساً حربية عنقودية، رداً على مقتله.