ابنة عائلة عظيمي الإيرانية تروي لـ {الشرق الأوسط} رحلة البحث عن مستقبل جديد لبلادها

«شقايق» قالت إن «الاتفاق النووي» شجع على زيادة قمع المعارضة والتدخل في دول المنطقة

المعارضة الإيرانية شقايق محمود عظيمي تحمل صورة والديها المعتقلين في طهران ({الشرق الأوسط})
المعارضة الإيرانية شقايق محمود عظيمي تحمل صورة والديها المعتقلين في طهران ({الشرق الأوسط})
TT

ابنة عائلة عظيمي الإيرانية تروي لـ {الشرق الأوسط} رحلة البحث عن مستقبل جديد لبلادها

المعارضة الإيرانية شقايق محمود عظيمي تحمل صورة والديها المعتقلين في طهران ({الشرق الأوسط})
المعارضة الإيرانية شقايق محمود عظيمي تحمل صورة والديها المعتقلين في طهران ({الشرق الأوسط})

«حين تكون في إيران، وتتعرض أسرتك للتعذيب النفسي والبدني، فأنت تكبر، وأنت تنظر إلى النظام الحاكم، وما يمكن أن تفكر في عمله على خلفية هذه الممارسات القمعية. منذ كنتُ طفلة وأنا أدرك أنه يوجد تضييق كبير على الجميع. حتى الهاتف حين أتحدث فيه فإنني أشعر أن هناك من يراقب المكالمة ويتنصت عليها في الجانب الآخر».
هكذا تلخص شقايق، ابنة عائلة عظيمي المعروفة بمعارضتها لنظام الحكم في طهران، رحلة البحث عن مستقبل جديد لبلادها، من إيران إلى أوروبا مرورا بمخيم ليبرتي بالعراق الذي يضم نحو ثلاثة آلاف معارض إيراني، وتعرَّض لهجوم بالصواريخ قبل عدة أيام. ومنذ وصولها إلى أوروبا تسعى شقايق مثل كثير من المعارضين الذين فروا إلى خارج البلاد إلى تعريف العالم بخطر الممارسات الإيرانية في الداخل وفي دول المنطقة.
وتقول شقايق في مقابلة باللغة الإنجليزية مع «الشرق الأوسط» عبر «سكايب» إن نظام طهران يزيد من وتيرة ملاحقة معارضيه والتنكيل بهم، وذلك بعد نحو ثلاثة شهور من توقيع الاتفاق النووي مع الدول الكبرى، معربة عن استغرابها من غض المجتمع الدولي الطرف عن «ممارسات إيران القمعية داخليا وفي المنطقة». وتضيف بعد أن انتهى بها المطاف إلى الإقامة في دولة فنلندا أنه «من الغريب أن الاتفاق النووي لم يتضمن أي شروط تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام دول الجوار، بل نرى مسؤولين غربيين يضعون أيديهم في أيدي من يقتلون أبناء الشعب الإيراني وأبناء شعوب المنطقة في سوريا واليمن والعراق».
وتقول البيانات الصادرة عن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وفي القلب منه منظمة مجاهدين خلق المعارضة، إن نظام الملالي (رجال الدين) في طهران أعاد اعتقال مساجين سياسيين سابقين، والقبض على معارضين جدد، والتوسع في إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها. ومن بين من جرى إعادة اعتقالهم والد شقايق ووالدتها. وتقول شقايق وهي تشير إلى صورة لوالديها: «لقد اعتقلا. هذا أبي محمود عظيمي (64 عاما) وهذه والدتي فاطمة ظيائي (58 عاما). جرى اعتقالهما في طهران منذ يوم 11 أكتوبر (تشرين الأول) 2015».
والد شقايق ووالدتها سياسيان معروفان أمضيا من قبل بين 18 و19 سنة في سجون طهران. وتعرضت الوالدة لمشكلات صحية لهذا السبب أصابتها بالتصلب العصبي وأفقدتها القدرة على المشي، وجرى سجنها مجددا لمدة عامين في 2009 بسبب زيارتها لابنتيها المعارضتين والمنتميتين إلى «مجاهدين خلق» حين كانتا في العراق، لكن السلطات الإيرانية أعادت اعتقال الوالد والوالدة قبل أيام ضمن موجة ملاحقات واسعة، وفقا لبيانات «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» طالت معارضين وعوائلهم، وكان من بين المعتقلين فاطمة مثنى وعلي رضا شريعت بناهي، وهما سجينان سياسيان سابقان أيضا، وذلك بالتزامن مع زيارات لمسؤولين غربيين لإيران يسعون إلى فتح مجالات للتعاون الاقتصادي مع هذا البلد المتهم بدعم القلاقل في منطقة الشرق الأوسط.
هل كان لا بد من الخروج من إيران وتكبد عناء الإقامة في مقطورات (كرافانات) تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة داخل العراق وتتعرض لهجوم بين وقت وآخر من ميليشيات موالية لإيران، كان آخرها بقصف مخيم ليبرتي بالصواريخ قبل عدة أيام، ما أدى إلى مقتل نحو 20 معارضا إيرانيا؟ تجيب شقايق قائلة: «حين تكون معارضا في إيران لا تستطيع أن تذهب إلى أي مكان ولا تستطيع أسرتك أن تجد أي عمل ولا أي دعم. يقول لك حراس النظام: إذا قمت بهذا فنحن سوف نعتقلك وسوف نهاجم بيتك. هذا بلد لا يمكن الحياة فيه».
ومنذ ركوب رجال الدين للثورة على نظام الشاه في عام 1979، بدأت سياسة التنكيل ضد شركائهم من الجناح المدني. وجرى قتل واعتقال الألوف من منظمة مجاهدين خلق، حيث لجأ عدة ألوف من عناصرها في ثمانينات القرن الماضي إلى العراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين. لكن ثورة الاتصالات خلال السنوات الخمس الأخيرة ساهمت في ظهور جيل جديد من المعارضين في منظمة مجاهين خلق، من مواليد ما بعد الثورة، وأصبح شبان هذا الجيل، مثل شقايق، يعتمدون على الإنترنت في التواصل، ما تسبب في عودة الزخم مرة أخرى إلى هذه المنظمة التي تعارض نظام الحكم الحالي معارضة جذرية.
وكان المعارضون الذين لجأوا إلى العراق يقيمون في مخيم «أشرف» شمال شرقي العاصمة، لكن بعد سقوط نظام صدام، أصبح المخيم في مرمى الخطر من الميليشيات الموالية لطهران. كان يوجد فيه نحو ثلاثة آلاف معارض. وبعد رحيل القوات الأميركية، جرى نقلهم إلى مخيم ليبرتي. وأدى قصف المخيم بصواريخ الميليشيات إلى إحداث حُفر بعمق يزيد على مترين، واشتعال الحرائق في الـ«كرافانات».
تقول شقايق التي عاشت تجربة الإقامة في مخيم أشرف ثم مخيم ليبرتي: «حين أصبح عمري 18 سنة، أي حين كبرت بما فيه الكفاية لأدرك الحالة المزرية التي عليها الوضع في إيران، فكرت في ما هي الطريقة المثلى لتغيير كل هذا الوضع، وعليه قررت أن أذهب إلى مخيم أشرف للبحث عن طريقة جديدة للحكم تصلح للنهوض ببلدي». وتضيف: «في مخيم أشرف شاهدت الهجوم الذي وقع عليه من قبل القوات العراقية في أبريل (نيسان) 2011، وفقدتُ ابنة عمي نسترن عظيمي. كان من الصعب علي أن أراها وهي تتعرض للضرب حين جاءت القوات العراقية لمهاجمة المخيم».
كان عمر قريبتها نسترن في تلك السنة 23 عاما فقط. كانت ذات ميول فنية تحب التصوير، وعملت بالفعل كمصورة تلفزيونية في قناة الحرية التابعة للمعارضة وتبث من الخارج. كانت ترسم الكاريكاتير أيضًا كما كانت مختصة في الكومبيوتر في جامعة طهران.. أما شقايق فتنتمي إلى أسرة عظيمي السياسية المعروفة في منطقة إكباتان في طهران، وتقول عن نفسها: «كنت مغرمة بدراسة الرياضيات، والفيزياء. لكن المشكلة هي أنه كان هناك من يوقفك عما تأمل أن تكون عليه. هل أستمر في الحياة في إيران لأكون شاهدة على قتل مزيد من الناس. شعرت أنه لا مستقبل لي تحت ظل هذا النظام كفتاة وكامرأة».
وتضيف شقايق: «قررت أن أضحّي بكل شيء لديّ، لتحقيق الحرية لوطني. الأطفال الآخرون يكبرون مثلي في أُسَر تفكر دائما لماذا هذا النظام يضع كل هذه القيود عليهم. وهذه الحالة تزداد سوءا كل يوم». وتوضح: «بعد دخول الأميركيين العراق أطلقوا علينا اسم (مدنيون تحت الاحتلال).. و(كنا محميين). كنا بطبيعة الحال نواجه الخطر، لكن كانت الأمور جيدة من ناحية العلاج والحالة العامة. لكن بعد عام 2009، أي بعد أن تغيرت الحماية، وتولت مسؤوليتها الحكومة العراقية، تبدل كل شيء إلى الأسوأ».
تصمت شقايق لتتذكر تلك الأيام الصعبة، ثم تواصل قائلة: «بدأ المخيم يتعرض للهجوم، وقتل 11 من أصدقائي. في هجوم الثامن من أبريل (2011) قتلت ابنة عمي أيضا. وهنا صورة لأعز صديقاتي فائزة التي كان عمرها 19 عاما فقط. قُتلت مع 36 من زملائي الآخرين. كان هجوما مميتا. كنا نعاني من الحصار وكانت قوات موالية للنظام الإيراني تأتي لتمارس التعذيب بالصوت.. نحو 300 مكبر صوت وضعوها حول المخيم ويصيحون فيها ليلا ونهارا، لدرجة لا تستطيع معها أن تنام أو تعمل أو تشرب أو تأكل. يلقون ألفاظا بذيئة ويتصايحون».
وتقول إن «هؤلاء الذين يزعقون في مكبرات الصوت كانوا من مخابرات النظام الإيراني، ويزعمون أنهم من عائلات المعارضين الإيرانيين الموجودين في المخيم. هذا غير صحيح، لأنه بكل بساطة تستطيع أن تسأل لماذا تم اعتقال والدتي إذا كان النظام يسمح لعائلات المخيم أن تأتي من إيران لزيارتهم والمناداة عليهم من خلال مكبرات الصوت بتلك الطريقة البشعة». وتضيف: «لقد جرى سجن والدتي لسنتين لأنها زارتني أنا وأختي في المخيم، وجرى إعدام آخرين لمجرد زيارتهم لنا، مثل محمد علي حاج آقايي، وجعفر كاظمي، وعلي صارمي. لقد اعتقلوا مزيدا من عائلات السياسيين، وهذا مستمر حتى اليوم».
في مطلع عام 2012 بدأت خطة عراقية لنقل المعارضين الإيرانيين من مخيم أشرف إلى مخيم ليبرتي الذي كان موقعا لأحد المعسكرات الأميركية قرب بغداد. وتقول شقايق: «في ذلك الوقت جاءنا النبأ وكان الاختيار بين أمرين.. إما البقاء في مخيم أشرف ومواجهة المذبحة، وإما أن ننتقل إلى مخيم ليبرتي حيث لا توجد فيه أي إمكانيات للحياة. لا أريد أن أتحدث عن عملية الانتقال نفسها، حيث جرت سرقة أغراضنا وفتشوا كل شيء وأخذوا متعلقاتنا. هذه قصة طويلة».
المهم، وصلت شقايق مع نحو ثلاثة آلاف معارض من «مجاهدين خلق» إلى مخيم ليبرتي، وهنا كانت الصدمة. تقول إن مساحته كانت لا تزيد على نصف كيلومتر مربع فقط. لا كهرباء ولا مياه. والمولد الكهربائي الوحيد دائما يفتقر إلى الوقود. في الأيام الأولى كنا نحصل على المياه من خلال حصص وبالدور، أي الاثنين والخميس، أو يوما ويوما، بينما درجة الحرارة كانت تصل إلى 50 درجة مئوية. ممنوع دخول الأدوية للمرضى. حصار، عشنا في مقطورات (كارافانات) وكان الكل يعاني.
ووفقا لشهادة شقايق فلم يكن الهجوم الصاروخي الذي تعرض له مخيم ليبرتي منذ عدة أيام هو الأول من نوعه، فمثل هذه الهجمات المباغتة كانت تحدث من البداية كنوع من التضييق على الموجودين في المخيم، في محاولة من الموالين للنظام الإيراني في العراق لإجبار المعارضين على الانتقال إلى بلد ثالث. تقول: «كانت هناك هجمات علينا بالصواريخ وقذائف المورتر. في كل مرة تخرج من المخبأ لترى مَنْ قُتل ومَنْ هو ما زال على قيد الحياة في المقطورات حيث لا توجد أي حماية، بعد أن سرق الموالون للنظام الإيراني الحوائط الإسمنتية التي كان يمكنها حمايتنا من القذائف. 1700 قطعة إسمنتية حملوها بالجرافات وأخذوها بعيدا».
نجت شقايق من الموت هي وشقيقتها. وانتقلتا سويا إلى أوروبا. وحين جرى توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى شعرت بما هو أكبر من الإحباط. تقول: «الإحباط كلمة لا تعبِّر عما شعرت به. كنت أستغرب كيف يتصور الغرب أن (الرئيس الإيراني) حسن روحاني يمكن أن يكون إصلاحيًا!»، مشيرة إلى أن نظام طهران «أعدم ألفي إيراني خلال السنتين الأخيرتين فقط. واليوم يشجّع الاتفاق النووي النظام على مزيد من القمع الداخلي والتدخل في سوريا والعراق واليمن، بينما الدول الكبرى تغض الطرف عن هذه الجرائم».
ومن جانبها تقول الحكومة العراقية إنها توفر الحماية للاجئين الإيرانيين في مخيم ليبرتي، بقدر الإمكان، وإنه لا علم لها بالجهة التي أطلقت الصواريخ على المخيم، وذلك وفقا لإفادة من مصدر في وزارة الخارجية، لافتا إلى أن قضية اللاجئين الإيرانيين «ينبغي معالجتها عن طريق الأمم المتحدة، خصوصا في ظل الظروف الأمنية التي تمر بها البلاد»، بينما اعتادت الحكومة الإيرانية مهاجمة منظمة مجاهدين خلق وتصفها في وسائل الإعلام الحكومية باسم «المنافقين».
وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق من الجانب الإيراني حول هذه القصة، لكن لم تتلقَّ ردا. وفي آخر تصريح بتاريخ 13 من الشهر الماضي، حول هذا الموضوع، انتقد هاشمی رفسنجانی، رئیس مجمع تشخیص مصلحة النظام فی إیران، سماح الغرب لمنظمة مجاهدين خلق بالعمل انطلاقا من أراضيه. ويقع المقر الرئيسي للمنظمة في العاصمة الفرنسية باريس، وتمكنت من صنع علاقات قوية مع برلمانات في أوروبا إضافة إلى الكونغرس الأميركي.
وترى شقايق أن وضع المعارضة والحراك الشعبي الغاضب يزداد في الداخل الإيراني هذه الأيام، مقارنة بما كان عليه الحال في السابق. تقول: «بالمقارنة بين الواقع في البداية وواقع اليوم، تستطيع أن تقول إن حركة المعارضة في تزايد بشكل كبير.. الناس يقاسون من نقص المياه وغلاء أسعار الطعام والوقود، وهناك تلاميذ لا يذهبون إلى المدارس لأن أُسَرهم ليست لديها أموال للإنفاق عليهم».
ومثل أقرانها من الجيل الجديد تعتمد شقايق على «فيسبوك» و«تويتر» في التواصل مع أصدقائها في محاولة لتغيير الواقع في إيران. تقول: «لدي كثير من الأصدقاء الذين أتواصل معهم عن طريق صفحات التواصل الاجتماعي. نتحدث ونتخاطب ونتبادل الآراء بحثا عن مستقبل أفضل لبلادي، بدلا من النظام الحالي الذي يستخدم الإسلام في إرهاب الآخرين سواء في الداخل أو في دول المنطقة».



مع اقتراب رمضان... إسرائيل تعزز قواتها بالضفة والقدس

مصلون متجمعون في ساحة مسجد قبة الصخرة بمجمع الأقصى بمدينة القدس القديمة مساء الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مصلون متجمعون في ساحة مسجد قبة الصخرة بمجمع الأقصى بمدينة القدس القديمة مساء الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

مع اقتراب رمضان... إسرائيل تعزز قواتها بالضفة والقدس

مصلون متجمعون في ساحة مسجد قبة الصخرة بمجمع الأقصى بمدينة القدس القديمة مساء الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مصلون متجمعون في ساحة مسجد قبة الصخرة بمجمع الأقصى بمدينة القدس القديمة مساء الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تأهباً لأي تصعيد محتمل في الضفة الغربية والقدس خلال شهر رمضان، تتخذ أجهزة الأمن الإسرائيلية استعدادات وخطوات خشية أن تُشعل هجمات المستوطنين المنطقة في شهر تُعدَّه «حساساً وقابلاً للانفجار».

وقالت هيئة البث الإسرائيلية «كان» إن منظومة الأمن تُكثف هذه الأيام جلسات تقييم الوضع والاستعدادات الميدانية مع اقتراب شهر صيام المسلمين، في ظل ارتفاع ملحوظ في أحداث «الجريمة القومية»، وهو تعبير يُقصد به هجمات المستوطنين، في الضفة الغربية منذ بداية السنة الجارية.

وعادة ما تعزز إسرائيل قواتها في الضفة، وتُحول مدينة القدس إلى ثكنة عسكرية، مع بدء شهر رمضان، متذرعة بنية الفصائل الفلسطينية إشعال الوضع. ومنذ بداية الحرب على غزة، تُروج إسرائيل أن التصعيد في الضفة مسألة وقت.

وحسب المعطيات التي عُرضت في هيئة البث «كان» العبرية، فقد تصاعد عنف المستوطنين منذ بداية السنة، وجرى خلال الشهر الأخير وحده تسجيل 55 «جريمة قومية»، شملت اعتداءات مباشرة ومقصودة ضد قوات الأمن الإسرائيلية نفسها.

وبحسب الأرقام، فإن 10 من هذه الهجمات أسفرت عن إصابة فلسطينيين، فيما تضمنت خمسة حوادث هجمات موجهة ضد قوات أمن في أثناء نشاطها الميداني.

مستوطنون إسرائيليون في جولة أسبوعية بمدينة الخليل في الضفة الغربية يوم السبت (رويترز)

وترى جهات أمنية أن تزامن ارتفاع وتيرة الهجمات مع فترة رمضان، التي تُعد «حساسة وقابلة للاحتكاك»، يفرض استعداداً مبكراً وموسعاً لتقليص احتمالات التصعيد.

ما الاستعدادات؟

تشمل خطة الجاهزية بحسب «كان» تعزيز القوات في نقاط الاحتكاك، وتوسيع انتشار الوحدات في الميدان، إلى جانب رفع مستوى النشاط الاستخباراتي الوقائي.

وتهدف هذه الخطوات، وفق التقديرات، إلى الحفاظ على الاستقرار الأمني قدر الإمكان، وإعطاء مساحة لحرية العبادة، بالتوازي مع حماية السكان والقوات العاملة في الميدان.

وتؤكد مصادر في المنظومة الأمنية أن أي حادث استثنائي خلال هذه الفترة، سواء أكان جريمة قومية أو محاولة تنفيذ هجوم، قد يشكل شرارة لتدهور أوسع، لذلك يجري التشديد على سرعة المعالجة الميدانية ومنع الاحتكاكات قبل توسعها.

وعادة ما تتهم إسرائيل الفلسطينيين بالتسبب في التصعيد، لكن هذه المرة وجهت إصبع الاتهام إلى المستوطنين.

وجاء ذلك بعد أيام من اعتراف رئيس الأركان إيال زامير بتنامي ظاهرة عنف المستوطنين، ودعا الجيش وقوات الأمن إلى التصدي لظاهرة «إلحاق الأذى بالسكان الفلسطينيين العُزّل».

جنود إسرائيليون يشهرون أسلحتهم المزودة بكاميرات خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية يوم السبت (رويترز)

وفي الأسبوع الماضي، قال زامير في أثناء تسلم يورام ليفي منصبه منسقاً لأعمال الحكومة في المناطق الفلسطينية: «يقع على عاتق قادة وجنود الجيش الإسرائيلي، وباقي الأجهزة الأمنية، واجب أخلاقي ورسالة تتمثل في التحرك الفوري وعدم الوقوف مكتوفي الأيدي عند رصد أعمالٍ غير قانونية ترتكبها جماعات عنيفة، وحماية السكان المدنيين الأبرياء».

وأضاف: «إلى جانب مكافحة الإرهاب بحزم، وتعزيز الأمن والمستوطنات اليهودية، يقع على عاتقنا ضمان الحفاظ على القانون والنظام، ومنع جميع أنواع الجرائم، بما في ذلك الجرائم القومية (جرائم المستوطنين). فهذه الأمور لا تعزز الأمن، بل تضر بالمستوطنات والجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل».

عنف في تزايد

وتتكرر هجمات المستوطنين في أنحاء الضفة الغربية بشكل شبه يومي، مع إفلات يكاد يكون تاماً من العقاب.

ومنذ الهجوم الذي شنته حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شهدت الضفة الغربية تصاعداً كبيراً في هجمات المستوطنين المتطرفين على الفلسطينيين وممتلكاتهم.

وأقر الجيش الإسرائيلي بتسجيل زيادة في حجم وخطورة هذه الهجمات، مشيراً إلى أنه سجل في عام 2025 نحو 870 حادث اعتداء من جانب المستوطنين، بزيادة تقارب 27 في المائة مقارنة بعام 2024 الذي سُجّل فيه نحو 680 حادثاً.

وضِمن نطاق التصنيف الأكثر خطورة، كان هناك نحو 120 حادثاً من هذا النوع في عام 2025، مقابل نحو 83 في عام 2024، ونحو 54 في سنة 2023. وجاءت هذه الأرقام رغم أن الجيش شكَّل في مايو (أيار) الماضي طاقماً مشتركاً مع الشرطة والشاباك من أجل العمل على إحباط هجمات المستوطنين ومنعها والتحقيق فيها وتقديم الضالعين فيها للمحاكمة.

لكن الفلسطينيين يقدمون أرقاماً أكبر بكثير.

فبحسب «هيئة مقاومة الاستيطان»، نفذ المستوطنون العام الماضي 4723 اعتداء على الفلسطينيين.

وقالت الشرطة الفلسطينية إنها أحالت 1263 ملف قضية تتعلق باعتداءات المستوطنين إلى الارتباط العسكري لمتابعتها وفق الأصول القانونية المعتمدة، العام الماضي. كما جرى تحويل 411 قضية إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات القانونية المقررة، بما ينسجم مع أحكام القوانين الجزائية والإجرائية المعمول بها، ويضمن تمكين المواطنين من متابعة شكاواهم أمام الجهات القضائية المختصة.

جنود إسرائيليون يقفون للحراسة خلال جولة للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم السبت (رويترز)

وفي حين لا تدلي الإدارة الأميركية برأيها في معظم هجمات المستوطنين على الفلسطينيين، فقد أثار استهداف المسيحيين غضب الولايات المتحدة؛ وقام سفيرها في إسرائيل مايك هاكابي بزيارة تضامنية إلى قرية الطيبة المسيحية قرب رام الله في يوليو (تموز) من العام الماضي وهاجم المستوطنين بشدة. لكن ذلك لم يثنِ المستوطنين للعودة ومهاجمة القرية مرة أخرى.

وهاجم مستوطنون، الأحد، منزلاً في بلدة ترمسعيا، إلى الشمال من رام الله، وتجمعات بدوية في مسافر يطا في الخليل جنوب الضفة الغربية، وأصابوا فلسطينيين، فيما حاولوا استعراض قوتهم في سفوح جبال بمناطق أخرى.

والأسبوع الماضي، شهدت مناطق كثيرة في الضفة هجمات للمستوطنين استهدفوا فيها قرى وتجمعات بدوية في مناطق كثيرة، وتضمن ذلك إحراق منازل ومركبات، وكتابة عبارات تهديد على جدران المنازل، من بينها «رمضان سعيد»... وبجانبها رُسمت «نجمة داود».


تقرير: إسرائيل أبلغت أميركا بأنها ستضرب إيران منفردة إذا تجاوزت الخط الأحمر بشأن الصواريخ الباليستية

مسؤولون عسكريون أبلغوا الولايات المتحدة أن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد طهران بشكل منفرد إذا لزم الأمر (أ.ف.ب)
مسؤولون عسكريون أبلغوا الولايات المتحدة أن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد طهران بشكل منفرد إذا لزم الأمر (أ.ف.ب)
TT

تقرير: إسرائيل أبلغت أميركا بأنها ستضرب إيران منفردة إذا تجاوزت الخط الأحمر بشأن الصواريخ الباليستية

مسؤولون عسكريون أبلغوا الولايات المتحدة أن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد طهران بشكل منفرد إذا لزم الأمر (أ.ف.ب)
مسؤولون عسكريون أبلغوا الولايات المتحدة أن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد طهران بشكل منفرد إذا لزم الأمر (أ.ف.ب)

أفادت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية اليوم (الأحد) نقلاً عن مصادر أمنية، بأن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أبلغوا الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني يمثل تهديداً وجودياً، وأن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد طهران بشكل منفرد إذا لزم الأمر.

وحسب مصادر أمنية تحدثت إلى الصحيفة الإسرائيلية، جرى خلال الأسابيع الماضية نقل نوايا إسرائيل لتفكيك قدرات إيران الصاروخية وبنيتها التحتية للإنتاج، عبر سلسلة من الاتصالات رفيعة المستوى. وعرض مسؤولون عسكريون تصورات عملياتية لإضعاف البرنامج، بما في ذلك توجيه ضربات إلى مواقع تصنيع رئيسية، وفق الصحيفة.

وقال مصدر أمني: «أبلغنا الأميركيين بأننا سنضرب منفردين، إذا تجاوزت إيران الخط الأحمر الذي حددناه بشأن الصواريخ الباليستية»، مضيفاً أن إسرائيل لم تصل بعد إلى تلك النقطة، ولكنها تتابع التطورات داخل إيران من كثب.

وشدد المسؤولون على أن إسرائيل تحتفظ بحرية العمل، مؤكدين أنها لن تسمح لإيران بإعادة بناء منظومات أسلحة استراتيجية على نطاق يهدد وجود إسرائيل.

ووصف أحد المسؤولين العسكريين المرحلة الراهنة بأنها «فرصة تاريخية» لتوجيه ضربة مؤثرة إلى البنية التحتية الصاروخية الإيرانية، وتحييد التهديدات ضد إسرائيل. وخلال محادثات مع الأميركيين، عرضت إسرائيل أيضاً خططاً لاستهداف منشآت إضافية مرتبطة ببرنامج الصواريخ، وفقاً للمسؤول ذاته.

وذكرت «جيروزاليم بوست» أن عدداً من المسؤولين الإسرائيليين عبَّروا عن مخاوف من أن يتبنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب نموذج الضربة المحدودة -على غرار العمليات الأميركية ضد الحوثيين في اليمن- وهو ما يخشون أن يُبقي القدرات الإيرانية سليمة.

وقال مسؤول عسكري آخر: «القلق هو أن يختار بضعة أهداف، ويعلن النجاح، ويترك إسرائيل تتعامل مع التداعيات، كما حدث مع الحوثيين».


رئيس القضاء الإيراني: لا ثقة بالمفاوضات مع واشنطن

غلام حسين محسني إجئي رئيس السلطة القضائية يلقي خطاباً أمام قضاة محافظة مركزي في مدينة أراك وسط البلاد (إرنا)
غلام حسين محسني إجئي رئيس السلطة القضائية يلقي خطاباً أمام قضاة محافظة مركزي في مدينة أراك وسط البلاد (إرنا)
TT

رئيس القضاء الإيراني: لا ثقة بالمفاوضات مع واشنطن

غلام حسين محسني إجئي رئيس السلطة القضائية يلقي خطاباً أمام قضاة محافظة مركزي في مدينة أراك وسط البلاد (إرنا)
غلام حسين محسني إجئي رئيس السلطة القضائية يلقي خطاباً أمام قضاة محافظة مركزي في مدينة أراك وسط البلاد (إرنا)

قال رئيس السلطة القضائية في إيران، غلام حسين محسني إجئي، اليوم (الأحد)، إن الولايات المتحدة «واهمة» إذا كانت تسعى إلى جعل المفاوضات وسيلة لـ«المكر والخداع وكسب الوقت»، مضيفاً أنه «لا يوجد أي أمل أو ثقة في المفاوضات».

وعُقدت جولة أولى من المحادثات، الجمعة، بين واشنطن وطهران في عمان، وصفها الطرفان بالإيجابية، وأكدا رغبتهما باستئنافها قريباً.

وجاءت المحادثات بعد أقل من شهر على ذروة موجة احتجاجات عامة مناهضة لنظام الحكم في إيران، ورافقتها حملة أمنية غير مسبوقة أودت بحياة الآلاف، حسب جماعات حقوقية.

وكان ترمب قد لوّح في البداية بعمل عسكري ضد طهران بسبب قمع الاحتجاجات، بل قال للمتظاهرين إن «المساعدة في الطريق».

غير أن خطاب ترمب في الأيام الأخيرة انصب على كبح البرنامج النووي الإيراني، بالتوازي مع تحريك الولايات المتحدة مجموعة بحرية تقودها حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى المنطقة. ولا تزال القيادة الإيرانية تشعر بقلق بالغ من احتمال تنفيذ ترمب تهديداته بضرب إيران. وحذّرت إيران من أنها ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة ومن إمكانية إغلاق مضيق هرمز في حال تعرضت لهجوم.

وقال رئيس السلطة القضائية إنه «لا أمل ولا ثقة» بالجهات التي تدعو إلى التفاوض، مشدداً على أن الولايات المتحدة لا يمكن التعويل عليها في هذا المسار. وقال إن الدعوات الحالية للحوار «تصدر عن الأطراف نفسها التي حرّضت على العنف وقدمت السلاح للمخربين».

حشود المتظاهرين تغلق طرقاً في غرب العاصمة طهران 8 يناير الماضي (أ.ب)

ونقلت وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية عن إجئي قوله، الأحد، إن إيران «لم تكن يوماً طالبةً للحرب»، لكنها «ستقف بكل قوتها في مواجهة أي معتدٍ»، مضيفاً أن بعض الدول التي كانت إلى جانب طهران «كانت تعتقد أن أمر الجمهورية الإسلامية قد انتهى».

وأشار إلى حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) العام الماضي، لافتاً إلى أن الجهات التي باشرت الحرب خلال المفاوضات التي كانت جارية اضطرت لاحقاً إلى طلب وقف إطلاق النار بعد أن شاهدت «صلابة» إيران.

وتساءل إجئي: «من الذي بدأ أعمال الشغب؟ ومن الذي زود مثيري الشغب بالسلاح؟ إنهم أنفسهم الذين سلحوهم ويقولون اليوم: تعالوا نتفاوض».

وقال أمام مجموعة من مسؤولي الجهاز القضائي في مدينة أراك وسط البلاد، إن «حساب الأفراد المخدوعين منفصل عن حساب العناصر الرئيسية في أعمال الشغب»، مؤكداً أن القضايا ستبحث «بحسب الأصول القضائية وبما يتناسب مع طبيعة كل حالة».

وأوضح إجئي أن مستوى العنف في «الفتنة الأخيرة» بلغ حداً غير مسبوق، مشيراً إلى أن «من ارتكبوا أبشع الجرائم في الشوارع والمعابر لم يكونوا من عامة الناس، بل إرهابيين قساة القلوب تلقوا تدريبات على أيدي عناصر من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني».

وأشار في المقابل إلى وجود «عناصر مخدوعة»، موضحاً أن حسابهم «منفصل عن الإرهابيين والعناصر الرئيسية في الاضطرابات»، وأنه سيتم النظر في اتهاماتهم وجرائمهم «كل بحسب ظروفه».

وقالت منظمة «هرانا» الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، إنها وثقت مقتل 6971 شخصاً خلال الاحتجاجات، معظمهم من المتظاهرين، وأكثر من 51 ألف معتقل.

كما انتقد إجئي أطرافاً داخلية، وشخصيات أصدرت بيانات خلال الاحتجاجات وطالبت بإصلاحات وتشكيل لجنة تقصي حقائق وطنية في قمع الاضطرابات.

وحذّر من أن عدم الوقوف إلى جانب «ولي الفقيه» يؤدي إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه «أولئك الذين لجأوا إلى صدام حسين أثناء الحرب، ويلجأون اليوم إلى الصهاينة المجرمين».

وقال إجئي: «هؤلاء الذين كانوا يوماً مع الثورة واليوم يصدرون بيانات، هم أناس مساكين وبائسون».