بعدما جمعوا تبرعات قياسية... نواب بالكونغرس يتحدون «اللوبي» المؤيد لإسرائيل

بنيامين نتنياهو خلال اجتماع لـ«أيباك» في واشنطن (أرشيفية-أ.ب)
بنيامين نتنياهو خلال اجتماع لـ«أيباك» في واشنطن (أرشيفية-أ.ب)
TT

بعدما جمعوا تبرعات قياسية... نواب بالكونغرس يتحدون «اللوبي» المؤيد لإسرائيل

بنيامين نتنياهو خلال اجتماع لـ«أيباك» في واشنطن (أرشيفية-أ.ب)
بنيامين نتنياهو خلال اجتماع لـ«أيباك» في واشنطن (أرشيفية-أ.ب)

في الأشهر الأربعة التي تلت الهجوم الإسرائيلي على غزة، جمع النواب التقدميون في الكونغرس، الذين دعوا إلى وقف إطلاق النار، تبرعات قياسية رغم تحذيرهم من أن انتقاد سلوك إسرائيل خلال حربها على «حماس» قد يكلفهم سياسياً.

ووفق تقرير أعدته وكالة «أسوشييتد برس»، يتم تمييز أعضاء «الفرقة» - وهي مجموعة من الليبراليين في مجلس النواب - من قبل لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل مثل لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، المعروفة باسم «أيباك». وقد تعهدت هذه الجماعات وتخطط لإنفاق عشرات الملايين من الدولارات لمحاولة هزيمتهم في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية والانتخابات العامة هذا العام، ما يحول المناطق الديمقراطية المضمونة إلى ساحات معارك انتخابية.

تواجه مجموعة المشرعين السود والملونين ما يعدونه «تهديدا وجوديا» لحياتهم السياسية. إنه صراع يثير تساؤلات كبيرة حول من يمكنه أن يكون ديمقراطيا في الكونغرس، وما هي المواقف المسموح بها تجاه إسرائيل والفلسطينيين؟ وما هو الدور الذي يجب أن تضطلع به المجموعات الخارجية في تحديد كليهما.

وخلافاً للدورات السابقة، يتم دعم التقدميين أكثر فأكثر من قبل المجموعات العربية الأميركية والمسلمة التي تنظم نفسها بأعداد قياسية لضمان سماع أصواتها في «الكابيتول هيل». وقال النائب جمال بومان، ديمقراطي من ولاية نيويورك، للوكالة الشهر الماضي: «حقيقة أنه في خضم هجمات أيباك هذه، وفي ظل وجود منافس قوي لدينا، لدينا رقم قياسي لجمع التبرعات، والسبب هو أن المجتمع المسلم شعر بالإحباط والتجريد من إنسانيته طوال هذه الفترة».

النائب جمال بومان (رويترز)

ودافعت «أيباك» عن سجلها، وقالت للوكالة في بيان إن الوقوف إلى جانب الدولة اليهودية يتوافق تماماً مع القيم التقدمية، وإن المجموعة لديها تاريخ في دعم أعضاء التجمع التقدمي في الكونغرس.

ولطالما كان الديمقراطيون في الكونغرس حساسين بشأن الانقسامات حول إسرائيل، حتى إن المشرعين المتحالفين مع «أيباك» امتنعوا عن مناقشة الوضع بشكل رسمي.

ويواجه بومان، وهو من بين مجموعة من 19 ديمقراطياً دعوا إلى وقف إطلاق النار في غزة، منافسا ديمقراطيا تدعمه «أيباك». وقد غيرت المجموعة، التي حققت تاريخياً نفوذاً هائلاً في واشنطن، استراتيجيتها في السنوات القليلة الماضية، فانتقلت من منظمة ضغط إلى مساعدة في انتخاب الديمقراطيين الوسطيين المؤيدين لإسرائيل. وفي عام 2022، بدأت تحدي المرشحين الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية.

قبل شهر نوفمبر (تشرين الأول)، بدأت المجموعة ولجان العمل السياسي المرتبطة بها مرة أخرى في المساهمة في دعم المرشحين الذين يتنافسون ضد أعضاء «الفرقة». وبالإضافة إلى بومان، فإن الديمقراطيين الذين يواجهون منافسين يشملون إلهان عمر من مينيسوتا، وسمر لي من بنسلفانيا، وكوري بوش من ميسوري، وجميعهم لم يطالبوا بوقف إطلاق النار فحسب، بل طالبوا بوقف المساعدات الأميركية لإسرائيل أثناء قصفها.

النائب إلهان عمر (أرشيفية-رويترز)

وتشير التقديرات إلى أن العمليات العسكرية في غزة تسببت في مقتل أكثر من 25000 فلسطيني منذ أكتوبر (تشرين الأول). وتراقب المجموعات التقدمية الحملة من كثب وهي تتتبع التدفق غير المسبوق للأموال إلى سباقات مناطق الكونغرس عند مستوى يُرى عادةً في مقاعد مجلس الشيوخ.

لا «معركة عادلة» في عام 2022

أنفقت «أيباك» نحو 27 مليون دولار لاستهداف المرشحين التقدميين. ومن المتوقع أن يكون «صندوق الحرب» الخاص بها في هذه الدورة أكثر من ضعف هذا المبلغ. في الربع الأخير وحده، كانت المجموعة أكبر مانح لجورج لاتيمر، خصم بومان في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. منحت «أيباك» المدير التنفيذي في مقاطعة ويستتشستر أكثر من 600 ألف دولار، وهو ما يمثل أكثر من 40% من مساهماته البالغة 1.4 مليون دولار حتى الآن، وفقاً لتقارير تمويل الحملات الانتخابية المقدمة.

وفي الوقت نفسه، تمكن بومان من جمع أكثر من 730 ألف دولار في الربع الأخير - تقول حملته إن معظمها جاء من الجماعات العربية والإسلامية الشعبية والمانحين الأفراد. وقال بومان: «المجموعات الإسلامية والعربية تقوم ببناء بنية تحتية مالية وسياسية واجتماعية، للرد على أيباك وللرد على الكيانات التي تواصل تشويه صورتهم كمسلمين وعرب وكأشخاص ذوي بشرة سمراء».

جانب من مؤتمر «أيباك» عام 2018 (أرشيفية-رويترز)

يمثل هذا ربعا قياسيا لبومان الذي دخل الكونغرس وتمكن في ديسمبر (كانون الأول) 2021 بالكاد من جمع 200 ألف دولار من المساهمات. لكن المجموعات الخارجية، مثل حزب العدالة الديمقراطي، تقول إن التحدي الذي ينتظرنا كبير، حيث تتمتع «أيباك» بالقدرة على دفع أكثر من نصف مليون دولار على مرشح واحد في ربع واحد.

وقال أسامة أندرابي، مدير الاتصالات في حزب العدالة الديمقراطي: «هذه ليست معركة عادلة. لم تكن معركة عادلة على الإطلاق».

البحث عن مرشحين

إلى جانب الأعضاء الأربعة في «الفرقة» - بومان، لي، عمر، بوش - الذين يواجهون بالفعل تحديات الانتخابات الأولية والعامة، لا تزال الجماعات المؤيدة لإسرائيل تبحث عن مرشحين لمواجهة بعض المدافعين عن الفلسطينيين الآخرين في الكونغرس. إحدى التقدميات التي ليست غريبة على التحديات التي تدعمها «أيباك» منذ مجيئها إلى واشنطن هي النائب رشيدة طليب من ميشيغان، الفلسطينية الوحيدة التي تخدم في الكونغرس.

وبينما كانت هناك جهود نشطة لتجنيد خصم ضدها في هذه الدورة، لم يقبل أي مرشح مناشدات المجموعات المختلفة لمواجهتها. ومع ذلك، جمعت طليب ما يقرب من 3.7 مليون دولار منذ بداية الحرب في غزة، وهو رقم قياسي لجمع التبرعات لعضو في الكونغرس لولاية ثالثة والتي واجهت هجمات مستمرة من الجانبين بسبب انتقاداتها لإسرائيل.

النائب رشيدة طليب خلال تجمع للمطالبة بوقف لإطلاق النار في غزة (أ.ب)

ويمكن أن يُعزى جمع التبرعات الضخم الذي قامت به طليب إلى حد كبير إلى الجهود الشعبية، حيث تقول الحملة إن التبرعات في الأشهر الثلاثة جاءت من 32600 شخص. وكان أكثر من 20 ألفاً من هؤلاء الأشخاص متبرعين لأول مرة، وكان متوسط التبرع أقل من 75 دولاراً، وفقاً للحملة. وقالت كارولينا تورو رومان، مديرة حملة طليب: «نحن فخورون بحملتنا الشعبية التي تجمع الناس معاً للنضال من أجل العدالة للجميع، بغض النظر عن المكان الذي تعيش فيه أو من أنت».

لقد هزمت طليب بسهولة خصومها الأساسيين في الماضي، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن دائرتها تضم أجزاء من مدينة ديربورن، وهي واحدة من أكبر الجاليات العربية الأميركية في البلاد.

وقال حسين دباجة، وهو من سكان ديربورن ومستشار للحزب الديمقراطي، إن هناك جهداً نشطاً في المجتمع لتقديم الدعم المالي ليس فقط لطليب، ولكن أيضاً لأي من المشرعين الذين دعوا إلى وقف إطلاق النار في غزة. وأضاف: «سواء كان ذلك محادثات على واتساب، أو مجموعات فيسبوك، أو رسائل بريد إلكتروني منسقة من منظمات مختلفة، أو حملات رسائل نصية، أو مكالمات، أو اجتماعات عامة: هناك جهود من المجتمع... ليس فقط في ديربورن أو ديترويت، ولكن في جميع أنحاء البلاد».

رسالة إلى الناخبين والمؤسسة الديمقراطية

قبل شهر نوفمبر، كان الأعضاء التقدميون والمجموعات الخارجية الداعمة لهم يتطلعون إلى ما هو أبعد من أساليب جمع التبرعات لتحدي موقف «أيباك» لدى الحزب الديمقراطي. ويحاول المرشحون الذين تستهدفهم المجموعة رفع مستوى الوعي حول ما يقولون إنه الدور السام الذي تلعبه «أيباك» في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

وفي السنوات الأخيرة، ساعد كثير من المانحين الجمهوريين الرئيسيين في تمويل جهود المجموعة لاستهداف المرشحين الذين ينتقدون إسرائيل. في عام 2022، تم إنفاق غالبية الأموال في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بين النائبين آنذاك آندي ليفين وهيلي ستيفنز في ميشيغان من مانحين من الحزب الجمهوري. بعد الحرب بين إسرائيل و«حماس» في عام 2021، جدد ليفين، الذي نصب نفسه صهيونياً وهو رئيس سابق لكنيس، دعواته إلى حل الدولتين بين إسرائيل وفلسطين.

النائب السابق آندي ليفين (أرشيفية)

أدى ذلك إلى انتقادات قوية ضد ليفين، الذي واجه حملة منظمة من قبل «أيباك». حولت «أيباك» مبلغا غير مسبوق من المال - أكثر من 4 ملايين دولار - إلى ستيفنز، وهو عضو وسطي مؤيد لإسرائيل. فاز ستيفنز في الانتخابات التمهيدية، ما أخرج ليفين من الكونغرس.

وقال ليفين للوكالة الشهر الماضي: «أعتقد أن هذه قضية هيكلية للديمقراطية بشكل عام وقضية وجودية للحزب الديمقراطي. أي نوع من الأحزاب نحن إذا سمحنا للجمهوريين بالدخول وتحديد من سنختاره في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات؟».

وقالت النائب براميلا جايابال، رئيسة التجمع التقدمي التي تعد أيضاً هدفاً لـ«أيباك» هذا العام، إنها تتحدث مع الديمقراطيين الذين ما زالوا يتلقون أموالاً من المجموعة حول الضرر الذي يمكن أن تلحقه بالحزب وجهودهم لاستعادة الأكثرية في مجلس النواب.


مقالات ذات صلة

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

المشرق العربي فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاطهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أكرم العجوري قائد «سرايا القدس» التابعة لحركة «الجهاد الإسلامي» (حسابات داعمة للحركة في «إكس») p-circle

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: نجاة قائد الدائرة العسكرية في «الجهاد» من محاولة اغتيال بإيران

كشفت 3 مصادر في حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية عن نجاة قائد الدائرة العسكرية فيها، أكرم العجوري، من غارة إسرائيلية استهدفته في إيران قبل شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)

مقتل 5 في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة

مسعفون يفيدون بمقتل 5 في غارات إسرائيلية منفصلة، وسكان يفيدون بوقوع اشتباك بين «حماس» ومجموعة مسلحة مدعومة من إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

«مجلس السلام»: خطة غزة تحتاج إلى إحراز تقدم سريع والمحادثات «ليست سهلة»

قال كبير مبعوثي «مجلس السلام» إلى غزة، اليوم (الاثنين)، إنه «متفائل إلى حد ما» بإمكان التوصل إلى اتفاق بشأن خطة نزع سلاح حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)

ترمب سيلتقي موفدي لبنان وإسرائيل خلال محادثات في البيت الأبيض

سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)
سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)
TT

ترمب سيلتقي موفدي لبنان وإسرائيل خلال محادثات في البيت الأبيض

سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)
سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)

سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب موفدي إسرائيل ولبنان خلال جولة ثانية من المحادثات بينهما، الخميس، في البيت الأبيض، بحسب ما قال مسؤول أميركي.

وأضاف المسؤول، طالباً عدم كشف اسمه، أن «المحادثات على مستوى السفراء بين إسرائيل ولبنان ستُعقد الآن في البيت الأبيض»، مشيراً إلى أن «الرئيس ترمب سيستقبل ممثلي البلدين لدى وصولهما»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».


حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد من جديد؛ ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال فعلياً بل نقل الاشتباك من الجو إلى البحر.

فبينما تواصل باكستان مساعيها لعقد جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران من دون موعد محدد حتى الآن، يزداد وضوحاً أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد تفصيل عسكري أو اقتصادي، بل أصبحت أداة التفاوض الأهم في يد إيران، وأداة الضغط الأوضح في يد الولايات المتحدة.

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز تحول داخلي إيراني بالغ الدلالة: صعود «الحرس الثوري» من شريك في القرار إلى مركز ثقله الفعلي، وفق ما يرى مراقبون.

المعطيات المتوافرة حتى الخميس 23 أبريل (نيسان) تشير إلى أن إسلام آباد لم تنجح بعد في تثبيت موعد للجولة الثانية، رغم استمرار الاتصالات الباكستانية مع الطرفين. ونقلت وكالة «رويترز» في وقت سابق عن الخارجية الباكستانية أنه لم تتحدد مواعيد بعد لجولة ثانية، ثم عادت قبل يومين لتنقل الموقف الإيراني نفسه تقريباً: لا تاريخ جديداً قبل الاتفاق على «إطار تفاهم».

كما رحّب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بتمديد وقف النار بطلب من بلاده، فيما قال وزير الداخلية محسن نقوي، بعد لقائه القائمة بالأعمال الأميركية ناتالي بيكر، إنه يأمل «تقدماً إيجابياً» من إيران.

العقدة الأساسية

طريق خالٍ يقود إلى «المنطقة الحمراء» التي تعقد فيها جولات التفاوض بين الإيرانيين والأميركيين في إسلام آباد (أ.ف.ب)

لكن استمرار المسعى الباكستاني لا يعني أن المسار السياسي يتقدم فعلاً. فالعقدة الأساسية، وفق محللين، لم تعد فقط في تفاصيل الملف النووي أو الضمانات الأمنية، بل في ترتيب الأولويات بين الطرفين. واشنطن تريد إبقاء الحصار البحري قائماً حتى تتلقى عرضاً إيرانياً «موحداً»، بينما تعدّ طهران أن التفاوض تحت الحصار ليس تفاوضاً، بل إملاء.

هذا ما يجعل الوساطة الباكستانية حتى الآن أقرب إلى منع الانهيار الكامل منها إلى إنتاج اختراق نوعي. فإسلام آباد تحافظ على قناة التواصل، لكنها لا تملك وحدها كسر التناقض الرئيسي، وهو أن أميركا تريد استخدام الهدنة لتعظيم الضغط، وإيران تريد استخدام هرمز لتعظيم كلفة هذا الضغط.

التحول الأكثر أهمية داخل إيران، كما أظهر تقرير مفصل لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، هو أن القيادة الفعلية في ملفات الحرب والتفاوض والأمن انتقلت إلى جماعة متماسكة من قادة «الحرس الثوري» والدوائر المحيطة بهم، فيما يدير المرشد الجديد مجتبى خامنئي المشهد بصورة أقرب إلى «رئيس مجلس إدارة» لا إلى مرشد يتمتع بالهيمنة التي كان يملكها والده.

ويخلص تقرير الصحيفة، المستند إلى مقابلات واسعة مع مسؤولين وشخصيات إيرانية، إلى أن القادة العسكريين في إيران باتوا أصحاب الكلمة الأثقل في تقرير الاستراتيجية، وأنهم هم الذين دفعوا نحو تشديد المقاربة في البحر، كما أنهم هم الذين قبلوا تكتيكياً، بهدنة مؤقتة وبقنوات تفاوض خلفية حين رأوا أنها تخدم ميزان القوة.

ويقول محللون إن هذا التحول يفسر جزءاً كبيراً من التخبط الظاهر في الرسائل الإيرانية، إذ ليست المشكلة أن القرار مفقود، بل إن مركزه تبدّل. فبدلاً من هرمية دينية - سياسية صارمة، ثمة الآن قيادة أمنية - عسكرية جماعية ترى الحرب والتفاوض وإدارة الاقتصاد، حلقات في معركة بقاء واحدة.

لذلك لم يعد ممكناً فهم موقف طهران من المفاوضات بعيداً عن منطق «الحرس الثوري»، المتمثل في أن أي تسوية يجب أن تُبقي لإيران ورقة ردع فعلية، وأهم هذه الأوراق اليوم ليست الخطاب الآيديولوجي ولا حتى البرنامج النووي وحده، بل القدرة على شلّ الملاحة في مضيق هرمز، أو تنظيمها بشروط إيرانية.

هرمز منصة مساومة

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

المضيق اليوم ليس مغلقاً بالكامل بالمعنى التقني، لكنه معطّل تجارياً. ووصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية الوضع بأنه انتقال من الحرب الجوية إلى «مأزق خانق» في هرمز، مع بقاء وقف النار هشاً واستمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.

ووفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد انخفضت حركة السفن عبر المضيق من نحو 130 سفينة يومياً قبل الحرب إلى مستويات متدنية جداً، بينما تواصل إيران مهاجمة أو اعتراض السفن، بما يبقي حرية الملاحة اسماً بلا مضمون.

كما نقل عن بيانات ملاحية أن 187 سفينة فقط عبرت منذ بدء الإغلاق، أي بمعدل 4 سفن يومياً، مقارنة بأكثر من 130 عادةً. وهذا ما يجعل طهران تشعر بالنجاح وربما الانتصار في هذه الحرب. كما أنها لا تحتاج إلى إغلاق محكم كي تنتج الأثر نفسه، ويكفي أن تجعل المرور ممكناً على نحو استثنائي، أو أن يخضع للخوف والانتظار والمخاطرة، ما يعني أن المضيق يتحول إلى أداة ضغط عالمية.

ولهذا أيضاً يحمل حديث مسؤول إيراني عن تلقي «أول إيرادات» من رسوم عبور المضيق دلالة سياسية أكثر منها مالية.

وتريد إيران تثبيت فكرة أن هرمز بعد الحرب لن يعود كما كان قبلها، وأن ثمن إعادة تدفق التجارة يمر عبر صفقة سياسية لا عبر مجرد ترتيبات أمنية.

إطلاق النار على الزوارق

قوارب وسفن تبحر في مضيق هرمز بالقرب من سلطنة عُمان (رويترز)

في المقابل، يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب منع ترسخ الانطباع بأن إيران، رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية، ما زالت تمسك بالمضيق. لذلك صعّد خطابه حين قال إنه أمر البحرية الأميركية بـ«إطلاق النار» على أي زورق يزرع ألغاماً في هرمز.

وأضاف أنه أمر بزيادة جهود كسح الألغام إلى ثلاثة أضعاف، بحسب تغريدة له على منصته «تروث سوشيال».

هذا الخطاب لا يستهدف طهران فقط، بل أيضاً الرأي العام الأميركي وخصومه الإعلاميين، في ظل تقارير شككت في سرعة استعادة القوات الأميركية السيطرة البحرية الكاملة، وكذلك قدرات إيران العسكرية التي ما تزال تمتلكها.

ومن هنا جاءت حساسية تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الذي قال إن البنتاغون أبلغ الكونغرس في جلسة مغلقة بأن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق نحو ستة أشهر. وأحدثت هذه الرواية صدمة سياسية لأنها تناقض سردية الحسم السريع. لكن متحدثاً باسم البنتاغون نفى لاحقاً، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عدة، أن يكون تقييم الأشهر الستة حكماً نهائياً أو «ممكناً» بالصيغة التي عُرض بها، وهاجم ما سماه «انتقائية» التسريبات من الإحاطة السرية، ما تسبب لاحقاً في سحب الصحيفة لتقريرها.

عملياً، لا يحسم هذا السجال السؤال العسكري بقدر ما يكشف السؤال السياسي: إذا كانت واشنطن واثقة تماماً من قدرتها على تأمين المضيق سريعاً، فلماذا لا تزال الشركات والسفن تتصرف كما لو أن الخطر قائم؟

معادلة الحصار

المأزق الحالي يمكن اختصاره بمعادلة واحدة، وهي أن أميركا تحاصر الموانئ الإيرانية لتخنق الاقتصاد وتدفع طهران إلى تقديم تنازلات؛ وإيران تخنق هرمز لتُظهر أن حصارها ليس مجانياً على العالم.

وحذرت «وول ستريت جورنال» من أن استمرار هذا الوضع يرفع أخطار تباطؤ اقتصادي عالمي حاد، مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، بينما أشارت «نيويورك تايمز» إلى أن إيران، رغم الخسائر العسكرية الكبيرة، ما زالت تحتفظ بقدرة كافية لردع الملاحة التجارية وإبقاء المضيق رهينة مساومة.

وفي الوقت نفسه، أشار قائد القيادة الأميركية المركزية «سنتكوم»، براد كوبر، إلى وجود مروحيات «أباتشي» في محيط المضيق غرضها «إظهار الوجود والردع» وحماية تدفق التجارة، وهو اعتراف ضمني بأن الردع لم يتحول بعد إلى سيطرة مريحة ومكتملة.

لهذا، لا يبدو أن الجولة الثانية من المفاوضات، إن عُقدت في إسلام آباد، ستكون مجرد استئناف روتيني، بل ستكون اختباراً لما إذا كان الطرفان مستعدين فعلاً لتعديل هذه المعادلة.

فطهران، في ظل صعود «الحرس الثوري» ستدخل أي تفاوض وهي أكثر ميلاً إلى ربط كل تنازل برفع ملموس للحصار. وواشنطن في ظل حاجة ترمب إلى إظهار القوة وعدم التراجع، ستسعى إلى تثبيت أن الهدنة ليست مكافأة لإيران، بل فرصة أخيرة لها.


الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
TT

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

في ظل الجدل المتصاعد بشأن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في كثير من الولايات الأميركية، أمر قاضٍ في فيرجينيا بمنع المصادقة على نتائج استفتاء لترسيم جديد يصب في مصلحة الديمقراطيين بالولاية، ونقل الجمهوريون المعركة إلى فلوريدا، في محاولة لإعادة التوازن مع خصومهم قبل أشهر من الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأدى فوز الديمقراطيين في استفتاء فيرجينيا إلى منحهم أفضلية في خريطة يمكن أن تمنح حزبهم 4 مقاعد إضافية في الانتخابات النصفية التي تجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وكان الجمهوريون حصلوا على مكاسب بعد سلسلة إجراءات بدأوها العام الماضي في تكساس، بطلب من الرئيس دونالد ترمب. ومنذ ذلك الحين، تحول «التلاعب» بالدوائر الانتخابية، وهي ممارسة راسخة في البلاد كل 10 سنين، حرباً بين الحزبين الرئيسيين.

حاكم فلوريدا رون دي سانتيس خلال اجتماع في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)

وبعدما أعاد الجمهوريون رسم خريطة الدوائر الانتخابية في تكساس لإضافة 5 مقاعد جمهورية محتملة، ردّ الديمقراطيون في كاليفورنيا بإعادة رسم خريطة ولايتهم لإضافة 5 مقاعد ديمقراطية محتملة. كما أعادت 3 ولايات أخرى؛ هي ميسوري ونورث كارولاينا وأوهايو، رسم خرائطها لإضافة مقاعد جمهورية محتملة.

والآن، احتفل الديمقراطيون بنتيجة فيرجينيا، التي منحتهم خريطة جديدة لمجلس النواب بمقعد واحد مضمون للجمهوريين. ويتألف وفد الولاية في الكونغرس من 11 عضواً، هم حالياً 6 ديمقراطيين و5 جمهوريين. وعلى الصعيد الوطني، تعادل الديمقراطيون بشكل شبه تقريبي مع الجمهوريين في معركة إعادة رسم الدوائر الانتخابية.

اللجوء إلى القضاء

في المقابل، أمل الجمهوريون أن تُبطل المحكمة العليا في فيرجينيا نتيجة الاستفتاء. وقبل الوصول إلى تلك النقطة، أعلن الرئيس ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» أن الاستفتاء «مزور». وكتب: «فلنرَ ما إذا كانت المحاكم ستُصلح هذه المهزلة التي تُسمى: العدالة».

وأصدر القاضي في محكمة مقاطعة تازويل جاك هيرلي قراراً بمنع مسؤولي الولاية من المصادقة على نتيجة الاستفتاء واستخدام الخرائط الجديدة. وكتب أن المحكمة «تُعلن أن كل الأصوات المؤيدة أو المعارضة للتعديل الدستوري المقترح في الانتخابات الخاصة المقررة في 21 أبريل (نيسان) 2026، باطلة».

وعلى الأثر، قال وزير عدل الولاية؛ الديمقراطي جاي جونز، إن مكتبه «سيقدم استئنافاً فورياً» ضد الحكم. وكتب في بيان: «أدلى ناخبو فيرجينيا بأصواتهم، وينبغي ألا يمتلك قاضٍ ناشطٌ حقَّ النقض على تصويت الشعب».

وإذا ما تأكدت نتيجة الاستفتاء، فإنه يبدو أن أمام الجمهوريين فرصاً متضائلة لتوجيه ضربة قوية أخرى في معارك التلاعب بالدوائر الانتخابية. إحدى هذه الفرص، في فلوريدا، تنطوي على مخاطر جسيمة.

فرغم أن حاكم فلوريدا، الجمهوري رون دي سانتيس، أشار إلى نقص مُتصوَّر في تعداد السكان بوصف ذلك مبرراً لرسم خرائط جديدة، فإن أي إعادة تقسيم للدوائر في الولاية ستواجه على الأرجح طعوناً قضائية. كما أن الدوائر الجديدة ذات الميول الجمهورية قد تشتت الناخبين الجمهوريين بشكل كبير؛ مما يُعرض بعض شاغلي المناصب لخطر أكبر بفقدان مقاعدهم.

وأصابت نتائج الاستفتاء الجمهوريين بالإحباط، فتحركوا سريعاً لإعادة رسم الخريطة الانتخابية في فلوريدا، حيث يسيطرون على منصب الحاكم ويتمتعون بأكثرية ساحقة في المجلس التشريعي. لكنّ ثمة شكوكاً متصاعدة داخل الحزب بشأن استراتيجيته الأوسع. وقال المستشار الجمهوري ستيوارت فيرديري: «أنفق الطرفان مئات الملايين من الدولارات للعودة إلى نقطة البداية، وعموماً، انتهى الأمر بخسارة الجمهوريين».

تحذير من المخاطر

رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال حملة انتخابية في فيرجينيا (رويترز)

وأفاد خبير الاستطلاعات جون كوفيلون؛ الذي عمل مع مرشحين جمهوريين، بأن «ما يُريد الجمهوريون في فلوريدا فعله محفوفٌ بالمخاطر». وأضاف أن المناخ السياسي الحالي يُشكّل مخاطر خاصة أمام أي تلاعب عدواني بالدوائر الانتخابية يهدف إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل.

ودعا دي سانتيس المشرعين في الولاية إلى جلسة استثنائية لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية. ولكن قبل أقل من أسبوع من بدء الجلسة، التي أُجّلت، لم يكشف بعدُ عن خريطة جديدة ليعرضها المشرعون. وأبدى مشرعو فلوريدا اهتماماً ضئيلاً بإعادة تقسيم الدوائر، ولا يُتوقع منهم اقتراح خرائط خاصة بهم.

وقال عضو الكونغرس الجمهوري السابق عن جنوب فلوريدا، كارلوس كوربيلو، إن «كل مبادرات إعادة تقسيم الدوائر هذه ضارة»، محذراً بأن حزبه يُخاطر بإضعاف فرص الجمهوريين في بعض الدوائر، وتقويض الثقة بالديمقراطية الأميركية.

ومع أن فلوريدا قد تستحوذ على معظم الاهتمام على المدى القصير، فإن قضية أمام المحكمة العليا الأميركية قد يكون لها تأثير أكبر بكثير على إعادة تقسيم الدوائر.

فإذا ألغت المحكمة هذا البند تماماً، كما بدا أنها على وشك فعله خلال المرافعات الشفوية، فيمكن أن تحاول ولايات كثيرة إعادة رسم خرائطها بسرعة. وقد يعطي قرار المحكمة العليا دي سانتيس مبرراً آخر لرسم خرائط جديدة في فلوريدا.

ومع ذلك، فإنه لا يزال من غير الواضح متى ستُصدر المحكمة حكمها في هذه الدورة، التي تنتهي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو (تموز) المقبلين، علماً بأن صدور حكم متأخر، بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية في عشرات الولايات، سيصعب على كثير من الولايات رسم خرائط جديدة قبل الانتخابات النصفية.

وعلق الناطق الأسبق باسم البيت الأبيض (في عهد الرئيس جورج دبليو بوش)، آري فليشر: «إذا كنت ستخوض معركة، فعلى الأقل انتصر فيها». وأضاف أن «الطرف الآخر سيرد دائماً. كل هذا كان متوقعاً ويمكن تجنبه. ما كان ينبغي لنا أن نبدأ هذه المعركة».