منال الضويان: متحمسة للمستقبل

من ورشات العمل في العلا (الهيئة الملكية للعلا)
من ورشات العمل في العلا (الهيئة الملكية للعلا)
TT

منال الضويان: متحمسة للمستقبل

من ورشات العمل في العلا (الهيئة الملكية للعلا)
من ورشات العمل في العلا (الهيئة الملكية للعلا)

أجلس مع الضويان للحديث عن استعداداتها للعمل المشارك في بينالي فينيسيا، وننطلق من ورشة العمل التي أقيمت في جمعية النهضة النسائية بالرياض الليلة السابقة. تختار أن تبدأ بالحديث عن عملها القادم في بينالي فينيسيا «مشاركتي في البندقية ستكون عبر عمل مفاهيمي تدخل في محتواه مشاركة المرأة، عبر السنين كانت المرأة دائما جزءا من عملي، وكانت السيدات يحضرن ورش العمل التي أقيمها. مشاركتي في هذه المنصة المهمة جدا (بينالي البندقية من أقدم المعارض الفنية في العالم، عمره 150 عاما) تعد أهم لحظة في حياة أي فنان يرشح لتمثيل بلده فيه. قلت لنفسي لن أذهب إلا مع المرأة السعودية التي دعمتني في جميع مشاريعي الفنية».

تصف ورش العمل بأنها «مشاركة اجتماعية»: «لست متأكدة ما الذي دفعني لاختيار هذه الطريقة، أن أجمع الناس، وأطلب منهم المشاركة في الرسم والكتابة ثم جمع المشاركات بعد ذلك أمر يتطلب طاقة كبيرة».

مشاركات في ورشة العمل بالرياض (إيمان الدباغ)

تعدد الأصوات وتعدد التجارب

ترى أن نشأتها في مجتمع نسوي حيث تجتمع النساء بعيدا عن الرجال منحها تقديرا خاصة لتلك «المساحة الآمنة» كما تصف ورشات العمل، ومنها أيضا تستقي الإحساس بأهمية المشاركة الجماعية «دائما أقول على سبيل المثال لو طلب مني أن أصعد على خشبة مسرح لأغني لن أستطيع ذلك بمفردي، فأنا لست مغنية، ولكن إذا كان معي 30 امرأة نغني مع بعض فذلك سيمثل قمة السعادة لي وأيضا سينتج من ذلك صوت متناغم... أنا دائما ألعب على هاتين الفكرتين: حبي لمساحة المرأة واحتياجي لتعدد الأصوات».

تعدد الأصوات يعني تعدد التجارب في قاموس الضويان التي تشرح لي الدور الذي تلعبه المشاركات المختلفة التي تدون في أوراق تجمعها بحرص وحب «أشعر بالقلق من أنني أعبر عن تجربتي الخاصة التي قد تكون مختلفة عن تجربة غيري، فلهذا أحاول الوصول لرأي الأغلبية، وهو أيضا ما يجعلني متواصلة مع المجتمع، ومع المرأة». تستدرك هنا قائلة إن ورش العمل التي تقيمها أصبحت تشمل الرجال أيضا، وتضرب المثل بما تقدمه في العلا حيث تستعد لتقديم عمل ضخم لها ضمن مشروع «وادي الفن» أسمته «واحة القصة». ترى في ذلك التنوع نوعا من التقرب من المجتمع «أؤمن بأن الفنان عليه مسؤولية التواصل مع الناس اللي سترى عمله يوميا في حياتهم، أحس أن ذلك سيجعل سكان المكان يفهمون العمل وقصته أكثر، ومن الممكن أيضا أن ينقلوا الفكرة من مساحتي أنا وطريقة تفكيري لمساحة أخرى لم تخطر لي على بال، تكون مرتبطة بقصصهم الشخصية وحياتهم».

من ورشات العمل في العلا (الهيئة الملكية للعلا)

السيدات اللواتي شاركن من قبل في ورشات عمل أخرى للضويان وانضوت رسوماتهن وكلماتهن داخل أعمال الفنانة مثل «اسمي» و«شجرة الذاكرة»، تصفهم بأنهم «مشاركون متكررون»، «لا أعرف السبب لذلك، ولكن أتخيل أن يكون ذلك بسبب الطاقة الإيجابية الرائعة التي تتميز بها الورشات. السبب الثاني قد يكون الثقة بي كفنانة، شاهد المشاركون الأعمال التي شاركوا فيها تعرض في متاحف عالمية، وعرفوا أن الفكرة لها بداية ونهاية».

طبيعة المشاركات في ورشات العمل تطورت، كما ألاحظ للضويان، من الصديقات والمعارف ثم شملت فئات نسائية أوسع ثم امتدت لتشمل الرجال والأطفال، كيف حدث هذا التغيير؟ تقول «إنَّ التوسع جاء على نحو طبيعي كنت أعمل في فترة زمنية مختلفة من ناحية الاختلاط بالرجال ثم إنَّ المساحة العامة لم تكن مهيأة للمرأة، وتضيف «تجربتي كامرأة وفنانة تتطور مع السنين، أصبحت أفكر بطريقة مختلفة وأعمالي أيضا تطورت بدعم من الدولة، خاصة التكليفات الفنية في العلا وفي الرياض، جعلتني أفكر خارج مساحة الاستوديو، وأفكر أن العمل سيوجد في مكان مختلف، وسيعرض لجمهور أوسع».

أرشيف للمرأة السعودية

المتابع لرحلة الضويان الفنية ومضمون أعمالها يرى أنها صورت مرحلة مفصلية في تاريخ المرأة السعودية فهل تعد الفنانة نفسها مؤرخة لنساء بلدها؟ تقول «الآن أستطيع أن أقول نعم، لكن وقتها لم أكن أدرك ذلك، كنت شابة أحب الفن، كان عندي فضول وأسئلة كثيرة، أحب أن أقرأ، وأعرف، وأن أسافر لمجتمعات مختلفة عني سواء داخل السعودية أو خارجها، أرى الآن أن بعض الأعمال التي صنعتها منذ عشرين عاما أصبحت تاريخاً، وأنا أفتخر بذلك».

أعلق على إجابتها «أعتقد أن بعضها دخل في حيز الذكريات مثل «معلقون سويا» الذي يصور سرباً من الحمامات مطبوع على كل منها نسخة لإذن السفر الذي كانت المرأة تحتاج إليه للسفر خارج المملكة، مثل هذا العمل يمكن اعتباره تاريخاً تراه الأجيال القادمة». ترد «بالضبط، الأجيال القادمة، الآن البنات الصغيرات مثل بنات شقيقاتي، يقلن لي وقت النوم احكين لنا قصة من طفولتك ما يجعلني أحس بأن الفن مدونة المجتمع لتفهم الأجيال القادمة تجربتنا التي أوصلتنا لهنا».

من عمل «معلقون سوياً»... (من مقتنيات متحف)

واحة القصة

جدول منال الضويان ليس به أيام راحة فهي في حالة عمل مستمر، إلى جانب الاستعداد لعملها في فينيسيا الذي لا تفصح عن تفاصيله، هناك معرضان منفردان تقيمهما في مدينة العلا حاليا، أحدهما مرتبط بعملها المقبل ضمن مشروع وادي الفن بالعلا. تتحدث عن المشروع قائلة: «في عام 2016 طلبت مني الهيئة الملكية للعلا أن أقدم فكرة من وحي الخيال لعمل فني وبالفعل قدمت لهم فكرة مجنونة، كان الهدف منها أنها ستدون في كتاب فقط، بعد سنتين قالوا سننفذها، وقتها عدت للفكرة لتكوين جذور لها، وأسميت العمل (واحة القصة)».

جدير بالذكر أن وادي الفن يعتمد على الأعمال الفنية الضخمة المنفذة في أحد أودية العلا وتم تخصيص مواقع محددة لكل فنان مشارك لينفذ عملاً يرتبط بالمدينة. عمل الضويان سيقام في موقع يحده جبلان، واختارت الفنانة أن يعتمد على جدران منازل البلدة القديمة في العلا المسجلة ضمن قائمة اليونيسكو. تتحدث بحب عن العلا «هي مدينة عمرها 600 عام، جذبتني الطاقة التي تحملها تلك الجدران وما تتضمنه من قصص الناس الذين عاشوا بها، والفنان دائما يعشق القصص». في بحثها في حكايات سكان المدينة تلاحظ الفنانة أن النقشات والكتابات على الحجر، وعلى الجبال تحكي تاريخا متنوعا «بكل جدار، وعلى كل صخرة في الصحراء نرى النقش والكتابات، الشعوب التي عاشت وقوافل التجارة التي مرت هنا عبر السنين كلها كتبت قصصها على أحجار العلا وهو ما جعلني أتساءل عن قصة أهل المدينة اليوم. لجأت إلى فئات من المجتمع: المزارعين، ربات البيوت، الطلبة في المدارس وغيرهم ليرسموا لي قصصهم اليوم، وبالفعل عقدنا ورشات عمل لمدة أربعة شهور تقريبا، وجمعنا فوق الـ1000 رسم».

تصور لعمل «واحة القصة» الذي سيفتتح في العلا عام 2026 (الهيئة الملكية للعلا)

وحتى يحين موعد العرض في 2026 تقيم الفنانة معرضا للرسومات التي جمعتها تعده أحد فصول عملها الفني قبل أن يتخذ شكله النهائي «أردت أن يروا رسوماتهم موجودة على الجدران ومضمنة في كتاب، وأن يروا أن للعمل خطوات قادمة».

السؤال المطروح هنا يبدو لي عن مصير كل تلك المشاركات المجتمعية التي جمعتها الفنانة عبر سنوات طويلة، هل تفكر بإقامة أرشيف لكل المساهمات؟ تجيب «كل الأعمال التي قدمت في ورشات العمل ستأخذ مكانها في متاحف المملكة، على سبيل المثال تم ضم رسومات عملي «شجرة الذاكرة» لمجموعة أحد المتاحف بالرياض، وبالنسبة إلى الرسومات التي نتجت من ورش العلا فستدخل متحف الفن المعاصر الذي يُبْنَى حاليا في العلا، كلها ستكون أرشيفاً يكون في متناول الباحثين في المستقبل... وأنا جدا متحمسة للمستقبل.



خالد يسلم لـ«الشرق الأوسط»: الدراما الواقعية تشبهني

يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)
يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)
TT

خالد يسلم لـ«الشرق الأوسط»: الدراما الواقعية تشبهني

يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)
يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)

بين أحياء جدة الصاخبة، وتجربة الوظيفة في منطقة نائية، والانتقال بين دهاليز العمل المؤسسي... تشكّلت شخصية الممثل السعودي خالد يسلم بعيداً عن المسار التقليدي للفنانين؛ مما يجعله يراهن على المخزون الإنساني الذي جمعه من محطات الحياة المختلفة والتقاطاته تفاصيل البشر في الشارع والميدان، لتجسيدها عبر أدوار متنوعة في الدراما الاجتماعية المحليّة.

يتحدث يسلم لـ«الشرق الأوسط» عن رحلته مع الفن التي تجاوزت 10 سنوات، موضحاً أن التمثيل بالنسبة إليه لم يكن قراراً مفاجئاً بقدر ما كان تراكماً طويلاً من المراقبة والاحتكاك بالناس والتجارب الإنسانية المختلفة، التي جعلته يرى المجال بفلسفة تميل كثيراً إلى الواقعية.

خالد يسلم في دور «المقدم ماجد» بمسلسل «حفرة جهنم» الذي بدأ عرضه مؤخراً (إم بي سي - MBC)

«حفرة جهنم»... رجل أمن من جديد

بحماسة عالية، يؤكد أن أحدث أعماله مسلسل «حفرة جهنم»، الذي بدأ عرضه مؤخراً على قناة «إم بي سي (MBC)»، محطة مختلفة في مسيرته، فهو يرى أن ما جذبه منذ البداية كان النص نفسه، موضحاً أن «الاسكريبت» حمل اختلافاً عن كثير من الأعمال المتداولة، خصوصاً دور «المقدم ماجد»؛ فالشخصية التي يقدمها هذه المرة تحمل جانباً إنسانياً وصراعاً داخلياً وعائلياً، مع ماضٍ يلاحقها باستمرار، عادّاً أن هذا النوع من الأدوار المركبة ظل نادراً في الدراما التلفزيونية السعودية.

ولأن يسلم ظهر سابقاً بشخصية وزي رجل الأمن، فكان لا بد من سؤاله عن التقاطع بين «المقدم ماجد» في «حفرة جهنم» و«العقيد عزام» في «رشاش»... وهنا يُوضح أن التخوف من تكرار النمط كان حاضراً منذ البداية، قبل أن يكتشف الفروق العميقة بين الشخصيتين، مؤكداً أن «حفرة جهنم» منحه فرصة لتقديم شخصية أشد سوداوية، تركض داخل الأحياء العشوائية وتعيش مطاردة مستمرة، بخلاف شخصياته السابقة، التي كان من آخرها الكابتن الطيار الهادئ والأنيق؛ الذي قدمه في المسلسل الرمضاني «أم 44».

العيون الملونة والصورة النمطية

ومن اللافت لدى الممثل خالد يسلم ملامح مميزة وعيون ملونة، على غير المعتاد في الممثلين المحليين؛ مما جعل الحديث ينتقل إلى الصور النمطية داخل الدراما السعودية؛ نظراً إلى أن بعض الممثلين من أصحاب الملامح المختلفة يوضعون غالباً داخل قوالب اجتماعية محددة، كأن يكون الشخص من طبقة مرفهة أو من خلفية مختلطة أو متعلمة بصورة نمطية متكررة.

وهنا يؤكد خالد أن ذلك لم يُقيده، مستشهداً بتجربته في فيلم «الهامور» حين قدم دور محتال من طبقة أقل، كما يرى أن الصناعة السعودية «ما زالت تتعامل بحذر مع التنوع الشكلي والاجتماعي داخل الشخصيات»، متناولاً مسلسل «رشاش»، حيث يوضح أنه كان يتمنى رؤية تنوع أوسع في شخصيات رجال الأمن؛ من جازان والأحساء والغربية ومناطق أخرى، «بما يعكس صورة المجتمع السعودي الحقيقي بتنوعه».

البطولة... منظور مختلف

وفي حديثه عن بطولة «حفرة جهنم»، يقدّم خالد يسلم رؤية مختلفة عن التصور الشائع المرتبط بفكرة «البطولة المطلقة»، لافتاً إلى أن أول بطولة مطلقة حصل عليها كانت في عام 2019، وأن هذا ليس هاجساً بالنسبة إليه؛ فهمّه الحقيقي «ينصب على جودة الدور ومحوريته داخل العمل، بغض النظر عن عدد المشاهد أو ترتيب الاسم على الملصق الدعائي». كما يرى أن لعبه «دوراً ثانوياً في عمل جيد أكبر إغراءً من بطولة مطلقة داخل عمل ضعيف».

ينتظر خالد يسلم نصاً كوميدياً يشكل مرحلة جديدة في مسيرته (حسابه على إنستغرام)

الانسجام ركيزة في الدراما

ومن أكثر الجوانب اللافتة في حديث خالد يسلم، وصفه تأثير العلاقات الإنسانية بين الممثلين على جودة العمل، حيث يؤكد أن «معرفة الممثلين بعضهم ببعض خارج العمل تنعكس مباشرة على الأداء والانسجام»، مستشهداً مرةً أخرى بتجربة «رشاش»، حين «عاش فريق العمل أشهراً طويلة معاً خلال فترة (كورونا)؛ الأمر الذي خلق ألفة حقيقية ظهرت حتى على مستوى حركة الكاميرا والإضاءة». ويلفت إلى أن «هذا الانسجام الإنساني يمثل عنصراً أساسياً في نجاح الأعمال الدرامية، والتفاهم بين الممثلين يمنح المشاهد إحساساً حقيقياً بالعلاقات داخل القصة».

أما على مستوى اختياراته الفنية، فيبدو واضحاً ميل خالد يسلم نحو الدراما الاجتماعية والقصص القريبة من الواقع؛ إذ يرى أن الأعمال التي تعكس الحياة اليومية وتجارب الناس الحقيقية تستهويه أكبر من الأعمال التي تعتمد على المبالغات غير الواقعية.

في المقابل، يتحدث عن الكوميديا بحذر، مؤكداً أنه ينتظر «نصاً كوميدياً مختلفاً يقدّم مساحة حقيقية للأداء والكتابة الجيدة»، وهنا يتضح الفارق بين الشخصيات الجادة التي يقدمها على الشاشة وتوقه إلى تقديم أدوار كوميدية، حيث يكشف عن أن كثيرين يفاجأون بطبيعته المرحة خارج الشاشة؛ بسبب ارتباط صورته الدرامية بالشخصيات الجادة والهادئة.

كيف اكتشف التمثيل؟

عند العودة إلى البدايات، فإن دخوله الفعلي الفن بدأ من بوابة الإعلانات، بعد استجابته مع مجموعة من أصدقائه لإعلان يبحث عن «موديلز»، ويشير إلى أن تلك المرحلة منحته ألفة مع الكاميرا، خصوصاً مع وجود تجارب سابقة له في المسرح والعمل الطلابي والتطوعي، حيث كان يقدم ورشات عمل أمام الجمهور؛ الأمر الذي أسهم في كسر رهبة الكاميرا مبكراً. ويوضح خالد أن المخرج محمود صباغ كان أول من منحه فرصة تمثيلية حقيقية، حين شارك بمشاهد عدة في فيلم «بركة يقابل بركة»، إلا إنه يخصص مساحة أكبر للحديث عن المخرج عبد الإله القرشي، الذي يصفه بأنه صاحب التأثير الحقيقي في تعميق تجربته الفنية.

وبحماس كبير، يستعيد خالد تفاصيل أول فيلم قصير جمعه مع عبد الإله القرشي، موضحاً أن التحضير استمر 7 أيام كاملة مقابل 3 أيام تصوير فقط. وخلال تلك الفترة، اكتشف أول مرة معنى «تقمص الشخصية»، حين شعر بأن شخصيته الحقيقية بدأت تتداخل مع الشخصية التي يؤديها. ويرى أن هذه التجربة كانت نقطة التحول الأساسية التي جعلته يحب التمثيل بوصفه مساحة للذهاب نحو شخصيات مختلفة عنه تماماً.

التفرّغ للفن... رحلة الفرص

وفي حديثه عن التفرغ للفن، يصف خالد يسلم المرحلة الحالية بأنها مليئة بالتحديات مع اتساع السوق الفنية السعودية، ويرى أن «المرحلة المقبلة تحتاج إلى تنظيم مشابه لما حدث في القطاع الرياضي، حيث أصبح الرياضي المحترف يتمتع بمنظومة واضحة وحقوق مهنية محددة». في المقابل، يؤكد أن «التفرغ للفن يحمل جانباً إيجابياً أيضاً؛ لأنه يدفع الفنان إلى البحث المستمر عن الفرص وعدم انتظارها».

وعند سؤاله عن معادلة النجاح داخل المجال، فإنه يرفض اختصارها في الموهبة فقط، مؤكداً أن الحضور والتواصل والعلاقات الإنسانية تلعب دوراً مهماً في وصول الفنان إلى الفرص المناسبة، ويستشهد بمواقف حدثت معه حين كتب بعض الكتّاب شخصيات وهم يتخيلونه داخلها بعد متابعته أو اللقاء به شخصياً.

أما أكبر ما بدا واضحاً في نهاية حديثه، فهو اهتمام خالد يسلم بالجيل الجديد من صنّاع الأفلام؛ إذ يؤمن بأن «حضور الفنانين مهرجانات الطلبة وأعمالهم يمثل مسؤولية أخلاقية وفنية»، مؤكداً أن «الفنان يمتلك مسؤولية اجتماعية تجاه المجتمع، عبر الدعم والمشاركة والمساندة، حتى تتوسع دائرة الفرص داخل الصناعة السينمائية السعودية».


ممارسة الفنون تؤخر الشيخوخة بفاعلية مماثلة للرياضة

زيارة المتاحف والمعارض من الأنشطة التي تسهم في إبطاء الشيخوخة البيولوجية (جامعة ييل)
زيارة المتاحف والمعارض من الأنشطة التي تسهم في إبطاء الشيخوخة البيولوجية (جامعة ييل)
TT

ممارسة الفنون تؤخر الشيخوخة بفاعلية مماثلة للرياضة

زيارة المتاحف والمعارض من الأنشطة التي تسهم في إبطاء الشيخوخة البيولوجية (جامعة ييل)
زيارة المتاحف والمعارض من الأنشطة التي تسهم في إبطاء الشيخوخة البيولوجية (جامعة ييل)

ربطت دراسة بريطانية بين المواظبة على الأنشطة الفنية والثقافية، مثل القراءة والاستماع إلى الموسيقى وزيارة المتاحف والمعارض، وبين إبطاء وتيرة الشيخوخة على المستوى البيولوجي، بما يعادل في تأثيره الإيجابي ممارسة الرياضة.

وأوضح باحثون من كلية لندن الجامعية أن نتائج الدراسة تقدم دليلاً بيولوجياً مباشراً على أن الفنون ليست مجرد وسيلة للترفيه أو تحسين الحالة النفسية، بل قد تؤثر فعلياً في آليات الشيخوخة داخل الجسم، ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Innovation in Aging».

والشيخوخة البيولوجية هي التغيرات التدريجية التي تحدث داخل خلايا وأنسجة الجسم مع التقدم في العمر، وتعكس الحالة الصحية الفعلية للجسم، والتي قد تختلف عن العمر الزمني للشخص. ويقيس العلماء هذا النوع من الشيخوخة عبر مؤشرات حيوية، مثل التغيرات الكيميائية في الحمض النووي، لتقدير سرعة تدهور وظائف الجسم وخطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بالعمر، مثل أمراض القلب والخرف والسكري. وقد يكون شخصان في العمر الزمني نفسه، لكن أحدهما أصغر أو أكبر بيولوجياً تبعاً لنمط حياته وحالته الصحية العامة. واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات 3556 بالغاً في المملكة المتحدة، شملت استبيانات حول العادات الثقافية والفنية، إلى جانب فحوصات دم متخصصة تقيس التغيرات الكيميائية المرتبطة بالعمر داخل الحمض النووي.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يشاركون في الأنشطة الفنية والثقافية بشكل متكرر ومتنوّع بدوا أصغر سناً من الناحية البيولوجية مقارنة بالذين نادراً ما يشاركون فيها، كما سجلت أجسامهم وتيرة أبطأ في التقدم بالعمر. وشملت هذه الأنشطة بشكل أساسي القراءة، والاستماع إلى الموسيقى، وزيارة المتاحف والمعارض الفنية، إضافة إلى حضور الفعاليات الثقافية.

وأشارت النتائج إلى أن الأشخاص الذين يمارسون نشاطاً فنياً مرة واحدة أسبوعياً على الأقل يشيخون بوتيرة أبطأ بنسبة 4 في المائة مقارنة بمن يشاركون في هذه الأنشطة نادراً، وهي نسبة تقارب الفائدة المرتبطة بممارسة الرياضة بانتظام مقارنة بعدم ممارسة أي نشاط بدني.

كما أوضحت الدراسة أن هذه العلاقة كانت أكثر وضوحاً لدى البالغين في منتصف العمر وكبار السن ممن تجاوزوا سن الأربعين، واستمرت النتائج حتى بعد ضبط عوامل مؤثرة مثل مؤشر كتلة الجسم، والتدخين، ومستوى التعليم، والدخل.

وأظهرت النتائج أيضاً أن ممارسة الأنشطة الفنية 3 مرات سنوياً ارتبطت بإبطاء الشيخوخة بنسبة 2 في المائة، بينما ارتبطت الممارسة الشهرية بإبطائها بنسبة 3 في المائة، في حين وصلت النسبة إلى 4 في المائة لدى من يمارسونها أسبوعياً، مقارنة بمن يشاركون فيها أقل من 3 مرات سنوياً.

وفي اختبار آخر يقيس العمر البيولوجي، تبين أن من يمارسون الأنشطة الفنية أسبوعياً كانوا أصغر بيولوجياً بنحو عام كامل في المتوسط مقارنة بمن نادراً ما يشاركون فيها، بينما بدا من يمارسون الرياضة أسبوعياً أصغر بنحو نصف عام فقط. وخلص الباحثون إلى إن للفنون تأثيراً صحياً ملموساً على المستوى البيولوجي، مشيرين إلى ضرورة النظر إلى الأنشطة الفنية والثقافية بوصفها سلوكاً داعماً للصحة، إلى جانب التمارين الرياضية.


مصر تودع عبد الرحمن أبو زهرة صائد الأدوار الصعبة

عبد الرحمن أبو زهرة قدم العديد من الأدوار المؤثرة (وزارة الثقافة المصرية)
عبد الرحمن أبو زهرة قدم العديد من الأدوار المؤثرة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تودع عبد الرحمن أبو زهرة صائد الأدوار الصعبة

عبد الرحمن أبو زهرة قدم العديد من الأدوار المؤثرة (وزارة الثقافة المصرية)
عبد الرحمن أبو زهرة قدم العديد من الأدوار المؤثرة (وزارة الثقافة المصرية)

ودعت مصر الفنان عبد الرحمن أبو زهرة، الذي غيبه الموت، الاثنين، عن عمر ناهز 92 عاماً، بعد مسيرة فنية حافلة بالعطاء والإبداع.

وأمضى الفنان الراحل نحو شهرين بغرفة العناية المركزة بالمستشفى الذي نُقل إليه في عيد الفطر الماضي، بعد تعرضه لأزمة تنفسية.

وشيّع رموز من الوسط الفني المصري جثمانه الذي مر بالمسرح القومي (وسط القاهرة) حسب وصيته، وفق ما ذكرته وسائل إعلام محلية، وكأنه يودع المكان الذي تعلق به، وشهد نجاحاته منذ بداياته.

ونعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الفنان الراحل، عبر الصفحة الرسمية للرئاسة على «فيسبوك»، قائلاً: «خالص العزاء في وفاة الفنان القدير عبد الرحمن أبو زهرة الذي قدم أعمالاً فنية قيمة ومميزة في المسرح والسينما والتلفزيون».

ونعت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الفنان الراحل، مؤكدة أنه «كان أحد أعمدة الفن الراقي، وصاحب تجربة إبداعية استثنائية أَثرت المسرح والسينما والدراما والإذاعة بما قدمه من أعمال خالدة جَسدت قيمة الفن الحقيقي ورَسخت حضوره في وجدان أجيال متعاقبة من الجمهور العربي».

وقالت إن «الفنان الراحل كان ابناً أصيلاً للمسرح المصري وأحد رموزه البارزين، حيث ارتبط اسمه بالمسرح القومي، وقدم من خلاله أعمالاً خالدة أسهمت في إثراء الحركة الفنية والثقافية».

كما نعاه اتحاد الفنانين العرب ونقابة المهن السينمائية عبر بيان جاء فيه أن «الفن العربي فقد قيمة فنية مهمة، وأن الفنان الراحل كان مثالاً للالتزام والقدوة، وترك إرثاً خالداً في وجدان الجمهور العربي بعدما تجاوز رصيده الفني أكثر من 420 عملاً».

وودع عدد كبير من الفنانين الفنان الراحل عبر صفحاتهم، فكتبت عبلة كامل: «وداعاً المعلم إبراهيم سردينة»، ونشرت مقطع فيديو له من مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» الذي شاركته بطولته أمام النجم الراحل نور الشريف.

ووجهت إسعاد يونس التعازي لأسرته، بينما كتبت هند صبري: «فقدنا قيمة فنية وإنسانية كبيرة أثَرت في أجيال عديدة». وتوجه الفنان رشوان توفيق رفيق رحلة أبو زهرة لحضور لحظات وداعه الأخيرة خلال تشييع جثمانه، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «أرثي صديق العمر، وأودع توأم روحي، فقد تزاملنا منذ كنا في السنة الأولى بمعهد التمثيل، ورغم زمالتنا فكنت أعده أستاذي، وأستشيره قبل أن أوافق على أي عمل؛ لأنه بطبيعته شخصية جاد في عمله، ومنضبط في مواعيده».

ويلفت رشوان توفيق إلي أن «أبو زهرة اعتاد أن يذاكر دوره جيداً مثل التلميذ، أذكر حين كنا نصور مسلسل (عمر بن عبد العزيز)، وكان يؤدي شخصية (الحجاج بن يوسف الثقفي)، وهو أعظم ممثل أداها على الإطلاق، كان يقول بأحد المشاهد مونولوجاً طويلاً وصعباً فعلق الفنان عمر الحريري، وقال له أنا أستغرب؛ لأنك لا تُخطئ أبداً، فقال عبد الرحمن لي ونحن عائدان معاً بعد التصوير إن أحداً لا يعرف أنني كنت أذاكر في البيت، وأنني أديته عشرات المرات مع نفسي حتى لا أُخطئ في كلمة».

في مشهد من فيلم «أرض الخوف» (يوتيوب)

وعُرف الفنان الراحل بأنه «صائد الأدوار الصعبة» والتاريخية، وصاحب الأداء المتمكن باللغة العربية الفصحى، على غرار شخصية «الحجاج بن يوسف الثقفي» التي جسدها ببراعة، كما قدم عدداً كبيراً من كلاسيكيات المسرح المصري والعالمي على خشبة المسرح القومي، ومن بينها: «ياسين وبهية»، و«الفرافير»، و«لعبة السلطان»، و«حلاق بغداد».

وتألق بأدوار مماثلة في الدراما التلفزيونية ومن بينها «ليلة سقوط غرناطة»، و«الظاهر بيبرس»، و«الليث بن سعد»، إلى جانب دوره الذي لا يُنسى في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي»، كما قدم أدواراً مؤثرة في العديد من الأفلام من بينها «الجزيرة» و«أرض الخوف»، وكان لصوته المميز حضور في أفلام عالمية لوالت ديزني عن طريق الدوبلاج في فيلم «الملك الأسد» بدور الأسد الشرير «سكار».

وُلد عبد الرحمن أبو زهرة في 8 مارس (آذار) 1934 بمحافظة دمياط، وفقد والده مدرس اللغة العربية منذ طفولته. ولفت أبو زهرة في أحد لقاءاته التلفزيونية إلى أن تمكنه في الأداء بالعربية الفصحى يرجع لقراءته للقرآن الكريم وإجادته لترتيله، وأنه علم نفسه القراءة الصحيحة.

برع أبو زهرة في تقديم دور الحجاج بن يوسف الثقفي (يوتيوب)

وعَدت الناقدة الفنية المصرية ماجدة خير الله الفنان الراحل عبد الرحمن أبو زهرة «من آخر الأجيال التي تأسست على الأداء الجيد بالفصحى، فهو ابن المسرح القومي وممثل قوي، ولعل من أفضل أدواره تجسيده لشخصية (الحجاج بن يوسف الثقفي)».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «أبو زهرة نجح في مجال دبلجة الأفلام العالمية على غرار دوره في فيلمي «الملك الأسد» و«علاء الدين»، وكان صاحب صوت مميز، وقدم أداءً لافتاً جعل الأطفال تتعلق به وكانت براعته سبباً في انتشار هذه الأفلام بمصر».

ووصفت ماجدة الفنان الراحل بأنه «يُبدع حيث يكون، وأن دور (المعلم سردينة) بمسلسل (لن أعيش في جلباب أبي) ليس مجرد دور في مسلسل ناجح، بل عمل على تغيير ملامح المعلم العصامي، وكان هذا آخر العهد بالبيئة الشعبية في الدراما المصرية، كما يجب أن تكون».

وتُشير الناقدة المصرية إلى أن الفنان الراحل كان مغبوناً سينمائياً، لكنه ترك أثراً في مشاهد لا تُنسى، ولعل دوره في فيلم «أرض الخوف» كان أداءً عبقرياً أمام أحمد زكي، وكان من أهم مشاهد الفيلم.