منتجعات سياحية برائحة بحر صور

«توركواز» و«دار ألما» و«بيت الياسمين» ثلاثة عناوين لأجمل إقامة في الجنوب اللبناني

منتجعات سياحية برائحة بحر صور
TT

منتجعات سياحية برائحة بحر صور

منتجعات سياحية برائحة بحر صور

«دار ألما» و«توركواز» و«بيت الياسمين» هي العناوين الثلاثة لمنتجعات سياحية تقع في منطقة صور. أقل ما يمكن وصف هذه المنتجعات هي أنها بمثابة 3 قطع صغيرة من الجنّة واقعة على ساحل جنوب لبنان.
تبرز أهمية هذه المنتجعات الثلاثة في أنها ملاذ للسائح، الذي يبحث عن التسلية والفرح والاسترخاء بعيدا عن أي ضغوطات حياتية.
نقاط التشابه بين المنتجعات الثلاثة، أنها مطلّة على البحر وتتضمن فنادق للنوم ونشاطات رياضية وأخرى ترفيهية تنقلك من عالم الواقع إلى عالم الأحلام.
هذه المنتجعات تذكّرك في هندستها ومساحاتها الشاسعة والخدمات السياحية المقدمة فيها، بجزر الباهاماس ورودوس وهاييتي، وتجعلك تكتشف حقيقة معنى العبارة التي تغنّى بها الراحل وديع الصافي عندما أنشد «لبنان يا قطعة سما».
نبدأ رحلتنا هذه التي تلامس شاطئ لبنان الجنوبي الممتد ما بين مدينة صور وبلدة الناقورة، من منتجع «توركواز» الواقع في منطقة «القليلة».
> منتجع «توركواز»
اسم على مسمّى
شاطئه اللازوردي الذي تتلألأ فيه مياه البحر المتوسط الصافية، تخوّلك مشاهدة قعره الرملي وأنت تسبح فيه. فهو يدلّك مباشرة على اسمه المستوحى من هذه الحجرة الكريمة ذات الأزرق الصافي، التي ترمز إلى القوة الروحية.
يمتد منتجع «توركواز» (turquoise - lb.com) الواقع على أطراف مدينة صور، على مساحة شاسعة تصل إلى 22.000 متر مربع. يتضمن إضافة إلى برك السباحة الثلاث (اثنتان منها للكبار وواحدة للصغار)، والتي تحوز على ثلاثة أرباع مساحة المنتجع، مطعما و18 شاليها أو «بانغالو». هذه الشاليهات المبنية من القصب والخشب على طريقة شاليهات جزر الباهاماس وهاييتي، مجهزّة بأحدث وسائل الراحة، كما تحتوي بعضها على غرف لجلسات الجاكوزي. وتطلّ جميعها على شاطئ لازوردي تغطّيه الرمال الفضيّة والمطعمّة بالبحص البحري الملوّن. يمتد شاطئ منتجع «توركواز» على طول 120 مترا، وفي استطاعة محبي السباحة أو السير على الرمال الساخنة، ممارسة هوايتهما تلك على مدى ساعات النهار، تحت إشراف مختصّين ومدرّبين في سلامة السباحة. أما أسعار الإقامة في المنتجع فتتراوح ما بين 190 و700 دولار، وذلك حسب طلبات الزبون والخدمات الإضافية التي يرغب فيها، خصوصا وأن بعض تلك الشاليهات تتسّع لـ7 أشخاص.
> أيام العطلة في «توركواز»
حالمة كما ألوانه
- كلّ ما ترغب أو تشتهي أن تمارسه من رياضات على مياه البحر، في استطاعتك القيام به في منتجع «توركواز» الواقع على أطراف مدينة صور الجنوبية. التزلّج على الماء، وركوب الزوارق، وركوب الأمواج (surfing)، وقيادة دراجات الـ«جيت سكي» وغيرها من أنواع الرياضة المرتبطة بمياه البحر، يؤمّنها لك منتجع «توركواز»، الذي أبى صاحباه حسن وطلال عز الدين (من أبناء المدينة) إلا أن يكون على المستوى المطلوب. «لقد أردنا أن يستمتع روّاد المنتجع بكلّ وسائل التسلية والراحة التي يحلمون بها»، يقول حسن عز الدين لـ«الشرق الأوسط». ويضيف: «هو منتجع يرضي أفراد العائلة بأكملها، بدءا من شاليهاته الرفيعة المستوى والمزودة بأحدث التجهيزات الكهربائية والإلكترونية، وصولا إلى النشاطات التي يمكن ممارستها في أرجائه، التي يمكن أن تشكّل هدفا للشباب الجامعي وواحة تسلية للأطفال».
يشرف على خدمة الزبائن في المنتجع 115 موظفا، مهمّتهم السهر على خدمتهم وراحتهم. فببشاشة وابتسامة عريضة يستقبلونك منذ لحظة دخولك المنتجع، إلى حين مغادرتك له. أما مطعم «توركواز» الذي يعمل فيه أكثر من 12 طبّاخا ماهرا تمّ انتقاؤهم بدقّة، فهم يحضّرون يوميا نحو 60 طبقا لبنانيا، لتشكّل لائحة طعام غنيّة بأنواع ثمار البحر والسمك واللحوم المشوية والمازة اللبنانية المشهورة لإرضاء طلبات أكبر عدد من الزبائن.
أما وجبة الإفطار التي تدخل ضمن إقامتك في المنتجع، فهي تتضمن أكلات عريقة ومعروفة في صور. فإضافة إلى الفول المدمّس والحمّص البليلة، توجد المناقيش بالصعتر واللبنة والجبن وغيرها من مكوّنات الإفطار اللبناني الأصيل، إضافة إلى الكرواسان الفرنسي الطازج ستتناولها ضمن وجبة الإفطار اللذيذة.
ميزة مطبخ «توركواز» تكمن في أنه مطابق لشروط سلامة الطعام المعتمدة من قبل قوة حفظ السلام في جنوب لبنان (يونيفيل). فقد أخذت على عاتقها الإشراف على طريقة العمل فيه وعلى مكوّنات الطعام المستخدمة في أطباقه كلّ 15 يوما. «لقد آثروا أن يقوموا بهذه المهمة منذ أن تعاقدنا على اشتراكات سنوية معهم لارتياد المنتجع» يقول صاحب المنتجع، ويضيف: «أي خلل نقوم به في هذا الصدد يفقدنا الشراكة معهم».
مساحات شاسعة مفتوحة أمام عينيك، وبمتناول يديك يقدّمها لك هذا المنتجع على طبق من «التوركواز».
تستجمّ وتستمتع بأشعّة الشمس، وتسبح وتتناول أطيب الوجبات، وتركب أمواج البحر أو تتأملها من مكان إقامتك، إذا كان الخريف قد بدأ، ومشاهد للوحات طبيعية مغرية تجدها فيه، فتشعر وكأنك في قلب عالم أزرق تعيشه وكأنك في حلم اليقظة.
> «دار ألما» من تحيّة للأمّ
إلى مشروع استجمامي بامتياز
«ألما» هو اسم والدة فيليب ثابت صاحب منتجع «دار ألما» السياحي الواقع في مدينة صور. فمنذ سنوات قليلة قرر فيليب إعادة إحياء ذكرى منزله العائلي في صور من خلال مشروعه هذا. فاشترى عقارا حوّله وبمساعدة زوجته سيلين إلى بيت ضيافة ليكون بمثابة تحية لروح والدته. ومع المهندسة الداخلية سارة الزير (مهندسة منتجع إده ساندس)، حوّل فيليب ثابت المنزل القديم هذا إلى بيت يتألّف من ثلاثة طوابق محافظا على هندسته المعمارية الأصيلة التي تعود إلى القرون الوسطى. وفي منزل هدفه تكريم الوالدة «ألما»، كان من اللافت أن يضخّ بزائره كثيرا من حبّ الأمّ وأسلوب حياة مزج ما بين الحداثة والعراقة معا.
> موقع «دار ألما» يخوّلك سماع
همس الموج وحفيف أوراق الشجر
- يتميّز منتجع «دار ألما» (www.daralma tyr) بموقعه الذي يجمع ما بين متعة مشهد البحر من ناحيته الغربية، ودفء الجلسة اللبنانية العريقة من ناحيته الشرقية. ففي دارة غنّاء تجمع في أحواضها الورود والأزهار والأشجار تطلّ من جدرانها الصفراء النوافذ القروية، تقابلك دارة أخرى يفصل ما بينها وبين الأولى زقاق قديم. وفيها شرفات تأخذك إلى جهة البحر على مشهد واسع وفسيح لبحر صور.
لا يستوعب «دار ألما» إلا قلّة من الزبائن الذين في إمكانهم الإقامة في غرف الدار التي لا تزيد عن 10 غرف. وهي تتوزّع ما بين غرف الأسرة المزدوجة (Double rooms) و5 أجنحة (suites) كبيرة واثنتين أصغر منها. جميعها مطلّة على البحر ومجهزة بالخدمات الحديثة من إنترنت وغيرها.
تكلفة الإقامة لليلة واحدة في «دار ألما» تتراوح ما بين 110 دولارات و290 دولارا. وتتضمن وجبة الإفطار التي في إمكانك تناولها على شرفة غرفتك المطلّة على البحر، أو في صالة «ألما» الخاصة بالإفطار في الهواء الطلق ذات النكهة الصيفية بامتياز. وتتألّف من اللبنة والجبن والمناقيش من صنع الدار، إضافة إلى الكرواسان الفرنسي والبيض بالقاورما وفتّة الحمص البلدية.
ومن «دار ألما» في استطاعتك أن تمارس هوايات عدّة، تتنوّع ما بين رياضة المشي، والسباحة وتجميع الصدف والأحجار البلوّرية، وكذلك التجوّل في أسواق صور القديمة والتعرّف على معالمها الأثرية وإلى جبل الجمل المطلّ على المدينة ومينائها القديم.
> «بيت الياسمين» تذكرة سفر لسياحة داخلية تنقذك
من الرتابة وتسمح لك
بممارسة رياضات الأثرياء
الهروب من المدينة المكتظة بالضغوطات الحياتية المتعبة، فكرة قد تراودنا جميعا عندما نشعر بالإرهاق من روتين يومي ثقيل يسكن يومياتنا. «بيت الياسمين» هو واحد من الأماكن الموجودة في لبنان، وبالتحديد في شارع سيدة البحار في منطقة معالية في مدينة صور، الذي سيشكّل لك تذكرة سفر محليّة تقوم من خلالها بجولة سياحية داخلية بيئية. فهذا القصر الريفي الأنيق سينقلك إلى عالم لا يشبه بتفاصيله الخلّابة أي مشهد سبق. فتحيط به بساتين البرتقال ويضم حظيرة للغزلان ومستعمرة لطيور الفلامينغو وبركة سباحة في الهواء الطلق وملاعب لكرة المضرب والـ«ميني غولف».
> موقع «بيت الياسمين»
قطعة فنيّة رسمتها الطبيعة بأيادي أصحابها
قد يخيّل إليك وأنت تسير في أقسام «بيت الياسمين» أنك تشارك في تمثيل فيلم سينمائي، تشارك أبطاله الهوليووديين روبرت ريدفورد وميريل ستريب عين مخرجه الثاقبة سيدني بولاك، فأي مشهد يقع عليه نظرك سيجعلك ترسم علامة استفهام عما إذا كنت في حالة حلم أم علم.
يقع «بيت الياسمين» (www.alyasmine guest house) على مساحة تناهز الـ20.000 متر مربع. بحيرة اصطناعية هنا، وبركة للسباحة هناك، إضافة إلى ميدان لركوب الجياد، وحديقة تتنقلّ فيها الغزلان، ومساحة لإقامة حفلات الزفاف هي بعض الأجزاء التي تتألّف منها أقسام «بيت الياسمين». فغرفه الـ16 الشاسعة الموزّعة على أطراف حديقة غنّاء تم تأثيثها بذوق رفيع يمتّ بصورة مباشرة لأجواء البحر وبمدينة صور بالتحديد. وقد تم طلاؤها أيضا بألوان زاهية تزوّدك في الشعور بالفرح والراحة معا. تكلفة الإقامة في «بيت الياسمين» تتراوح ما بين مائتي و250 دولارا.
> في «بيت الياسمين»
جلسات تنبض بالحياة
عمد آل عرب أصحاب «بيت الياسمين» للضيافة، إلى تجهيزه بأرقى مستحدثات الإقامة المريحة. حيث تجلس على أرجوحة بيضاء وأمامك مشهد للبحر، أو أن تستلقي على كرسي البحر وأنت على ضفاف بركته الخاصة بالسباحة، أو أن تسير مع الحبيب وأنت تتأبّط ذراعه ونظركما يجول معا حول بحيرة متعددة المستويات، وهي بعض اللوحات الطبيعية التي في استطاعتك أن تكتشفها بنفسك وأنت تسير في خطوط رسومها النافرة.
أما أشجار النخيل والصفصاف والحمضيات وغيرها، فهي ستجذبك دون شكّ للاتكاء على أحد جذوعها، أو التفيّؤ تحت ظلالها لتراقب الشمس وهي تغطس في مياه البحر الزرقاء معلنة لحظات غيابها.
أما النشاطات التي في استطاعتك أن تمارسها أثناء إقامتك في «بيت الياسمين»، فهي قد تأخذ الطابع الرياضي حيث يمارسها الأثرياء عامة. فهي تشمل ألعاب كرة المضرب والغولف في مساحات خاصة بها، وكذلك ممارسة رياضتي ركوب الدراجة الهوائية والسير على الأقدام. وقد تأخذ طابعا رومانسيا حينا آخر من خلال جلسات متنوعة استحدثها أصحاب البيت هنا وهناك، لإضفاء الحميمية عليها مرة والجمعة المسليّة مرات أخرى. كما في استطاعتك ممارسة متعة استكشاف مدينة صور العريقة في أزقتها وأسواقها والتعرّف على محمية السلاحف البرمائية الموجودة فيها.
ولهذه الأخيرة موقع معروف في مدينة صور يقصده الزوّار بهدف التمتع برؤية السلاحف التي يفوق عمر بعضها مائة عام، تسير ضمن مساحة خاصة بها تسمّى محمية السلاحف، وقد أقامها مهتمون في شؤون البيئة والثروات على قطعة أرض في صور ضمن نطاق محدد يعرف بـ«المنزل البرتقالي». هناك ستشاهد بعض تلك السلاحف التي تضع بيضها عند بلوغها الـ25 عاما (سنّ البلوغ لدى السلحفاة) في شهري أغسطس (آب) وأيار (مايو (أيار)، عند النقطة التي ولد فيها تماما. أو ستراقب العشرات منها مجتمعة تغطس في مياه البحر المحددة لها ويبلغ طول أجسام بعضها المترين.
ثلاثة خيارات متنوعة لتمضية أيام عطلة لا تشبه في مضمونها ونشاطاتها أيام عطلة أخرى سبق وأن قضيتها في لبنان، هي اليوم بمتناول يديك من أجل كسر رتابة أيامك العادية التي ترافقك طيلة فترة السنة. فمع أجواء البحر وزرقة مياهه وفي حضن الطبيعة الدافئ، أنت مدعو لشد حزام قرارك والتوجّه إلى مدينة صور الجنوبية لتتنفس جرعة سعادة تفرح القلب وتسعد العين.

برك سباحة خارجية كبرى في منتجع «توركواز»

جلسات خارجية مريحة في «دار ألما»

بحيرة اصطناعية تزين حدائق منتجع «الياسمين»



رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
TT

رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)

شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة تغيراً في مفهوم الرحلات؛ إذ لم تعد مجرد انتقال جغرافي، بل باتت تجربة ثقافية متكاملة تعكس علاقة الإنسان بالمكان وتعيد تعريف الاكتشاف، ويتنامى الاهتمام بالرحلات البرية والتخييم بوصفه جزءاً من أسلوب حياة يقوم على الوعي بالطبيعة واحترامها، وجاء ذلك مدفوعاً بتنوع الطبيعة في السعودية من الصحاري الممتدة إلى الأودية الخضراء والسواحل المتباينة؛ ما أوجد بيئة خصبة لهذا النوع من الترحال.

وتتقدم الرحلات المنفردة بوصفها مساحة لاختبار الذات، حيث أصبح التخييم ممارسة تقوم على التخطيط الدقيق، والانفتاح على المجهول، والتوازن بين الأمان وروح المغامرة.

وضمن هذا المشهد تظهر الرحالة السعودية سلوى إبراهيم، التي اختارت من الجغرافيا المحلية بوصلتها، بصفتها صانعة محتوى متخصصة في التعريف بالأماكن السياحية في السعودية، وتحاول من خلال رحلاتها أن يرى الناس المكان كما عاشته، وأن يشعروا به كما شعرت.

وصف الصورة: لقطة تبرز تشكيلات الصخرية في صحراء «بجدة» بمدينة تبوك (إرشيف الرحالة)

وأوضحت سلوى إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أنه على الرغم من انفتاح الوجهات العالمية وسهولة الوصول إليها، لا ترى أن هويتها تمتد خارج هذه الجغرافيا التي تنتمي إليها، «نصبت تركيزي الأساسي على السعودية ودول الخليج؛ لما تحتويه من طبيعة عملت على توثيقها من خلال سلسلة أسميتها الجانب الآخر، والتي تستعرض فيها مواقع غير تقليدية وتجارب بعيدة عن المسارات المعتادة، ففي مدن السعودية أماكن مدهشة لا يعرفها كثيرون».

وأشارت إلى أن رحلاتها تمتد لفترات طويلة «لا أعتمد على جدول يومي صارم، بل أمنح نفسي الوقت الكافي للتشبع بالمكان، وقد أقضي ليلتين أو ثلاثاً في موقع واحد، أو حتى أياماً عدة إذا وجدت فيه ما يستحق البقاء»، مستشهدة بتجربتها في وادي الديسة، حيث عادت إليه أكثر من مرة خلال رحلاتها.

وصف الصورة: ملايين النخيل الممتدة في مشهد حي بمدينة الأحساء (إرشيف الرحالة)

وتحدثت عن أبرز الوجهات التي تركت أثراً في تجربتها، مشيرة إلى ثلاثة أودية رئيسية في السعودية، لكل منها طابعه الخاص؛ إذ وصفت وادي الديسة بأنه مساحة طبيعية تحيط بها الجبال الشاهقة وتتخللها ممرات خضراء ومياه موسمية، تمنح إحساساً مختلفاً عن البيئة الصحراوية، في حين يتميز وادي «طيب اسم» بتداخل فريد بين الجبال الحادة ومياه خليج العقبة، في مشهد يجمع بين عنصرين متناقضين داخل تناغم، إلى جانب وادي «لجب» فسلطت الضوء على أنه «تجربة حسية بحد ذاته، حيث يمر الزائر داخل ممر صخري ضيق بارتفاعات شاهقة، تتدفق فيه المياه بين الجدران».

ووصفت صحراء «بجدة» في منطقة تبوك بأنها «من أكثر المواقع غرابة بصرياً؛ نظراً لتداخل الجبال الحمراء مع الرمال والطعوس في تشكيلات جيولوجية معقدة، بالإضافة إلى انتشار الكهوف الطبيعية؛ ما يجعلها بيئة استكشافية متقدمة لا يمكن الوصول إليها بسهولة». وكشفت عن أن سيارتها كانت عنصراً أساسياً في بدء هذه الرحلات «حضرت سيارتي جيب رانجلر ذات الدفع الرباعي كجزء أساسي من التجربة، حيث منحتني القدرة على الوصول إلى أماكن لا تستطيع السيارة الصغيرة خوضها».

لقطة للرحالة سلوى إبراهيم خلال رحلتها في كهوف بجدة بمدينة تبوك(إرشيف الرحالة)

وتنطلق رحلات سلوى بعد مرحلة تحضير دقيقة وطويلة، تتجاوز الجانب اللوجستي إلى الجاهزية الذهنية الكاملة، فهي تعتمد على تخطيط شامل يشمل دراسة الخرائط ومسارات الوصول، وتحديد مواقع التخييم بدقة، إلى جانب حفظ أرقام الطوارئ والتنسيق مع مرشدين محليين موثوقين، بما يضمن تقليل أي مخاطر محتملة أثناء الرحلة، بالإضافة إلى تجهيز ما يكفي من المؤن الغذائية وأواني طبخ سهلة التنظيف.

على الرغم من هذا المستوى العالي من التنظيم، تترك مساحة محسوبة للعفوية، «بعض التجارب الأكثر تميزاً قد تنشأ من تغير غير متوقع في المسار، ويقودني ذلك إلى مواقع لم تكن ضمن الخطة الأصلية»، هذا التوازن بين الانضباط والمرونة يشكّل الإطار العام لأسلوبها في السفر والاستكشاف.

وتعتمد سلوى في اختيار وجهاتها على مزيج من البحث المسبق والاقتراحات الواردة من متابعيها عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب الحدس الشخصي الذي يلعب دوراً حاسماً في اتخاذ القرار النهائي، مستخدمةً تطبيقات الخرائط وتوصيات المرشدين، مع متابعة كثيفة لما يردها من جمهورها، حيث ترى أن تكرار الإشارات إلى موقع معين مؤشر يستحق التوقف عنده.

كشفت سلوى في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مدينة الأحساء تمثل حالة خاصة تتجاوز كونها محطة ضمن رحلاتها، لتتحول مشروعاً شخصياً تسعى من خلاله إلى إعادة تعريف المنطقة بصرياً، إذ تُعدّ مسقط رأسها، «لا أكتفي بتقديم النخيل كصورة تقليدية، إنما أنقل تجربة كاملة تعكس تنوع الأحساء الفريد، حيث تضم ملايين النخيل وتلتقي بيئات متعددة في مساحة واحدة، إلى جانب صحراء ممتدة نحو الربع الخالي والدهناء وامتداد بحري، هذا التداخل يجعل الأحساء واحدة من أغنى البيئات الطبيعية في السعودية».

وصف الصورة: جانب من رحلات سلوى إبراهيم في وادي الديسة تظهر الجبال المحيطة بالوادي (إرشيف الرحالة)

وترتكز فلسفة سلوى في السفر من رؤية تتجاوز الإحساس بالمكان، إذ ترى أن الجمال لا يرتبط بمدى انتشار الوجهة، بل بقدرة الزائر على التفاعل معها شعورياً؛ فالمواقع البسيطة أو غير المعروفة تحمل في نظرها قيمة استثنائية لمن ينسجم معها، مستشهدة بتجربتها في العلا، حيث تفرض التكوينات الصخرية والجبال حضوراً بصرياً وروحياً خاصاً.

وأما تجربة السفر المنفرد، فلم تكن بداية سهلة بالنسبة لسلوى، حيث رافقتها مخاوف طبيعية دفعتها في أولى رحلات التخييم إلى البقاء بالقرب من الطرق طلباً للأمان، غير أن تلك المرحلة تحولت لاحقاً نقطة مفصلية في مسارها، ومع مرور الوقت أصبح السفر الفردي عنصراً أساسياً في تشكيل شخصيتها، انعكس أثره على حياتها المهنية في عملها ممرضةً، وأسهم من قدرتها على اتخاذ القرار والتعامل مع المواقف تحت الضغط.

تمثل تجربة سلوى نموذجاً يعكس ما تتسم به بيئة السعودية والخليج من درجات عالية من الأمان، غير أن ذلك لا يلغي أهمية الوعي والمسؤولية، خاصةً لدى الفتيات الراغبات في خوض تجربة السفر الفردي أو التخييم، على أن يتم التخطيط المسبق، واختيار مواقع معروفة، وتجنب المناطق المعزولة دون خبرة كافية، تُعدّ هذه عناصر أساسية لضمان تجربة آمنة.

ويشهد قطاع السياحة تطورات كبيرة بما في ذلك مواقع مهيأة للتخييم وبنية تنظيمية كبيرة، أسهمت في ترسيخ ثقافة الرحلات البرية، لتتحول السعودية وجهة استكشاف متنامية تستقطب رحَّالة من داخلها وخارجها، خاصة خلال موسم الشتاء.


«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
TT

«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)

على الضفة الغربية لنهر النيل في أسوان تتخذ «غرب سهيل» موقعاً استثنائياً بين القرى المصرية؛ فهي تتخذ مكانها فوق سفح جبلي، مستمدة خصوصيتها من جمال الطبيعة، ومسجلة حضورها كنموذج حي للسياحة الريفية المستدامة.

لكن لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أصبحت القرية النوبية في أقصى جنوب مصر أيضاً وجهة عالمية تُروى قصتها في المحافل الدولية بعد اختيارها ضمن أفضل القرى السياحية لعام 2024 في برنامج منظمة الأمم المتحدة للسياحة.

وهو اختيار لم يأت صدفة، بل عبر مسار طويل من التحول، بدأ من جذور ضاربة في التاريخ الفرعوني، مروراً بتهجير أبناء النوبة، وصولاً إلى المشهد الحالي الذي جعل من القرية متحفاً طبيعياً مفتوحاً، يحيا فيه التراث، ويتنفس يومياً مع سكانها وزائريها.

هذه القرية التي يصفها أهلها بـ«بلدي الحبوب»؛ من فرط حبهم واعتزازهم بها، لا تعد مجرد محطة في جولة السائح داخل أسوان، إنما باتت تشكل الوجهة ذاتها، بما تملكه من طاقة بصرية، وبما تحتضنه من ذاكرة إنسانية وثقافية تمتد إلى العصور الفرعونية؛ حين كانت المنطقة مركزاً للتعبد والطقوس اليومية للملوك.

تجربة سياحية مختلفة (غرب سهيل الفيسبوك)

ويرتبط اسمها تاريخياً بجزيرة «سهيل» المجاورة، وهي الجزيرة التي اكتسبت قداسة كبيرة في الدولة القديمة لصلتها بالإله خنوم وزوجته الإلهة ساتت.

ولذلك حين تزورها حتماً ستشعر بقدسية المكان وأهميته الروحية، لا سيما حين تتأمل نقوش الملوك على الجرانيت الصلد، والتي تعد كتاباً مفتوحاً لفصول من التاريخ.

لكن على الرغم من كل هذا الزخم الحضاري والتاريخي، فإن للقرية وجهاً آخر معاصراً يجتذب شرائح أخرى من السياح؛ فبعد تعلية خزان أسوان في بدايات القرن العشرين، حين انتقلت أسر نوبية كثيرة إلى الضفة الغربية بحثاً عن أرض جديدة تستوعبهم، أعاد الأهالي بناء حياتهم، محافظين على ملامح العمارة النوبية القديمة بطراز «القبو»، وبألوان زاهية تتوزع على الجدران كأنها توقيع شخصي لكل بيت.

ويبدأ كل شيء عند الاقتراب من القرية عبر نهر النيل، وتستوقفك المراكب الشراعية التي تتمايل بخفة، قبل أن تكشف عن ضفة ملونة دافئة تحتضنك في حب، وهي عبارة عن بيوت بقباب دائرية وزخارف يدوية، وأطفال ببشرة داكنة يلوحون للقادمين بابتسامة لا تفارقهم.

بيت نوبي داخل القرية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

من قرية بسيطة إلى وجهة عالمية

لذلك حين تتوجه إليها فلن تجد نفسك في قلب قرية جميلة فقط، إنما ستكتشف إنك تخوض تجربة سياحية متكاملة، ومختلفة فهنا ستجد البيوت تستقبلك بترحاب، وتقدم لك الأكلات النوبية، وتعكس العادات اليومية.

وإذا تجولت في شوارعها ستدرك حينئذ أنك داخل مساحة مفتوحة للتراث النوبي بكل تفاصيله: الألوان، الموسيقى، الحرف، اللغة، والضيافة.

فالسائح هنا اختار مقصداً حياً للسياحة البيئية؛ وربما يرتبط ذلك بمجموعة المبادرات التي أطلقها الأهالي في المكان والتي تحولت بمرور الوقت إلى مشروع جماعي، أو رمز للسياحة البيئية يُعرف بأسلوبه الخاص، حتى أصبحت اليوم واحدة من أكثر المحطات طلباً لدى الشركات السياحية العالمية.

ربما يكون السر وراء ذلك هو أنك تدخل مكاناً لا يشبه أي مكان آخر؛ فالضيافة في غرب سهيل ليست خدمة بقدر ما هي أسلوب حياة؛ فهنا البيوت مفتوحة كأنها جزء من الشارع، والوجبات النوبية تقدم كما لو أن الزائر فرد من العائلة.

سحر النوبة وجمالها في المكان (فندق إندو ماندو )

الصورة التي تبهر الزائر

من أبرز ما يلتقي به الزائر داخل تلك البيوت التي تحولت العديد منها إلى «بيوت ضيافة» أو مكان سياحي للإقامة، هو المشغولات اليدوية التي تحمل روح النوبة، وتتنوع بين السلال، الحُلي، المشربيات، الرسوم الهندسية، والحرف التي ما زالت النساء يمارسنها منذ أجيال تعيش مع الجذور والفلكلور المصري الجنوبي.

ويمكن للسائح أن يستمتع بأنشطة متعددة يعيشها في المكان؛ حيث يمكنه أن يبدأ يومه برحلة نيلية على المراكب الشراعية، يتبعها ركوب الجِمال على الشريط الرملي، قبل الانتقال إلى جلسات داخل البيوت النوبية لتناول الطعام المحلي المكون من أطباق تقليدية مثل الفطير النوبي، الطواجن، السمك، أو العصائر التقليدية مثل «الكركديه» والدوم.

بينما تتحول الجلسات المسائية إلى مشاهد لا تنسى، بين الموسيقى النوبية التي تؤديها الفرق الشعبية الجنوبية، والرقصات الدائرية على صوت الدفوف، وإذا نظرت إلى أعلى ستبهرك سماء مضاءة بنجوم الجنوب التي تبدو أكثر قرباً من أي مكان آخر.

من اللافت في «غرب سهيل» وجود شباب القرية في كل مكان، وتوليهم مهمة تقديم الخدمات للسياح بشكل احترافي؛ حيث تحولت السياحة إلى مصدر رزق مستدام بالنسبة لهم.

غرف بألوان مبهجة و نقوش فالكلورية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

مكان الإقامة

أنصحك أن تترك حياة الرفاهية في الفنادق الكبرى في جنوب مصر، وتتوجه إلى بيوت الضيافة بغرب سهيل؛ التجربة هنا مختلفة وممتعة؛ فهي مجهزة على الطراز النوبي، بعضها بإطلالات رائعة مباشرة على النيل، وبعضها الآخر في شوارع جانبية لكنها تضم غرفاً رحبة وشرفات واسعة.

كما ستجد منشآت أكبر ذات طابع معماري مستوحى من الطين الملون والقباب، تقدم برامج إقامة كاملة، ومنها رحلات نيلية يومية، زيارات للمناطق الأثرية، جلسات موسيقية فلكلورية، ورش للتعرف على التراث النوبي.

وجهة قريبة من أهم المعالم

إلى جانب ما تقدمه القرية نفسها، تحيط بها مجموعة من أبرز مواقع أسوان التاريخية والطبيعية، وهو ما يعزز من قيمة زيارتها ويجعلها نقطة انطلاق مثالية لاكتشاف المدينة، ومن أبرز هذه الأماكن «معبد فيلة»، وهو واحد من أهم المعابد المصرية المكرسة لعبادة إيزيس، يحتضنه النيل على جزيرة ساحرة.

وبالقرب من القرية أيضاً، هناك «مقابر النبلاء» تلك المقابر الصخرية المحفورة في الجبل، والتي تكشف عن طبقات من التاريخ المصري القديم، ويقبع دير الأنبا سمعان على الجانب الغربي للنيل، وهو أيضاً دير أثري فريد.

ويمكن لمن يزور أسوان الاستمتاع «بجزيرة النباتات» إذا كان من عشاق المحميات الطبيعية؛ فهي تضم نباتات نادرة، يمكن الوصول إليها بالفلوكة، وتستطيع أيضاً الاستمتاع بزيارة «السد العالي»، فهو أحد أبرز إنجازات مصر الهندسية الحديثة، ومتحف النوبة لذي يعرض ذاكرة النوبة وهويتها.

إذا أردت اتباع نصائحي فإن الفلوكة هي الوسيلة الأفضل والأكثر متعة للوصول إلى القرية، ولا تنسى تخصيص يوم كامل للزيارة على الأقل؛ للاستمتاع بالرحلات النيلية، والتجول، وتناول الأطعمة النوبية.

وقم بشراء المنتجات اليدوية من البيوت؛ فهي ذات سعر أقل من المتاجر، كما أنك حين تفعل ذلك ستساهم مباشرة في دعم الأسر المحلية بالمكان.


بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
TT

بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)

تشتهر لندن بكونها إحدى أكثر العواصم العالمية ثراءً بالمؤسسات الثقافية والمتاحف؛ فمن المتاحف الوطنية الكبرى إلى المعارض الفنية الحديثة، تبدو المدينة وكأنها مكتبة مفتوحة للذاكرة الإنسانية. غير أن جانباً مميزاً من هذا الإرث الثقافي لا يظهر في القاعات الواسعة أو المباني الضخمة، بل في فضاءات أكثر حميمية وهدوءاً: بيوت المتاحف: هذه البيوت ليست مجرد مبانٍ تاريخية محفوظة، بل أماكن تعيد إحياء حياة أصحابها وتفاصيل يومهم العادي. ففيها تتقاطع العمارة بالتاريخ، والسيرة الشخصية بالتحولات الاجتماعية الكبرى. وعندما يدخل الزائر أحد هذه المنازل، فإنه لا يشاهد التاريخ فقط، بل يعيش داخله للحظات.

إن فكرة تحويل المنازل التاريخية إلى متاحف ليست جديدة، لكنها اكتسبت في لندن طابعاً خاصاً، حيث ترتبط هذه البيوت غالباً بشخصيات أثرت في الفكر أو الفن أو السياسة. ومن بين أبرز هذه الأمثلة متحف Sir John Soane’s Museum، وبيت Benjamin Franklin House، والتجربة الفنية المميزة في Dennis Severs’ House.

هذه البيوت الثلاثة، رغم اختلاف قصصها، تشترك في هدف واحد: تحويل التاريخ من مادة جامدة محفوظة في الكتب إلى تجربة إنسانية ملموسة.

منزل تاريخي يعود إلى عام 1630 (الشرق الأوسط)

عندما يصبح المنزل وثيقة تاريخية

تتميز بيوت المتاحف بأنها تحافظ على البنية الأصلية للمكان، وهو ما يمنح الزائر فرصة نادرة لفهم كيف كانت الحياة اليومية في فترات تاريخية مختلفة.

فبدلاً من عرض الأثاث أو الوثائق في قاعات معزولة، تبقى الأشياء في أماكنها الطبيعية: المكتب في غرفة الدراسة، والكتب على رفوف المكتبة، وأدوات الطعام على مائدة المطبخ.

هذا الترتيب يمنح الزائر إحساساً بأن الزمن توقف داخل تلك الجدران. وهو إحساس يصعب تحقيقه في المتاحف التقليدية التي تعتمد على العرض المنفصل للقطع الأثرية.

كما أن بيوت المتاحف تمثل أيضاً مصادر مهمة لدراسة التاريخ الاجتماعي؛ فهي تكشف تفاصيل الحياة اليومية التي غالباً ما تغيب عن السجلات الرسمية: طريقة ترتيب الغرف، وأنواع الأثاث المستخدمة، وحتى أسلوب الإضاءة والتدفئة. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة يمكن فهم الكثير عن الثقافة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في العصور الماضية.

غرفة نوم تعود إلى عام 1956 (الشرق الأوسط)

متحف السير جون سوان: عبقرية معمارية داخل منزل صغير

يعد متحف سير جون سوان واحداً من أكثر بيوت المتاحف إثارة للإعجاب في لندن. وكان هذا المنزل مقر إقامة المعماري البريطاني الشهير السير جون سوان الذي ترك بصمة واضحة في العمارة البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر.

وكان سوان شخصية استثنائية تجمع بين المعمار والباحث وجامع التحف. فقد أمضى سنوات طويلة في السفر وجمع القطع الأثرية واللوحات الفنية والمخطوطات من مختلف أنحاء أوروبا.

ومع مرور الوقت، امتلأت غرف منزله بهذه المقتنيات إلى حد جعل المكان أشبه بمتحف خاص. لكن سوان لم يكن مجرد جامع للقطع الفنية، بل كان مهتماً أيضاً بكيفية عرضها.

لذلك صمم المنزل بطريقة مبتكرة تعتمد على اللعب بالضوء والمساحات. فقد استخدم فتحات سقفية ومرايا تعكس الضوء الطبيعي إلى داخل الغرف، مما يمنح المكان إشراقاً غير متوقع.

كما صمم جدراناً متحركة يمكن فتحها لتكشف عن لوحات إضافية، الأمر الذي يجعل الزائر يشعر وكأنه يكتشف المتحف تدريجياً.

ومن بين الكنوز التي يضمها المتحف أعمال للفنان البريطاني الشهير ويليام هوغارث (William Hogarth)، إضافة إلى مجموعة واسعة من الآثار المصرية والرومانية.

اليوم، لا يُنظر إلى هذا المكان على أنه متحف فني فحسب، بل أيضاً كدرس حي في العمارة. فالبيت نفسه يُعد عملاً فنياً يوضح كيف يمكن للمساحة المحدودة أن تتحول إلى فضاء ثقافي غني.

منزل تاريخي تحول إلى متحف (الشرق الأوسط)

بيت بنجامين فرانكلين: التاريخ الأميركي يمر عبر لندن

في شارع هادئ بالقرب من ساحة الطرف الأغر تجد منزل بنجامين فرانكلين الذي عاش في هذا البيت بين عامي 1757 و1774، وهي فترة حاسمة سبقت اندلاع (الثورة الأميركية).

وخلال تلك السنوات، كان يعمل ممثلاً لعدة مستعمرات أميركية لدى الحكومة البريطانية، وكان يسعى إلى تسوية الخلافات المتصاعدة بين المستعمرات وبريطانيا.

لكن جهوده الدبلوماسية لم تنجح في منع الأزمة التي انتهت بقيام الثورة الأميركية. ومع ذلك، لعبت تجربته في لندن دوراً مهماً في تشكيل أفكاره السياسية.

لم يكن فرانكلين سياسياً فقط، بل كان أيضاً عالماً بارزاً في مجال الكهرباء. واشتهر بتجاربه حول البرق التي قادته إلى تطوير فكرة مانعة الصواعق.

كما كان شخصية فكرية بارزة في حركة Age of Enlightenment التي دعت إلى استخدام العقل والعلم في فهم العالم.

اليوم، يقدم المنزل للزوار فرصة لفهم هذه المرحلة المهمة من حياة فرانكلين. فالغرف التي عاش فيها، والمكتب الذي كتب عليه رسائله، تعطي صورة واضحة عن الحياة الفكرية والسياسية في القرن الثامن عشر.

إن زيارة هذا البيت تذكرنا بأن الأفكار التي غيرت العالم قد تنشأ أحياناً في أماكن بسيطة، داخل منزل هادئ في مدينة بعيدة عن موطن صاحبها.

منزل دينيس سيفرز: المتحف بوصفه تجربة فنية

في شرق لندن يقع أحد أكثر بيوت المتاحف غرابة وإبداعاً منزل دينيس سيفرز: (Dennis Severs’ House) إنشاء هذا المكان الفنان سيفرز الذي عاش فيه لعقود قبل وفاته عام 1999.

لم يكن مؤرخاً تقليدياً، بل كان فناناً يسعى إلى خلق تجربة حسية كاملة. لذلك صمم المنزل بحيث يبدو كأنه منزل عائلة حقيقية عاشت فيه عبر قرون.

وكل غرفة تمثل فترة زمنية مختلفة، وتحكي جزءاً من قصة خيالية لعائلة من نسّاجي الحرير الذين استقروا في لندن في القرن الثامن عشر. وما يجعل التجربة فريدة هو أن الزائر لا يجد شروحات مكتوبة تقريباً. بدلاً من ذلك يعتمد المتحف على الإضاءة والروائح والأصوات لإعادة خلق أجواء الماضي.

فقد يرى الزائر شموعاً مضاءة، أو مائدة طعام لم تُرفع بعد، أو أدوات عمل تركها أصحابها للحظة. وهذه التفاصيل الصغيرة تجعل المكان يبدو وكأن سكانه سيعودون في أي لحظة. وهكذا يتحول المتحف إلى تجربة فنية تجمع بين التاريخ والمسرح والخيال.