دول أوروبية وأفريقية تعوّل على «أنبوب غاز» بين المغرب ونيجيريا

المشروع يواجه تحديات تمويلية وأخطاراً سياسية ومشكلات بيئية

أنابيب غاز في أحد المواقع الصحراوية قبل تركيبها (غيتي)
أنابيب غاز في أحد المواقع الصحراوية قبل تركيبها (غيتي)
TT

دول أوروبية وأفريقية تعوّل على «أنبوب غاز» بين المغرب ونيجيريا

أنابيب غاز في أحد المواقع الصحراوية قبل تركيبها (غيتي)
أنابيب غاز في أحد المواقع الصحراوية قبل تركيبها (غيتي)

توقّع خبراء دوليون ومحللون اقتصاديون مغاربة أن يكون لمشروع أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا تأثير إيجابي في اقتصادات كل من المغرب ودول غرب أفريقيا. وأشاروا إلى أنه قد يتسبب في الوقت نفسه في عدد من المشكلات البيئية.

وقال خبراء، وفق «وكالة أنباء العالم العربي»، إن المشروع تواجهه تحديات وأخطار سياسية عدة، ووصفوه بالمشروع «الهيكلي والبنيوي»؛ لتحقيقه أمن الطاقة في المغرب وغرب أفريقيا.

يعد مشروع أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا أطول أنبوب غاز بحري في العالم، حيث يصل طوله إلى أكثر من 5600 كيلومتر. ويتوقع أن تبلغ طاقته الاستيعابية ما بين 30 و40 مليار متر مكعب سنوياً، بمعدل 3 مليارات قدم مكعبة من الغاز يومياً. وتقدر التكلفة الاستثمارية المتوقعة بنحو 25 مليار دولار.

وقال عبد الصمد ملاوي، أستاذ جامعي وخبير دولي في تكنولوجيا الطاقات المتجددة، إن مشروع أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا الذي يصل إلى أوروبا، له تأثير كبير وإيجابي في اقتصادات سواء المغرب أو غرب أفريقيا وكذلك دول الاتحاد الأوروبي، موضحاً أنه سيسهم في زيادة احتياطي المغرب من الغاز الذي يعدّ ركيزة مهمة في الاقتصاد الوطني وتوليد الكهرباء، كما سيوفر احتياطات كبيرة، من شأنها تعزيز أمن الطاقة بالمغرب في السنوات التي تلي بداية تنفيذ هذا المشروع.

وأوضح ملاوي، وفق «وكالة أنباء العالم العربي»: «ستكون لهذا المشروع تبعات مهمة فيما يتعلق بخلق فرص عمل للأفراد والشركات والكوادر في هذا المشروع الضخم، سواء على الصعيد الوطني أو صعيد الدول الأفريقية والأوروبية التي تستفيد من هذا الخط».

وقال إن المشروع سيسهم في زيادة النمو الاقتصادي، وتعزيز مجموعة من الشراكات الجديدة التي تعتمد على هذه الصناعة أو الصناعات الموازية للغاز، حيث سيسهم في زيادة النمو الاقتصادي للمغرب من حيث توفير مصادر جديدة للطاقة.

وأشار إلى أن تأثير المشروع في باقي دول الاتحاد الأوروبي سيكون إيجابياً لأسباب عدة، من بينها أنه سيسهم في تقليل اعتماد أوروبا على الغاز الذي يأتي من مصادر مضطربة، مثل الغاز الروسي الذي تأثر تدفقه؛ نتيجة الحرب الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا.

* تحديات تواجه المشروع

وأكد ملاوي أن هذا المشروع تواجهه مجموعة من التحديات والصعوبات، خصوصاً في فترة دراسة الجدوى وإمكانية الإنشاء؛ من بينها التكلفة العالية، حيث تقدر تكلفته ما بين 20 و25 مليار دولار، وهناك كذلك تحديات وأخطار سياسية على اعتبار أنه يمر من مجموعة من الدول غير المستقرة سياسياً، وبها عدد من الأزمات والثورات.

ويبدأ مشروع الغاز المغربي - النيجيري من جزيرة براس في نيجيريا إلى بنين، وتوغو، وغانا، وكوت ديفوار، وليبيريا، وسيراليون، وغينيا، وغينيا بيساو، وغامبيا، والسنغال، وموريتانيا، ثم إلى المغرب، أي أن الخط يمرّ عبر 11 دولة بين نيجيريا والمغرب.

وقال ملاوي: «قد يتسبب هذا المشروع في عدد من المشكلات البيئية؛ وذلك بسبب عبوره من مناطق حساسة بيئياً، على اعتبار أنه سيمرّ من خلال شواطئ المحيط الأطلسي، وهناك اتفاقات دولية في هذا الباب لحماية الموارد البيئية والأحياء المائية، التي قد يتسبب هذا الأنبوب في خلق مشكلات بها».

وفيما يخص استهلاك وإنتاج المغرب من الغاز، ذكر ملاوي أنه وفق بيانات «المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب»، فقد بلغ استهلاك المغرب من الغاز الطبيعي إلى حدود نهاية 2022 نحو مليار متر مكعب من هذه المادة.

وقال ملاوي: «إن المغرب يحصل على هذه الكمية من الغاز الطبيعي من السوق الدولية من خلال مجموعة من الشراكات مع كل من الدول الشريكة؛ منها إسبانيا والبرتغال وأميركا، إلى جانب بعض دول الخليج العربي».

* مشروع هيكلي وبنيوي

من جانبه، وصف الخبير الاقتصادي محمد جدري مشروع خط أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا، بـ«الهيكلي والبنيوي»؛ لتحقيق أمن الطاقة في غرب أفريقيا. وقال: «المشروع يجيب عن 4 نقاط أساسية، أولاها أنه يستجيب للاحتياجات الأساسية لنيجيريا التي تبحث عن أسواق جديدة لمخزوناتها الضخمة من الغاز».

وتابع: «النقطة الثانية أنه يستجيب للاحتياجات الأوروبية التي تبحث عن بديل للغاز الروسي... وكذلك احتياجات 15 دولة من دول غرب أفريقيا، التي تعد من أكثر دول العالم احتياجاً للكهرباء، وبالتالي فهذا المشروع سيمكنها من تعميم الكهرباء على جميع مدنها، ما من شأنه تعزيز بنيتها التحتية، وجلب المستثمرين الأجانب».

ويضيف جدري: «النقطة الرابعة هي أن المشروع يستجيب لاحتياجات المغرب، التي تتمثل في الحصول على مزيد من مصادر الطاقة».

وأشار إلى أن المشروع قد يحتاج إلى تمويل يفوق الـ25 مليار دولار، وقال: «المملكة المغربية ودولة نيجيريا قادرتان على تعبئة مجموعة من الموارد المالية سواء من البنك الأفريقي للتنمية، أو من الإمكانات المالية لنيجيريا والمغرب، وأيضاً من مجموعة من الدول الصديقة وبعض المانحين، منهم الاتحاد الأوروبي ودول أخرى».

ووقّع المغرب ونيجيريا في ديسمبر (كانون الأول) 2021 اتفاقية تمويل مشروع أنبوب الغاز بين البلدين، التي وافق عليها البنك الإسلامي للتنمية، وقدمت منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) تمويلاً مهماً لدراسة جدوى المشروع عام 2022.

يشار إلى أن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية، ومؤسسة التمويل الدولية، سبق أن وقّعتا يوم 12 يونيو (حزيران) 2023، اتفاقية من أجل تطوير خريطة طريق الغاز الطبيعي بالمملكة المغربية، وتنظيم شراكة تاريخية بين القطاعين العام والخاص؛ لتطوير بنية تحتية مستدامة للغاز بالمغرب، وذلك ضمن خطة الدولة نحو انتقالها في مجال الطاقة، بهدف الوصول إلى 52 في المائة من قدرة البلاد الإنتاجية للكهرباء من الطاقات المتجددة بحلول عام 2030.

وجاء بالموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، أن المغرب تمكّن خلال عام 2022 من تحسين تدبير البنى التحتية الجهوية، بتفعيل التدفق العكسي عبر خط أنابيب الغاز المغاربي - الأوروبي وولوج البلاد، ولأول مرة، إلى السوق الدولية للغاز الطبيعي المسال، وتتمثل المرحلة الثانية من هذه الاستراتيجية في تعزيز البنية التحتية المحلية للغاز بهدف ضمان تأمين إمدادات الغاز، وربط مصادر الدخول بمناطق الاستهلاك.


مقالات ذات صلة

من الأكثر تضرراً من حرب إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؟

الاقتصاد صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)

من الأكثر تضرراً من حرب إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؟

تسبَّبت حرب إيران، التي دخلت أسبوعها الرابع، في أزمة كبيرة في إمدادات الطاقة تؤثر على جميع قطاعات الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منشأة لإنتاج الغاز المسال في مدينة رأس لفان الصناعية بقطر (رويترز)

«قطر للطاقة» تعلن القوة القاهرة في بعض عقود توريد الغاز المسال

أعلنت شركة «قطر للطاقة» حالة القوة القاهرة في بعض عقود توريد الغاز الطبيعي المسال طويلة الأجل المتضررة، والتي تشمل عملاء في إيطاليا وبلجيكا وكوريا والصين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال في الإقليم الشمالي بأستراليا (إكس)

«سانتوس» الأسترالية تغلق محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال

أعلنت شركة «سانتوس» الأسترالية، أنها أغلقت مؤقتاً محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال، ما أدى إلى توقف الصادرات من سلسلة التوريد التي تم استئنافها مؤخراً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أظهرت نتائج الاختبارات الأولية للبئر تحقيق معدلات إنتاج يومية تقدر بنحو 26 مليون قدم مكعبة من الغاز و 2700 برميل متكثفات (وزارة البترول)

مصر: كشف غاز جديد لـ«أباتشي» الأميركية في الصحراء الغربية

أعلنت وزارة البترول المصرية، أن شركة «أباتشي» الأميركية نجحت بالتعاون مع «الهيئة المصرية العامة للبترول»، في تحقيق كشف جديد للغاز الطبيعي بالصحراء الغربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد منشأة للغاز الطبيعي في سلطنة عمان (إكس)

كوريا الجنوبية تطلب دعم عُمان في إمدادات النفط والغاز

قال مكتب وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون اليوم (الثلاثاء) إن الوزير طلب من نظيره العماني تقديم دعم فيما يتعلق بإمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.

«الشرق الأوسط» (سيول)

«إس كيه هاينكس» الكورية تخطط لإدراج سري في أميركا لجمع 14 مليار دولار

شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

«إس كيه هاينكس» الكورية تخطط لإدراج سري في أميركا لجمع 14 مليار دولار

شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، الكورية الجنوبية المتخصصة في صناعة أشباه الموصلات، يوم الثلاثاء، عزمها على التقدم بطلب سري لإدراج أسهمها في الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من عام 2026، في خطوة قد تتيح لها أن تجمع ما يصل إلى 14 مليار دولار، وفقاً لمصدر مطلع.

وأوضح المصدر أن الشركة تخطط لطرح ما بين 2 في المائة و3 في المائة من إجمالي أسهمها، على أن تُوجَّه العائدات لتمويل منشآت تصنيع الرقائق في مدينة يونغين بكوريا الجنوبية وولاية إنديانا الأميركية.

وتُعد «إس كيه هاينكس» من أكبر منتجي رقائق الذاكرة عالمياً، وتعمل على توسيع طاقتها الإنتاجية لمواكبة الطلب المتنامي على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وقد ارتفع سهمها بنسبة 1.13 في المائة بحلول الساعة 05:26 بتوقيت غرينتش، مقارنةً بارتفاع مؤشر «كوسبي» بنسبة 1.9 في المائة.

وتتيح آلية الإفصاح السري للشركات تأجيل الكشف عن بياناتها المالية وتفاصيل الطرح حتى اقتراب موعد الإدراج الفعلي. وبناءً على القيمة السوقية الحالية، يُقدَّر أن يتراوح حجم الطرح بين 9.6 و14.4 مليار دولار.

وقد يتجاوز هذا الطرح بأكثر من الضعف حجم الاكتتاب العام الأولي لشركة «كوبانغ» في الولايات المتحدة عام 2021، والبالغ 4.6 مليار دولار، مما يجعله مرشحاً ليكون أكبر إدراج أولي في السوق الأميركية خلال خمس سنوات، وفق حسابات «رويترز» استناداً إلى سعر الإغلاق يوم الثلاثاء.

وفي إفصاح تنظيمي محلي، أوضحت الشركة أنها تستهدف إتمام الإدراج خلال عام 2026، إلا أن التفاصيل النهائية، بما في ذلك حجم الطرح وهيكله وجدوله الزمني، لم تُحسم بعد.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، كواك نوه جونغ، خلال الاجتماع السنوي للمساهمين، إن خطة الإدراج في الولايات المتحدة تأتي ضمن استراتيجية لتعزيز تقييم الشركة السوقي، مستفيدة من كون السوق الأميركية الأكبر عالمياً، حيث تُدرج أبرز شركات أشباه الموصلات.

وكانت صحيفة «كوريا إيكونوميك ديلي» قد أفادت في وقت سابق بأن الشركة تدرس جمع ما بين 10 و15 تريليون وون (نحو 6.7 إلى 10 مليارات دولار) عبر هذا الإدراج.

وخلال اجتماع المساهمين، كشفت الشركة عن هدفها برفع صافي السيولة النقدية إلى أكثر من 100 تريليون وون، مقارنةً بـ12.7 تريليون وون في نهاية عام 2025، وذلك لتعزيز قدرتها على تلبية طلبات العملاء وضمان استقرار العمليات، دون تحديد إطار زمني واضح لتحقيق هذا الهدف.

وتأتي هذه الخطط في وقت تُكثّف فيه «إس كيه هاينكس» استثماراتها لتلبية الطلب المتزايد على رقائق الذكاء الاصطناعي، وسط بيئة تتسم بتصاعد المخاطر الجيوسياسية وزيادة تدقيق المستثمرين في كيفية تخصيص رأس المال.

ويرى كبير المحللين في «ميريتز للأوراق المالية»، كيم سون وو، أن الإدراج في الولايات المتحدة سيضع الشركة في مواجهة مباشرة مع منافستها «مايكرون»، المدرجة في البورصات الأميركية، مما يتيح مقارنة أكثر وضوحاً قد تكشف عن انخفاض تقييم «إس كيه هاينكس» رغم ربحيتها القوية وتفوقها التكنولوجي، الأمر الذي يستدعي معالجة هذه الفجوة لصالح المساهمين.

وفي سياق متصل، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في يناير (كانون الثاني) إعلاناً يستهدف معالجة المخاوف المتعلقة بالأمن القومي في واردات أشباه الموصلات، متضمناً فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على بعض رقائق الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك معالج «إتش 200» من «إنفيديا» ومعالج «إم آي 325 إكس» من «إيه إم دي».

كما حذّر وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، من أن شركات تصنيع الرقائق في كوريا الجنوبية وتايوان التي لا تستثمر في الولايات المتحدة قد تواجه رسوماً جمركية تصل إلى 100 في المائة، ما لم توسّع إنتاجها داخل الأراضي الأميركية.

دعوات إلى إعادة شراء الأسهم

في المقابل، أعلن منتدى حوكمة الشركات الكوري، وهو مجموعة ضغط تضم مستثمرين ومحامين، معارضته لطرح أسهم جديدة في إطار الإدراج الأميركي، لافتاً إلى أن ذلك قد يؤدي إلى تخفيف قيمة الأسهم الحالية والإضرار بحقوق المساهمين.

وأشار المنتدى إلى أن «إس كيه هاينكس» قادرة على تحقيق فائض نقدي يفوق احتياجاتها حتى بعد تمويل النفقات الرأسمالية والبحث والتطوير خلال الفترة 2026-2028، داعياً الشركة إلى إعادة شراء ما بين 10 في المائة و15 في المائة من أسهمها بدلاً من إصدار أسهم جديدة.

من جهته، قال مدير صندوق في «آي بي كيه لإدارة الأصول» في سيول، كيم هيون سو: «القرار مخيّب للآمال. لا أرى مبرراً لإصدار أسهم جديدة، إذ يمكن للشركة السعي للإدراج باستخدام الأسهم القائمة. وكان من الأفضل إعادة شراء الأسهم أولاً ثم التوجه للإدراج، بما يحقق توازناً يرضي جميع الأطراف».


آسيا تستعيد أدوات حقبة «كوفيد» لمواجهة صدمة الوقود العالمية

ناقلة منتجات نفطية تمر بجوار دار أوبرا سيدني مع شروق الشمس بأستراليا (رويترز)
ناقلة منتجات نفطية تمر بجوار دار أوبرا سيدني مع شروق الشمس بأستراليا (رويترز)
TT

آسيا تستعيد أدوات حقبة «كوفيد» لمواجهة صدمة الوقود العالمية

ناقلة منتجات نفطية تمر بجوار دار أوبرا سيدني مع شروق الشمس بأستراليا (رويترز)
ناقلة منتجات نفطية تمر بجوار دار أوبرا سيدني مع شروق الشمس بأستراليا (رويترز)

تدرس دول آسيوية إعادة تفعيل سياسات العمل عن بُعد وبرامج التحفيز التي طُبّقت خلال جائحة «كوفيد-19»؛ في محاولة عاجلة لاحتواء تداعيات نقص الوقود العالمي الناجم عن الحرب مع إيران.

وتجد آسيا نفسها في قلب أزمة الطاقة، إذ تعتمد على أكثر من 80 في المائة من شحنات النفط الخام التي تَعبر مضيق هرمز، والذي بات شِبه مغلق منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، ما يهدد أمن الإمدادات في المنطقة، وفق «رويترز».

ورغم أن أياً من الدول لم يُفعّل بعدُ سياسات العمل من المنزل، فإن هذا الخيار بات مطروحاً بقوة على طاولة صُناع القرار. في هذا السياق، قال وزير الطاقة الكوري الجنوبي كيم سونغ-هوان إن العمل عن بُعد «فكرة جيدة»؛ في إشارة إلى توصيات وكالة الطاقة الدولية.

كانت الوكالة قد أقرّت سحباً قياسياً يقارب 400 مليون برميل من الاحتياطات الاستراتيجية، إلى جانب طرح مجموعة من الإجراءات الرامية إلى كبح ارتفاع أسعار النفط، من بينها تقليل السفر الجوي وتشجيع العمل من المنزل.

وجدّد المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، هذه الدعوات، خلال مؤتمر في سيدني، مشيراً إلى أن التجارب السابقة، ولا سيما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، أثبتت فاعلية هذه الإجراءات، حيث ساعدت الدول الأوروبية على تجاوز أزمة الطاقة مع الحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية.

وفي إطار جهود الترشيد، أطلقت كوريا الجنوبية حملة وطنية تدعو إلى خفض استهلاك الطاقة، عبر تقليل مدة الاستحمام، وشحن الأجهزة خلال النهار، وتأجيل استخدام بعض الأدوات المنزلية إلى عطلات نهاية الأسبوع. وأكد الوزير كيم أن الحكومة ستتشاور مع الجهات المعنية للنظر بجدية في اعتماد العمل عن بُعد.

في المقابل، اتخذت الفلبين خطوات عملية عبر تقليص أسبوع العمل في بعض الدوائر الحكومية، بالتوازي مع إعلان الرئيس فرديناند ماركوس حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة، محذراً من «خطر وشيك» يهدد إمدادات البلاد.

كما أغلقت باكستان المدارس لمدة أسبوعين، مع التوسع في العمل عن بُعد للموظفين، في حين أعلنت سريلانكا يوم الأربعاء عطلة رسمية أسبوعية بهدف إطالة عمر مخزون الوقود.

أما في سنغافورة فقد دعت السلطات الأفراد والشركات إلى تبنّي حلول أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، بما يشمل استخدام الأجهزة الموفّرة، والتحول إلى المركبات الكهربائية، ورفع درجات حرارة التكييف.

وفي تايلاند، وجّه رئيس الوزراء أنوتين تشارنفيراكول القطاع الحكومي إلى تعليق الرحلات الخارجية، وضبط درجات حرارة التكييف فوق 25 درجة مئوية، وتقليل المظاهر الرسمية، واستخدام السلالم بدل المصاعد، إلى جانب تشجيع العمل من المنزل.

إجراءات لتخفيف كلفة المعيشة

ومع ازدياد الضغوط على الأُسر، اتجهت حكومات عدة إلى إطلاق حُزم دعم للتخفيف من أثر ارتفاع أسعار الوقود.

ففي اليابان، تعتزم الحكومة استخدام 800 مليار ين (نحو 5 مليارات دولار) من الاحتياطات لتمويل دعم يهدف إلى تثبيت أسعار البنزين عند نحو 170 يناً للتر، بتكلفة قد تصل إلى 300 مليار ين شهرياً.

وفي نيوزيلندا، أعلنت الحكومة تقديم دعم مالي مؤقت بقيمة 50 دولاراً نيوزيلندياً أسبوعياً للأُسر ذات الدخل المنخفض، ابتداءً من أبريل (نيسان) المقبل، في خطوة تهدف إلى تخفيف وقْع صدمة أسعار الوقود.

وقالت وزيرة المالية نيكولا ويليس إن هذه الأُسر ستكون الأكثر تضرراً من الارتفاع العالمي بأسعار الطاقة، مؤكدة أن الدعم يأتي في توقيت حاسم.

وفي أستراليا، أدى الشراء بدافع الذعر ونقص الإمدادات إلى نفاد الوقود من مئات المحطات، خاصة في المناطق النائية، ما دفع الحكومة إلى تقديم مشروع قانون لتشديد العقوبات على التلاعب بالأسعار.

كما لجأت عدة دول آسيوية إلى السحب من احتياطاتها المحلية من الوقود، إلى جانب تخفيف مؤقت لمعايير الجودة؛ في محاولة لتعزيز الإمدادات بالأسواق.

معضلة السياسات النقدية

وعلى خلاف ما حدث خلال الجائحة، لا تتجه البنوك المركزية، هذه المرة، نحو التيسير النقدي، بل تجد نفسها أمام ضغوط تدفعها نحو التشديد.

ففي حين شهدت فترة «كوفيد» انهياراً في الطلب استدعى حُزم تحفيز ضخمة، يواجه الاقتصاد العالمي، اليوم، صدمة عرض ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة، ما يغذّي التضخم ويُضعف النمو في آن واحد.

في هذا السياق، رفع البنك الاحتياطي الأسترالي أسعار الفائدة مرتين منذ بداية العام، مشيراً إلى أن مخاطر الطاقة تُشكل عاملاً رئيسياً في تسارع التضخم، وهو ما دفعه إلى أعلى مستوى للفائدة خلال عشرة أشهر.

كما يتوقع المستثمرون أن يتجه كل من اليابان وبريطانيا وأوروبا إلى رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، في وقتٍ تواجه فيه الاقتصادات الآسيوية ضغوطاً إضافية مع تراجع عملاتها أمام الدولار.

وترى جينيفر ماكيون، كبيرة الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»، أن البنوك المركزية تُواجه معضلة تقليدية عند ارتفاع أسعار النفط، حيث يتسارع التضخم في مقابل تباطؤ النمو.

وأضافت أن الاستجابة المُثلى تعتمد على طبيعة صدمة الأسعار ومدى استمرارها، فضلاً عن تأثيرها على توقعات التضخم، ما يجعل قرارات السياسة النقدية أكثر تعقيداً في المرحلة الراهنة.


الفلبين تسبق دول العالم بإعلان «طوارئ الطاقة» لمواجهة تداعيات الحرب

عمال يحملون نقوداً قبل بدء برنامج مساعدات نقدية لسائقي سيارات الجيبني من الحكومة لمساعدتهم في تحسين سبل عيشهم مع استمرار ارتفاع أسعار النفط (أ.ب)
عمال يحملون نقوداً قبل بدء برنامج مساعدات نقدية لسائقي سيارات الجيبني من الحكومة لمساعدتهم في تحسين سبل عيشهم مع استمرار ارتفاع أسعار النفط (أ.ب)
TT

الفلبين تسبق دول العالم بإعلان «طوارئ الطاقة» لمواجهة تداعيات الحرب

عمال يحملون نقوداً قبل بدء برنامج مساعدات نقدية لسائقي سيارات الجيبني من الحكومة لمساعدتهم في تحسين سبل عيشهم مع استمرار ارتفاع أسعار النفط (أ.ب)
عمال يحملون نقوداً قبل بدء برنامج مساعدات نقدية لسائقي سيارات الجيبني من الحكومة لمساعدتهم في تحسين سبل عيشهم مع استمرار ارتفاع أسعار النفط (أ.ب)

أصبحت الفلبين أول دولة في العالم تعلن حالة «طوارئ الطاقة» الوطنية، في خطوة استباقية لمواجهة تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتضاعف أسعار الوقود محلياً.

وقال الرئيس فرديناند ماركوس جونيور إنه وقّع أمراً تنفيذياً لضمان أمن الطاقة، مشيراً إلى «الخطر المُحدق الذي يُهدد توافر واستقرار» إمدادات الطاقة في البلاد.

وقد أحدثت الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز - وهو ممر ملاحي حيوي - صدمة في أسواق الطاقة العالمية، مما تسبب في نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.

وتستورد الفلبين 98 في المائة من نفطها من دول الخليج، وقد تضاعف سعر الديزل والبنزين في البلاد أكثر من مرتين منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط).

وأعرب ماركوس جونيور عن ثقته الكاملة في قدرة بلاده على تأمين احتياجاتها من الطاقة والوقود لمدة تتجاوز 45 يوماً، مؤكداً أن الحكومة تعمل على استراتيجية شاملة لتنويع مصادر الإمداد بعيداً عن مناطق الصراع في الشرق الأوسط.

وفي أعقاب إعلانه حالة «طوارئ الطاقة»، كشف ماركوس جونيور أن مانيلا بدأت بالفعل في استكشاف مصادر بديلة للنفط لم تتأثر بالحرب الجارية، مشيراً إلى أن التحليلات الحكومية لا تظهر أي مشاكل مستقبلية في توفر المنتجات النفطية. وأوضح الرئيس الفلبيني أن بلاده تؤمن حالياً إمداداتها من خلال قنوات متنوعة تشمل اليابان والصين وكوريا الجنوبية والهند، بالإضافة إلى روسيا.

تخفيف الأعباء المالية

وفي خطوة تهدف إلى امتصاص غضب الشارع وتخفيف الأعباء المعيشية، أعلن ماركوس جونيور عزمه التوقيع على قانون يقضي بتعليق أو خفض الضرائب المفروضة على الوقود. ورداً على سؤال حول إمكانية استحواذ الدولة على قطاع النفط، قال ماركوس: «لا أريد الدخول في هذا النقاش حالياً، لكن لا يوجد شيء مستبعد من الطاولة، فنحن ندرس كل الخيارات الممكنة لحماية أمننا القومي».

ولم يقتصر حديث الرئيس الفلبيني على قطاع الطاقة، بل طمأن المزارعين بشأن توافر الأسمدة، مؤكداً أن بلاده تمتلك مخزوناً كافياً حتى موسم الزراعة المقبل. وأشار إلى وجود محادثات مستمرة مع الموردين الدوليين لضمان استقرار الإمدادات وتفادي أي نقص قد يؤثر على الإنتاج الزراعي للبلاد.

الالتزام بالعقود الدولية

وشدد ماركوس جونيور في ختام تصريحاته على أهمية احترام العقود النفطية القائمة وضمان تنفيذها، مؤكداً أن الفلبين نجحت في تأمين إمدادات وقود تغطي احتياجات كافة أنحاء البلاد لمدة 45 يوماً على الأقل، مما يمنح الحكومة مساحة للمناورة في ظل تقلبات السوق العالمية المتسارعة.

وكان ماركوس جونيور أعلن يوم الثلاثاء أن إعلان حالة الطوارئ ستمنح الحكومة السلطة القانونية لفرض تدابير تضمن استقرار الطاقة وحماية الاقتصاد بشكل عام. وبموجب هذا القرار، شُكّلت لجنة للإشراف على التوزيع المنظم للوقود والغذاء والأدوية وغيرها من السلع الأساسية.