وجه السياسة البلجيكية حاجّة لحبيب... مواقف قوية على الرغم من عراقيل بداية المشوار

أول وزيرة خارجية من أصول عربية في أوروبا

 لحبيب كانت أول مقدمة للنشرات من أصول مهاجرة في التلفزيون العمومي البلجيكي
لحبيب كانت أول مقدمة للنشرات من أصول مهاجرة في التلفزيون العمومي البلجيكي
TT

وجه السياسة البلجيكية حاجّة لحبيب... مواقف قوية على الرغم من عراقيل بداية المشوار

 لحبيب كانت أول مقدمة للنشرات من أصول مهاجرة في التلفزيون العمومي البلجيكي
لحبيب كانت أول مقدمة للنشرات من أصول مهاجرة في التلفزيون العمومي البلجيكي

تعد حاجّة لحبيب وزيرة الخارجية والشؤون الأوروبية في بلجيكا أول امرأة من أصول عربية تصل إلى مثل هذا المنصب السامي في أوروبا، وهي على الرغم من قلّة خبرتها نسبياً في المجال السياسي فإنها نجحت بلفت انتباه وسائل الإعلام الدولية بعدة مواقف قوية، بينها إقدامها على قصّ شعرها تضامناً مع انتفاضة الإيرانيات، واستدعاؤها سفيرة إسرائيل لدى بلجيكا في أعقاب الغارات التي دمرت مكاتب وكالة التنمية البلجيكية (أنابل) في قطاع غزة. وفيما يلي، نبذة عن الوزيرة حاجّة لحبيب... وما هي حصيلتها على رأس السياسة الخارجية لبلجيكا؟

 

 

ولدت حاجّة لحبيب يوم 21 يونيو (حزيران) عام 1970 في بلدة بوسو القريبة من مدينة مونز الفرنكفونية في بلجيكا، ولا تبعد هذه البلدة، البالغ تعداد سكانها نحو 20 ألف نسمة، كثيراً عن الحدود الفرنسية.

وهناك ترعرعت في كنف أسرة بسيطة من أصول جزائرية مهاجرة. وعاشت في بوسو طفولة هادئة إلا أنها أصيبت وهي في سن الثانية عشرة بمرض الالتهاب الكبدي، فكانت لفترة غير قصيرة تمضي وقتها بين المستشفى والمدرسة، على أن ذلك لم يمنعها من التفوق في الدراسة والالتحاق بجامعة بروكسل الحرّة، حيث حصلت على شهادة الإجازة في الإعلام والتواصل في بداية عقد التسعينات.

البداية مع الإعلام

بعد التخرج عملت حاجة لحبيب صحافيةً في قناة «إر تي لياج» لخمس سنوات، ثم تحوّلت إلى مقدمة للنشرات في التلفزيون البلجيكي الفرنكفوني «آر تي بي إف»، فكانت أول صحافية متحّدرة من أجيال الهجرة تقدّم نشرة إخبارية في التلفزيون العمومي.

أيضاً عملت لحبيب مراسلة ميدانية في الشرق الأوسط، حيث غطّت أحداث «الانتفاضة الفلسطينية الثانية» ما بين 2000 و2005، والحرب في أفغانستان التي زارتها أكثر من عشر مرات ما بين 2001 و2009، كما غطّت ميدانياً العديد من الأزمات السياسية في دول أفريقية منها تشاد والسودان والكونغو.

ظلّت حاجّة لحبيب تمارس نشاطها الإعلامي لمدة ثلاثين سنة، أصبحت خلالها وجهاً معروفاً ومحبوباً في المشهد الإعلامي البلجيكي الفرنكفوني. وبالإضافة إلى ذلك، كانت «وزيرة الخارجية المستقبل» كاتبة سيناريو ومخرجة ومنتجة أفلام وثاقية كان أهمها «صبراً... صبراً ستدخلين الجنة» الذي عالجت فيه أوضاع النساء المهاجرات في بلجيكا. ولقد حاز هذا الفيلم جائزة في «مهرجان مرسيليا للأفلام الوثائقية»، وعُرض في قاعات السنيما لشهور طويلة، و«دُبلج» إلى خمس لغات. ويضاف إليه فيلم وثائقي آخر بعنوان «أفغانستان اختيار امرأة»، تناولت فيه وضع المرأة الأفغانية المنخرطة في النشاط السياسي من خلال تصويرها يوميات سيدتين تشغلان منصبين سياسيين في الحكومة الأفغانية. ثم إنها، إلى جانب السياسة، شملت أعمالها الوثاقية أيضاً مواضيع ثقافية؛ إذ كان آخر إنتاج لها عام 2019 يتناول حياة المغني البلجيكي المخضرم الشهير سالفادور أدامو.

بالتوازي، تقلّدت حاجّة لحبيب مسؤوليات أخرى في الوسط الثقافي والإعلامي، فشغلت منصب نائب رئيس «المجلس الأعلى للتعليم الإعلامي»، وترأست «مهرجان لياج المسرحي»، وتولت إدارة مشروع «بلجيكا عاصمة للثقافة الأوروبية عام 2030». وتُوجت لحبيب في عام 2001 بجائزة «برلمان المجتمع الفرنسي» في بلجيكا، ومُنحت لقب «المواطنة الفخرية لمدينة لياج البلجيكية» عام 2010، ثم في 2013، اختيرت «امرأة العام» في بروكسل.

خبرة سياسية محدودة

من جهة ثانية، على الرغم من احتكاك حاجّة لحبيب بالشخصيات السياسية بحكم نشاطها الإعلامي، فإنها لم تنشط بشكل مباشر في الدوائر السياسية، ولم يُعرف عنها ولها أي انتماء سياسي. ولذا، جاء تعيينها في منصب وزيرة الخارجية والشؤون الأوروبية يوم 15 يوليو (تموز) من عام 2022، خلفاً للوزيرة صوفي فيلميس - التي استقالت لأسباب عائلية - مفاجأةً للأوساط السياسية التي تفاوت فيها ردود الفعل ما بين مؤيد ومنتقد.

وفي حين رحّب معظم أعضاء الحزب الليبرالي الإصلاحي الحاكم بقرار رئيسه جورج لويس بوشيز بتكليف لحبيب بحقيبة الشؤون الخارجية، أعرب آخرون عن شكوكهم في قدرات الوزيرة الجديدة. وبلغ الأمر بكاتب الدولة للهجرة واللجوء، تيو فرانكان، إلى التعليق على منصّة «إكس» بأنه لا يعرف من تكون حاجّة لحبيب (!)... وتساءل عما إذا كانت تتقن اللغة الهولندية (اللغة الوطنية الثانية في بلجيكا)... وهل لها خبرة في العمل الدبلوماسي؟

كذلك نقلت وسائل الإعلام شهادات لبعض أعضاء الحزب الليبيرالي الإصلاحي الذين لم تعجبهم إجابة «الصحافية السابقة» لحبيب التي لمّحت إلى رفضها الانخراط في الحزب الليبيرالي (الذي اختارها لهذا المنصب)، حين صرّحت على إثر المؤتمر الصحافي الذي أعقب الإعلان عن تعيينها بأنها «ليست يسارية وليست يمينية، بل هي حرة بالأساس، وأنها كانت دائماً تسعى للتقريب بين ضفاف متناقضة، وهو ما ستسعى دائماً لتحقيقه».

أحد كوادر الحزب صرّح لصحيفة «لوسوار» البلجيكية تحت غطاء مجهول، قائلاً: «نحن أمام شخصية بعيدة كل البعد عن التيار الليبرالي. اختيارها هو محاولة لتلميع صورة الحزب وكسب لأصوات الأقليات، وفي مثل هذه الحالة يكون للشكل الأسبقية على الجوهر...». وتابع ملمحاً أن «اختيارها يخضع لحسابات انتخابية»، وبالأخص مع اقتراب موعدها في ربيع 2024.

أما المحلل السياسي داف سيناردي، فقال في تصريح لصحيفة «سودبراس» إنه «من المستحيل الاقتناع بأن وصول السيدة لحبيب إلى هذه الوظيفة السامية قد تحقق مع حفاظها على حيادها السياسي». ولكن، فيما عدا ذلك، رأى سيناردي «أن للوزيرة الجديدة إلماماً تاماً بملفات السياسة الخارجية، إضافةً إلى أنها تحظى باحترام الجميع... ما قد يساعدها على الاضطلاع بمهامها بنجاح، بعيداً عن الجدل الذي يرافق المسؤوليات السياسية الأخرى».

عاصفة قضية التأشيرات

في المقابل، منذ تكليف لحبيب بحقيبة الخارجية يوم 15 من يوليو 2022، واجهت الصحافية السابقة و«المبتدئة في دهاليز السياسة» ثلاث مرّات نواب البرلمان في مساءلة بثّتها كل وسائل الإعلام البلجيكية للبحث في مسؤوليتها عن منح تأشيرات لمسؤولين إيرانيين، من بينهم رئيس بلدية طهران علي رضا زكاني.

هذه القضية أخذت أبعاداً كبيرة كادت تُكلِّف الوزيرة منصبها وتعصف بالحكومة التي يقودها رئيس الوزراء ألكسندر دي كرو، إلا أن لحبيب احتفظت بمنصبها بفضل دعم غالبية النواب خلال تصويت في مجلس النواب. وللعلم، كان الليبيراليون، الذين تنتمي إليهم، قد تقدّموا بمذكرة دعم في مواجهة مذكرات حجب الثقة التي طرحتها المعارضة، بما فيها كتلة «الحزب الاشتراكي». وقد اتهمت مذكرة حجب الثقة الوزيرة «بتعريض حياة معارضين إيرانيين للخطر» من خلال السماح لـ14 مسؤولاً إيرانياً بالمشاركة في «المؤتمر الدولي لرؤساء البلديات» الذي عقد في العاصمة البلجيكية بروكسل في ربيع العام الماضي 2023، واصفة الوزيرة بـ«غير المسؤولة». لكن الوزيرة نفت مسؤوليتها، وأعلنت أمام النواب: «أنا آسفة بصدق للأزمة التي نجد أنفسنا فيها اليوم، وأطلب منكم أن تعذروني». وهنا نشير إلى أن أسئلة النواب ارتكزت على معلومات أوردتها صحيفة بلجيكية عن توقيف والدة إيراني شارك في مظاهرة نظمت في بروكسل، يوم 13 يوليو 2023، وأكدت الوزيرة على أثرها أنها طلبت من جهازي «أمن الدولة» و«مصالح الاستخبارات» التحقيق في هذه المعلومات.

زيارة مثيرة للجدل

مرة ثانية، واجهت وزيرة الخارجية البلجيكية حملة انتقاد شديدة. وهذه المرة كانت بسبب زيارتها إلى شبه جزيرة القرم خلال صيف 2021، أي قبل سنة من توليها حقيبة وزارة الخارجية. وبحسب صحيفة «سود أويست» الفرنسية، فإن لحبيب زارت القرم بتأشيرة روسية بناءً على دعوة من «مهرجان راشان سيزن» بهدف تصوير شريط وثائقي... إلا أن منتقديها اتهموها بأنها لم تعطِ فيه الكلام سوى للموالين لروسيا وتجاهلت الأوكرانيين.

بل إن المهرجان وُصِف أيضاً بـ«مبادرة دعائية» من الحكومة الروسية، وبتمويل من شركة «غازبروم»، إضافة إلى أن ابنة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانت قد شاركت في تنظيمه.

هذا الموضوع أثير مجدداً إثر لقاء الوزيرة لحبيب بنظيرها الأوكراني دميترو كوليبا، حين شددت له على «تضامن بلجيكا الثابت مع كييف». وفي حوارها مع نظيرها الأوكراني شجبت الوزيرة بشكل خاص «الاحتلال غير القانوني» لشبه جزيرة القرم من قبل روسيا. لكن التساؤلات في العاصمة الأوكرانية كييف استمرت من منطلق الرغبة في الحصول على تفاصيل حول «الرحلة الثقافية» التي قامت بها لحبيب قبل سنة بوصفها صحافية إلى «مهرجان راشان سيزن» في شبه جزيرة القرم، وبالأخص، أن وسائل إعلامية ادعت أن جهات روسية تكفّلت بتأمينها وتغطية كلفتها، وطالبت عدة جهات سياسية الوزيرة بتقديم تفسيرات لهذه الزيارة المثيرة للجدل.

تبعاً لتداعيات هذه القضية، وأملاً في تهدئة الأوضاع، جعلت وزيرة الخارجية البلجيكية الجديدة أوكرانيا إحدى أولوياتها، معربة عن أملها في السفر بسرعة إلى كييف؛ للتعبير عن تضامن بلجيكا مع الشعب الأوكراني. وبالفعل، قالت على منصة «إكس» بمناسبة العيد الوطني لأوكرانيا: «هذا يوم مهم لشعب أوكرانيا. في يوم الدولة الأوكرانية، نقلت إلى دميترو كوليبا تضامننا الذي لا يتزعزع ومواقفنا الحازمة بشأن الوضع، والتزامنا بالحفاظ على دعم كييف». وأردفت: «إن بلدي يدرك جيداً أهمية هذا الاحتفال الذي بدأه الرئيس فولوديمير زيلينسكي العام الماضي. وفي الوقت نفسه، سيعمل الاحتفال، بلا شك، على رفع الروح المعنوية حيث تدافع أوكرانيا والأوكرانيون بشجاعة عن ممتلكاتهم ويكافحون من أجل بقاء دولتهم».

استطردت لحبيب مؤكدة رغبتها في الذهاب «قريباً» إلى كييف بالقول: «أنتهز هذه الفرصة لأكرّر تضامن بلدي الذي لا ينفصم ودعمه الكامل لأوكرانيا، فضلاً عن الصداقة العميقة التي توحد بلدينا»، ثم أضافت: «أوكرانيا دولة مستقلة وذات سيادة، فضلاً عن كونها عضواً مهماً وموثوقاً به في المجتمع الدولي، ولشعبها حق لا جدال فيه في اختيار مصيره». وذلك قبل أن تنهي: «يجب احترام سلامة أراضي أوكرانيا داخل حدودها المعترف بها دولياً احتراماً كاملاً، وهذه الحدود تشمل جميع أراضي أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم و(منطقة حوض) الدونباس التي تخضع حالياً للاحتلال غير الشرعي للاتحاد الروسي، بشكل مباشر أو عن طريق الأنظمة العميلة».

مواقف ونجاحات

على صعيد آخر، كانت الوزيرة لحبيب قد لفتت الانتباه بمواقف قوية؛ كإقدامها يوم السادس من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2022 في مشاهد تناقلتها وسائل الإعلام عبر العالم على قصّ خصلة من شعرها في جلسة مناقشة بمجلس النواب، وهذا في تكرار لما فعلته نائبة من أصول إيرانية كانت تجلس إلى جانبها. وفي الوقت ذاته، أعربت الوزيرة عن صدمتها لموت الشابة مهسا أميني في أثناء توقيفها في طهران، وصرّحت بأن ثماني دول أوروبية ستطالب بفرض عقوبات على أفراد الشرطة الذين تعرضوا بالعنف لهذه الفتاة.

وحقاً، أشادت وسائل الإعلام وأطراف سياسية كثيرة في أوروبا بالحصيلة الإيجابية للحبيب، بعد إشرافها على مفاوضات ناجحة مع أطراف إيرانية لتبادل أسرى. فيوم 26 مايو (أيار) 2023 أفرجت إيران عن عامل الإغاثة البلجيكي أوليفييه فانديكاستيل بعد اعتقاله لمدة 455 يوماً. وبعد أشهر من المفاوضات مع فريق وزيرة الخارجية عاد عامل الإغاثة إلى بلجيكا عبر سلطنة عُمان أيضاً مقابل عودة دبلوماسي إيراني أدين بتهمة الإرهاب وسجن في بلجيكا نحو خمس سنوات، كما أعلنت الحكومة البلجيكية أنها فاوضت أيضاً من أجل عودة رعايا أوروبيين ثلاثة كانوا محتجزين في إيران.وأخيراً، في موضوع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كان لبلجيكا، وبالأخص لوزيرة خارجيتها مواقف قوية. وبينما رفضت الحكومة البلجيكية السير في ركاب كبريات الحكومات الأوروبية الغربية في تعليق الدعم لوكالة «الأونروا» الأممية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، استدعت الوزيرة لحبيب سفيرة إسرائيل لدى بلجيكا مسجِّلة احتجاجها على الغارات التي دمرت مكاتب «وكالة التنمية البلجيكية» (أنابل) في قطاع غزة، ومؤكِّدة أن استهداف المباني المدنية «أمر مرفوض تماماً».

 

 


مقالات ذات صلة

تركيا و«الاتحاد الأوروبي» إلى مزيد من التعاون «بعيداً عن العضوية»

أوروبا فيدان خلال استقباله وفد «الاتحاد الأوروبي» الذي ضم: ممثلة الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ومفوضة شؤون التوسع مارتا كوس ومفوض الشؤون الداخلية ماغنوس برونر بمقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة (الخارجية التركية)

تركيا و«الاتحاد الأوروبي» إلى مزيد من التعاون «بعيداً عن العضوية»

أكدت تركيا و«الاتحاد الأوروبي» التزام اتخاذ خطوات مشتركة لتعزيز التعاون في مجالات السياسة الخارجية والأمن والهجرة والاقتصاد والتجارة...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

البنوك الألمانية ترفض مقترحاً برفع «المركزي» الأوروبي الحد الأدنى للاحتياطيات

رفضت رابطة كبرى للبنوك الألمانية، الأربعاء، رفضاً قاطعاً احتمالات زيادة البنك المركزي الأوروبي لنسبة النقد التي يجب على البنوك الاحتفاظ بها كاحتياطي.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد علما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعبارة «الرسوم الجمركية» (رويترز)

فون دير لاين: الاتحاد الأوروبي يلغي اليوم الرسوم على السلع الصناعية الأميركية

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن الاتحاد الأوروبي سيقوم، الأربعاء، بإلغاء الرسوم الجمركية على واردات المنتجات الصناعية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيسة «المفوضية الأوروبية» أورسولا فون دير لاين في تورنبيري بأسكوتلندا خلال يوليو 2025 (رويترز)

أوروبا تفعل اتفاقية إلغاء الرسوم مع أميركا بدءاً من 1 يوليو

أعلن «الاتحاد الأوروبي» في بيان رسمي أن «اتفاقية التجارة» المبرمة مع الولايات المتحدة العام الماضي ستدخل حيز التنفيذ بدءاً من 1 يوليو (تموز) المقبل...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات (رويترز)

أسعار الغاز في أوروبا ترتفع بسبب عدم اليقين بالشرق الأوسط

ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بسبب عدم اليقين بشأن الشحنات عبر مضيق هرمز، حتى مع اتفاق إيران والولايات المتحدة على وقف العمليات القتالية الأخيرة بالشرق الأوسط

«الشرق الأوسط» (لندن)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.