انتخابات أميركا: أزمة الهجرة وأمن الحدود

بين «غزو» تكساس و«عزل» وزير و«فشل» بايدن

تحتدم المواجهة بين البيت الأبيض وتكساس لإزالة الأسلاك الشائكة على الحدود (رويترز)
تحتدم المواجهة بين البيت الأبيض وتكساس لإزالة الأسلاك الشائكة على الحدود (رويترز)
TT

انتخابات أميركا: أزمة الهجرة وأمن الحدود

تحتدم المواجهة بين البيت الأبيض وتكساس لإزالة الأسلاك الشائكة على الحدود (رويترز)
تحتدم المواجهة بين البيت الأبيض وتكساس لإزالة الأسلاك الشائكة على الحدود (رويترز)

تتفاعل قضية الهجرة بشكل متسارع في الولايات المتحدة، فالأزمة على الحدود الجنوبية وصلت إلى حد المواجهة الحتمية بين ولايات حدودية مثل تكساس والبيت الأبيض، وباتت تشكل قضية أساسية في الانتخابات الأميركية، ملقية بثقلها على العاصمة واشنطن.

فلأول مرة منذ 150 عاماً، يسعى مجلس النواب بأغلبيته الجمهورية لعزل وزير في الإدارة الأميركية، ليكون الضحية هذه المرة وزير الأمن القومي أليخاندرو مايوركاس. وكـأن هذا لم يكن كافياً لإظهار الانقسامات الحزبية فأتت تصريحات الرئيس السابق دونالد ترمب الرافضة لتسوية تشريعية في ملف الهجرة لتطلق رصاصة الرحمة على احتمالات إقرارها في مجلس النواب.

يستعرض «تقرير واشنطن»، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، احتمالات التوصل إلى تسوية حول ملف الهجرة في موسم انتخابي حامٍ، بالإضافة إلى مساعي عزل وزير الأمن القومي وتفاعل قضية تكساس مع تحدي حاكمها للرئيس الأميركي جو بايدن ورفضه الالتزام بقرار المحكمة العليا إزالة الأسلاك الشائكة على الحدود.

لاجئون ينتظرون على الحدود مع المكسيك في 2 يناير 2024 (إ.ب.أ)

الهجرة: نظام «مكسور»

يشير دوغلاس هاي، نائب مدير الموظفين السابق لزعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب، إلى وجود توافق بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري على ضرورة إصلاح نظام الهجرة الأميركي، لكن هاي يؤكد صعوبة التوصل إلى توافق حول حلها في موسم انتخابي تتضارب فيه آراء المرشحين الرئيسيين جو بايدن ودونالد ترمب، ويضيف هاي: «إنه ملف يصعب حله حتى في أفضل الظروف ومن الواضح أن الظروف التي نعيشها اليوم هي ليست الأفضل...».

من ناحيته، يذكّر مراسل شؤون الهجرة في صحيفة «ذا هيل» رافاييل بيرنار بأن الكونغرس فشل في أكثر من مرة في إقرار قوانين إصلاحية حول الهجرة، مشيراً إلى أنه من النادر جداً التوصل إلى توافق بهذا الخصوص، فقال: «خلال الأعوام الـ35 السابقة، تم إقرار إصلاحات في الكونغرس مرتين فقط، في عام 1996 ثم في عام 2006».

تزداد الدعوات لبايدن لزيارة الحدود (أ.ب)

ويحمّل الجمهوريون بايدن مسؤولية تدهور أمن الحدود، ويدعونه إلى إصدار قرار تنفيذي لحل الأزمة، وهو أمر يقول البعض إنه لا يقع ضمن صلاحيات الرئيس الأميركي، وتشير ليندا تشافيز مديرة مكتب العلاقات العامة في البيت الأبيض في إدارة رونالد ريغان وكبيرة الباحثين في منتدى الهجرة الوطنية، إلى أنه و«في كل مرة حاول فيها بايدن إصدار قرار تنفيذي في محاولة للسيطرة على التدفّق الهائل للمهاجرين عبر الحدود الجنوبية، قامت الولايات الجمهورية بمقاضاته في محاولة لإيقافه»، وترى تشافيز أن الأزمة لا تتعلق بالهجرة غير الشرعية بل بالهجرة القانونية ونظام اللجوء السياسي، فتفسر قائلة: «المشكلة الحقيقية هي نظام اللجوء لدينا. فهو متصدّع ويتم استغلاله من قبل بعض الأشخاص... لدى البعض منهم مطالبات مشروعة وخوف حقيقي من الاضطهاد من قبل حكوماتهم، لكنّ هناك أشخاصاً آخرين يحاولون الفرار من العصابات والجرائم والفقر. وإلى أن نقوم بنوع من التعديلات على هذا النظام سيكون من الصعب جداً على بايدن أن يقوم بأي شيء».

وتتحدث تشافيز عن حقبة الرئيس الجمهوري السابق رونالد ريغان التي عملت في إدارته فتقول: «عندما أنظر إلى سنوات ريغان، أدرك أنها كانت المرة الأخيرة التي خضع فيها نظام الهجرة لإصلاح حقيقي. أتمنى لو كان الحزب الجمهوري اليوم هو حزب ريغان، للأسف هو ليس كذلك، فهو الآن حزب ترمب».

يسعى المشرعون للتوصل إلى تسوية لحل أزمة الهجرة (أ.ف.ب)

إصلاح «معرقل»

مع ازدياد اهتمام الناخب الأميركي بأزمة الهجرة التي باتت تتصدر لائحة أولوياته في الموسم الانتخابي، يقول هاي، الذي عمل في مكتب القيادات الجمهورية في الكونغرس لأعوام، إن المشرعين يعلمون أن الهجرة هي مشكلة حقيقية لكن الأسباب التي تدفعهم برفض دعم أي تسوية تتخطى أسباب موافقتهم لأنهم سيضطرون لمواجهة قاعدتهم الانتخابية في ولاياتهم، مضيفاً: «دائماً ما يسهل تقديم أسباب لعدم التصويت على مسألة ما مقارنة بالتصويت لصالحها... وحتى مع الصور التي نراها من الحدود كل يوم وهي صور تثير العاطفة، من الأسهل على الجمهوريين عدم الاتفاق ناهيك عن الاتفاق مع الديمقراطيين».

ويوافق بيرنار مع هذه المقاربة فيرى أن الحزبين أصبحا «متباعدين جداً حول الحل الأنسب لدرجة أنه أصبح من المستحيل التوصل إلى اتفاق»، وأشار بيرنار إلى أن مفاوضات مجلس الشيوخ الجارية حالياً استبعدت تجمع الأصول اللاتينية من الحزب الديمقراطي في الكونغرس، الأمر الذي سيؤثر أيضاً على حظوظ إقرار أي تسوية في مجلس النواب».

أما تشافيز فتعتقد أن الجمهوريين سيسعون لعرقلة أي تسوية لأن هذا يصب في صالح مصالحهم الانتخابية فتقول: «جزء من المشكلة هو أن الجمهوريين يرون أن الإبقاء على هذه المشكلة والاستمرار في تداول صور ما يقارب عشرات آلاف النازحين إلى الحدود الجنوبية، ميزة للانتخابات. فإذا استطاعوا الاستمرار بعكس صورة الفوضى على الحدود، يعتقدون أن ذلك سيساعدهم في نوفمبر (تشرين الثاني)».

ويضيف هاي موافقاً: «من الواضح أنه عندما يقحم ترمب نفسه في مسألة كهذه أكان بصفته رئيساً أو مرشحاً للرئاسة أو رئيساً سابقاً، تصبح الأمور مسيّسة بسرعة كبيرة، كما أن ذلك يزيد من تصلّب الموقف الجمهوري»، ويشير هاي إلى أن الجمهوريين يعولون على وصول ترمب للرئاسة لإبرام صفقة بشأن الهجرة.

وزير الأمن القومي أليخاندرو مايوركاس في جولة على الحدود في 17 مايو 2022 (رويترز)

سياسات بايدن وعزل وزير الأمن القومي

وينتقد بيرنار مقاربة بايدن بشأن الهجرة، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية لم تتحدث مع الأميركيين بالشكل اللازم لشرح مقاربتها، وأن أداءها «كان سيئاً في أسلوب إيصال الرسائل»، وهذا ما دفع بالجمهوريين في مجلس النواب للسعي إلى عزل وزير الأمن القومي أليخاندرو مايوركاس الذي أصبح واجهة هذه الأزمة.

وتعارض تشافيز هذه الجهود، مشيرة إلى أنها «عملية سياسية بحتة» وتضيف: «هناك خلاف سياسي حول السياسات بين الجمهوريين والبيت الأبيض وهم يحاولون استغلال هذا العزل لتبرير بعض هذه الخلافات».

لكن تشافيز ترى أن بايدن لا يقوم بعمل جيد في إظهار أنه يعير الأزمة الاهتمام المطلوب فتقول: «عليه يظهر إلى العلن، فحقيقة أنه لم يذهب إلى الحدود ولم يتطرّق لهذا الموضوع بشكل مباشر، هي أمور تضر به سياسياً».

ومع ازدياد الترجيحات بأن مساعي عزل مايوركاس سوف تنجح في مجلس النواب لكنها ستفشل في مجلس الشيوخ، يتحدث هاي عن طبيعة النظام الأميركي والانقسامات في الكونغرس، قائلاً: «نحن نعلم أن هناك انقساماً بين الحزبين وهذا أمر تاريخي. ولكن إن تعمّقنا في المسألة قليلاً، فهناك دائماً انقسامات بين مجلسي النواب والشيوخ، وهذا ينطبق بغض النظر إن كان كلاهما ذا أكثرية ديمقراطية أم جمهورية... إن مجلس النواب ومجلس الشيوخ دائماً ما يتعارضان مع بعضهما».

حاكم تكساس غريغ أبوت يوقع على قوانين إضافية للحد من الهجرة غير الشرعية في 18 ديسمبر 2023 (أ.ب)

تكساس و«ثورة» حاكمها

إلى ذلك تتسارع وتيرة الأحداث في ولاية تكساس، حيث تحتدم المواجهة بين البيت الأبيض والمحكمة العليا من جهة وحاكم الولاية غريغ أبوت مع مجموعة من الحكام الآخرين الذين أعربوا عن دعمهم له لمواجهة بايدن في أزمة الهجرة. فرفض أبوت تنفيذ قرار المحكمة العليا إزالة الأسلاك الشائكة على الحدود، معلناً أن «غزو» ولايته من قبل المهاجرين غير الشرعيين ولّد موجة من التوترات، وأشار بيرنار إلى أن خطوة أبوت «رائعة لو كانت المسألة سياسية بحتة»، مضيفاً: «لكنها أيضاً مسألة إنسانية...». ويفسر بيرنار توصيفه للخطوة بالرائعة سياسياً فيقول: «لقد وضع غريغ أبوت رهاناً فائزاً في كلتا الحالتين: إن قام بايدن بإرسال حرس فيدرالي إلى تكساس وقطع الأسلاك الشائكة، فهذه صورة سيئة سياسياً لبايدن. إن لم يقم بأي شيء، فهذا سيظهر أبوت بمظهر الرابح أيضاً».

من ناحيته، يقول هاي إن حاكم تكساس يراهن على أنه «سيربح هذه القضية سياسياً وأن الإدارة لن تتدخل بينه وبين مواجهته المحكمة العليا ونزع الأسلاك الشائكة»، ويضيف هاي: «أعتقد أن هذا الرهان على القسم الأخير صحيح لأنه إن حصل ذلك، من السهل جداً بالنسبة إلى الحاكم أبوت ودونالد ترمب وأعضاء الكونغرس الجمهوريين، استخدام ما جرى للقول إن بايدن لا يهتم بما يجري على الحدود»، ويضيف هاي: «الصور التي نشاهدها حتى الآن على الحدود مسيئة للإدارة الحالية، لكن إن تطوّرت الأمور مع صور لنزع الأسلاك الشائكة فهذا قد يؤذي الإدارة فعلياً في وقت يواجه فيه بايدن تراجعاً حاداً في نتائج استطلاعات الرأي على مسائل الهجرة».

أسلاك شائكة على الحدود الأميركية - المكسيكية في 25 يناير 2024 (إ.ب.أ)

لكنّ تشافيز تدعو حاكم تكساس إلى «الإيمان بسيادة القانون» وعدم الانخراط في مواجهة خاصة بعد إصدار المحكمة العليا قرارها، فتقول: «احترموا القانون، نتحدث عن الصور على الحدود ولا شك أنها مريعة لكن أتعلمون أي صور هي أسوأ من ذلك؟ صور الأمهات وأطفالهن الذين يلاقون حتفهم بين الأسلاك الشائكة بعد منعهم من الحصول على المساعدة من قبل حرس الحدود... أعتقد أنه يجب نزع الأسلاك الشائكة ولا أوافق على أنه مظهر جيد لولاية تكساس وهو سياسة مريعة وكارثة إنسانية».

وبالتزامن مع هذه المواجهة يطرح البعض فكرة «انفصال» تكساس عن الولايات المتحدة وهو أمر يستبعده بيرنار لكنه يذكر في الوقت نفسه بأن «الولاية الوحيدة التي انفصلت مرتين هي ولاية تكساس، المرة الأولى عندما انفصلت عن المكسيك، ثم عن الولايات المتحدة» ويضيف بيرنار: «برأيي، لا نزال بعيدين جداً عن هذه النقطة. ليس هناك من مستحيل طبعاً لكن هذا أمر غير مرجح» ويتطرق بيرنار لتعبير «الغزو» الذي استعمله أبوت، فيقول: «أبوت يستعمل تعبير الغزو بطريقة خاطئة، فالغزو هو من قبل قوات معادية أجنبية ومن الواضح أن الأشخاص القادمين لا يشكلون قوة معادية أجنبية. هناك معاناة إنسانية وهذه مشكلة». ويختم بيرنار قائلاً: «ما ينظر إليه كل من أبوت وترمب وبايدن هو ليس النتائج الإنسانية لسياساتهم بل النتائج الانتخابية لهذه السياسات وهذه مقاربة مخيفة جداً...».


مقالات ذات صلة

ترمب وشي يمددان الهدنة ويؤجّلان الخلاف

الولايات المتحدة​ الرئيسان الأميركي والصيني في آخر محطات زيارة الدولة في مدخل الأرشيف الوطني يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)

ترمب وشي يمددان الهدنة ويؤجّلان الخلاف

غاب رجال الأعمال الصينيون بشكل لافت عن زيارة الرئيس شي جينبينغ إلى واشنطن، في تباين صارخ مع الحضور الكثيف لعمالقة قطاع الأعمال الأميركي.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ونظيره الصيني في البيت الأبيض يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب وشي... قمة بحسابات انتخابية

تصدّر الذكاء الاصطناعي أجندة القمة في وقت تتسابق فيه واشنطن وبكين على تطوير النماذج الذكية والرقائق وتحويل التفوق التكنولوجي إلى نفوذ اقتصادي واستراتيجي.

رنا أبتر (واشنطن)
العالم البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماعه مع الرئيس الفرنسي بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

البابا ليو عن حظر «سي إن إن»: أرحّب بكل الصحافيين لتغطية أخباري

أكد البابا ليو، بابا الفاتيكان، مجدداً على دعمه لحرية الصحافة، في ردِّه على سؤال حول قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، منع وسائل إعلام بدخول البيت الأبيض.

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يساراً) يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض خلال مأدبة عشاء رسمية (أ.ب) p-circle

من النسر الأصلع إلى آيس كريم العسل... تفاصيل مأدبة ترمب وشي في البيت الأبيض

في أجواء اتسمت بالمراسم الرسمية والضيافة، استضاف الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره الصيني شي جينبينغ في مأدبة عشاء رسمية بالبيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يستقبلان الرئيس الصيني شي جينبينغ وزوجته بنغ لييوان في البيت الأبيض بواشنطن 24 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

واشنطن تحتفي بشي... وترمب يتحدث عن «صداقة عظيمة»

دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إدارة التنافس بين الصين وأميركا، وإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت الرقابة البشرية.

هبة القدسي (واشنطن)

ترمب وشي يمددان الهدنة ويؤجّلان الخلاف

مصافحة بين الرئيسين الأميركي والصيني في آخر محطات زيارة الدولة في الأرشيف الوطني يوم 25 سبتمبر (رويترز)
مصافحة بين الرئيسين الأميركي والصيني في آخر محطات زيارة الدولة في الأرشيف الوطني يوم 25 سبتمبر (رويترز)
TT

ترمب وشي يمددان الهدنة ويؤجّلان الخلاف

مصافحة بين الرئيسين الأميركي والصيني في آخر محطات زيارة الدولة في الأرشيف الوطني يوم 25 سبتمبر (رويترز)
مصافحة بين الرئيسين الأميركي والصيني في آخر محطات زيارة الدولة في الأرشيف الوطني يوم 25 سبتمبر (رويترز)

اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يختتم زيارة نظيره الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن، الجمعة، بمحطة تختلط فيها السياسة بالتاريخ، فاصطحبه إلى الأرشيف الوطني الأميركي، حيث تُحفظ وثائق تأسيسية مثل إعلان الاستقلال والدستور ووثيقة الحقوق، إلى جانب مواد توثّق محطات بارزة في العلاقات الأميركية - الصينية.

وجاءت هذه المحطة، بعد يوم من المفاوضات الشاقة ومأدبة عشاء رسمية فخمة في البيت الأبيض، محمّلة بقدر كبير من الرمزية. فقد أراد ترمب أن يطلع ضيفه على ما وصفه بـ«كنوز التاريخ الأميركي»، فيما شملت الجولة وثائق تتصل بتاريخ العلاقات بين البلدين، وأوجه التبادل الثقافي بين الشعبين.

ولفتت وكالة «رويترز» إلى أن اهتمام بعض المحللين انصب خصوصاً على الوثائق المرتبطة بقرار واشنطن عام 1979 نقل اعترافها الدبلوماسي من تايبيه إلى بكين، في وقت عادت فيه قضية تايوان لتتقدم مجدداً قائمة الملفات الأكثر حساسية في محادثات الرئيسين.

وهكذا، بدت زيارة الأرشيف الوطني امتداداً للغة التي طبعت زيارة الدولة، والقائمة على استدعاء التاريخ لاحتواء خلافات الحاضر. فلم يخرج ترمب ولا شي من القمة بتسوية كبرى تضع حداً للتنافس التجاري والتكنولوجي والاستراتيجي بين أكبر اقتصادين في العالم، لكنهما سعيا إلى إظهار أن هذا التنافس يمكن إدارته، وأن العلاقة الشخصية بينهما قد توفر مظلة سياسية تحول دون انزلاق الخلافات إلى مواجهة مفتوحة.

ترمب وميلانيا لدى استقبال ضيفيهما الصينيين في البيت الأبيض لحضور مأدبة عشاء رسمية في واشنطن (د.ب.أ)

وقال ترمب إنه ونظيره الصيني أحرزا تقدماً يصب في مصلحة الولايات المتحدة والصين. وصرح للصحافيين في أثناء تناوله الشاي في البيت الأبيض في حضور زوجته ميلانيا والرئيس شي وزوجته: «أعتقد أننا قطعنا أشواطاً هائلة وقمنا بخطوات كبيرة، وهو أمر إيجابي جداً لكلا البلدين».

بدوره، أشار شي إلى إمكان عقد اجتماعين إضافيين مع نظيره الأميركي هذا العام. وقال عبر مترجم: «بالنسبة إلى ما تبقى من هذا العام، ستكون هناك فرصتان أخريان للقاء: الأولى خلال اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في الصين، والثانية خلال قمة مجموعة العشرين في الولايات المتحدة»، مضيفاً: «أرحب بزيارتكما للصين، سيدي الرئيس والسيدة الأولى».

تباين في الحضور

أقام ترمب والسيدة الأولى ميلانيا، مساء الخميس، مأدبة عشاء لشي وزوجته بنغ لي يوان، وسط مزيج مدروس من التقاليد الأميركية والرمزية الصينية. وأشرفت ميلانيا شخصياً على إعداد العشاء، الذي جمع الوفدين الرسميين إلى مجموعة بارزة من قادة الأعمال والتكنولوجيا. وأضفى ترمب لمسة شخصية على مأدبة الدولة عندما أهدى شي تمثال نسر، الرمز الوطني للولايات المتحدة.

الرئيس الصيني يتحدث مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر مترجمين خلال مأدبة عشاء رسمية مساء 24 سبتمبر (أ.ف.ب)

وكان غياب رجال الأعمال الصينيين عن الزيارة لافتاً، ما كشف عن تباين صارخ مع الحضور الكثيف لعمالقة قطاع الأعمال الأميركي في حفل العشاء الرسمي. ومن بين الأسماء الـ134 المدرجة في قائمة المدعوين للمأدبة الرسمية الفخمة التي أقامها البيت الأبيض، لم يكن ضمن الوفد الصيني سوى 19 شخصاً، وهو ما أدى إلى انقسام آراء الخبراء حول أسباب هذا التفاوت الواضح.

وقال ستيف تسانغ، مدير معهد «سواس الصين»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «برأيي أن هذا يعكس ببساطة حقيقة أن أولوية شي والصين ليست الصفقات التجارية أو الأعمال، بل إنجاح الزيارة، على الأقل من حيث الصورة العامة».

وأضاف: «لو كانت التجارة تمثل أولوية قصوى لاصطحبوا معهم كبار قادة الأعمال».

وإلى جانب الرئيس شي وزوجته بنغ لي يوان، ضم الوفد الصيني مساعده المقرب تساي تشي، ووزير الخارجية وانغ يي، والسفير الصيني لدى الولايات المتحدة، وكبير المفاوضين التجاريين خه لي فنغ.

ومن الجانب الأميركي، حضر الأمسية المرموقة شخصيات بارزة مثل تيم كوك من شركة «آبل»، وليزا سو من شركة «أدفانسد مايكرو ديفايسز» العملاقة لرقائق الذاكرة، وجنسن هوانغ من شركة «إنفيديا» التي مُنعت من تصدير أفضل أشباه الموصلات لديها إلى الصين. كما وُجّهت الدعوة إلى رموز قطاع التكنولوجيا مثل مارك زاكربرغ، وسام ألتمان من شركة «أوبن إيه آي»، وجيف بيزوس، بالإضافة إلى إيلون ماسك.

تجميد الملفات الخلافية

وخلف الاستقبال الاستثنائي الذي خصّت به واشنطن الضيف الصيني على مدى ثلاثة أيام، أظهرت المحادثات حدود التقارب بين الجانبين، ولا سيما في ملفات التجارة والرسوم الجمركية والمعادن النادرة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتايوان وإيران. ولم تخرج عن القمة «صفقة كبرى تحسم القضايا الخلافية أو تقرب وجهات النظر حولها؛ إذ كان أبرز ما تحقق هو تمديد الهدنة التجارية شهرين إضافيين.

ترمب وميلانيا يتناولان الشاي مع ضيفيهما الرئيس الصيني وزوجته في الغرفة الحمراء بالبيت الأبيض يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)

وأكّد وزير الخزانة سكوت بيسنت تمديد الهدنة التجارية حتى 10 يناير (كانون الثاني) 2027، بما يؤجل عودة التصعيد في الرسوم، بينما تستمر المفاوضات حول القضايا الأكثر تعقيداً.

ووصفت وكالة «رويترز» محصلة المحادثات وزيارة الدولة بأنها زيارة غنية بالرمزية، لكنها محدودة من حيث الاختراقات الكبرى. واعتبرت أن أهم نتيجة للقمة هي أن واشنطن وبكين لم تحلا الحرب التجارية؛ بل جمدتا تصعيدها. فالرسوم لا تزال موجودة، والخلاف على السياسات الصناعية الصينية لم ينتهِ، والقيود الأميركية على التكنولوجيا المتقدمة باقية، كما أن الصين تحتفظ بورقة شديدة القوة تتمثل في سيطرتها على أجزاء رئيسية من سلسلة إمدادات المعادن النادرة. وبالتالي، فإن تمديد الهدنة لا يحل الخلافات، لكنه يمنع الطرفين مؤقتاً من اختبار حدود الضرر الذي يستطيع كل منهما إلحاقه بالآخر.

ألقى شي كلمةً خلال مأدبة عشاء رسمية في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض مساء 24 سبتمبر (إ.ب.أ)

ويرى عمرو منصور، الباحث المتخصص في السياسة الخارجية الصينية، أن الرئيس شي اتبع خلال الزيارة نهجاً براغماتياً من خلال طرح مبدأ إدارة الخلافات بين الجانبين بدلاً من إنكارها، والتأكيد على أنه من مصلحة البلدين القبول بوجود مساحة من التنافس المسؤول بعيداً عن التصعيد المتبادل.

ويتابع منصور، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحماس الذي أبداه ترمب خلال مراسم الاستقبال يعدّ محاولة لخلق أجواء بناءة، لا سيما عقب تمديد الهدنة التجارية بين البلدين». وأضاف: «اهتمام الرئيس الأميركي بوضع الذكاء الاصطناعي على طاولة المباحثات يعكس تداخل الأبعاد الاقتصادية والأمنية والدعائية لهذا الملف، والذي ترى فيه الولايات المتحدة رمزاً لتفوقها التكنولوجي وزعامتها في اقتصاد المستقبل، في حين ترى فيه الصين استكمالاً لصعودها الاقتصادي وتأكيداً على جدارتها بمكانتها العالمية وفرصة لتعزيز شبكة شراكاتها الدولية».


ترمب وشي... قمة بحسابات انتخابية

ترمب ونظيره الصيني في البيت الأبيض يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونظيره الصيني في البيت الأبيض يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب وشي... قمة بحسابات انتخابية

ترمب ونظيره الصيني في البيت الأبيض يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونظيره الصيني في البيت الأبيض يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أسبوع حافل بالأحداث الدولية بدأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الأمم المتحدة، واختتمه بقمة استثنائية مع الرئيس الصيني شي جينبينغ. وفي كل محطة وتصريح، بدا واضحاً أن قاطن البيت الأبيض يدرك أن حسابات الخارج تتشابك مع معركة الداخل الأميركي، وأن ما ينتج عن لقاءاته الدولية قد يتحول إلى ورقة في معركة الانتخابات.

من هنا، اكتسبت القمة الأميركية - الصينية أهمية تتجاوز العلاقة بين أكبر قوتين في العالم. فالملفات التي حضرت على الطاولة، من الذكاء الاصطناعي والتجارة والرسوم الجمركية، إلى تايوان وإيران... ترتبط جميعها بسؤال انتخابي جوهري: ماذا يستطيع ترمب أن يعود به إلى الناخب الأميركي في موسم انتخابي محتدم؟ يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، من يملك أوراق الضغط الأقوى في هذه الملفات، وكيف تدخل الصين في حسابات الانتخابات النصفية، في حين يبحث ترمب والجمهوريون عن إنجاز اقتصادي أمام الناخب الأميركي.

سباق الذكاء الاصطناعي

تصدّر الذكاء الاصطناعي أجندة القمة في وقت تتسابق فيه واشنطن وبكين على تطوير النماذج الذكية والرقائق وتحويل التفوق التكنولوجي إلى نفوذ اقتصادي واستراتيجي.

ويرى نيك آدامز، كبير الباحثين في معهد «أتلانتيك»، أن واشنطن لا تستطيع أن تسمح لنفسها بالتراجع في هذا السباق، معتبراً أن «الولايات المتحدة يجب ألا تتنازل أبداً عن موقعها الاستراتيجي تجاه الصين» في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي. وقال آدامز إن مقاربة ترمب تعكس رفضه لفرض قيود تنظيمية صارمة قد تعرقل الابتكار الأميركي، في مقابل إعطاء الأولوية للحفاظ على التفوق على الصين. لكن التفوق، بحسب مايكل كننغهام كبير الباحثين في برنامج الصين في معهد «ستيمسون»، ليس أحادي الجانب. فالولايات المتحدة لا تزال متقدمة «من حيث التكنولوجيا الفعلية»، في حين تتفوق الصين في القدرة على استخدام هذه التكنولوجيا وتحويلها إلى منتجات قابلة للتسويق وإدخالها سريعاً في الحياة اليومية.

الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان والرئيس التنفيذي لـ«ميتا» مارك زكربرغ في عشاء البيت الأبيض يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أما جاستن لوغان، مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد «كيتو»، فأشار إلى أن الصين، رغم عدم امتلاكها أحدث الرقائق الأميركية، نجحت في تطوير نماذج متقدّمة تحتاج إلى قدرة حاسوبية أقل. كما تحدث عن «مفارقة لافتة» على حد تعبيره، وهي أن المخاوف من مخاطر الذكاء الاصطناعي تبدو أحياناً أكثر وضوحاً في تصريحات المسؤولين الصينيين منها في خطاب ترمب المتفائل حيال التكنولوجيا.

ورغم شدة المنافسة، هناك مساحة للتعاون. وهذا ما قاله كننغهام، مذكّراً بتأكيد الرئيس الصيني شي جينبينغ على ضرورة أن يبقى الذكاء الاصطناعي تحت سيطرة البشر، ومعتبراً أن للطرفين مصلحة مشتركة في منع هذه التكنولوجيا من الخروج عن السيطرة.

تايوان «ورقة تفاوضية»

إلى جانب الذكاء الاصطناعي، أثارت تصريحات ترمب حول ملف تايوان اهتماماً دولياً واسعاً. فالرئيس الأميركي لم يحسم موقفه بعد من مبيعات الأسلحة الأميركية المعلّقة إلى الجزيرة، معتبراً أنها «ورقة تفاوضية جيدة جداً بالنسبة لأميركا». الجديد، بحسب كننغهام، ليس استخدام الإدارات الأميركية توقيت مبيعات الأسلحة ضمن حساباتها الدبلوماسية مع بكين، فهذا حدث في إدارات سابقة، بل قول الرئيس الأميركي علناً إن تايوان تشكّل «ورقة تفاوضية».

مظاهرات معارضة لزيارة الرئيس الصيني في واشنطن يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

واستغرب قائلاً: «هذا ليس أمراً يعلنه الرؤساء عادة»، موضحاً أن الاختبار الحقيقي لما بعد القمة سيكون في قرار ترمب بشأن صفقة الأسلحة، وكذلك «ما إذا كان سيسمح لرئيس تايوان بالمرور عبر الولايات المتحدة في طريقه إلى أميركا اللاتينية»، خاصة أن الصين قد تتحفظ على عقد أي لقاءات مستقبلية مع الولايات المتحدة في حال حصول ذلك. وبينما لا يجزم ترمب بأن السياسة الأميركية تجاه تايوان تغيرت، يرى لوغان أن تحركات الإدارة العسكرية تكشف بدورها عن أولويات مختلفة، مشيراً إلى نقل أصول عسكرية أميركية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط على خلفية الحرب مع إيران.

حرب إيران

يتقاطع ملف تايوان مع إيران، في ظل تقارير أفادت بأن ترمب يريد من الصين استخدام نفوذها للمساعدة في الملف الإيراني، مقابل تجميد صفقة الأسلحة مع تايوان، في وقت لا تبدو فيه بكين مستعدة لتقديم مكسب مجاني لرئيس أميركي في موسم انتخابي محتدم.

وتصاعدت أصوات في الكونغرس تطالب ترمب بالضغط على بكين على خلفية تقارير عن تقديمها صور أقمار اصطناعية لإيران ساعدتها في استهداف قواعد أميركية في المنطقة. ويرى آدامز أن الصين تواجه معادلة دقيقة. فمن جهة، قد تستفيد استراتيجياً من انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى، فإن اضطراب إمدادات النفط وارتفاع أسعاره يضران بمصالحها الاقتصادية.

بزشكيان رافعاً صورة علي خامنئي في الأمم المتحدة (رويترز)

من جهته، استبعد كننغهام أن تتجاوب الصين مع مطالب ترمب. فالحرب في إيران، رغم أنها تشكّل مشكلة لبكين بسبب تأثيرها على أسعار الطاقة، فإن الصين تعتبرها «مشكلة أميركية بامتياز خلقها ترمب وعليه أن يعالجها».

والأهم، بحسب كننغهام، أن تداعياتها «تضر بالولايات المتحدة وحلفائها أكثر مما تضر بالصين، التي بنت على مدى سنوات مخزونات تمنحها مرونة أكبر أمام اضطرابات الطاقة والتجارة. كما أن انشغال واشنطن في الشرق الأوسط يصب، في جوانب عدة، في مصلحة بكين، خصوصاً مع نقل أصول عسكرية أميركية من غرب المحيط الهادئ إلى المنطقة».

ويعتبر كننغهام أن الحسابات هنا تتجاوز إيران نفسها. فترمب يحتاج إلى إنجاز يستطيع تسويقه في الداخل، سواء عبر تهدئة الحرب وانعكاساتها على أسعار الطاقة، أو عبر تفاهم اقتصادي مع الصين. أما شي، فلا يملك بالضرورة المصلحة نفسها في منح الرئيس الأميركي انتصاراً سياسياً قبل الانتخابات. وهو ما أشار إليه كننغهام أيضاً عند حديثه عن الاستقبال الاستثنائي الذي خصّ به ترمب الرئيسَ الصيني، معتبراً أن ترمب قدم لشي «هدية» سياسية في مرحلة تسبق استحقاقات مهمة داخل الحزب الشيوعي الصيني، وربما يأمل أن يرد شي الجميل بمنحه بعض «الانتصارات السياسية الداخلية» التي يريدها.

تحديات اقتصادية

أسعار الديزل بأميركا في ارتفاع مستمر (أ.ف.ب)

وهذه الحسابات تظهر بصورة أوضح في الاقتصاد. فترمب يريد نتائج ملموسة يمكنه التحدث عنها أمام الناخب الأميركي، في حين لا تبدو بكين مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة.

وقد أبدى الرئيس الأميركي انفتاحاً على دخول شركات السيارات الصينية إلى الولايات المتحدة، ولكن بشرط توظيف عمال أميركيين. لكن لوغان حذّر من أن المعادلة ليست بهذه البساطة؛ لأن وجود مصانع صينية توظف أميركيين لا يلغي احتمال تعرض شركات السيارات الأميركية لضغوط أكبر أمام المنافسة الصينية. أما تمديد الهدنة التجارية بين واشنطن وبكين لشهرين، فاعتبره آدامز إنجازاً مهماً سياسياً؛ لأنه يمنح الإدارة فترة من الاستقرار تتجاوز انتخابات التجديد النصفي. لكن كننغهام قلّل من احتمال أن تغير القمة وحدها المزاج الاقتصادي للناخبين، مشدداً على أن التضخم وأسعار الطاقة سيبقيان أكثر عاملَين تأثيراً.


من النسر الأصلع إلى آيس كريم العسل... تفاصيل مأدبة ترمب وشي في البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يساراً) يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض خلال مأدبة عشاء رسمية (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يساراً) يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض خلال مأدبة عشاء رسمية (أ.ب)
TT

من النسر الأصلع إلى آيس كريم العسل... تفاصيل مأدبة ترمب وشي في البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يساراً) يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض خلال مأدبة عشاء رسمية (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يساراً) يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض خلال مأدبة عشاء رسمية (أ.ب)

في أجواء اتسمت بالمراسم الرسمية والضيافة، استضاف الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره الصيني شي جينبينغ في مأدبة عشاء رسمية بالبيت الأبيض، مساء الخميس، في ختام اليوم الثاني من زيارة الرئيس الصيني. وخلال المناسبة، قدّم ترمب لشي هدية رمزية تمثلت في تمثال لنسر أصلع، كما دعاه وضيوف العشاء إلى جولة في قاعة الاحتفالات الكبرى الجديدة في البيت الأبيض، التي لا تزال قيد الإنشاء.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يستقبلان الرئيس الصيني شي جينبينغ وزوجته بينغ ليوان في البيت الأبيض لحضور مأدبة عشاء رسمية (د.ب.أ)

تمثال لنسر أصلع «يرمز إلى أميركا»

أهدى ترمب الرئيس الصيني تمثالاً لنسر أصلع، وهو الطائر الذي يُعد رمزاً وطنياً للولايات المتحدة، وقال إن الهدية صُنعت على يد «فنان أميركي استثنائي»، وإن تصميمها جرى «بالتعاون الشخصي بيني وبين ميلانيا».

وقال ترمب خلال كلمته في مأدبة العشاء: «يُعد النسر الأصلع الرمز الوطني للولايات المتحدة وتجسيداً لروح أميركا الحرة والمحلقة عالياً»، مضيفاً: «ونأمل أن يجد له مكاناً جميلاً ورائعاً في بكين».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يساراً) يلقي كلمةً أثناء تقديمه تمثالاً لنسرٍ أصلع للرئيس شي جينبينغ (إ.ب.أ)

دعوة إلى موقع قاعة الاحتفالات

وقبيل الكشف عن هديته للرئيس شي، دعا ترمب ضيوف مأدبة العشاء إلى جولة في قاعة الاحتفالات الكبرى الجديدة بالبيت الأبيض، التي كانت لا تزال قيد الإنشاء.

وقال ترمب: «كبادرة خاصة تكريماً للرئيس شي والسيدة بينغ، أود دعوة الجميع هنا إلى زيارة المكان الواقع خلف تلك الستارة الجميلة عند الباب الخلفي؛ فالمكان مضاء بالكامل ويبدو رائعاً».

وتابع: «ستكونون أول من يطأ ذلك المكان، وسنقوم بذلك ربما بعد الانتهاء من الفقرات الترفيهية الليلة. إننا نتشرف بأن يقوم أي شخص منكم بزيارة موقع البناء هذا، الذي يتميز بكونه نظيفاً ومتألقاً».

ويأتي ذلك في إطار مشروع إنشاء قاعة احتفالات جديدة في البيت الأبيض، خُصصت لاستضافة الفعاليات والمناسبات الرسمية الكبرى.

مأدبة عشاء تجمع المكونات الأميركية بلمسات صينية

تألفت قائمة مأدبة العشاء الرسمية التي أقيمت مساء الخميس من ثلاثة أطباق، جمعت بين «مكونات أميركية ولمسات صينية خفيفة»، وجاءت مستوحاة من ذوق السيدة الأولى ميلانيا ترمب.

وقالت ميلانيا: «تنطوي عملية التخطيط لعشاء الدولة على تفاصيل كثيرة؛ فهناك بروتوكول يجب اتباعه، وقد شاركتُ في كل تفصيل من تفاصيل هذا الحدث».

الرئيس الصيني شي جينبينغ (يساراً) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان عبر مترجمين بينما تستمع السيدة الأولى ميلانيا ترمب إلى إيلون ماسك خلال مأدبة عشاء رسمية في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

وبحسب قائمة الطعام الخاصة بالمناسبة، التي قدمها مكتب السيدة الأولى إلى «فوكس نيوز»، تضمن العشاء مجموعة من الأطباق التي جمعت بين مكونات موسمية وأخرى مستوحاة من المطبخين الأميركي والآسيوي.

الحساء والفطر في الطبق الأول

تكوّن الطبق الأول من حساء الكوسا الأصفر المخملي، وفطر بري مطهو ببطء، ولحم مقدد مقرمش، وزيت البصل الأخضر.

ووصفت القائمة الطبق بأنه حساء مخملي ناعم كالحرير، مصنوع من الكوسا الأصفر الحلو، وممزوج بعناية لإبراز نكهاته الموسمية الرقيقة، إلى جانب الفطر البري المقلي مع الأعشاب الطازجة.

وتشكّل هذه المكونات معاً حساءً غنياً، يكمله اللحم المقدد المقرمش الذي يضيف نكهة لذيذة ومدخنة، فيما تضفي رشة من زيت البصل الأخضر لمسة منعشة ونكهة خفيفة من الثوم إلى الطبق.

سمك القاروص بطبقة السمسم

أما الطبق التالي، فتكوّن من سمك القاروص المغطى بقشرة من السمسم، إلى جانب بوك تشوي (ملفوف صيني) مطهو ببطء، وباذنجان مشوي، وصلصة أعشاب خضراء فرنسية.

ووفق وصف القائمة، تضفي قشرة السمسم نكهة عطرية شبيهة بالمكسرات، مع الحفاظ على طراوة السمك. ويُقدّم القاروص مع بوك تشوي صغير ومقرمش وباذنجان مشوي، مما يمنحه نكهة كراميل خفيفة.

ويُزيّن الطبق بصلصة خضراء زاهية مصنوعة من الأعشاب الطازجة، تضفي عليه نكهة منعشة وحموضة مميزة، في لمسة تستحضر أجواء الحدائق.

حلوى بطعم الفانيليا والعسل

وفي ختام المأدبة، استمتع الرئيسان وضيوفهما بكريمة الفانيليا، وآيس كريم العسل من البيت الأبيض، وفرانجيبان الجوز، ومربى الكرز الحامض.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يستمعان إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ وهو يلقي كلمته خلال مأدبة عشاء رسمية في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ب)

إشادة بالعلاقة بين واشنطن وبكين

وخلال العشاء الرسمي، أشاد ترمب بالعلاقة بين الولايات المتحدة والصين، مؤكداً وجود روابط مستمرة بين الشعبين رغم الاختلاف بين النظامين السياسيين في البلدين.

وقال ترمب: «يدرك كل من الرئيس شي وأنا أننا نمثل نظامين مختلفين، لكن الروابط بين شعبينا تدوم، ولم نكن قط على وفاق أفضل مما نحن عليه الآن».

وفي المقابل، شكر شي جينبينغ ترمب وزوجته ميلانيا على «ضيافتهما الكريمة» خلال الزيارة.