مصر: تباين «سوشيالي» إزاء تداعيات «صفقة رأس الحكمة» على الدولار

مصطفى مدبولي خلال الإعلان عن "الصفقة الضخمة" (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال الإعلان عن "الصفقة الضخمة" (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: تباين «سوشيالي» إزاء تداعيات «صفقة رأس الحكمة» على الدولار

مصطفى مدبولي خلال الإعلان عن "الصفقة الضخمة" (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال الإعلان عن "الصفقة الضخمة" (مجلس الوزراء المصري)

لا تزال أصداء «صفقة رأس الحكمة» التي أعلنت عنها مصر، أخيراً، تتصدر اهتمامات المصريين، وسط تباين «سوشيالي» بشأن تداعياتها على «دولار السوق السوداء»، وعلى أسعار السلع في الأسواق المصرية، بين متفائل يتحدث عن «انهيار السوق الموازية للدولار»، ويتوقع انخفاضاً كبيراً في الأسعار، وآخر متشكك «لا يرى لـ(الصفقة) انعكاساً على الأسواق»، وسط تساؤلات عن خطوات الحكومة المصرية المقبلة في التعامل مع التدفقات الدولارية من الصفقة.

ووقعت مصر والإمارات، الجمعة، اتفاقاً لتنمية منطقة «رأس الحكمة» بالساحل الشمالي الغربي لمصر. وقال رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي عقب التوقيع، إن صفقة رأس الحكمة «ستتضمن استثماراً أجنبياً مباشراً بقيمة 35 مليار دولار خلال شهرين، وهذه الصفقة تتم في إطار قوانين الاستثمار المصرية».

وتصدرت الصفقة محركات البحث على مواقع التواصل و«التريند» في مصر، السبت، وسط تساؤلات عن تفاصيلها وتأثيرها على الأسواق، لا سيما في ظل موجة غلاء تشهدها البلاد منذ عدة شهور، إثر تباين لسعر صرف الجنيه مقابل الدولار بين السوق الرسمية و«الموازية»، حيث استقر سعر الدولار في السوق الرسمية بالبنوك عند 30.9 جنيه، في حين تعدى سعر الدولار في «السوق السوداء» خلال الفترة الماضية حاجز الـ70 جنيهاً للدولار. ومع تداول أنباء «الصفقة الضخمة» تحدثت وسائل إعلام محلية، السبت، عن «هبوط سعر الدولار مقابل الجنيه في (السوق السوداء) من نحو 64 جنيهاً إلى 52 جنيهاً».

مخطط مدينة رأس الحكمة (موقع خريطة مشروعات مصر)

وعدّ رجل الأعمال والاقتصادي المصري حسن هيكل، الصفقة «فرصة لانطلاقة جديدة، يجب أن ترتبط بإعادة النظر في الأولويات، وحديث جدي عن دور الدولة في الاقتصاد»، وأجاب هيكل في منشور مطول على حسابه عبر «إكس»، السبت، عن بعض التساؤلات المتداولة بشأن الصفقة، من بينها «عدم طرحها في مناقصة عامة»، وقال: إن «مبلغاً بهذه القيمة لا يمكن لمطور أو مستثمر أن يدفعه مرة واحدة». وأضاف أن «بدايات الحل الاقتصادي تحتاج إلى هزة إيجابية للمنظومة بمبلغ ضخم، فأهمية الصفقة في حجمها».

من جانبه، أشاد رجل الأعمال الإماراتي، خلف الحبتور، بالصفقة. وقال عبر حسابه على «إكس»: «هذا أضخم مشروع في تاريخ مصر... مصر دولة محورية وهي عمود الوطن العربي، وعلينا أن نقف جميعاً لمؤازرتها في أيام الشدة». وأضاف: «هذه المبادرة الإماراتية جاءت في وقتها المناسب لتقوية وإنعاش الاقتصاد المصري، وهي فرصة ذهبية لتحريك عجلة الاقتصاد في مساره الصحيح، وهي ستعمل دون شك في تحريك وتفعيل دور القطاع الخاص بشكل كبير، وستساهم في توفير فرص عمل كثيرة، وستحيي قطاعات اقتصادية مختلفة».

وبعيداً عن رصد تداعيات الصفقة، طالبت الإعلامية المصرية، داليا أبو عمر، الدولة المصرية بالتركيز على التصنيع وحل مشاكل المصنعين، وإزالة «العراقيل» أمام عملهم، وأن يكون العام الجاري هو عام التصنيع. وقالت، في منشور على «إكس»، السبت، إن «التصنيع هو طوق النجاة».

وفي هذا السياق، ورداً على منشور لمواطن كان يتمنى أن تكون الصفقة صناعية أو زراعية وليست عقارية، أكد رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، «عدم أهمية ذلك». وقال، عبر حسابه على «إكس»، «المهم تدفق العملة الأجنبية وفك أزمتها، واستقرار سوق الصرف... وتوفير فرص عمل».

وانشغل عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي برصد تأثير «الصفقة الضخمة» على الأسواق المصرية. وعلق حساب باسم «روزا مصر» عبر «إكس» على الأسعار، بقوله إنه «لم يحدث أي تخفيض في الأسعار، رغم انهيار (السوق السوداء) للدولار». كما شكا من «صعوبة العثور على السكر».

وعلق حساب آخر على «إكس» باسم «راجي عفو الله»، على من يحتفون بالصفقة و«انهيار الدولار»، مطالباً بمراقبة تأثير ذلك «بشكل عملي في الشارع»، وكيف سينعكس على أسعار السلع الغذائية، كما تفاعل عدد كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، مع الآراء التي تحدثت عن تأثير «صفقة رأس الحكمة» على «دولار السوق السوداء»، وتصدر هاشتاغ «#انهيار_السوق_السوداء» مواقع التواصل الاجتماعي، السبت.

وبعيداً عن تباين «السوشيال ميديا» بشأن «الصفقة الضخمة»، وقفت فاطمة علي وخطيبها حسين محمود حائريْن داخل أحد المراكز التجارية بحي مصر الجديدة (شرق القاهرة)، لا يعلمان إن كان ينبغي عليهما شراء الأجهزة المنزلية اللازمة لتجهيز منزلهما الآن، أم انتظار انخفاض الأسعار. وقالت الفتاة العشرينية، التي تعمل موظفة في إحدى شركات القطاع الخاص لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجميع يتحدث عن انخفاض متوقع في الأسعار، لكن الوضع مختلف على الأرض والأسعار ترتفع يومياً». وأضافت أنها «حائرة لا تستطيع اتخاذ قرار. لكن زملاء لها نصحوها بعدم الانتظار بداعي (مافيش حاجة بترخص في مصر)».

ولا يعتقد الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور عز الدين حسانين، أن «صفقة رأس الحكمة»، «ستدفع نحو انخفاض الأسعار في الأسواق». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لن يحدث تراجع في الأسعار، وإن حدث فلن يكون كبيراً؛ لأن معظم التجار يبيعون سلعاً تم شراؤها بأسعار مرتفعة للدولار مقابل الجنيه». وأضاف: «لن تكون هناك تأثيرات جوهرية للصفقة على الأسعار حالياً، لكن ربما مع ثبات العوامل الاقتصادية الأخرى والسيطرة على (السوق السوداء) وسعر الصرف، قد يحدث تأثير بعد عام». ولفت إلى أن «السوق المصرية شهدت على مدار الأيام الماضية ارتفاعاً في أسعار بعض السلع، رغم الحديث عن الصفقة والتدفقات الدولارية المنتظرة».

رئيس الوزراء المصري يشهد مراسم توقيع «صفقة رأس الحكمة» (مجلس الوزراء المصري)

لكن الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور مدحت نافع، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «أي ضبط للانفلات الدولاري مع فرص بقاء العوامل الأخرى سيحدث راحة في الأسواق». وأوضح أن «جانباً كبيراً من التضخم في مصر مرتبط بسعر الدولار، لذلك فإن أي تحسن قد ينعكس على أسعار السلع». لكنه أشار إلى أن «مرونة رفع الأسعار تكون أسرع من خفضها، حيث الأمر معتمد على توقعات التجار للسوق في الفترة المقبلة».

وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري انخفاض معدل التضخم الأساسي، الذي يستثني الوقود وبعض السلع الغذائية متقلبة الأسعار، إلى 29 في المائة على أساس سنوي في يناير (كانون الثاني) الماضي، مقارنة بـ34.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، لكن ذلك لم يحد من شكوى المصريين من الغلاء.

ويترقب الجميع تأثيرات «الصفقة الضخمة» على سعر الصرف، وقال حسانين إن «الصفقة ستوفر سيولة دولارية تحدث انتعاشة في البنك المركزي، يمكن استخدامها في حل أزمة البضائع المكدسة في الموانئ، وبالتالي زيادة المعروض السلعي في الأسواق وتوفير مستلزمات الإنتاج»، مضيفاً أن «مثل هذه الإجراءات ستحدث صدمة في السوق، تدفع لتقليل الطلب على الدولار في (السوق الموازية)، ما يؤدي لتراجع سعر الدولار ليقترب من السعر الرسمي».

مصريون يترقبون تأثيرات «الصفقة الضخمة» على «دولار السوق السوداء» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح حسانين أن «التدفقات الدولارية لمصر من الصفقة تتطلب اتخاذ إجراءات للاستفادة منها، من بينها تحريك سعر الصرف الرسمي لجمع الدولار من (السوق السوداء)، واستعادة تحويلات المصريين في الخارج»، مقترحاً «تقديم تسهيلات للمواطنين لإيداع وتغيير العملات الأجنبية في البنوك، ولو فترة مؤقتة على غرار ما تم عام 2016».

بينما أكد نافع «ضرورة التعامل مع الصفقة بوصفها مشروعاً اقتصادياً لا بد أن يترافق مع تدابير عدة للاستفادة منه». وقال: «من المهم معرفة كيف سيتم الاستفادة من السيولة الدولارية التي ستوفرها الصفقة، وهل ستنفق على مشروعات استهلاكية تستنزفها، أم أن الحكومة ستعتمد إجراءات تقشفية وسياسة للضبط النقدي».

وشدد نافع على «ضرورة أن تترافق الصفقة مع سياسات الضبط النقدي، مع تخفيف الإنفاق على المشروعات الكبرى، وتقليل الاستيراد، واعتماد سعر صرف ربط مرن للجنيه، ما يُسهم في تحسين الإيرادات الدولارية للبلاد من تحويلات المصريين في الخارج وغيره».


مقالات ذات صلة

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

شمال افريقيا عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) أميرة صابر، يهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

حالة طوارئ شهدها مطار القاهرة الدولي، بعد تسريب في أحد خطوط تغذية مباني الركاب بالوقود، ما أدى إلى «تأثير جزئي على بعض رحلات الطيران».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

انتقادات في القاهرة عقب حديث إسرائيلي عن «تعاظم قدرة الجيش المصري»

نقلت تقارير عبرية تحذيرات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قوة الجيش المصري تطرق فيها إلى «ضرورة مراقبته من كثب لضمان عدم تجاوز الحد المعهود».

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من محادثات وزير البترول المصري مع وزير الطاقة الأميركي في واشنطن (وزارة البترول المصرية)

محادثات مصرية أميركية لتعزيز التعاون في مجال الطاقة

التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، في واشنطن، الجمعة.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.


مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشددة على أنها «سوف تواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد، ودعم التوصل إلى تسويات تعزّز منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».

جاءت التأكيدات المصرية خلال اتصالَين هاتفيين لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، مع كل من وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن المحادثات «شهدت أجواء إيجابية للغاية»، مضيفاً أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وأطلع وزير الخارجية العماني، نظيره المصري، السبت، على مجريات المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً الجهود المصرية الدؤوبة والاتصالات المكثفة التي أجرتها مصر بين الأطراف المعنية على مدار الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمفاوضات، مشيداً بـ«التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات في المنطقة».

وقال عبد العاطي، خلال الاتصال مع البوسعيدي، إن مصر «ستواصل دعمها الجهود كافّة الرامية إلى خفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف»، مشدداً على «أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات، بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار».

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال لقاء غروسي بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكدت مصر، الجمعة، دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، «بوساطة الأشقاء في سلطنة عمان». وشددت على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثّل في الحوار والتفاوض، بما يراعي مصالح الأطراف المعنية كافّة».

كما ثمّنت الجهود البنّاءة التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، وسلطنة عمان، وباكستان في هذا الإطار، معربة عن أملها في أن «تُفضي هذه المساعي الصادقة إلى تحقيق اختراق إيجابي، يُسهم في تعزيز فرص الاستقرار والسلام في المنطقة».

كما أشار وزير الخارجية المصري، خلال اتصاله الهاتفي مع غروسي، السبت، إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشدداً على «أهمية مواصلة بذل الجهود الإقليمية والدولية، لخفض حدة التوتر والتصعيد بالمنطقة، والدفع بالحلول الدبلوماسية».

وقادت مصر العام الماضي وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، على اتفاق بالقاهرة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبَين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وكان عبد العاطي قد أكد، خلال حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، مساء الجمعة، «أهمية خفض التصعيد في الإقليم، وتجنّب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يُسهم في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع».


الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)
الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)
TT

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)
الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

تُمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش، الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقضات التي وسمت مرحلة ما بعد ثورة 17 فبراير (شباط) 2011؛ حيث تتداخل رمزية النشاط المدني الكشفي بالعنف المسلح في صناديق الذخيرة، وسط أجواء الفوضى التي اجتاحت البلاد.

ولد الزبير حسن عمر البكوش عام 1970 في بنغازي، بمنطقة السلماني، ولم يكن له حضور معلن أو لافت قبل ثورة فبراير، التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي، إذ شأنه شأن كل المسلحين وقادة الميليشيات، الذين ظهروا فجأة في المشهد بعد انهيار النظام السابق.

على درب الاغتيالات

ومع اندلاع الثورة، التحق البكوش بـ«ميليشيات ليبيا الحرة»، بقيادة القيادي وسام بن حميد، أحد أبرز قادة المجموعات المسلحة في المدينة، وخلال تلك الفترة، التي وثقها الناشط المدني الليبي خالد درنة، ارتبط اسم البكوش بعدة اغتيالات مهمة، أبرزها اغتيال اللواء عبد الفتاح يونس، رئيس أركان الجيش الليبي السابق، إلى جانب العقيد محمد العبيدي، والمقدم ناصر الشريف، وهو ما أكده شقيق العبيدي في مقابلة إعلامية قبل أكثر من عامين.

آثار دماء إحدى الضحايا خلال الهجوم الذي استهدف القنصلية الأميركية في بنغازي (أ.ب)

هذه الأحداث أسهمت في ترسيخ صورة البكوش بوصفه من أبرز الشخصيات المتشددة في بنغازي، خصوصاً مع تصاعد نشاط الميليشيات بعد سقوط النظام. لكن المفارقة هو أن البكوش برز مبكراً ضمن «الحركة العامة للكشافة والمرشدات»، وهو ما أكسبه قدرة على التأثير في جيل الشباب والصبيان. وفق ما أكده الباحث العسكري محمد الترهوني لـ«الشرق الأوسط»؛ حيث استغل البكوش هذا الدور الكشفي لتجنيد عناصر شبابية لصالح التنظيمات المسلحة، التي انخرط فيها لاحقاً، مستفيداً من الثقة التي منحتها له صفته المدنية.

وهكذا شكّل النشاط المدني غطاءً غير مباشر لأنشطته المسلحة، ما أتاح له التنقل بسلاسة بين عالم التعليم المدني والفعل العسكري، حسب متابعين.

قائد عمليات التصفية الجسدية

في عام 2012، انضم البكوش إلى تنظيم «أنصار الشريعة» في بنغازي، وشارك في المؤتمر الأول للتنظيم المعروف باسم «ملتقى نصرة الشريعة»، الذي أقيم في 7 يونيو (حزيران) 2012 بميدان المحكمة، وقد مثل هذا المؤتمر أول ظهور علني للتنظيم بعد تأسيسه على يد القيادي محمد الزهاوي، وكان بمثابة الإعلان الرسمي عن جاهزية التنظيم لممارسة نفوذه في المدينة.

مع مرور الوقت، أصبح البكوش أحد قادة عمليات التصفية الجسدية وتهديد ضباط الشرطة والجيش، وفق الترهوني، وهو ما عزز مكانته في الهياكل غير الرسمية للسلطة، التي سيطرت على بنغازي خلال تلك الفترة.

كانت ليلة 11 سبتمبر (أيلول) 2012 محطة فارقة في تاريخ ليبيا ومسار البكوش مع العمل المسلح، حين اقتحم مسلحون القنصلية الأميركية في بنغازي، وأضرموا النار في المباني، ما أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز، و3 مواطنين أميركيين آخرين.

ولاحقاً، ربطت التحقيقات الأميركية اسم البكوش بقائمة المتورطين في الهجوم، ما وضعه على قائمة المطلوبين دولياً، وعزّز سمعته بوصفه عنصراً محورياً في النشاطات المسلحة التي استهدفت الدبلوماسيين الأجانب.

الزبير البكوش مرتدياً زي الكشافة خلال إحدى الفعاليات في ليبيا (متداولة على صفحات ليبية)

وبعد مواجهات مسلحة فيما يُعرف بـ«عملية الكرامة» التي أطلقها «الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر ضد «المجموعات الإرهابية» بين عامي 2015 و2016، غادر البكوش بنغازي، متجهاً إلى مصراتة وطرابلس؛ حيث واصل قيادة أنشطة كشفية تحت غطاء «نازح». وخلال تلك الفترة، استمر البكوش في تجنيد عناصر جديدة ضمن التنظيمات المسلحة، محافظاً على شبكاته القديمة، وموسعاً نفوذه على مناطق النشاط المدني بوصفه واجهة لهيمنته العسكرية، وفق الباحث العسكري محمد الترهوني.

في نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، تم توقيف البكوش من قبل جهاز الأمن الداخلي في طرابلس، لكن أُفرج عنه لاحقاً لأسباب صحية، تشمل أمراضاً مزمنة مثل الضغط والسكر وضعف عضلة القلب.

غير أن التطور المفصلي، الذي سيضع فيما يبدو كلمة النهاية لعلاقته بالعالم، كان إعلان السلطات الأميركية اعتقاله بموجب مذكرة دولية، ليواجه تهماً تشمل القتل والحرق العمد والإرهاب، في حين لم تصدر حكومة «الوحدة الوطنية» أي تصريحات رسمية بشأن اعتقاله أو تسليمه.

وزيرة العدل الأميركية بام بوندي خلال الإعلان عن اعتقال البكوش (أ.ف.ب)

ورغم التهم الجسيمة، هناك من الليبيين من لا يزال يعدّه بريئاً، من بينهم تميم الغرياني، رئيس لجنة الأزمة سابقاً، وأحد أعيان مهجري بنغازي، الذي استند إلى تحقيق أميركي سابق أُجري نهاية 2020، انتهى بالإفراج عنه منتصف 2021، دون أي إدانات، وفق ما ذكره سابقاً لوسائل إعلان محلية.

واليوم، يشارك البكوش مصيره مع مواطنه أحمد أبو ختالة، المحكوم عليه بالسجن في الولايات المتحدة منذ 12 عاماً للتهم نفسها، في رحلة تأخرت سنوات، لكنها تُثير تساؤلات حول احتمال أن يسلك ليبيون آخرون مسارات مماثلة قريباً.