شولتس في واشنطن لحث الأميركيين على إكمال الدعم لأوكرانيا

مصادر ألمانية: نعلم محدودية تأثيرنا في واشنطن ولكن لا نفهم ما الذي تغير لوقف الدعم لكييف

صورة أرشيفية للقاء بين الرئيس الأميركي جو بايدن والمستشار الألماني أولاف شولتس في البيت الأبيض في مارس العام الماضي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية للقاء بين الرئيس الأميركي جو بايدن والمستشار الألماني أولاف شولتس في البيت الأبيض في مارس العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

شولتس في واشنطن لحث الأميركيين على إكمال الدعم لأوكرانيا

صورة أرشيفية للقاء بين الرئيس الأميركي جو بايدن والمستشار الألماني أولاف شولتس في البيت الأبيض في مارس العام الماضي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية للقاء بين الرئيس الأميركي جو بايدن والمستشار الألماني أولاف شولتس في البيت الأبيض في مارس العام الماضي (أ.ف.ب)

يتزايد القلق في ألمانيا من تراجع الدعم الغربي لأوكرانيا التي تقترب من دخول عامها الثالث في الحرب مع روسيا.

وفيما ترى برلين أنها باتت تسير شبه منفردة في دعمها العسكري المتزايد لكييف، انطلق المستشار الألماني أولاف شولتس في مهمة لحشد ضمان استمرار الدعم الأوروبي والأميركي لأوكرانيا.

المستشار الألماني أولاف شولتس (إ.ب.أ)

وبهذا الهدف يزور شولتس واشنطن يومي الخميس والجمعة، حيث سيلتقي بالرئيس الأميركي جو بايدن ومجموعة من أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في محاولة لإقناعهم بالموافقة على حزمة المساعدات العسكرية المعرقلة داخل الكونغرس حتى الآن وتهدد بوقف الدعم الأميركي.

مقر «الاتحاد الأوروبي» (أ.ف.ب)

ويتخطى القلق الألماني العوائق الحالية في واشنطن لاستمرار الدعم لأوكرانيا، إلى مخاوف حقيقية من عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب للرئاسة في نهاية العام الحالي. ومع ذلك، لم يتواصل فريق المستشار مع فريق ترمب لتدبير لقاء بين الرجلين.

وقالت مصادر حكومية في برلين إن «ترمب لا يعقد حالياً لقاءات رسمية، ومع ذلك فإن فكرة لقائه لم تكن أصلاً مطروحة». ولكنه أشار إلى العشاء الذي سيجمع شولتس وفريقه مع أعضاء من الكونغرس في مقر السفارة الألمانية في واشنطن ليل الخميس، مشيراً إلى أن «على الأقل عضوين في الكونغرس من الموالين لترمب» سيكونان من بين الحاضرين.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسط جنوده في منطقة خاركيف (الرئاسة الأوكرانية - أ.ب)

ولا يخطط مكتب المستشار ولا الرئيس الأميركي لأي لقاءات مشتركة مع الصحافة ولا مؤتمرات صحافية، وهو ما أعاده مسؤولون ألمان إلى أن الزيارة هي «زيارة عمل»، وهدفها «توضيح مدى التزام ألمانيا بدعم أوكرانيا»، وهو الذي تبلور بحزمة مساعدات عسكرية جديدة بقيمة 7 مليارات يورو ستقدمها ألمانيا هذا العام، ما يوصل المساعدات العسكرية الألمانية لأوكرانيا منذ بداية الحرب إلى قرابة 30 مليار يورو.

قادة أوروبيون في اجتماع تشاوري في بروكسل بحضور فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر أمس (أ.ف.ب)

وباتت ألمانيا ثاني أكبر دولة تقدم المساعدات لأوكرانيا، بعد الولايات المتحدة، والأولى أوروبياً، في تناقض لتلكؤها الكبير في بداية الحرب، حيث تسبب إعلانها عن تقديم 5000 خوذة عسكرية للجيش الأوكراني بموجة غضب واسعة بين حلفائها.

ولكن منذ ذلك الحين زادت برلين من مساعداتها ودعمها بشكل كبير، وابتعدت كثيراً عن الدول الأوروبية الأخرى خاصة فرنسا التي تراجعت عن كثير من التزاماتها لأوكرانيا.

رئيس الوزراء المجري مع نظيره السلوفاكي (إ.ب.أ)

وقالت مصادر في الحكومة الألمانية إن المستشار سيوضح حجم المساعدات الألمانية، ويشدد على ضرورة استمرار الدعم الأميركي في الوقت نفسه. ولكنها أضافت بأن ألمانيا «لا تبغي أن تبالغ بتقدير تأثيرها في واشنطن»، وأضافت: «ما يمكن أن نفعله هو أن نؤكد رؤيتنا بأن هناك حاجة ماسة لاستمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، ونوضح للأميركيين أنهم ليسوا بمفردهم من يقدمون هذه المساعدات، وأننا (بوصفنا) أوروبيين نقوم بدورنا كذلك، ونرى أن تقديم المساعدات معاً هو تحدٍّ مشترك بين الحفاء عبر الأطلسي».

المستشار الألماني شولتس مصافحاً رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الخميس في بروكسل بمناسبة القمة الأوروبية المخصصة لأوكرانيا (أ.ف.ب)

وأكدت المصادر المقربة من شولتس أن «ألمانيا تبذل الكثير وتقوم بذلك عن قناعة كاملة، ولكن لا يمكننا الإكمال بذلك إلا من خلال جهود أوروبية مشتركة». ورأت المصادر أن «الأولوية الآن هي أن يتحمل الجميع في أوروبا مسؤولياتهم، فيما الأولوية الثانية أن يستمر الكونغرس الأميركي بالمساعدات الكريمة والمهمة لأوكرانيا حتى الآن».

زيلينسكي يخاطب المجلس الأوروبي في بروكسل الخميس (إ.ب.أ)

وأشارت إلى أن «واشنطن لا تقدم هذه المساعدات بهدف إحداث تغيير، ولكن بسبب فهمها للعواقب التي قد تنتج عن خسارة أوكرانيا لهذه الحرب». وشددت المصادر على أن ألمانيا «على اقتناع راسخ بأن الأسباب التي تدعو للتصدي لذلك من خلال المساعدات الضخمة لأوكرانيا ما زالت قائمة، ولهذا ليس واضحاً بالنسبة لنا لماذا يمكن أن يتوقف ذلك الآن».

وتراهن ألمانيا على أن تكون زيارة شولتس بداية لنقاش أطول مع الأميركيين، خاصة أن ميونيخ تستضيف مؤتمر الأمن الأسبوع المقبل، وهو ما يجذب عادة وفداً كبيراً من الكونغرس سيكون حاضراً هذا العام كذلك، إلى جانب عدد كبير من المسؤولين الألمان من بينهم المستشار شولتس. وسيكون على الأرجح حاضراً بشكل شخصي كذلك في ميونيخ هذا العام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي توجه للمؤتمر العام الماضي عبر دائرة الفيديو من كييف.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في طريقه الخميس إلى الانضمام للقادة الأوروبيين المجتمعين في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ف.ب)

وتعمل ألمانيا منذ أسابيع على إقناع شركائها الأوروبيين بزيادة وتسريع جهود الدعم لأوكرانيا، وتشكو من تراجع عدد كبير من الدول الأوروبية عن تقديم مساعدات تحتاج إليها كييف.

وترى ألمانيا أن فرنسا تحديداً لا تقدم مساهمات كافية، وقد حرص شولتس على الإشارة لحجم المساعدات الألمانية أمام ضيفه رئيس الوزراء الفرنسي الجديد غابرييل أتال الذي زار برلين قبل يومين في زيارة تعارف هي الأولى له منذ تسلمه منصبه. وقدمت فرنسا التزامات عسكرية لأوكرانيا بقيمة تقارب الـ500 مليون يورو، ما يضعها في المرتبة الـ15 من بين الدول الغربية التي تقدم مساعدات لكييف، بحسب معهد كييل، فيما ألمانيا في المرتبة الثانية بمساعدات مضاعفة بمرات عديدة.

رئيس الحكومة الفرنسي أتال حاول التأكيد أمام مضيفه في برلين على استمرار الالتزام الفرنسي بدعم أوكرانيا (إ.ب.أ)

ومع ذلك، حاول رئيس الحكومة الفرنسي أتال التأكيد أمام مضيفه في برلين على استمرار الالتزام الفرنسي بدعم أوكرانيا، وتحدث عن دعم من خلال برامج دعم عسكري وتقني متجنباً التطرق لأي أرقام.

وفي رد على الاتهامات الألمانية غير المباشرة، قال أتال في المؤتمر الصحافي المشترك مع شولتس إن المساعدات العسكرية لا يمكن قياسها بالموارد المالية، ولكن بنوع الأسلحة التي يتم تأمينها، متحدثاً عن أنواع الدبابات والأسلحة التي تقدمها فرنسا للجيش الأوكراني.

ولكن المخاوف الألمانية تمتد أيضاً للمساعدات الأوروبية بشكل عام، وليس فقط الفرنسية أو الأميركية. فالاتحاد الأوروبي وافق قبل أيام أخيراً على حزمة مساعدات بقيمة 50 مليار يورو لأوكرانيا تصرف حتى عام 2027، متخطياً اعتراض المجر التي عرقلت الموافقة على الحزمة لأشهر. ولكن الحزمة تلك لا تعد كافية لاحتياجات أوكرانيا، وهو ما يعلمه الأوروبيون جيداً، ويعدّون الحزمة مجرد «خطوة في الاتجاه الصحيح».

جندي أوكراني يجلس داخل دبابة ألمانية الصنع من نوع «ليوبارد 2 إيه 5» بالقرب من خط المواجهة (أ.ف.ب)

ورغم أن شولتس تحدث خلال المؤتمر الصحافي مع أتال قبل أيام، عن «ثقة كبيرة» بأن المساعدات الأميركية والأوروبية لأوكرانيا ستستمر لأن الرئيس الروسي «يراهن على توقفها، وهو ما لا يمكن السماح به»، فإن المخاوف في برلين كبيرة؛ ليس فقط من توقف المساعدات بل أيضاً من عودة ترمب الذي كان تعهد في رئاسته الأولى بوقف الدعم لحلف شمالي الأطلسي، ويدعو اليوم لوقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا. وهذه المخاوف تجلت في إعلان بولندا أنها تستعد لحرب قد تكون مقبلة مع روسيا. ولكن ألمانيا بجيشها الهرم، تعلم بأنها ما زالت بعيدة جداً عن أي استعدادات تخولها صد أي هجوم روسي من دون دعم أميركي.


مقالات ذات صلة

«لولا تدخلي لاستحال إجلاؤهم»... ميلانيا ترمب تعلن هدنة في مدينة أوكرانية

الولايات المتحدة​ السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب (أ.ب)

«لولا تدخلي لاستحال إجلاؤهم»... ميلانيا ترمب تعلن هدنة في مدينة أوكرانية

أعلنت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب أنها نجحت في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مدينة أوكرانية خاضعة للسيطرة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

أوروبا عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب) p-circle

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

أعلن الجيشان الأوكراني والروسي، الجمعة، الالتزام بهدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون، ابتداءً من الثلاثاء، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، وملفات إقليمية ودولية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.