موسكو تعول على دور مصري بالتواصل مع المعارضة

«مبادرات فردية» تجمع مسؤولين روسًا والمعارضة العسكرية السورية

تلاميذ سوريون نازحون من درعا جنوب سوريا يجلسون في مدرسة أقيمت على عجل من قبل وكالة غوث للاجئين (أ.ف.ب)
تلاميذ سوريون نازحون من درعا جنوب سوريا يجلسون في مدرسة أقيمت على عجل من قبل وكالة غوث للاجئين (أ.ف.ب)
TT

موسكو تعول على دور مصري بالتواصل مع المعارضة

تلاميذ سوريون نازحون من درعا جنوب سوريا يجلسون في مدرسة أقيمت على عجل من قبل وكالة غوث للاجئين (أ.ف.ب)
تلاميذ سوريون نازحون من درعا جنوب سوريا يجلسون في مدرسة أقيمت على عجل من قبل وكالة غوث للاجئين (أ.ف.ب)

في حين تترقب موسكو والأطراف الدولية المستبعدة عن الاجتماع الوزاري الذي عقد مساء يوم أمس (الثلاثاء) في العاصمة الفرنسية باريس، نتائج المباحثات المستمرة بين الدول المعارضة للنظام السوري، لتبني على أساسها حركتها ومواقفها قبل اجتماع فيينا الثاني المرتقب يوم الجمعة، تبدو قوى المعارضة السياسية بعيدة إلى حد ما عن تفاصيل الحراك الدولي الحاصل وترد ذلك إلى عدم وضوح الرؤية الدولية بعد.
ولفت بالأمس ما أعلنه لافروف بعد لقائه وزير خارجية بيلاروس فلاديمير ماكي إلى استمرار الاتصالات بين موسكو «والزملاء المصريين لتوحيد الجهود والخروج بعرض لقوى المعارضة لمساعدتهم وتشكيل وفد موحد للمحادثات مع الحكومة السورية»، مشيرا إلى أن «الجهود لتشكيل مجموعة دول داعمة لتسوية الأزمة في سوريا لم تنجح حتى الآن». وأضاف أن «المساعي ما زالت مستمرة مع جميع الشركاء من أجل الدفع قدما والخروج باتفاق عبر ضم كل أطياف المعارضة والبدء في نهاية الأمر بالحوار الذي جرى الحديث عنه قبل أكثر من 3 سنوات في بيان جنيف».
وأعلنت روسيا أكثر من مرة خلال الأشهر الأخيرة، أنها ترى في ما يُسمى «منصة القاهرة» و«منصة موسكو»، والوثائق التي اعتمدها المشاركون في اللقاءات في العاصمتين، أساسا يمكن الانطلاق منه في تسوية الأزمة السورية.
وتماهت يوم أمس التصريحات الروسية مع تلك الرسمية السورية، ففي وقت جدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تأكيده على ضرورة مكافحة الإرهاب في سوريا بمحاذاة العملية السياسية، مشيرا إلى أنه «لا يوجد تفاهم مشترك مع الشركاء الدوليين بشأن تحديد الإرهاب في سوريا»، أكد موقع رئاسة الجمهورية السورية أنّه «لا يمكن تنفيذ أي مبادرة أو أفكار (لحل الأزمة سياسيا) وضمان نجاحها إلا بعد القضاء على الإرهاب وإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع البلاد».
وأوضح المسؤول الروسي، أن الاجتماع الرباعي في فيينا الجمعة الماضي الذي جمعه مع وزراء خارجية الولايات المتحدة والسعودية وتركيا أفضى إلى قناعته مرة أخرى، أنه «لا يوجد هناك فهم موحد حول الإرهاب والتهديد الإرهابي داخل (التحالف الأميركي)»، وشدد على أهمية أن تشمل الاتصالات المستقبلية تبادل التقييمات حول هذا الأمر.
ولا تزال المعارضة السورية تترقب نتائج الجهود الدولية التي تبذل لإطلاق عجلة المفاوضات السياسية مجددا من بوابة جنيف، إلا أنها لا تمتلك حتى الساعة أي تفاصيل حول طروحات جدية للحل يجري التداول بها «لعدم وجود مثل هذه الطروحات نظرا لاستمرار التعثر الدولي في تحديد رؤية مشتركة لحل الأزمة السورية»، بحسب مصادر في هيئة التنسيق السورية المعارضة. واعتبرت المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحركة الدولية الحاصلة لا تزال من دون بركة لعدم اقترانها بأي خطوات عملية باعتبار أن لا أطر تنفيذية لكل ما يجري التداول به».
وفي حين شدد قاسم الخطيب أحد أعضاء (لجنة متابعة مؤتمر القاهرة) للمعارضة السورية على أن المواقف الروسية الأخيرة، تؤكد أن موسكو «بدأت بتقديم التنازلات في الملف السوري نظرا لأن الموضوع العسكري يقلقها، ولا نفس طويل لها بالاستمرار في التدخل عسكريا في سوريا، لأن ليس هناك من يدفع لها الفاتورة»، رجّح أن يفضي مؤتمر باريس للدول أصدقاء سوريا إلى ممارسة المزيد من الضغوط على الروس ليقوموا بدورهم بالضغط على النظام ما سيؤدي إلى تقديم المزيد من التنازلات.
وقال قاسم لـ«الشرق الأوسط» أنّه وأعضاء بلجنة مؤتمر القاهرة التقوا قبل أسبوع ميخائيل بوغدانوف مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ودول أفريقيا في العاصمة المصرية، حيث سألوه عمّا إذا كان هناك رؤية سياسية لدى الروس لحل الأزمة السورية، فكان جوابه أنّهم ما زالوا يبحثون عن شركاء سياسيين حقيقيين وأن لا رؤية سياسية لديهم حتى الساعة في هذا المجال. وأضاف قاسم: «هو أكد لنا تمسكهم بوثيقة جنيف – 1، وأنّهم يبحثون عن شركاء في المعارضة يجلسون على طاولة المفاوضات من بين الشخصيات التي حضرت مؤتمري موسكو 1 و، 2، بالإضافة إلى مجموعة قدري جميل (قيادة جبهة التغيير والتحرير السورية المعارضة)، والمشاركين في مؤتمر الأستانة».
من جهته، قال أمين عام الائتلاف السوري المعارض محمد مكتبي لـ«الشرق الأوسط»، إنّهم حاليًا في حالة «ترقب» لنتائج لقاءات فيينا وباريس، لافتًا إلى أنه لا مبادرات حاليًا مطروحة لحل الأزمة. وأوضح أن المشاورات الدولية الحاصلة تبحث في «الإطار التنفيذي» لبيان جنيف وكيفية الانتقال لتشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات واسعة لا يكون للأسد أي دور فيها، وأضاف: «نحن مستعدون أن نسمع ونناقش في تفاصيل هذا الإطار».
أما عن انكفاء المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في هذه المرحلة، فأشار مكتبي إلى أن حركة دي ميستورا هي انعكاس لتفاهمات واتفاقات وإرادة دولية بحل الأزمة، وطالما هذه العناصر غير متوافرة حاليا فقد يكون من الأفضل ترقب المتغيرات بعيدا عن عمليات تضييع الوقت. الى ذلك, تحاول موسكو، منذ الإعلان عن استعدادها التعاون مع «الجيش الحر»، الانفتاح على المعارضة العسكرية في سوريا، وكان آخر هذه المحاولات ما أعلنه ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي عن وجود اتصالات بين موسكو وممثلين عن «الحر» في العاصمة الروسية، في وقت نفى فيه الائتلاف هذا الأمر، واصفا الخبر بـ«عملية تضليل للرأي العام». وقالت وكالة الأنباء الروسية «ريا نوفوستي»، أمس، إن ممثلين عن الجيش السوري الحر قد زاروا روسيا بالفعل. ونقلت الوكالة هذه التأكيدات عن شخص سمته بسام البني زعيم «حركة الدبلوماسية الشعبية»، الذي أكد أن «ممثلين عن الجيش السوري الحر زاروا موسكو وطلبوا من الجانب الروسي الكف عن قصف مواقعهم». وأضاف أن الحركة التي يقودها «تلعب عمليا دور الوسيط بين روسيا والجيش السوري الحر»، بحسب قوله.
وصرح قيادي في «الحر» لـ«الشرق الأوسط» أنّ معارضين اثنين، مقربين من رئيس الائتلاف السابق أحمد الجربا، التقيا بمسؤولين روس، أحدهما عسكري وهو العقيد محمد هيثم عفيسي، وهو ما أكده أيضا أحمد رمضان لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن اللقاء تم في القاهرة.
والعقيد هيثم عفيسي كان قد عينه المجلس العسكري في بداية عام 2014 نائبًا لرئيس هيئة الأركان في الجيش السوري الحر، لكنّه اليوم لم يعد يحمل هذه الصفة بعدما أصبح المجلس العسكري منحلا.
وكشف الدالاتي لـ«الشرق الأوسط» أنّ شخصية عسكرية قيادية في فصيل مقرّب من الجيش الحر له وزن وحضور بارز في المنطقة الجنوبية، زارت موسكو والتقت بمسؤولين روس، رافضا الكشف عن اسمه، مؤكدا أن الخطوة تمّت بمبادرة فردية، لافتا إلى أن بعض الشخصيات الأخرى المقربة أيضًا من «الحر»، قد تقوم بزيارة موسكو، مع التأكيد على أن كل هذه الزيارات تندرج بإطار فردي ومن خارج قيادة الجيش الحر، مضيفا: «حاولت موسكو مرارا التواصل معنا ومع قياديين في الحر للقاء بهم، إنما لم تلق تجاوبا». مع العلم أن الفصائل العسكرية الناشطة في المنطقة الجنوبية هي: الجيش الأول هو الأكبر، الفيلق الأول، المعتز بالله، أسود السنة، شباب السنة، جيش اليرموك، فرقة 18، فوج المدفعية.
وبعد معلومات أشارت إلى تشكيل العميد المنشق مناف طلاس، «المجلس العسكري الأعلى»، نفى القيادي في «الحر» هذا الأمر، لافتا في الوقت عينه إلى أن طلاس الموجود في تركيا هو على تواصل دائم مع معظم الفصائل العسكرية على الأرض. ولفت كذلك إلى أن عضو المجلس الوطني السابق، رندة قسيس، تحاول التواصل مع فصائل عسكرية معارضة عدّة لحثهم على اللقاء مع الروس، لكنها لغاية الآن لم تنجح في مهمتها، لا سيّما أنها تعتبر «شخصية مثيرة للجدل» في أوساط المعارضة. واعتبر الدالاتي أن زيارات هذه الشخصيات المعارضة إلى موسكو «لا تعدو كونها محاولة لجس النبض الروسي بعد الإعلان عن استعداد موسكو للتعاون من الجيش الحر»، مشيرا في الوقت عينه إلى أن النتيجة لم تأت مختلفة عن المعطيات والمواقف الروسية المعلنة، أهمها المحافظة على مؤسسات الدولة وبأنهم ليسوا متمسكين بالرئيس السوري بشار الأسد إلى الأبد، إنما وجوده في المرحلة الانتقالية ضروري لمحاربة داعش، مضيفا: «ونحن لا نزال نؤكد أنّنا لن نكون في خندق واحد مع الروس بينما النظام الذي يدعمه يقتل الشعب السوري». من جهته، رأى رمضان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الروس يحاولون قبل الاجتماع الرباعي الثاني في فيينا يوم الجمعة المقبل، القول إنهم يتواصلون مع المعارضة بما فيها الجيش الحر بعدما كانوا أعلنوا استعدادهم التنسيق معهم في محاربة «داعش»، لكن الواقع على الأرض لا يعكس أي تغيير في سياسة موسكو، وكل من هو في المعارضة يعلم جيدا أنّ لقاءه مع مسؤولين روس سيضعه في وضع محرج.



«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.


تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
TT

تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)

على الرغم من أن التوقعات المناخية تشير إلى احتمال تسجيل اليمن خلال الأسابيع المقبلة معدلات أمطار أعلى من المعتاد، فإن المخاوف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي تزايدت مع الغياب شبه الكامل للأمطار في ذروة الموسم المطري مطلع الشهر الحالي.

وتوقعت تقارير مناخية وزراعية دولية أن تشهد أجزاء واسعة من اليمن خلال يونيو (حزيران) الحالي هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق؛ وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات متباينة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في ظل أزمة إنسانية متنامية ناجمة عن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة.

ومع تأكيد منظمات الإغاثة أن أكثر من 18 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي، أوضحت التقديرات المناخية أن يونيو يمثل عادة بداية موسم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث تشهد المرتفعات الغربية والسهول الساحلية أمطاراً متفرقة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، في حين تبقى المناطق الصحراوية في الشرق والوسط أكثر جفافاً.

وأشار تقرير مناخي حديث إلى أن الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي شهدت غياباً شبه كامل للأمطار أو هطولات محدودة للغاية في معظم المحافظات اليمنية؛ الأمر الذي أوجد ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل البعلية وتعافي المراعي الطبيعية.

نحو 73 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة (الأمم المتحدة)

وفي المقابل، سجلت أجزاء من محافظة إب أمطاراً غزيرة تراوحت بين 40 و60 مليمتراً؛ وهو ما أسهم بصورة مؤقتة في تحسين توفر المياه وتعزيز تغذية بعض المصادر المائية المحلية.

ورغم المخاوف المرتبطة باستمرار الجفاف في مناطق واسعة، أبرز التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعات المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع التي تشير إلى احتمال هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء كبيرة من البلاد خلال الفترة المقبلة؛ وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وتغذية المياه الجوفية إذا استمرت الأمطار بوتيرة منتظمة.

ضغط موجات الحر

في المقابل، حذَّر التقرير الأممي من استمرار الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، لا سيما في المناطق الصحراوية الداخلية بمحافظتي حضرموت والمهرة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية، في حين يُتوقع أن تسجل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية.

وأوضح أن موجات الحر المتواصلة قد تؤدي إلى تسارع فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة معدلات التبخر والنتح؛ ما يقلل من الاستفادة الفعلية من مياه الأمطار ويؤثر سلباً في الزراعة البعلية والمراعي الطبيعية وإنتاج الثروة الحيوانية.

كما رجح التقرير أن تتسبب الظروف الجافة في تعطيل أو تأخير عمليات الزراعة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، إضافة إلى الحد من نمو المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع الطلب على مياه الري، ويؤدي إلى استنزاف أسرع لرطوبة التربة؛ ما يزيد تكاليف الإنتاج على المزارعين ويضاعف التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي.

تأخر هطول الأمطار يثير مخاوف قطاع الزراعة في اليمن (الأمم المتحدة)

وتوقع معدّو التقرير أن يبقى تعافي المراعي محدوداً خلال الفترة المقبلة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع توفر المراعي الطبيعية وزيادة الضغوط على سبل عيش الرعاة في مناطق واسعة من البلاد.

كما حذَّروا من أن الثروة الحيوانية قد تواجه مستويات أعلى من الإجهاد الحراري ونقصاً في مصادر المياه؛ وهو ما قد ينعكس على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

ودعا التقرير إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف الإرشادات الزراعية والمناخية للمزارعين والرعاة، ودعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في زراعة الأصناف المقاومة للجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية.

وشدَّد على أهمية تخزين المدخلات الزراعية الأساسية والإمدادات البيطرية وأعلاف الطوارئ مسبقاً في المناطق عالية المخاطر؛ لضمان سرعة الاستجابة في حال تفاقمت الظروف المناخية أو تدهورت الأوضاع الإنسانية.

فجوات التمويل

على صعيد متصل، أكد برنامج الأغذية العالمي وجود فجوات تمويلية كبيرة تعيق قدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتوسيع نطاق الاستجابة الطارئة في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن.

التوسع في بناء الحواجز المائية باليمن للاستفادة منها خلال موسم الجفاف (الأمم المتحدة)

وقال القائم بأعمال رئيس مكتب البرنامج في مأرب، هابي غود جون، خلال لقائه وكيل المحافظة عبد ربه مفتاح، إن نقص التمويل بات يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البرامج الإنسانية وتوسيع قوائم المستفيدين، خصوصاً بين النازحين داخلياً.

ودعا المسؤول الأممي المجتمع الدولي إلى حشد موارد إضافية لدعم العمليات الإنسانية وضمان استمرار تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، محذّراً من أن اتساع الفجوة التمويلية قد يفاقم من معاناة ملايين اليمنيين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.


الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.