السلاح الإيراني بيد الجيش... هل يعيد رسم المشهد السوداني؟

خبراء يحذرون من تدويل الحرب وتهديد أمن البحر الأحمر

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة لقواته في شرق البلاد (سونا)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة لقواته في شرق البلاد (سونا)
TT

السلاح الإيراني بيد الجيش... هل يعيد رسم المشهد السوداني؟

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة لقواته في شرق البلاد (سونا)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة لقواته في شرق البلاد (سونا)

تزامن الكشف عن حصول الجيش السوداني على مسيرات «مهاجر 6» الإيرانية، والإعلان عن استعادة السودان علاقاته مع حكومة طهران، مع توتر حاد في العلاقات الإيرانية الأميركية، بلغ ذروته، ليلة الجمعة، بشن غارات على أهداف إيرانية في كل من سوريا والعراق، بموازاة هجمات صاروخية واعتراض للسفن في البحر الأحمر من قبل الحوثي، طرح سؤالاً حول ما إذا كانت هذه المتغيرات ستعيد رسم المشهد السوداني.

وأعاد التعاون التسليحي بين الجيش السوداني وإيران التذكير بالعلاقات التسليحية الإيرانية السودانية في عهد نظام الإسلاميين، واستهداف الطيران الإسرائيلي لمهربي سلاح داخل السودان، وتدمير مصنع «اليرموك» للأسلحة بغارة جوية إسرائيلية، كما يطرح السؤال عما إذا كانت مسيرات «مهاجر» ستؤثر في التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

فبالإضافة إلى التوتر بين واشنطن وطهران، فإن المنطقة تشهد كثيراً من التوترات، وعلى رأسها الحرب الدائرة بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وإسرائيل، والتصعيد الحوثي في منطقة البحر الأحمر باستهداف السفن، والرد الأميركي بقصف مواقع تابعة للحوثي الموالي لإيران، وأداتها في منطقة البحر الأحمر، والضربات الأميركية ضد الأهداف الإيرانية في العراق وسوريا. وكانت الحكومة الإسلامية بقيادة الرئيس السابق عمر البشير، تحصل على السلاح الإيراني، في مخالفة لحظر التسلح الذي كان مفروضاً عليها من قبل مجلس الأمن الدولي، بيد أنها اضطُرت لقطع علاقاتها مع إيران بسبب ضغوط خليجية واقتصادية في عام 2016.

مخاوف التحول إلى حرب إقليمية

يرى أستاذ السياسة العامة والإدارة في جامعة «لونغ آيلاند» (Long Island) في نيويروك، الدكتور بكري الجاك المدني، أن الإسلاميين في توجههم لتوطيد علاقاتهم مع إيران وسعيهم للحصول على السلاح الإيراني، لا يهدفون فقط لتحسين موقف الجيش العملياتي على الأرض، بل لغرض استراتيجي هو تحويل الحرب في السودان إلى حرب إقليمية، ومحاولة لإلباسها قيمة رسالية، وعداء تجاه الغرب. ويحذر الدكتور الجاك من تدويل حرب السودان، ومن توجهات صناع القرار الإسلاميين الذين يظنون أنه يمكنهم أن يغيروا المعادلة بذلك، ومن أن «التسليح بالنسبة لهم هدف تكتيكي»، بينما غايتهم الرئيسة هي تدويل حرب السودان، وتهديد أمن البحر الأحمر، وربما تحول السودان إلى أرض «داعشية» جديدة في المنطقة.

الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير كانت له علاقات وثيقة مع إيران (أ.ف.ب)

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، البروفيسور حسن الساعوري، إن أميركا لن ترضى عن علاقة سودانية إيرانية، وإنها غاضبة من استعادة العلاقات السودانية الإيرانية، بيد أنه أكد أن من حق السودان البحث عن مصالحه أينما كانت، وأضاف: «السودان مهدد من 7 أو 8 دول، ولا تزال أميركا تتعامل معه بأسلوبها القديم بتقديم الوعود البراقة، ما يدفعه للبحث عن جهة تدعمه وتفي بوعودها، فالوعود الأميركية برق خلب ورعد من غير مطر».

ودعا الأكاديمي الشهير أميركا لتغيير طريقة تعاملها مع السودان، فالسودان لن يترك مصالحه تتعرض للخطر، وأضاف: «استراتيجياً، الأميركيون لا يرغبون في تدمير إيران، بل كل ما يطلبونه منها أن تتفهمهم، لأن موقفها الإسلامي الواضح، واعتمادها على نفسها يحفظ التوازن مع الدول العربية والإسلامية». وتابع: «إذا دكت أميركا إيران، فسيختل التوازن السني الشيعي، لذلك لن تدمر أميركا القوة الإيرانية، بل تتركها لتحفظ التوازن الاستراتيجي، لكنها ترفض السماح لها بتمدد نفوذها خارج حدودها».

ورأى الساعوري أن استعادة السودان لعلاقاته مع إيران، الهدف منها مواجهة الخطر الوجودي الذي يواجهه، وإن أميركا، مهما أغضبها الأمر، لن تقدم البديل للسودان، وتابع: «أميركا تحافظ على مصالحها، لكنها لا تهتم بالطرف الآخر ومصالحه. هي تريد سوداناً غير مستقر أو متطور، لتحصل على ثرواته، وتستفيد من موقعه الاستراتيجي دون ثمن».

وقطع البروفيسور الساعوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأن إيران لا ترغب في التمدد في السودان، بعد أن فشلت جهودها السابقة في خلق طائفة «شيعية» فيه. وتابع: «لا أتوقع أن تكون المصالح الإيرانية في السودان شبيهة بعلاقاتها في اليمن ولبنان والعراق». وقال: «السودان بعد هذا لن يعتمد على أميركا أو على روسيا، ويجب عليه تنويع مصادر أسلحته، وأن يتعامل مع الدول التي تساعده على تطوير مصانع أسلحته، وأن تكون استراتيجيته في التعامل مع الدول العظمى وفق إسهامها في تطوير صناعاته الحربية».

مرفأ بورتسودان على البحر الأحمر محل تجاذب دولي للحصول على موطئ قدم عليه (سونا)

ويؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة أمدرمان الإسلامية، الدكتور بشير الشريف، أن علاقة حركة «الإخوان المسلمين» وإيران تاريخية ووثيقة وقديمة، وأنها كانت أوثق، وأن الإسلاميين الحاكمين في السودان استفادوا من تلك العلاقة في مجالات التدريب والإمداد العسكري. وقال: «كانت إيران منفذاً للإسلاميين في السودان لتخطي كثير من المشكلات على مستوى الإقليم وعلى مستوى أكبر، بتخطيط وتنسيق كبير ودقيق بين البلدين».

وأوضح أن قطع العلاقة بين السودان وإيران قبل عقد من الزمان كان نتيجة لضغوط خليجية، لكن العلاقة بين الإسلاميين وطهران «ظلت مستمرة، وإن الإسلاميين احتفظوا بتواصل ما معها، لذلك عادت العلاقات بمجرد عودة الإسلاميين للسلطة».

الأوضاع في البحر الأحمر

وأرجع الشريف قبول إيران إعادة علاقتها بالسودان، رغم أن الخرطوم كانت قد قطعتها بطريقة فيها «عدم احترام»، إلى حاجة الطرفين لبعضهما البعض. فإيران تواجه ضغوطاً كبيرة، والإسلاميون السودانيون بمجرد عودتهم للسلطة يحتاجون في الحد الأدنى إلى مبيعات السلاح وإطلالة على البحر الأحمر، وتابع: «إذا نجحت إيران في ضم السودان لتحالفها الإقليمي، فسيربك ذلك الأوضاع في منطقة البحر الأحمر، ويؤثر على المعادلة في اليمن، ويمكن بناءً على ذلك أن يرفع السودان يده لصالح الحليف الحوثي لإيران».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة لقواته في شرق البلاد (سونا)

ويوضح الشريف أن العلاقات السودانية الإيرانية تقوم أصلاً على التسليح الذي يتضمن شراء الأسلحة وإقامة مصانع السلاح، أو تصديره إلى «حماس»، ما قد يرفع وتيرة المنافسة على أسواق السلاح في المنطقة. وقال: «تسليح إيران للسودان يغضب أميركا وإسرائيل وآخرين في الإقليم، بسبب إدراكهما علاقات طهران والخرطوم وارتباط ذلك بـ(حماس)». وتوقع الشريف تحركات أميركية إسرائيلية لوقف العلاقة المزعجة لكلتا الدولتين، متوقعاً أن تدفع أميركا للتدخل بقوة في الملف السوداني، وتسريع ملف العقوبات الأخير يرتبط بشعورها بالخطر الإيراني.

واستبعد الشريف في المقابل دعماً تسليحياً لـ«قوات الدعم السريع» مقابل الدعم الإيراني، وقال: «(قوات الدعم السريع) ليست الجهة المأمونة لتسلحها أميركا، والولايات المتحدة لا تزال تنظر إليها بريبة بسبب المشكلات الناجمة عنها»، وتابع: «إمدادهم بالسلاح دون استراتيجية يمكن أن يؤثر في الأمن في الإقليم، لأن بنيتها كقوة لا تساعد على تسليحها، لكن سوق السلاح مفتوحة، ويمكن الحصول على السلاح من كل طرف يملك المال والعلاقات».


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية، مستعرضاً مع مسعد بولس، في القاهرة، الاثنين، مستجدات الأوضاع في السودان.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي خلال لقائه عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني في جدة (واس) p-circle 00:17

محمد بن سلمان والبرهان يستعرضان مستجدات أوضاع السودان

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، مستجدات الأوضاع الراهنة في السودان.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

خاص بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)

مصر تنفي دخول أي شحنات غذائية بها أي مستويات إشعاعية إلى البلاد

صورة لوسط العاصمة القاهرة (أ.ف.ب)
صورة لوسط العاصمة القاهرة (أ.ف.ب)
TT

مصر تنفي دخول أي شحنات غذائية بها أي مستويات إشعاعية إلى البلاد

صورة لوسط العاصمة القاهرة (أ.ف.ب)
صورة لوسط العاصمة القاهرة (أ.ف.ب)

نفت الحكومة المصرية، الأربعاء، دخول أي شحنات غذائية بها أي مستويات إشعاعية إلى البلاد.

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، في بيان صحافي، الأربعاء، إن ما تم تداوله بشأن السماح بدخول واردات غذائية تحتوي على نسب من الإشعاع معلومات غير موثقة تُثير البلبلة.

وأوضح أنه بالتواصل مع الهيئة القومية لسلامة الغذاء أفادت بأن جميع الواردات الغذائية تخضع لمنظومة رقابية متكاملة تُطبق وفق أحدث المعايير الدولية لسلامة الغذاء، وذلك تحت إشراف الجهات المعنية، وفي مقدمتها الهيئة القومية لسلامة الغذاء، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وشددت الهيئة على أنه يجري فحص الشحنات الغذائية من خلال آليات علمية دقيقة، تشمل القياس الإشعاعي، وذلك وفقاً لنظام تقييم المخاطر المعتمد، كما تُطبق آليات الفحص والاختبارات بنسبة 100 في المائة على الدول أو المناطق المصنفة «ذات خطورة إشعاعية مرتفعة»، بالتعاون مع هيئة الطاقة الذرية.

وأشارت الهيئة إلى أنه حال ثبوت تلوث أي شحنة غذائية بملوثات إشعاعية -حتى إن كانت ضمن الحدود المسموح بها في بعض الدول- لا يسمح بدخولها إلى البلاد، ويتم اتخاذ الإجراءات القانونية الفورية، وعلى رأسها رفض الشحنة وإعادة تصديرها من ميناء الوصول، دون السماح بتداولها داخل السوق المحلية.

وأكدت الهيئة أنه لا يُسمح بوجود أي مستويات من الإشعاع في الشحنات الغذائية الواردة، مع استمرارها في أداء دورها الرقابي بكل حزم وشفافية، بما يضمن حماية صحة وسلامة المواطنين.


مصر تشدد على عمق ومتانة العلاقات مع السعودية

لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)
لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تشدد على عمق ومتانة العلاقات مع السعودية

لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)
لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

شددت مصر على عمق ومتانة العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية. وتحدث رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، عن «الحرص المتبادل على دفع أوجه التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بما يُحقق صالح الشعبين الشقيقين».

جاء ذلك خلال لقاء مدبولي، الأربعاء، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى مصر، صالح بن عيد الحصيني، في مقر مجلس الوزراء بالعاصمة الجديدة (شرق القاهرة)، حيث بحثا عدداً من الموضوعات والقضايا ذات الاهتمام المشترك، في إطار العلاقات الوثيقة التي تجمع بين البلدين الشقيقين.

ورحب رئيس الوزراء المصري بالسفير السعودي، مشيراً إلى «استمرار مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك».

واستعرض الجانبان سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، وزيادة حجم التبادل التجاري المشترك، فضلاً عن بحث فرص الاستثمار المتاحة في مصر في عدد من القطاعات الواعدة.

كما تناول اللقاء متابعة عدد من مشروعات التعاون المشتركة، وتأكيد «أهمية تذليل أي تحديات قد تواجه المستثمرين، والعمل على تهيئة بيئة أعمال جاذبة ومحفزة، في ضوء ما تنفذه الدولة المصرية من إصلاحات اقتصادية وهيكلية شاملة».

وأعرب السفير السعودي عن تقديره لحفاوة الاستقبال، مؤكداً «اعتزاز بلاده بالعلاقات الراسخة مع مصر، وحرصها على تعزيز أطر التعاون المشترك في مختلف المجالات، لا سيما في ضوء الروابط الأخوية التي تجمع قيادتي البلدين».

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، جرى خلال اللقاء «الاتفاق على استمرار التنسيق خلال المرحلة المقبلة، والعمل على دفع مسارات التعاون المشترك في شتى المجالات، بما يعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين ويحقق مصالحهما المشتركة».


مصر: الحكومة تتعامل مع الحرب الإيرانية «كأزمة ممتدة» وتشيد بالاستجابة لـ«الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: الحكومة تتعامل مع الحرب الإيرانية «كأزمة ممتدة» وتشيد بالاستجابة لـ«الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

بعد مطالبات برلمانية وجدل بشأن عدم قيام الحكومة المصرية بتقديم بيان عملها أمام السلطة التشريعية بالتزامن مع قرارات عديدة اتخذتها منذ اندلاع الحرب الإيرانية، قدّم رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بياناً، الثلاثاء، أمام مجلس النواب ركز على أضرار الحرب وآليات التعامل مع تداعياتها، إلى جانب حديثه عن رؤية عامة لخطوات حكومته المستقبلية.

وأفصح مدبولي عن أن الحكومة المصرية تتعامل مع التصعيد الراهن في المنطقة «كأزمة ممتدة» يصعب الجزم بتوقيت انتهائها في ظل تعقيد وتشابك الأوضاع الإقليمية والدولية، مؤكداً أن «انتهاءها، وإن تحقق من الناحية الشكلية، لا يعني بالضرورة زوال آثارها»، ورجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الحالي.

وفي الوقت ذاته أشاد مدبولي باستجابة المواطنين لقرارات «الترشيد»، مضيفاً أن «الحكومة كانت تدرك تماماً مدى صعوبة تطبيق بعض الإجراءات، وَوَقْعها على نفوس المصريين، خاصة ما يتعلق بقرار غلق المحال التجارية في ساعة مبكرة».

وبدأت الحكومة المصرية في 28 مارس (آذار) الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في 10 مساءً لمدة شهر، قبل أن تخفف من تلك الإجراءات في 9 أبريل (نيسان) الحالي، حيث عدلت مواعيد غلق المحال التجارية ومدها إلى الساعة 11 مساءً حتى يوم 27 أبريل، وهو موعد نهاية الفترة المحددة لتطبيق «القرارات الاستثنائية».

وبالتزامن مع انتقادات وجهها البعض للحكومة بشأن جدوى إجراءات «الغلق المبكر»، إلى جانب عدم الرضا عن قرارات زيادة أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة بعد أيام من اندلاع الحرب، تضّمن بيان مدبولي الإشارة إلى القفزة في فاتورة استهلاك الطاقة شهرياً من 560 مليون دولار إلى نحو مليار و650 مليون دولار، بزيادة قدرها مليار و100 مليون دولار شهرياً لتأمين احتياجات الكهرباء والصناعة.

جانب من اجتماع سابق للحكومة المصرية (مجلس الوزراء المصري)

وتطرق رئيس الوزراء المصري إلى أضرار الحرب عالمياً وتأثر مصر بها، بينها خسائر قطاع السياحة في منطقة الشرق الأوسط بنحو 600 مليون دولار نتيجة إلغاء رحلات جوية وتراجع حركة السفر، حسب «المجلس العالمي للسفر والسياحة»، إلى جانب زيادة أسعار الغذاء مع ارتفاع مؤشر منظمة «الفاو» بنسبة 2.4 في المائة عن مستواه في فبراير (شباط) الماضي، والتحذيرات من اضطراب سلاسل الإمداد، واصفاً الوضع بأنه «الأعنف منذ جائحة (كورونا) وبداية الحرب في أوكرانيا».

ورغم عدم وضوح الرؤية بشأن مستقبل ما سوف تتخذه الحكومة المصرية من إجراءات لتجاوز التداعيات الاقتصادية، لاقى بيان مدبولي أمام مجلس النواب ترحيباً برلمانياً، بما في ذلك المعارضة.

وقالت إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب «الإصلاح والتنمية» (معارض)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن رئيس الوزراء استجاب لمطالب رؤساء الهيئات البرلمانية بضرورة حضوره إلى مجلس النواب وإعلان خطة حكومته للتعامل مع التداعيات الاقتصادية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن البيان لم يتضمن كثيراً من التفاصيل المرتبطة بالخسائر التفصيلية التي تعرض لها الاقتصاد المصري والقرارات التنفيذية المتوقعة للتعامل معها، وركز في مجمله على شرح لطبيعة الأوضاع الراهنة.

وأحال رئيس مجلس النواب المصري، المستشار هشام بدوي، بيان رئيس الحكومة أمام الجلسة العامة إلى اللجان النوعية المختصة لدراسته وإعداد تقرير بشأنه.

المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي)

واعتبر أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، حسن سلامة، أن بيان مدبولي أمام مجلس النواب «يعد تأكيداً على الصلة المؤسسية بين السلطة التنفيذية والتشريعية... وليست هناك أهمية أكبر من الأزمة الإقليمية الراهنة وتداعياتها الداخلية المختلفة لخلق مشاركة شعبية حقيقية في القرارات عبر النواب الذين يمثلونهم، وأن تكون هناك لحظة مواجهة بين الحكومة والبرلمان».

وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن رئيس الوزراء المصري أعاد سرد ما اتخذته الحكومة من إجراءات سابقة وحرص على توضيح اتخاذ العديد من الدول الأخرى إجراءات مماثلة، مشيراً إلى أن المواطنين كانوا بحاجة للتعرف على تفاصيل الموقف الحكومي بشأن تمديد إجراءات الترشيد الاستثنائية والاستماع إلى حلول خارج الصندوق.

وتحدث مدبولي عن خطط مستقبلية عامة مثل مواصلة دعم النشاط الاقتصادي عبر تنفيذ الخطة الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026 - 2027، التي تتضمن ضخ استثمارات كلية تقدر بـ3.8 تريليون جنيه وتستهدف تمكين دور القطاع الخاص كقاطرة للتنمية برفع نسبة مساهمته في الاستثمارات الكلية إلى 60 في المائة، وتعظيم الاستفادة من الطاقة الجديدة والمتجددة، والتنسيق مع الجهات المعنية لتسريع الإفراج عن الشحنات الواردة، فضلاً عن العمل على تنويع مصادر الاستيراد، بما يضمن تغطية الاحتياجات لفترة زمنية مقبلة.