«زرقاء اليمامة» تطل على لندن قبل انطلاقها في الرياض

تُنتجها هيئة المسرح والفنون الأدائية السعودية

ملصق العمل
ملصق العمل
TT

«زرقاء اليمامة» تطل على لندن قبل انطلاقها في الرياض

ملصق العمل
ملصق العمل

ليلة عربية بامتياز شهدتها أرجاء قاعة «غولد سميث» العريقة في وسط لندن، مع إطلاق أول أوبرا سعودية «زرقاء اليمامة»، وسط حضور متذوق للفنون. الحفل الذي حضره وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، رسم للحضور صورة مشوقة لما ينتظرهم في 25 أبريل (نيسان) المقبل، بالرياض، حيث ستبدأ الأوبرا عروضها على مسرح مركز الملك فهد الثقافي.

وفي كلمته، أشار وزير الثقافة إلى أن مشروع أوبرا «زرقاء اليمامة» وغيره من المشروعات ترجمة لرؤية 2030 الطَّموح، داعياً إلى زيارة السعودية؛ للتعرف على ثقافتها وفنونها، وحضور هذا العمل الفني في الرياض، حيث سينطلق منها منتصف شهر أبريل المقبل، ويمتد إلى عروض محلية ودولية متعددة.

شهد الحفل كلمات للمشاركين في تنفيذ الأوبرا، منهم مؤلف العمل السعودي صالح زمانان، الذي تحدث عن بدايات عمله في تأليف النص، قائلاً إنه جاء «بعد قراءة متعمقة في قصة زرقاء اليمامة، إضافة لكثير من المراجع الخاصة عن المعمار والثقافة والمجتمعات القديمة بمنطقة نجد وحتى الأزياء والنباتات».

وأضاف المؤلف أن قصة زرقاء اليمامة «تتحدث عن العرب القدماء (العرب الفانية) الذين لم يعد لهم وجود، خصوصاً قبيلتي طسم وجديس، إضافةً إلى أنها تحكي عن ملامح المجتمع في وسط الجزيرة العربية قبل الإسلام».

ويرى المؤلف أن القصة «تعكس عبقرية المزاج العربي في تكوين الأسطورة وكتابة أشعارها، وحتى نهايتها المفتوحة المشرعة لاستكمالها كما نفعل اليوم».

مؤلف العمل السعودي صالح زمانان (تصوير: كيتون تشاو)

في رؤية زمانان لقصة زرقاء اليمامة تكتسب الشخصية بعداً إضافياً، «يقال إن زرقاء اليمامة كانت ترى على بعد 3 أيام، وأنا أرى أن أهمية هذه الشخصية ليست فقط في بصرها الحاد، وإنما في بصيرتها وشخصيتها»، مضيفاً أنه يرى في المرأة الأسطورة مصدراً للحكمة والشعر، وأن الحضارات المتعاقبة على شبه الجزيرة العربية «لم تهمل هذه الشخصية، بل توجتها بالاستمرار في استيحائها من خلال الأمثال والحكم والشعر، وصاغت منها رمزاً لما تفعله الحروب».

 

«نغمات عربية وغربية»

تعتلي مغنية الأوبرا السعودية سوسن البهيتي خشبة المسرح، لتقدم لنا مقطعاً من «زرقاء اليمامة» بمرافقة أنغام البيانو، تنطلق الحنجرة المخملية بالقول: «يا حر قلبي على الفاني»، وتستمر في الغناء بإيقاع بطيء ومستمر، مثيرة فينا إحساس من يرافق حركة الجمال في الصحراء، تسحرنا البهيتي بأدائها القصير المبدع، وتشغل مخيلتنا بما يمكن أن نراه في العرض المنتظر.

مغنية الأوبرا السعودية سوسن البهيتي (تصوير: كيتون تشاو)

«زرقاء اليمامة» تضم عدداً من النجوم العالميين؛ منهم سارة كونولي في دور زرقاء اليمامة، وإميليا وورزون في شخصية عفيرة التي تخلف زرقاء اليمامة، إضافةً إلى رفال سيواك في دور الملك عمليق، وجورج فان بيرغن في دور رباح بن مرة أخي زرقاء من الرضاع.

يطرح وجود هذه الكوكبة اللامعة من النجوم قضية اللغة المستخدمة في العرض، ويحسم المدير الفني للعرض إيفان فوكسيفيتش، الرئيس التنفيذي لشركة الأوبرا العربية، الأمر، بالحديث عن تطويع اللغة العربية عبر كتابتها بالأحرف اللاتينية ليستطيع المؤدون النطق بها.

إيفان فوكسيفيتش الرئيس التنفيذي لشركة الأوبرا العربية يلقي كلمة في الحفل (تصوير: كيتون تشاو)

وقال فوكسيفيتش: «عندما عرضت علينا فكرة إنتاج أوبرا باللغة العربية، كان السؤال الأول هو كيف يمكن دمج اللغة العربية بالثقافة الأوروبية؟»، وجاءته الإجابة عبر اللغة المتداولة التي يستخدمها الشباب للتواصل على الإنترنت، وهو ما سماه «عرب إيزي». ينتقل فوكسيفيتش للحديث عن العرض بصفة أعم، قائلاً إن قصة زرقاء اليمامة «تمثل جميع عناصر الأوبرا القديمة، القصة عريقة وفريدة في نوعها، وفي مركزها البطلة التي تتمتع بالنظرة البعيدة والحكمة».

فريق الأوبرا: لي برادشو ودانييل فينزي باسكا وسارة كونولي وسوسن البهيتي وإميلا وورزون (تصوير: كيتون تشاو)

يترك المدير الفني المنصة للمؤلف الموسيقي الأسترالي لي برادشو الذي يحدثنا عن عملية تأليف الموسيقى للعرض، مشيراً إلى أنه أمضى شهوراً في المملكة للتعرف إلى التراث الموسيقي بها.

يحرص برادشو على ضرب المثل ببعض النغمات التي استخدمها في عمله، خصوصاً النغمات المتكررة التي ترتبط بشخصيات بعينها، منها الموسيقى المرتبطة بشخصية الملك عمليق، وهي نغمات، تبدو كأنها تنذر بقدوم أخبار سيئة، نسمع فيها وقع الطبول، وهي تعزف نغمات متصاعدة لتعكس حالة الحرب الوشيكة.

ثم يعرج على النغمة المرتبطة بشخصية الزرقاء نفسها، نسمع موسيقى خارجة من ثنايا كثبان الصحراء بها نغمات منذرة ومتوجسة ونغمة مبطنة داخلها تعكس الحزن. ننتقل من الزرقاء لشخصية عفيرة، حيث نستمع إلى مقطع بصوت السوبرانو إميلا وورزون، ويختتم العرض بأداء قصير للسوبرانو سارة كونولي في شخصية زرقاء اليمامة.

إميلا وورزون (تصوير: كيتون تشاو)

يضم فريق العمل في الأوبرا أوركسترا دريسدنر سينفونيكر ترافقها جوقة الفيلهارمونية التشيكية، وتُصمّم جيوفانا بوزي وفريقها أزياء تعكس روح الأوبرا، والجماليات البصرية لعصر ما قبل الإسلام. ويتولى المخرج دانييل فينزي باسكا مهمة تنظيم العرض، وابتكار مشاهد ساحرة تُجسّد واقع القصة، وتنقل الجمهور إلى سحر أجواء الجزيرة العربية القديمة.

 

سلطان البازعي: الجمهور السعودي ذواقة

قبل العرض سنحت لي الفرصة للحديث مع الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية، سلطان البازعي، حول العرض وقصته وتوقعاته لاستقبال الجمهور السعودي له. يرى العرض الأوبرالي الأول في السعودية بمثابة «فرصة» للجمهور، للتعرف إلى فن الأوبرا العالمي، مضيفاً: «يدهشنا الجمهور السعودي دائماً بأنه متذوق للأعمال الجيدة، مثل الموسيقى الكلاسيكية، والأعمال العالمية التي عرضت في المملكة».

ويرى أن الجمهور سيقبل على الأوبرا السعودية، خصوصاً أن القصة من وسط الجزيرة العربية، «أعتقد أن الجمهور قادر على تذوق هذه الأعمال، فهو ذواق يبحث عن الأعمال الجادة التي تضيف له ثقافياً».

سلطان البازعي (تصوير: كيتون تشاو)

من جانب آخر، يرى البازعي أن الهدف من تقديم الأوبرا السعودية «تقديم تاريخنا للعالم بلغة يفهمها، أعتقد أن هذا من الأهداف الاستراتيجية للثقافة الوطنية أن نقيم هذا الحوار الحضاري مع العالم، وهذا هو النهج الذي نتبعه منذ إطلاق رؤية المملكة 2030».

أسأله عن قصة زرقاء اليمامة ورأيه في تطويعها للأوبرا، يقول إنَّ الاختيار «كان به نوع من الإلهام. فالقصة عن سيدة تتمتع بقوة البصر والبصيرة، وذلك يؤكد أن الحضارة العربية كانت تعطي المرأة مكانة عالية جداً، وكان حضورها بالمشهد العام في تاريخ العرب قوياً، كما أن الموضوع له بعد أسطوري جاذب».

هل كونها قصة مأساوية يجعلها مناسبة أكثر للتناول الأوبرالي؟ يجيب: «التراجيديا موجودة في جميع أشكال التعبير الفني، هذا لا ينفي عنها أن تظل قصة ملهمة، وفي تاريخنا كثير من القصص الإنسانية، ونعتقد أن أننا أجدر بروايتها من غيرنا وتقديمها للعالم».

وبالنسبة إلى الأصوات السعودية المشاركة يقول: «عندنا 3 مواهب في أدوار رئيسية بالعمل، يجب أن نضع في الاعتبار أنه لم يكن هناك تدريب كافٍ للمواهب في الماضي، لكن الوضع تغير الآن، حيث بدأت وزارة الثقافة من خلال هيئة الموسيقى برنامجاً للتدريب على الغناء الأوبرالي، وأعتقد أننا سنكتشف في السنوات المقبلة قريباً مواهب كثيرة في هذا المجال».


مقالات ذات صلة

الأوبرا تعود إلى لبنان من بوابة «مهرجان ومسابقة بيروت الدولية»

يوميات الشرق المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)

الأوبرا تعود إلى لبنان من بوابة «مهرجان ومسابقة بيروت الدولية»

يطمح القائمون على الحدث لإعادة لبنان إلى موقعه الريادي على الخريطة الثقافية العالمية...

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس سوسن البهيتي لـ«الشرق الأوسط»: حققت حلمي بالغناء مع بوتشيلي p-circle

سوسن البهيتي لـ«الشرق الأوسط»: حققت حلمي بالغناء مع بوتشيلي

قالت مطربة الأوبرا السعودية سوسن البهيتي إنها حققت حلمها قبل عامين بالغناء رفقة مغني الأوبرا العالمي أندريا بوتشيلي عبر حفل فني ضخم على مسرح «مرايا» في السعودية

عبد الفتاح فرج (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من المؤتمر الصحافي الذي عقد في المتحف المصري الكبير (إدارة المهرجان)

المتحف المصري الكبير يستضيف «غالا دي دانزا» في ذكرى افتتاحه

يستضيف المتحف المصري الكبير، في بداية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، مهرجان «غالا دي دانزا» للمرة الأولى.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)
يوميات الشرق البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

في استعادة فنية لواحد من أعمال الباليه العالمي، يستقبل المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرض باليه «أميرة النيل».

نادية عبد الحليم (القاهرة )
الوتر السادس أمين هاشم: حان الوقت لتصدير ثقافتنا العربية الأصيلة إلى العالم

أمين هاشم: حان الوقت لتصدير ثقافتنا العربية الأصيلة إلى العالم

في كل خطوة فنية، يقدم عليها التينور أمين هاشم، يحدث المختلف. فهو صاحب خلفية موسيقية وغنائية غنية، صقلها بالعمل والعلم ليأخذ من الفن الأوبرالي طريقاً له.

فيفيان حداد (بيروت)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.