الحوثيون يتملّصون من مبادرة حكومية لفتح طريق مأرب وصنعاء

رغم المطالب الشعبية لإنهاء معاناة المسافرين بين المحافظات اليمنية

سكان في محافظة الضالع يسلكون طرقاً جبلية وعرة للتنقل بين مديريتين متجاورتين (إ.ب.أ)
سكان في محافظة الضالع يسلكون طرقاً جبلية وعرة للتنقل بين مديريتين متجاورتين (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتملّصون من مبادرة حكومية لفتح طريق مأرب وصنعاء

سكان في محافظة الضالع يسلكون طرقاً جبلية وعرة للتنقل بين مديريتين متجاورتين (إ.ب.أ)
سكان في محافظة الضالع يسلكون طرقاً جبلية وعرة للتنقل بين مديريتين متجاورتين (إ.ب.أ)

تحت ضغط المطالب الشعبية لإنهاء معاناة المسافرين بين المحافظات اليمنية، أعلنت الحكومة الشرعية تفاعلها الإيجابي بفتح الطريق الرئيسية الرابطة بين مدينتي مأرب وصنعاء من جانب واحد، بينما أظهرت الجماعة الحوثية تملصها من الردّ بالمثل، مشترطة فتح جميع الطرق، وهي الطرق المغلقة من قبل الجماعة نفسها.

وفي سياق التهرب من المبادرة الحكومية، أعلن القيادي في الجماعة الحوثية علي محمد طعيمان، الذي ينتحل صفة محافظ مأرب، عن فتح طريق أخرى فرعية بين المدينتين تمر عبر تضاريس جبلية وعرة، وتمتلئ بقطّاع الطرق، ويستغرق قطع المسافة خلالها أكثر من 7 ساعات بعكس الطريق الرئيسية التي يمكنها قطع مسافتها خلال أقل من نصف تلك المدة.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني سلطان العرادة خلال زيارته طريق مأرب صنعاء (سبأ)

وقررت الحكومة اليمنية، الخميس الماضي، فتح الطريق الرابطة بين مدينتي مأرب التي تحاول الجماعة الحوثية السيطرة عليها بهجمات عسكرية متوالية منذ سنوات، وصنعاء العاصمة التي تختطفها الجماعة منذ ما يقارب العقد.

وتربط الطريق التي أعلنت الحكومة فتحها من جهتها، بين مدينة مأرب (شرق العاصمة صنعاء) والخاضعة لإدارتها، ومدينة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، وهي طريق يبلغ طولها 172 كيلومتراً، وأُغْلِقت منذ سعي الجماعة للسيطرة على مدينة مأرب في عام 2015.

وأعلن عضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة عن فتح الطريق الرابطة بين مدينتي مأرب وصنعاء، معرباً عن أمله أن تحذو الجماعة الحوثية حذو الحكومة الشرعية بخطوة مماثلة لتسهيل تنقلات المواطنين.

وخلال زيارة له إلى الطريق التي أعلن فتحها، كشف العرادة عن أن هذا القرار جاء بالتشاور مع القيادة السياسية والعسكرية، مشدداً على أهمية فتح جميع الطرقات المغلقة في اليمن، وعلى رأسها طرق محافظة تعز (جنوبي غرب)، داعياً الجميع للتعاون في فتح جميع الطرقات الرئيسية في كل المدن اليمنية من أجل مصلحة الشعب اليمني، بعيداً عن حسابات الحرب والسلام والمفاوضات.

ارتباك حوثي وتنبيه حكومي

جددت الحكومة اليمنية اتهامها للجماعة الحوثية بإغلاق الطرق الرئيسية بين المحافظات، وإعاقة أي خطوات لرفع المعاناة عن كاهل السكان.

وقالت الحكومة على لسان وزير الإعلام معمر الإرياني إن الجماعة الحوثية أفشلت طيلة السنوات الماضية عشرات المبادرات الحكومية، والوساطات المحلية، والاتفاقات التي أبرمت برعاية أممية لفتح الطرق بين المحافظات، وأهمها اتفاق استوكهولم 2018، الذي نص على رفع الحصار الجائر عن محافظة تعز، وفتح الطرق الرابطة بين محافظة الحديدة والمحافظات المجاورة.

منذ سنوات ينادي سكان مدينة تعز برفع الحصار عن مدينتهم وفتح الطرقات (أ.ف.ب)

ومنذ أسابيع بدأت حملة المطالبة بفتح الطرقات عبر دعوات من ناشطين ومنظمات لتتصاعد بشكل يومي، حيث ينضم إليها الآلاف من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان الذي تزيد فيه حركة اليمنيين وتنقلاتهم بين المدن والأرياف، وسفرهم لزيارة أقاربهم خلال الأعياد.

ويصف فياض النعمان وكيل وزارة الإعلام اليمنية حال الجماعة الحوثية بالمرتبك إزاء إعلان الحكومة الشرعية فتح الطريق بين مأرب وصنعاء من طرف واحد، لكونها لم تتوقع استجابة الحكومة للحملات الشعبية والمطالب الإنسانية التي أطلقها السكان المتضررون من استمرار إغلاق الطرقات وحصار المدن.

ويتابع في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أصبحت شعارات الميليشيات الحوثية الزائفة مفضوحة وهي تحاول التدليس على اليمنيين الواقعين تحت سيطرتها بقوة السلاح»، حيث بات اليمنيون يدركون «أن الإنسانية الحوثية مجرد يافطة تستخدمها لاستمرار القتل والتنكيل والحرب، وأداة لخدمة مشروعها الطائفي وليس لإعادة الحياة إلى المناطق التي تسيطر عليها، وهي التي تغلق الطرقات لدوافع عسكرية وسياسية».

وبرأي النعمان فإنه «عند متابعة مواقف قادة الميليشيات الحوثية حول فتح الطرقات من طرف الحكومة الشرعية في مأرب وتعز والساحل الغربي من طرف واحد، يلجأون إلى إيجاد مبررات للاستهلاك الإعلامي».

ولفت إلى أن الجماعة تدعي أنها تنتصر للقضية الفلسطينية ومعاناة أهالي غزة عبر الإرهاب والقرصنة في البحر الأحمر، بينما هي لا تريد فتح طريق واحدة لإنهاء معاناة اليمنيين، ما يثبت أنها مجرد أداة لأطراف تريد استغلال الوضع القائم في اليمن والمنطقة لتحقيق مكاسب لمصالحهم لا غير.

الطرق بوصفها مواقع عسكرية

عند الحديث عن فتح الطرقات، تبرز محافظة تعز (جنوبي غرب) بوصفها أكثر المحافظات اليمنية تضرراً من المأساة الإنسانية التي ضربت البلاد بفعل الانقلاب والحرب، وهي المحافظة الكبرى من حيث عدد السكان، والذين تضرروا من إغلاق الطرق، حيث تفرض الجماعة الحوثية حصاراً خانقاً عليها من مارس (آذار) 2015 عندما كانت تحتل أجزاءً من عاصمتها.

القيادي الحوثي علي محمد طعيمان في الطريق التي أعلنت الجماعة الحوثية عن فتحها (إعلام حوثي)

ويحدد الصحافي اليمني باسم منصور شرطاً للمصداقية في فتح الطرقات بفك الحصار المفروض على مدينة تعز، وإنهاء معاناة سكانها بوصفها المحافظة الأكثر تضرراً، ونظراً لما سيبديه فتح طرقاتها من حسن نيات أي طرف يرفع شعارات الإنسانية.

ويذهب منصور في إفادته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن حصار محافظة تعز وقطع الطريق الرابطة بين صنعاء وعدن في منطقة دمت التابعة لمحافظة الضالع، جعلا غالبية اليمنيين يعيشون مأساة إنسانية مضاعفة، وعطلا حياتهم بكثير من المشقة والتكاليف والمخاطر.

ورغم تحرير الجزء الأكبر من مدينة تعز وعدد من المناطق الريفية، لا يزال الحصار مفروضاً على المدينة من 3 جهات، مسبباً افتقار المدينة وأرياف المحافظة لغالبية الخدمات، وصعوبة في حركة وتنقل السكان ونقل البضائع والسلع الأساسية.

وبالمثل؛ كان الانتقال بين مديريتي دمت وقعطبة في محافظة الضالع (214 كيلومتراً جنوب صنعاء)، لا يكلف سوى السير في الطريق الرابطة بينهما في مدة لا تتجاوز ربع ساعة بالسيارة، وبعض الأهالي يتنقلون بينهما على الأقدام، إلا أن إغلاق الجماعة الحوثية هذه الطريق جعل التنقل بين المديريتين يمر عبر 4 محافظات.

وإلى جانب ذلك، فإن إغلاق هذه الطريق تسبب في تحول السفر بين مدينتي صنعاء وعدن إلى طرق بعيدة وضيقة في محافظات أخرى، متسبباً في طول أوقات السفر وتكاليف باهظة في نقل البضائع والسلع، ومعاناة كبيرة في وصول المرضى الراغبين في السفر للعلاج إلى مطار عدن.

وينبه ضابط في الجيش اليمني إلى أن مبادرة الحكومة بفتح الطرقات تأتي التزاماً منها بواجباتها تجاه مواطنيها بتوفير الخدمات لهم، وتيسير تنقلاتهم وحركتهم ووصول الخدمات إليهم، أو وصولهم إليها، رغم أن ذلك يتعارض مع الخطط والضرورات العسكرية، وهو ما لا يمكن للميليشيات الحوثية تقديم تنازلات فيه، وفق رأيه.

تسببت الحرب بإغلاق عشرات الطرقات الرئيسية في اليمن ما أدى إلى مضاعفة معاناة السكان (إكس)

ووفقاً للضابط الذي فضل عدم ذكر اسمه، فإن الحرب تحول المنافذ والمعابر إلى مواقع عسكرية، والطرق تعطي تفوقاً عسكرياً لمن يسيطر عليها، الأمر الذي يجعل من الصعوبة التنازل عنها إلا بمقابل تنازلات من الطرف أو الأطراف الأخرى، أو في حال انتهاء الفائدة منها، وهو ما ينتفي تماماً في حال الميليشيات الحوثية.

ويضيف أن الحكومة اليمنية لم تغلق أي طريق تحت سيطرتها، بل جعلت الحركة فيها ممكنة بالقدر الذي توفره ظروف الحرب، وقدمت مبادرات لفتح الطرقات من جهتها في جميع المحافظات، ويسرت حركة السكان والسلع الأساسية، على عكس الميليشيات الحوثية التي استغلت الطرقات لصالحها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.

وختم الضابط حديثه بالتذكير بصعوبة تقديم الجماعة الحوثية أي تنازلات في هذا الشأن ما لم يكن ذلك مشروطاً بحصولها على مكاسب كبيرة، وضمان عدم وقوع تلك الطرق تحت سيطرة الحكومة الشرعية صاحبة الحق في السيادة عليها.


مقالات ذات صلة

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

العالم العربي صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

اغتال مجهولون الصحافي اليمني محمد عيضة في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، إثر تفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارته؛ ما أدى إلى وفاته، وسط إدانات واسعة.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

«الباسيج» اليمني... آخِر تقليعات الحوثيين العسكرية

كشفت الجماعة الحوثية عن تشكيل عسكري جديد مُستوحى من «الباسيج» الإيراني، بالتزامن مع تصاعد الخلافات الداخلية والأزمات المالية وازدياد التذمر في صفوف المقاتلين

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

تتفاقم الأزمة الصحية في مناطق سيطرة الحوثيين نتيجة الفساد، في حين تسجل الأمراض التي يمكن الوقاية منها أرقاماً مقلقة، وسط تحذيرات أممية من تدهور متسارع للخدمات

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

منعت الجماعة الحوثية عرض مباريات كأس العالم 2026 في الأندية الرياضية والمقاهي بصنعاء ومدن أخرى، ما أثار استياء الشباب والوسط الرياضي

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)

اليمن يستنفر الشركاء لمواجهة تفاقم أزمة الغذاء

تسعى الحكومة اليمنية لحشد دعم دولي عاجل لمواجهة أزمة غذائية متفاقمة، في حين يواصل الحوثيون منع جمع البيانات الإنسانية وسط تحذيرات أممية من اتساع الجوع

محمد ناصر (عدن)

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
TT

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)

اغتال مجهولون الصحافي اليمني محمد عيضة، مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في محافظة حضرموت، الأربعاء، عبر تفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارته في مدينة المكلا شرق اليمن، في حادثة هزَّت الوسط الإعلامي اليمني، وأثارت إدانات رسمية وقبلية واسعة، ومطالبات بكشف الجناة.

وذكرت مصادر محلية أنَّ عيضة فارق الحياة في المستشفى متأثراً بجروح بالغة أُصيب بها إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في أثناء مروره بشارع الستين بمدينة المكلا، كبرى مدن محافظة حضرموت.

آثار التفجير الذي تعرَّضت له سيارة الصحافي اليمني الفقيد محمد عيضة (إكس)

وفي حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية حتى الآن، فإنَّ الحادث أثار ردود فعل واسعة على المستويين الرسمي والشعبي، حيث وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، بتشكيل لجنة عليا مشتركة من وزارة الداخلية، وجهاز أمن الدولة، والاستخبارات العسكرية، بالتنسيق مع اللجنة المُشكَّلة من قيادة السلطة المحلية بمحافظة حضرموت؛ للتحقيق في ملابسات واقعة الاغتيال.

وبدوره، وجَّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الأجهزة الأمنية المختصة بسرعة فتح تحقيق شامل وعاجل لكشف ملابسات الجريمة، وتحديد المتورطين فيها.

وشدَّد الخنبشي على أهمية اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل مَن يثبت تورطه في هذا العمل، مؤكداً أنَّ حماية الصحافيين والإعلاميين، وتمكينهم من أداء رسالتهم المهنية في بيئة آمنة، يمثِّلان أولويةً لا يمكن التهاون فيها.

وأكد أنَّ مثل هذه الجرائم تستهدف الأمن والاستقرار، وتقوِّض الجهود المبذولة لترسيخ سيادة القانون، داعياً إلى تكاتف مختلف الأجهزة المختصة للوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة.

كما قدَّم الخنبشي تعازيه إلى أسرة الفقيد وزملائه في الوسط الإعلامي، مشيداً بما عُرف عنه من نشاط مهني وإعلامي خلال سنوات عمله الصحافي.

متابعة حكومية... واستنكار قبلي

تابع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني تطورات الحادثة، وأجرى اتصالات مع وزير الداخلية والجهات المختصة للاطلاع على سير التحقيقات والإجراءات المتخذة.

ووجَّه الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بتقديم الدعم الكامل لفرق التحقيق، وتسخير الإمكانات اللازمة لكشف المتورطين في الجريمة وملاحقتهم قضائياً.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أنَّ استهداف الصحافيين والإعلاميين يُمثِّل اعتداءً مباشراً على حرية العمل الإعلامي، وعلى قيم المجتمع وسيادة القانون، مشدِّداً على حرص الحكومة على توفير بيئة آمنة تُمكِّن العاملين في وسائل الإعلام من أداء واجباتهم المهنية.

وفي السياق ذاته، أصدر «حلف قبائل حضرموت»، و«مؤتمر حضرموت الجامع» بياناً مشتركاً أدانا فيه الجريمة، ووصفاها بأنَّها «إرهابية وغادرة»، مؤكدَين أنَّ استهداف شخصية إعلامية معروفة يُمثِّل اعتداءً خطيراً على أمن واستقرار حضرموت، وعلى حرية العمل الصحافي.

وطالب البيان بفتح تحقيق شفاف وسريع يكشف جميع ملابسات الحادثة، ويحدِّد الجهات المتورطة فيها، مع ضمان تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

وقال صبري سالمين بن مخاشن، رئيس دائرة الإعلام والعلاقات العامة بـ«حلف قبائل حضرموت» لـ«الشرق الأوسط»: «إن جريمة اغتيال محمد عيضة، تُمثِّل عملاً إجرامياً جباناً يستهدف أمن حضرموت واستقرارها، ويُشكِّل اعتداءً خطيراً على حرية العمل الإعلامي».

وأضاف بن مخاشن أن هذه الحادثة المؤلمة «تستوجب تحقيقاً عاجلاً وشفافاً لكشف الجناة وتقديمهم للعدالة، كما تفرض إعادة تقييم شاملة للمنظومة الأمنية والعسكرية في حضرموت، وتعزيز قدراتها، وتأهيل كوادرها، وتمكين الكفاءات الحضرمية من القيام بدورها في حماية المحافظة، والحفاظ على أمنها واستقرارها».

اتحاد صحافيي آسيا: جريمة بشعة

أدان «اتحاد صحافيي غرب آسيا» بأشد العبارات الجريمة التي وصفها بـ«الغادرة والنكراء». وأوضح الاتحاد، في بيان، أنَّ الحادثة «الصادمة والمروعة تمثل اعتداءً سافراً على حرية الصحافة، وانتهاكاً صارخاً للحق الإنساني في التعبير ومعرفة الحقيقة». وشدَّد الاتحاد على أنه «يرى في هذه الجريمة البشعة استهدافاً ممنهجاً للعمل الصحافي والإعلامي في المنطقة برمتها، وليس في اليمن وحسب، وتكشف عن تصاعد خطير في مستوى التهديدات الموجَّهة ضد صنَّاع الرأي والكلمة، الأمر الذي يضع سلامة الصحافيين في اليمن على المحك، ويثير قلقاً إقليمياً ودولياً بالغاً».

وحذَّر الاتحاد من سياسة «الإفلات من العقاب» وعدَّها «الوقود الذي يغذي تكرار هذه الجرائم البشعة، ويهدِّد بيئة العمل الإعلامي في المنطقة، ويضرب بعرض الحائط القوانين الوطنية والمواثيق والعهود الدولية الضامنة لحماية الصحافيين في أثناء النزاعات».

وطالب الاتحاد السلطات الأمنية والقضائية في محافظة حضرموت، والجهات المختصة في الحكومة اليمنية «بالتحرُّك الفوري لفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات هذه الجريمة، والوصول إلى الجناة والمخطِّطين والمحرِّضين، وتقديمهم للعدالة؛ لينالوا جزاءهم الرادع، خصوصاً بعد التهديدات التي تلقاها الزميل قبل أسابيع وفقاً للمصادر الأمنية».


الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.