تهديدات ترمب تعيد إلى الواجهة سعي أوروبا لتحقيق «الاستقلالية الاستراتيجية»

«الانقسامات الأوروبية» و«قدراتها العسكرية» تجعلان تحقيقها بعيد المنال

تهديدات ترمب أمام لوبي السلاح في بنسيلفانيا يوم 9 فبراير تشكل كابوساً للأوروبيين في حال عودته إلى البيت الأبيض (رويترز)
تهديدات ترمب أمام لوبي السلاح في بنسيلفانيا يوم 9 فبراير تشكل كابوساً للأوروبيين في حال عودته إلى البيت الأبيض (رويترز)
TT

تهديدات ترمب تعيد إلى الواجهة سعي أوروبا لتحقيق «الاستقلالية الاستراتيجية»

تهديدات ترمب أمام لوبي السلاح في بنسيلفانيا يوم 9 فبراير تشكل كابوساً للأوروبيين في حال عودته إلى البيت الأبيض (رويترز)
تهديدات ترمب أمام لوبي السلاح في بنسيلفانيا يوم 9 فبراير تشكل كابوساً للأوروبيين في حال عودته إلى البيت الأبيض (رويترز)

لم يكن محض صدفة أن تعلن ألمانيا الأربعاء أنها نجحت في تخصيص 2 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي للمسائل الدفاعية، بل إنها تجاوزت هذا السقف لتصل إلى 2.1 بالمائة، ما يعادل 73.41 مليار دولار للعام الحالي. وهذه النسبة تعد «تاريخية» بالنسبة لبرلين. كذلك، لم تكن الصدفة وحدها هي التي دفعت أمين عام الحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ إلى الإعلان من بروكسل، الأربعاء أيضا، أن 18 دولة (من دول الحلف الـ31) ستخصص اثنين بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، وأن الدول الأوروبية كافة ستستثمر ما لا يقل عن 380 مليار دولار للدفاع العام الحالي، وهو أيضا رقم استثنائي في تاريخ مساهمات الأوروبيين في المجهود الدفاعي العام في إطار الحلف الأطلسي.

وفي الحالتين، ثمّة سببان رئيسيان يدفعان في هذا الاتجاه. الأول، اجتماع وزراء دفاع الحلف الخميس في مقرّه في العاصمة البلجيكية، والثاني (وهو الأهم) الرد على تهديدات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الذي قال الأسبوع الماضي إن الولايات المتحدة لن تسارع إلى توفير الحماية لأعضاء الحلف الأوروبيين الذين لا ينفقون ما يكفي على المسائل الدفاعية، لا، بل إنه سيشجع روسيا لتفعل بهم ما تشاء.

أمين عام الحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ في مؤتمر صحافي يسبق اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

وفي عام 2014، بمناسبة حرب أوكرانيا الأولى، التزم أعضاء الحلف بالوصول سريعا إلى عتبة اثنين بالمائة من الناتج المحلي. وخلال ولايته الأولى، دأب ترمب على مهاجمة الأوروبيين وعلى رأسهم ألمانيا لعدم وفائهم بتعهداتهم. وذهب إلى اتهام المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بأن بلادها تطلب الحماية من القوات الأميركية، بينما تغذي الميزانية الروسية بآلاف المليارات التي تصرفها على الغاز والبترول. وأكثر من مرة، هدّد ترمب بإخراج بلاده من الحلف الذي أنشئ في عام 1949.

تنديد واسع

لم تتأخر الردود المنددة بتصريحات ترمب من الشركاء الأوروبيين وقد أصبحت معروفة. بيد أن السؤال الرئيسي، بعد أن أصبحت عودة ترمب بداية العام المقبل إلى البيت الأبيض احتمالا ممكنا، يتناول ردة فعل الأوروبيين للتعاطي مع رئيس أميركي يقول سلفا إنه لا يلتزم بالبند الخامس من معاهدة «الأطلسي»، الذي ينص على أن «أي هجوم أو عدوان مسلح ضد عضو من أعضاء الحلف يعدّ عدوانا عليهم جميعا. وبناء عليه، فإنهم متفقون على حق الدفاع الذاتي عن أنفسهم المعترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، بشكل فردي أو جماعي وتقديم المساعدة والعون إلى العضو أو الأعضاء الذين يتعرضون للهجوم». ولم يتم العمل بهذه المادة سوى مرة واحدة خلال 75 عاما من عمر الحلف. وكان ذلك في عام 2011، عقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، حيث نشرت قوات للحلف في أفغانستان، أي خارج أراضيه.

الاستقلالية الاستراتيجية

في ربيع عام 2017، وصل إيمانويل ماكرون إلى رئاسة الجمهورية. وكان أحد أهم خطاباته ذلك الذي ألقاه في جامعة سوربون في باريس، في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، وتناول فيه ما سماه «الاستقلالية الاستراتيجية» التي يتعين على الاتحاد الأوروبي السعي إليها، حتى لا يبقى رهينة للحلف الأطلسي والهيمنة الأميركية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأربعاء والى جانبه رئيسا الحكومة ومجلس الشيوخ بمناسبة تكريم وزير العدل الأسبق روبيرت بادنتير وسط باريس (إ.ب.أ)

وخلال سنوات ولايته الأولى، بقي ماكرون يدفع باتجاه هذه «الاستراتيجية» مع تنويعات في الطرح بالنظر للفتور الذي قوبلت به مبادرته، خصوصا من ألمانيا ودول شرق ووسط أوروبا المنضمة حديثا إلى الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، والتي لم ترد أن تتخلى عن المظلة الأميركية لتحتمي بمظلة أوروبية غير موجودة.

وجاءت الحرب التي أطلقتها روسيا في شهر فبراير (شباط) من عام 2022، لتثبت أن هذه الدول بحاجة للحماية الأطلسية، حيث إن البند الخامس من معاهدة الحلف يعد بمثابة «بوليصة تأمين» لها، حيث يضمن لها أنها لن تكون بعد أذربيجان ومولدافيا وأوكرانيا هدفا لعدوان روسي. وهذه «البوليصة» سعى إليها بلدان محايدان، هما السويد وفنلندا.

وحتى اليوم، لعب الحلف هذا الدور، وكان بمثابة «القوة الرادعة» التي تحمي أعضاءه. والدليل على ذلك أن أيا من دول «الطوق الأوكراني» لم تكن هدفا لروسيا. أما إذا زرعت الشكوك بتخلي الحلف عن التزاماته إزاء أعضائه، فإنه حكما سيخسر قوته الرادعة، وسيشرع الباب أمام الاحتمالات كافة. وبحسب تييري تاردي، الباحث في معهد «جاك ديلور» والمختص بالشؤون الأمنية، فإن ما هو حاصل «ليس فقط مسألة مالية، بل إنه يهدد مصداقية الحلف ووجوده نفسه». ونبّه تاردي من «الثقافة السياسيةّ التي يعمل ترمب بوحيها والتي تجعله يقرر منفردا إنهاء الحلف من غير النظر بالتبعات المترتبة على ذلك لجهة فقدان أوروبا للاستقرار وتأثيرها على الأمن الأميركي».

غير أن تهديدات ترمب، رغم أنها أقرب إلى مزحة ثقيلة في ما خص «تشجيع» موسكو على مهاجمة أعضاء في الحلف، نظر إليها بجدية قياسا إلى ما فعله خلال وجوده في البيت الأبيض وتكليفه اثنين من مساعديه بإعداد خطة لخروج الولايات المتحدة من الحلف كما خرجت من منظمات دولية عدّة.

مقترح فرنسي معدّل

لذا، عادت إلى الواجهة الدعوة إلى تعزيز الدفاع الأوروبي المشترك بصيغة فرنسية معدلة هذه المرة، وهي تقول إن المطلوب تطوير القدرات الدفاعية الأوروبية «ليس للحلول محل الحلف الأطلسي، بل لتكون إلى جانبه». وترى تارا فارما، الباحثة في معهد «بوكينغ إنستيتيوشن» إن «نسبة تعريض ترمب الأوروبيين للخطر تعد فضيحة حقيقية، وبالتالي يتعين عليهم أن يكونوا متمكنين من الدفاع عن أنفسهم وأن يعملوا بجدية من أجل التوصل إلى الاستقلالية الاستراتيجية، أي بناء قدراتهم الدفاعية وتنويع شراكاتهم».

المستشار الألماني أولاف شولتز ورئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك في مؤتمر صحافي مشترك الاثنين في برلين بمناسبة زيارة الأخير إلى ألمانيا (إ.ب.أ)

وجاء الرد الأول من فرنسا وألمانيا وبولندا، بمناسبة اجتماع وزراء خارجيتهم في باريس الاثنين في إطار ما يسمى «مجموعة ويمار»، إذ نص البيان الختامي على أن «هدفنا هو تعزيز وحدة الاتحاد الأوروبي وجعله أقوى، وتمكينه من أن يكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات الأمنية عن طريق تعزيز الوحدة في مجالي الأمن والدفاع».

من جانبه، شدد ماكرون لدى اجتماعه برئيس وزراء بولندا في الإليزيه، الاثنين الماضي، على أهمية تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية. وقال إن من شأنها تمكين أوروبا من أن تكون «قوة أمنية ودفاعية مكملة للحلف الأطلسي وجناحه الأوروبي». وقال وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه عقب لقاء الوزراء الثلاثة إن الأوروبيين «يحتاجون لبوليصة تأمين ثانية ليس لتحل محل الأولى، الأطلسية، لكن لتكملها»، مضيفا أن «لا شيء يتعين أن يمنعنا، نحن الأوروبيين، من أن نتهيأ لاستيعاب صدمة السيناريو الذي يشير إليه دونالد ترمب».

حقيقة الأمر أن الكلام شيء، والواقع شيء آخر. فالحلف الأطلسي، في تركيبته الحالية، يضم ثلاث دول نووية هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. والمظلة النووية الأميركية هي التي تحمي أعضاءه بصفتها الأكبر في العالم. وخروج واشنطن من الحلف، إذا حصل وهو مستبعد، سيعد بمثابة زلزال جيو ـ استراتيجي وسيغير صورة العالم الأمنية وتوازن القوى.

ويشرح الباحث كميل غران، من المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية، أن ما توفره واشنطن لأمن أوروبا يشمل الدفاعات الجوية، والنقل الاستراتيجي، وقوات جاهزة للقتال، واستعلامات، والقدرة على نشر قوات كبيرة سريعا جدا. وباختصار، فإن التخلي الأوروبي عن الحلف ليس ممكنا فيما التهديد الروسي قائم أكثر من أي وقت مضى. ولذا، فإن ما يأمله الأوروبيون أن يبقى ترمب خارج البيت الأبيض لتجنب كابوس أخذ يقض مضاجعهم.


مقالات ذات صلة

تركيا واليونان في مسعى جديد من أجل إزالة التوتر حول القضايا الخلافية المزمنة

أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مستهل مباحثاتهما بأنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

تركيا واليونان في مسعى جديد من أجل إزالة التوتر حول القضايا الخلافية المزمنة

بحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس تطور العلاقات الثنائية بين البلدين

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم أعلام الدول الأعضاء بـ«ناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)

الحلف الأطلسي يعلن إطلاق مهمته الدفاعية الجديدة في المنطقة القطبية الشمالية

أعلن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الأربعاء، إطلاق مهمته الجديدة لتعزيز الأمن في المنطقة القطبية الشمالية؛ في خطوة تهدف إلى تهدئة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا القوات البريطانية تُنزل عَلم بلادها خلال مراسم انتهاء العمليات القتالية للقوات الأميركية والبريطانية في ولاية هلمند بأفغانستان (رويترز-أرشيفية)

بريطانيا تعزز وجودها العسكري في النرويج لمواجهة الخطر الروسي

أعلنت بريطانيا مضاعفة عدد القوات البريطانية بالنرويج، في إطار الجهود الرامية لتعزيز الدفاعات بأقصى الشمال في مواجهة روسيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس يشاركان في مراسم وضع أكاليل الزهور خلال زيارة إلى النصب التذكاري للإبادة الجماعية الأرمنية في يريفان بأرمينيا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

البيت الأبيض يحذف منشوراً لفانس يشير إلى «الإبادة الجماعية للأرمن»

حذف البيت الأبيض، الثلاثاء، منشوراً على منصات التواصل الاجتماعي من حساب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أعاد للأذهان ذكرى مجازر الأرمن باعتبارها «إبادة جماعية».

أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 24 فبراير 2025 (أ.ف.ب) p-circle

ماكس بيرغمان: الرسالة أصبحت واضحة لا لبس فيها... أوروبا تحتاج إلى جيش

ماكس بيرغمان: الرسالة أصبحت واضحة لا لبس فيها... تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» يرى فيه الباحث أن أوروبا تحتاج إلى جيش، وأنها تقف وحيدة في مواجهة المخاطر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الأربعاء، إن بريطانيا خصصت 150 مليون جنيه إسترليني (205 ملايين دولار) لمبادرة «قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية» لتزويد كييف بأسلحة أميركية.

وتأسست المبادرة في الصيف الماضي لضمان تدفق الأسلحة الأميركية إلى أوكرانيا في وقت توقفت فيه المساعدات العسكرية الأميركية الجديدة.

وقال هيلي، في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني: «يسعدني أن أؤكد أن المملكة المتحدة تلتزم بتقديم 150 مليون جنيه إسترليني لمبادرة قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية».

وأضاف: «يجب أن نوفر معاً لأوكرانيا الدفاع الجوي الضروري الذي تحتاجه رداً على هجوم بوتين الوحشي»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتسمح المبادرة للحلفاء بتمويل شراء أنظمة الدفاع الجوي الأميركية وغيرها من المعدات الحيوية لكييف.

وقال السفير الأميركي لدى حلف شمال الأطلسي (ناتو) ماثيو ويتاكر، الثلاثاء، إن الحلفاء قدّموا بالفعل أكثر من 4.5 مليار دولار من خلال البرنامج.


لماذا يزداد عدد الأوكرانيين الذين يتجسسون لصالح روسيا؟

جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
TT

لماذا يزداد عدد الأوكرانيين الذين يتجسسون لصالح روسيا؟

جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)

بعد ظهر يوم 19 يوليو (تموز) 2024 بقليل، وصلت هريستينا غاركافينكو، وهي ابنة قس تبلغ من العمر 19 عاماً، إلى كنيسة في مدينة بوكروفسك بشرق أوكرانيا. ورغم تدينها، فإنها لم تكن هناك من أجل الصلاة.

وبحكم معرفتها بالمبنى بحكم عمل والدها فيه، صعدت الشابة إلى الطابق الثاني ودخلت إحدى الغرف. هناك، وفي نافذة محجوبة بستائر، وضعت هاتفها المحمول ككاميرا للبث المباشر، موجهة إياه نحو طريق تستخدمه القوات والمركبات الأوكرانية المتجهة من وإلى خطوط المواجهة في الشرق. وأُرسل البث مباشرة إلى المخابرات الروسية، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

ولم تكن هذه هي المهمة الوحيدة التي نفذتها غاركافينكو لصالح الاستخبارات الروسية، وفقاً لما ذكره المدعون الأوكرانيون. فقد تواصلت طوال ذلك العام مع أحد العملاء الروس، ناقلة له معلومات حول مواقع الأفراد والمعدات العسكرية الأوكرانية في بوكروفسك، وهي مدينة استراتيجية مهمة.

واحدة من آلاف

وتُعدّ غاركافينكو، التي تقضي عقوبة بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة الخيانة، واحدة من آلاف الأوكرانيين الذين يُعتقد أن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) وأجهزة استخبارات روسية أخرى قد جندتهم للتجسس على بلادهم.

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني (SBU)، فقد فتح المحققون أكثر من 3800 تحقيق بتهمة الخيانة منذ أن شنّت روسيا غزوها الشامل في فبراير (شباط) 2022، وأُدين أكثر من 1200 شخص بالخيانة وصدرت بحقهم أحكام.

وفي المتوسط، يواجه المدانون عقوبة السجن لمدة تتراوح بين 12 و13 عاماً، بينما يُحكم على بعضهم بالسجن المؤبد.

وقد تواصلت شبكة «سي إن إن» مع جهاز الأمن الفيدرالي الروسي الذي رفض التعليق.

وصرّح أندري ياكوفليف، المحامي الأوكراني والخبير في القانون الدولي الإنساني، لشبكة «سي إن إن» بأن كييف «تضمن تهيئة الظروف اللازمة لمحاكمة عادلة»، وأن محاكم البلاد، بشكل عام، تحترم الإجراءات القانونية الواجبة. وأضاف أن النيابة العامة لا تلجأ إلى المحكمة إلا إذا توفرت لديها أدلة كافية، ولا تلجأ إلى أي ذريعة للحصول على إدانة.

أكثر أنواع الخيانة شيوعاً

ووفق جهاز الأمن الأوكراني، يعد تسريب المعلومات إلى المخابرات الروسية هو «أكثر أنواع الخيانة شيوعاً في زمن الحرب».

وجاء في بيان لجهاز الأمن الأوكراني أنه «في مناطق خطوط القتال الأمامية، نعتقل في أغلب الأحيان عملاء يجمعون معلومات حول تحركات الجيش الأوكراني ومواقعه ويُسربونها. أما في غرب ووسط أوكرانيا، فيجمع العملاء معلومات حول المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية، ويُسربونها، كما يُحاولون القيام بأعمال تخريبية بالقرب من محطات توليد الطاقة ومباني الشرطة وخطوط السكك الحديدية».

لماذا يوافق الأوكرانيون على التجسس؟

وفق «سي إن إن»، تتنوع فئات الأوكرانيين الذين تجندهم روسيا. وبينما ينطلق بعضهم من دوافع آيديولوجية، فإن هذه الفئة آخذة في التضاؤل، وفقاً لمسؤولي الاستخبارات الأوكرانية. أما بالنسبة للأغلبية، فالمال هو الدافع الرئيسي.

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني، فإن عملاء الاستخبارات الروسية يجندون في المقام الأول الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى المال، مثل العاطلين عن العمل، أو الأفراد الذين يعانون من إدمانات مختلفة، كالمخدرات أو الكحول أو القمار.

وقال ضابط مكافحة تجسس في جهاز الأمن الأوكراني لشبكة «سي إن إن» إن قنوات منصة «تلغرام» تُعدّ حالياً من أكثر أدوات التجنيد شيوعاً. وأوضح أن الروس «ينشرون إعلاناتٍ تُقدّم ربحاً سريعاً وسهلاً. ثم يُسنِدون المهام تدريجياً. في البداية، تكون هذه المهام بسيطة للغاية، كشراء القهوة، وتصوير إيصال في مقهى.

مقابل ذلك، تُحوّل الأموال إلى بطاقة مصرفية، وتبدأ عملية التجنيد تدريجياً. ولاحقاً، تظهر مهام أكثر حساسية، كتركيب كاميرات على طول خطوط السكك الحديدية، وتصوير المنشآت العسكرية، وما إلى ذلك».

وأشار الضابط الأوكراني إلى أنه إذا رفض الشخص التعاون في مرحلة معينة، يلجأ العملاء الروس إلى الابتزاز، مهددين بتسليم المراسلات السابقة إلى جهاز الأمن الأوكراني. وأكد: «عندها، لا سبيل للتراجع».


نتائج تشريح: مهاجرو قارب غرق قبالة اليونان ماتوا بإصابات في الرأس وليس غرقاً

خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
TT

نتائج تشريح: مهاجرو قارب غرق قبالة اليونان ماتوا بإصابات في الرأس وليس غرقاً

خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)

أظهرت نتائج تشريح اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء أن معظم المهاجرين الأفغان البالغ عددهم 15، الذين لقوا حتفهم قبالة جزيرة خيوس اليونانية الأسبوع الماضي عندما اصطدم قاربهم بسفينة تابعة لخفر السواحل، ماتوا متأثرين بجروح في الرأس، وليس نتيجة الغرق.

وفتح تحقيق جنائي في حادث التصادم الذي وقع في الثالث من فبراير (شباط)، وهو أحد أكثر حوادث المهاجرين دموية في اليونان منذ سنوات، حيث اصطدمت سفينة تابعة لخفر السواحل بزورق مطاطي كان يحمل نحو 39 شخصاً، ما تسبب في انقلابه.

وقال خفر السواحل إن زورق المهاجرين كان يسير دون أضواء ملاحة وتجاهل تحذيرات التوقف. وأضاف أن القارب المطاطي غيّر مساره فجأة واصطدم بسفينة الدورية، ما أدى إلى سقوط الركاب في البحر.

لكن شهادات خمسة ناجين، اطلعت عليها «رويترز»، تتعارض مع الرواية الرسمية. وقالوا إن خفر السواحل لم يصدر أي تحذير مسبق، وإن الزورق المطاطي لم يغيّر مساره. وفي وقت لاحق، عثر غواصون على جثث داخل القارب.

ومن المرجح أن تتيح نتائج التشريح نظرة أكثر حدة لدى المحققين فيما يتعلق بقوة الاصطدام وطبيعته.

ونصت إحدى الوثائق القضائية التي اطلعت عليها «رويترز»، الأربعاء، على أن «سبب الوفاة إصابات خطيرة في الجمجمة والدماغ»، بينما أشارت وثائق أخرى إلى إصابات مصاحبة في الصدر.

وقالت وثيقة أخرى: «إصابات في الجمجمة والدماغ ثم الغرق».

وأظهرت صور خفر السواحل التي التقطت بعد الاصطدام خدوشاً طفيفة على سفينتها. وأصيب في الحادث ثلاثة من أفراد طاقم خفر السواحل و24 مهاجراً.