موسكو تعول على دور مصري بالتواصل مع المعارضة

«مبادرات فردية» تجمع مسؤولين روسًا والمعارضة العسكرية السورية

تلاميذ سوريون نازحون من درعا جنوب سوريا يجلسون في مدرسة أقيمت على عجل من قبل وكالة غوث للاجئين (أ.ف.ب)
تلاميذ سوريون نازحون من درعا جنوب سوريا يجلسون في مدرسة أقيمت على عجل من قبل وكالة غوث للاجئين (أ.ف.ب)
TT

موسكو تعول على دور مصري بالتواصل مع المعارضة

تلاميذ سوريون نازحون من درعا جنوب سوريا يجلسون في مدرسة أقيمت على عجل من قبل وكالة غوث للاجئين (أ.ف.ب)
تلاميذ سوريون نازحون من درعا جنوب سوريا يجلسون في مدرسة أقيمت على عجل من قبل وكالة غوث للاجئين (أ.ف.ب)

في حين تترقب موسكو والأطراف الدولية المستبعدة عن الاجتماع الوزاري الذي عقد مساء يوم أمس (الثلاثاء) في العاصمة الفرنسية باريس، نتائج المباحثات المستمرة بين الدول المعارضة للنظام السوري، لتبني على أساسها حركتها ومواقفها قبل اجتماع فيينا الثاني المرتقب يوم الجمعة، تبدو قوى المعارضة السياسية بعيدة إلى حد ما عن تفاصيل الحراك الدولي الحاصل وترد ذلك إلى عدم وضوح الرؤية الدولية بعد.
ولفت بالأمس ما أعلنه لافروف بعد لقائه وزير خارجية بيلاروس فلاديمير ماكي إلى استمرار الاتصالات بين موسكو «والزملاء المصريين لتوحيد الجهود والخروج بعرض لقوى المعارضة لمساعدتهم وتشكيل وفد موحد للمحادثات مع الحكومة السورية»، مشيرا إلى أن «الجهود لتشكيل مجموعة دول داعمة لتسوية الأزمة في سوريا لم تنجح حتى الآن». وأضاف أن «المساعي ما زالت مستمرة مع جميع الشركاء من أجل الدفع قدما والخروج باتفاق عبر ضم كل أطياف المعارضة والبدء في نهاية الأمر بالحوار الذي جرى الحديث عنه قبل أكثر من 3 سنوات في بيان جنيف».
وأعلنت روسيا أكثر من مرة خلال الأشهر الأخيرة، أنها ترى في ما يُسمى «منصة القاهرة» و«منصة موسكو»، والوثائق التي اعتمدها المشاركون في اللقاءات في العاصمتين، أساسا يمكن الانطلاق منه في تسوية الأزمة السورية.
وتماهت يوم أمس التصريحات الروسية مع تلك الرسمية السورية، ففي وقت جدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تأكيده على ضرورة مكافحة الإرهاب في سوريا بمحاذاة العملية السياسية، مشيرا إلى أنه «لا يوجد تفاهم مشترك مع الشركاء الدوليين بشأن تحديد الإرهاب في سوريا»، أكد موقع رئاسة الجمهورية السورية أنّه «لا يمكن تنفيذ أي مبادرة أو أفكار (لحل الأزمة سياسيا) وضمان نجاحها إلا بعد القضاء على الإرهاب وإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع البلاد».
وأوضح المسؤول الروسي، أن الاجتماع الرباعي في فيينا الجمعة الماضي الذي جمعه مع وزراء خارجية الولايات المتحدة والسعودية وتركيا أفضى إلى قناعته مرة أخرى، أنه «لا يوجد هناك فهم موحد حول الإرهاب والتهديد الإرهابي داخل (التحالف الأميركي)»، وشدد على أهمية أن تشمل الاتصالات المستقبلية تبادل التقييمات حول هذا الأمر.
ولا تزال المعارضة السورية تترقب نتائج الجهود الدولية التي تبذل لإطلاق عجلة المفاوضات السياسية مجددا من بوابة جنيف، إلا أنها لا تمتلك حتى الساعة أي تفاصيل حول طروحات جدية للحل يجري التداول بها «لعدم وجود مثل هذه الطروحات نظرا لاستمرار التعثر الدولي في تحديد رؤية مشتركة لحل الأزمة السورية»، بحسب مصادر في هيئة التنسيق السورية المعارضة. واعتبرت المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحركة الدولية الحاصلة لا تزال من دون بركة لعدم اقترانها بأي خطوات عملية باعتبار أن لا أطر تنفيذية لكل ما يجري التداول به».
وفي حين شدد قاسم الخطيب أحد أعضاء (لجنة متابعة مؤتمر القاهرة) للمعارضة السورية على أن المواقف الروسية الأخيرة، تؤكد أن موسكو «بدأت بتقديم التنازلات في الملف السوري نظرا لأن الموضوع العسكري يقلقها، ولا نفس طويل لها بالاستمرار في التدخل عسكريا في سوريا، لأن ليس هناك من يدفع لها الفاتورة»، رجّح أن يفضي مؤتمر باريس للدول أصدقاء سوريا إلى ممارسة المزيد من الضغوط على الروس ليقوموا بدورهم بالضغط على النظام ما سيؤدي إلى تقديم المزيد من التنازلات.
وقال قاسم لـ«الشرق الأوسط» أنّه وأعضاء بلجنة مؤتمر القاهرة التقوا قبل أسبوع ميخائيل بوغدانوف مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ودول أفريقيا في العاصمة المصرية، حيث سألوه عمّا إذا كان هناك رؤية سياسية لدى الروس لحل الأزمة السورية، فكان جوابه أنّهم ما زالوا يبحثون عن شركاء سياسيين حقيقيين وأن لا رؤية سياسية لديهم حتى الساعة في هذا المجال. وأضاف قاسم: «هو أكد لنا تمسكهم بوثيقة جنيف – 1، وأنّهم يبحثون عن شركاء في المعارضة يجلسون على طاولة المفاوضات من بين الشخصيات التي حضرت مؤتمري موسكو 1 و، 2، بالإضافة إلى مجموعة قدري جميل (قيادة جبهة التغيير والتحرير السورية المعارضة)، والمشاركين في مؤتمر الأستانة».
من جهته، قال أمين عام الائتلاف السوري المعارض محمد مكتبي لـ«الشرق الأوسط»، إنّهم حاليًا في حالة «ترقب» لنتائج لقاءات فيينا وباريس، لافتًا إلى أنه لا مبادرات حاليًا مطروحة لحل الأزمة. وأوضح أن المشاورات الدولية الحاصلة تبحث في «الإطار التنفيذي» لبيان جنيف وكيفية الانتقال لتشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات واسعة لا يكون للأسد أي دور فيها، وأضاف: «نحن مستعدون أن نسمع ونناقش في تفاصيل هذا الإطار».
أما عن انكفاء المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في هذه المرحلة، فأشار مكتبي إلى أن حركة دي ميستورا هي انعكاس لتفاهمات واتفاقات وإرادة دولية بحل الأزمة، وطالما هذه العناصر غير متوافرة حاليا فقد يكون من الأفضل ترقب المتغيرات بعيدا عن عمليات تضييع الوقت. الى ذلك, تحاول موسكو، منذ الإعلان عن استعدادها التعاون مع «الجيش الحر»، الانفتاح على المعارضة العسكرية في سوريا، وكان آخر هذه المحاولات ما أعلنه ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي عن وجود اتصالات بين موسكو وممثلين عن «الحر» في العاصمة الروسية، في وقت نفى فيه الائتلاف هذا الأمر، واصفا الخبر بـ«عملية تضليل للرأي العام». وقالت وكالة الأنباء الروسية «ريا نوفوستي»، أمس، إن ممثلين عن الجيش السوري الحر قد زاروا روسيا بالفعل. ونقلت الوكالة هذه التأكيدات عن شخص سمته بسام البني زعيم «حركة الدبلوماسية الشعبية»، الذي أكد أن «ممثلين عن الجيش السوري الحر زاروا موسكو وطلبوا من الجانب الروسي الكف عن قصف مواقعهم». وأضاف أن الحركة التي يقودها «تلعب عمليا دور الوسيط بين روسيا والجيش السوري الحر»، بحسب قوله.
وصرح قيادي في «الحر» لـ«الشرق الأوسط» أنّ معارضين اثنين، مقربين من رئيس الائتلاف السابق أحمد الجربا، التقيا بمسؤولين روس، أحدهما عسكري وهو العقيد محمد هيثم عفيسي، وهو ما أكده أيضا أحمد رمضان لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن اللقاء تم في القاهرة.
والعقيد هيثم عفيسي كان قد عينه المجلس العسكري في بداية عام 2014 نائبًا لرئيس هيئة الأركان في الجيش السوري الحر، لكنّه اليوم لم يعد يحمل هذه الصفة بعدما أصبح المجلس العسكري منحلا.
وكشف الدالاتي لـ«الشرق الأوسط» أنّ شخصية عسكرية قيادية في فصيل مقرّب من الجيش الحر له وزن وحضور بارز في المنطقة الجنوبية، زارت موسكو والتقت بمسؤولين روس، رافضا الكشف عن اسمه، مؤكدا أن الخطوة تمّت بمبادرة فردية، لافتا إلى أن بعض الشخصيات الأخرى المقربة أيضًا من «الحر»، قد تقوم بزيارة موسكو، مع التأكيد على أن كل هذه الزيارات تندرج بإطار فردي ومن خارج قيادة الجيش الحر، مضيفا: «حاولت موسكو مرارا التواصل معنا ومع قياديين في الحر للقاء بهم، إنما لم تلق تجاوبا». مع العلم أن الفصائل العسكرية الناشطة في المنطقة الجنوبية هي: الجيش الأول هو الأكبر، الفيلق الأول، المعتز بالله، أسود السنة، شباب السنة، جيش اليرموك، فرقة 18، فوج المدفعية.
وبعد معلومات أشارت إلى تشكيل العميد المنشق مناف طلاس، «المجلس العسكري الأعلى»، نفى القيادي في «الحر» هذا الأمر، لافتا في الوقت عينه إلى أن طلاس الموجود في تركيا هو على تواصل دائم مع معظم الفصائل العسكرية على الأرض. ولفت كذلك إلى أن عضو المجلس الوطني السابق، رندة قسيس، تحاول التواصل مع فصائل عسكرية معارضة عدّة لحثهم على اللقاء مع الروس، لكنها لغاية الآن لم تنجح في مهمتها، لا سيّما أنها تعتبر «شخصية مثيرة للجدل» في أوساط المعارضة. واعتبر الدالاتي أن زيارات هذه الشخصيات المعارضة إلى موسكو «لا تعدو كونها محاولة لجس النبض الروسي بعد الإعلان عن استعداد موسكو للتعاون من الجيش الحر»، مشيرا في الوقت عينه إلى أن النتيجة لم تأت مختلفة عن المعطيات والمواقف الروسية المعلنة، أهمها المحافظة على مؤسسات الدولة وبأنهم ليسوا متمسكين بالرئيس السوري بشار الأسد إلى الأبد، إنما وجوده في المرحلة الانتقالية ضروري لمحاربة داعش، مضيفا: «ونحن لا نزال نؤكد أنّنا لن نكون في خندق واحد مع الروس بينما النظام الذي يدعمه يقتل الشعب السوري». من جهته، رأى رمضان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الروس يحاولون قبل الاجتماع الرباعي الثاني في فيينا يوم الجمعة المقبل، القول إنهم يتواصلون مع المعارضة بما فيها الجيش الحر بعدما كانوا أعلنوا استعدادهم التنسيق معهم في محاربة «داعش»، لكن الواقع على الأرض لا يعكس أي تغيير في سياسة موسكو، وكل من هو في المعارضة يعلم جيدا أنّ لقاءه مع مسؤولين روس سيضعه في وضع محرج.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.