دمج الذكاء الاصطناعي مع تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية... تحوّل جديد في مراقبة الأرض

مخزونات تمت رؤيتها وقياسها باستخدام تصوير «SAR» عالي الدقة من «ICEYE» في ميناء بايوكوان في الصين (آيسي)
مخزونات تمت رؤيتها وقياسها باستخدام تصوير «SAR» عالي الدقة من «ICEYE» في ميناء بايوكوان في الصين (آيسي)
TT

دمج الذكاء الاصطناعي مع تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية... تحوّل جديد في مراقبة الأرض

مخزونات تمت رؤيتها وقياسها باستخدام تصوير «SAR» عالي الدقة من «ICEYE» في ميناء بايوكوان في الصين (آيسي)
مخزونات تمت رؤيتها وقياسها باستخدام تصوير «SAR» عالي الدقة من «ICEYE» في ميناء بايوكوان في الصين (آيسي)

تشهد مراقبة الأرض وتكنولوجيا الأقمار الاصطناعية تطوراً سريعاً، حيث باتت جزءاً لا يتجزأ من مجالات متنوعة، منها الزراعة والأمن والبيئية والبنى التحتية.

وقد برزت هذه التكنولوجيا كأدوات تحويلية يدفعها التطور التقني والذكاء الاصطناعي، لتحدث ثورةً في فهمنا لكوكبنا وتفاعلنا معه.

ومما لا شك فيه أن تطور تكنولوجيا الأقمار الصناعية أدى إلى تحسين جودة الصور سامحاً بمراقبة الأرض بتفاصيل ودقة استثنائية. وبالتالي مراقبة دقيقة للتغيّرات البيئية والتطورات الزراعية والتوسع الحضري.

صور الأقمار الاصطناعية «ICEYE SAR» تظهر الحقول المغمورة بالمياه حول بحيرة بوفيرا في فالنسيا بإسبانيا، أثناء فيضان في ديسمبر 2018 (آيسي)

دور الذكاء الاصطناعي

من أهم الخطوات في هذا المجال تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات الأقمار الاصطناعية ما يفتح إمكانات جديدة مقدماً رؤى أعمق ومعالجة أكثر كفاءة للبيانات. ومع ذلك، فإن تحديات التكلفة العالية لبناء وإطلاق الأقمار الاصطناعية، والغطاء السحابي الذي يعيق الرؤية، تشكل عقبات كبيرة. وهنا تبرز تقنيات رائدة تطورها بعض الشركات كحل لهذه المشكلة.

في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، يقول جميل قعوار، نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة «ICEYE»، وهي المالكة والمشغلة لأكبر مجموعة من أقمار الرادار ذات الفتحة الاصطناعية (SAR) في العالم، «إن التقنية الخاصة بـ(ICEYE) تسمح بمراقبة سطح الأرض في أي حالة جوية، ليلاً أو نهاراً» مما يجعلها أداةً لا تقدر بثمن في مجموعة متنوعة من حالات الاستخدام.

جميل قعوار نائب الرئيس للبعثات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة «ICEYE» (آيسي)

تكامل التقنيات الأخرى

بالنظر إلى المستقبل، من شأن تكامل التقنيات الناشئة مثل «إنترنت الأشياء» والتطورات الإضافية في الذكاء الاصطناعي تعزيز قدرات مراقبة الأرض. كما أنه من المتوقع أن يؤدي تعزيز التعاون الدولي في تبادل البيانات والمعلومات إلى تعزيز جهود الرصد العالمية.

ومن الأمثلة المتقدمة في هذا المجال، يبرز القمر الاصطناعي «نيسار» (NISAR) الذي أطلقته وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» عام 2023 المصمم لمراقبة تغيّرات الغطاء النباتي، وارتفاع سطح البحر، وحركة الصفائح التكتونية وغير ذلك. وقد أطلقت «ICEYE»، حتى الآن، 31 قمراً اصطناعياً، مما يتيح المراقبة المستمرة لسطح الأرض والقدرة على اكتشاف التغيرات على مستوى الأرض. ويعدُّ جميل قعوار أنه يمكن الاستفادة من المعلومات المستمدة من صور الأقمار الاصطناعية لدى الشركة على مجموعة واسعة من مجالات الاستخدام، بما فيها الكشف عن التسريبات النفطية والاستجابة لها. وكذلك «مراقبة الأنشطة البحرية كالصيد غير القانوني، ومراقبة الحدود والمواقع الاستراتيجية الحساسة، واكتشاف الأنشطة غير القانونية مثل الاتجار بالمخدرات وتهريب البشر».

حقائق

خصائص القمر الاصطناعي «NISAR»

  • تعاون كل من الولايات المتحدة والهند في تطويره وإطلاقه
  • يستخدم رداراً ذا فتحة اصطناعية متقدمة لجمع بيانات عالية الدقة
  • تبلغ دقة صوره 25 متراً، مما يسمح برصد تغيرات الأرض بمستوى تفصيل غير مسبوق.
  • يدور حول الأرض في مدار قطبي متزامن مع الشمس، مما يسمح بجمع البيانات بشكل مستمر على مدار اليوم

أقمار «ليدار» و«SAR»

تشبه أقمار «ليدار» الاصطناعية أقمار الرادار ذات الفتحة الاصطناعية (SAR)، لكنها تُستخدم لتطبيقات مختلفة، كما أنها تَستخدم موجات الراديو للمراقبة ومراقبة الطقس. وتقوم أقمار «ليدار» (LiDAR)، التي تستخدم أشعة الليزر النبضية لقياس المسافات، بإنشاء تمثيلات دقيقة ثلاثية الأبعاد لسطح الأرض، مما يساعد في إدارة الغابات ورسم الخرائط الطبوغرافية.

ويشرح جميل قعوار، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن شركة «ICEYE» تبني أقماراً اصطناعية أصغر حجماً وبأسعار معقولة وأكثر مرونة من الأنظمة القديمة، مما يمنح الحكومات والمنظمات الفرصة لامتلاك أساطيل أقمار خاصة بها، وامتلاكها مراقبةً مستمرةً وصوراً عالية الجودة في جميع الظروف. ويضيف بأن أقمار «SAR» الاصطناعية تطبق أشعة رادارية قوية ترتد من سطح الأرض على مسافة 550 كيلومتراً تقريباً في الفضاء، وتعود هذه الحزم إلى الأقمار الصناعية لتسجل وتبني صورة دقيقة لما يحدث على الأرض بالأسفل. ويمكن لهذه التقنية رؤية العوائق مثل السحب والدخان وحتى التقاط صور للأرض ليلاً مما يوفر تغطية مستمرة للأحداث السريعة على الأرض في جميع الظروف الجوية. وتبرز أقمار اصطناعية صغيرة أخرى أيضاً مثل «CubeSats» و«SmallSats»، محدثةً ثورة في تكنولوجيا الفضاء بفضل قدرتها على تحمل التكاليف وتعدد استخداماتها لأغراض متنوعة، بما في ذلك مراقبة الأرض.

 

صور القمر الاصطناعي «ICEYE SAR» من نوفا أندرادينا، البرازيل (آيسي)

التأثير على الزراعة والبيئة

في المجال الزراعي، تساعد صور الأقمار الاصطناعية في مراقبة صحة المحاصيل وإدارة الموارد المائية، وكذلك تقييم الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية. وفي القطاع البيئي، تشكل هذه التكنولوجيات أهمية بالغة في تتبع آثار تغير المناخ، بما في ذلك ذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع مستويات سطح البحر، وفي مراقبة صحة الغابات ومستويات التلوث. ويرى جميل قعوار، نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن للشركة رؤى قابلةً للتنفيذ في مجال الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات وحرائق الغابات. ويضيف بأن «ICEYE» تجمع بين تصوير «SAR» وبين بيانات الطرف الثالث لتقديم تقييمات المخاطر والأضرار في الوقت الفعلي. تتيح هذه القدرة استجابةً أكثر كفاءةً وأسرع لحالات الطوارئ، مما يقلل من تكاليف التشغيل ويحتمل إنقاذ الأرواح.

تقنيات أقمار اصطناعية متقدمة أخرى

تقنية «SAR»، الخاصة بـ«ICEYE»، هي مجرد جزء واحد من مجموعة واسعة من تقنيات الأقمار الصناعية المتقدمة التي تشكل فهمنا وتفاعلنا مع الكوكب. تلتقط أقمار التصوير البصري، التي تستخدمها شركات مثل «Maxar Technologies» و«Planet Labs»، الصور باستخدام الضوء المرئي وتوفر صوراً عاليةَ الدقة حيوية لتطبيقات مثل رسم الخرائط والتخطيط الحضري. كما يلتقط التصوير الفائق الطيفي طيفاً واسعاً من الضوء، ويحدد المواد والمواد الكيميائية المختلفة الموجودة على سطح الأرض، وهو مفيد في الزراعة والتعدين ومراقبة البيئة. أما التصوير بالأشعة تحت الحمراء، المستخدم في برامج مثل «Landsat» التابع لـ«ناسا»، فيكتشف الحرارة، وهو أمر بالغ الأهمية لمراقبة درجة الحرارة، ورسم خرائط صحة الغطاء النباتي، والتصوير الليلي.

لا تعمل مراقبة الأرض وتكنولوجيا الأقمار الاصطناعية على إعادة تشكيل البحث العلمي والرصد البيئي فحسب، بل تؤثر على العديد من القطاعات وعلى الطريقة التي نعيش ونعمل بها. إن التقدم في هذا المجال يعد بمستقبل نفهم فيه كوكبنا ونتفاعل معه بشكل أكثر شمولاً من أي وقت مضى. ومع استمرار تطور التكنولوجيا، يمكننا أن نتوقع ظهور المزيد من التطبيقات والحلول المبتكرة، مما يزيد من دمج تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية في نسيج حياتنا اليومية والعمليات العالمية.

 

 

 


مقالات ذات صلة

الاقتصاد من داخل قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

أسهم الذكاء الاصطناعي تضغط على «وول ستريت» مع تراجع «ناسداك»

تعرضت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي لضغوط هبوطية يوم الثلاثاء، ما انعكس سلباً على أداء «وول ستريت».

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
تكنولوجيا تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)

«ديب سيك» تتجه إلى تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها

تسعى «ديب سيك» إلى تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها لتقليل الاعتماد على الموردين وتعزيز كفاءة تشغيل نماذجها

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد متداول متخصص يعمل في منصة تداول أسهم شركة بلاك روك داخل قاعة بورصة نيويورك (أرشيفية - رويترز)

«بلاك روك» تطلق صندوقاً متداولاً لمؤشر «ناسداك 100» لمنافسة هيمنة «إنفيسكو»

أعلنت شركة «بلاك روك»، يوم الثلاثاء، إطلاق صندوق متداول في البورصة يتتبع أداء مؤشر «ناسداك 100»، الذي يضم بشكل رئيسي كبرى شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)

روبوت صغير يحفر الأسنان بدقة تمهيداً لتركيب التيجان

يطور باحثون سويسريون روبوتاً مصغراً يساعد أطباء الأسنان في تحضير الأسنان للتيجان بدقة أكبر، وتقليل الزيارات مستقبلاً.

نسيم رمضان (لندن)

«ديب سيك» تتجه إلى تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها

تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)
تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)
TT

«ديب سيك» تتجه إلى تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها

تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)
تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)

تعمل شركة «ديب سيك» الصينية على تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها، وفق ما نقلته «رويترز» عن مصادر مطلعة، في خطوة تعكس اتجاهاً كبيراً لدى شركات الذكاء الاصطناعي الصينية نحو تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية، خصوصاً مع استمرار القيود الأميركية على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين.

ولا تزال المبادرة في مراحلها الأولى، حسب التقرير، إذ تعمل الشركة مع شركاء خارجيين، وتوظف مهندسين متخصصين في تصميم الشرائح. وتركز الشريحة المتوقعة على الاستدلال، أي تشغيل النماذج والرد على المستخدمين بعد تدريبها، وليس بالضرورة على تدريب النماذج الضخمة من البداية.

من النماذج إلى العتاد

برزت «ديب سيك» خلال الفترة الماضية بوصفها إحدى أبرز شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، بعدما قدمت نماذج حققت اهتماماً عالمياً بسبب كفاءتها وقدرتها على منافسة نماذج كبيرة بتكاليف تشغيل أقل نسبياً. لكن قصة الذكاء الاصطناعي لم تعد تتعلق بالنموذج وحده، بل بالبنية التي تشغله.

فكلما زاد عدد المستخدمين والتطبيقات، أصبحت تكلفة الاستدلال واستهلاك الطاقة وسرعة الاستجابة عوامل حاسمة. ولذلك تسعى شركات كثيرة إلى تحسين العلاقة بين البرمجيات والشرائح، بحيث تُصمم النماذج بطريقة تستفيد من خصائص العتاد، أو يُطوَّر العتاد نفسه بما يناسب احتياجات النموذج.

بالنسبة إلى «ديب سيك»، قد يمنحها امتلاك شريحة خاصة قدرة أكبر على ضبط الأداء والتكلفة، بدلاً من الاعتماد الكامل على شرائح جاهزة من «إنفيديا» أو «هواوي». لكنه في المقابل يفتح أمامها تحديات هندسية وتصنيعية معقدة.

تستهدف الشريحة مرحلة الاستدلال أي تشغيل النماذج والرد على المستخدمين وليس تدريب النماذج من البداية (رويترز)

خلفية مرتبطة بالقيود الأميركية

تأتي الخطوة في سياق أوسع من التوترات التكنولوجية بين واشنطن وبكين. فقد فرضت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية قيوداً على تصدير شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين، ما دفع الشركات الصينية إلى البحث عن بدائل محلية أو تطوير حلول مخصصة.

وكانت «ديب سيك» قد اعتمدت في مراحل سابقة على شرائح «إنفيديا» H800، وهي شرائح صُممت أصلاً للسوق الصينية قبل تشديد القيود الأميركية. كما أفادت «رويترز» في تقارير سابقة بأن نموذج «ديب سيك V4» عُدّل للعمل بكفاءة على شرائح «هواوي» Ascend، في إشارة إلى توسع الاعتماد على العتاد المحلي داخل قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني.

ولا يعني تطوير شريحة خاصة أن «ديب سيك» ستستغني فوراً عن الموردين الحاليين. فتصميم شريحة ذكاء اصطناعي لا يكفي وحده، إذ تحتاج الشركة إلى تصنيعها، وتوفير الذاكرة المتقدمة، وبناء منظومة برمجية قادرة على تشغيل النماذج بكفاءة عليها.

لماذا الاستدلال تحديداً؟

يركز تقرير «رويترز» على أن الشريحة التي تطورها «ديب سيك» موجهة إلى الاستدلال. وهذا اختيار مهم، لأن المرحلة التي تلي تدريب النماذج أصبحت تمثل العبء اليومي الأكبر على شركات الذكاء الاصطناعي. التدريب يحتاج إلى كميات هائلة من القدرة الحاسوبية خلال فترة محددة، لكن الاستدلال يحدث باستمرار مع كل سؤال يطرحه المستخدم أو كل طلب ينفذه التطبيق. ومع اتساع استخدام النماذج في محركات البحث والمساعدات الذكية وخدمة العملاء والبرمجة، تصبح كفاءة الاستدلال عاملاً مباشراً في تكلفة الخدمة وربحيتها.

ويُظهر بحث تقني سابق حول «DeepSeek-V3» أن الشركة ركزت على تحسين كفاءة النماذج عبر تصميمات تراعي قيود العتاد، مثل إدارة الذاكرة والاتصال بين المعالجات وتقليل تكلفة الحسابات. ويعزز ذلك فكرة أن تطوير شريحة مخصصة قد يكون امتداداً طبيعياً لاستراتيجية تربط النموذج بالبنية التي تشغله.

لا تزال الخطوة في مراحلها الأولى وتواجه تحديات كبيرة في التصميم والتصنيع والذاكرة وتكامل البرمجيات (أ.ف.ب)

منافسة داخلية أيضاً

لا تتحرك «ديب سيك» في فراغ، حيث إن السوق الصينية تشهد سباقاً واسعاً في شرائح الذكاء الاصطناعي، تقوده شركات مثل «هواوي» و«علي بابا» و«بايدو» وغير ذلك. وتشير «رويترز» إلى أن «هواوي» أصبحت البديل المحلي الأبرز لـ«إنفيديا» في الصين، خصوصاً عبر سلسلة «أسيند» (Ascend).

لكن اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى على مورد واحد يحمل مخاطر تتعلق بالتوافر والسعر والأداء. لذلك قد تسعى «ديب سيك» إلى بناء خيار خاص بها لاستخدامه في أعباء عمل محددة، أو لتقليل الضغط على سلاسل الإمداد، أو لتحسين تكامل نماذجها مع بيئتها التشغيلية.

وتشير «رويترز» أيضاً إلى أن الشركة تستعد لجولة تمويل كبيرة قد تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات. وإذا تحقق ذلك، فقد يمنحها رأس المال اللازم لدخول مجال يتطلب استثمارات طويلة المدى في التصميم، والاختبار، والبرمجيات، والشراكات التصنيعية.

تحديات أمام الطموح

رغم أهمية الخطوة، فإن تطوير شريحة منافسة في مجال الذكاء الاصطناعي ليس مساراً سهلاً. فالصين لا تزال تواجه قيوداً على الوصول إلى بعض تقنيات التصنيع المتقدمة، ومعدات إنتاج الشرائح، وأنواع من الذاكرة عالية الأداء المطلوبة لتشغيل النماذج الضخمة بكفاءة.

كما أن نجاح الشريحة لا يقاس بالمواصفات النظرية فقط، بل بقدرتها على العمل داخل مراكز البيانات، والتكامل مع أطر البرمجة، وتشغيل النماذج بثبات، وتقديم أداء اقتصادي أفضل من البدائل المتاحة.

لذلك تمثل خطوة «ديب سيك» إشارة استراتيجية أكثر من كونها تحولاً فورياً في السوق. فهي تكشف أن شركات الذكاء الاصطناعي الصينية لم تعد ترى الشرائح مجرد مكون تشتريه من الموردين، بل ذلك جزء من معركة الكفاءة والسيادة التقنية. وفي حال نجحت، قد تنتقل المنافسة من تطوير نماذج أقل تكلفة إلى بناء منظومات كاملة تجمع النموذج والبرمجيات والعتاد في بنية واحدة.


روبوت صغير يحفر الأسنان بدقة تمهيداً لتركيب التيجان

يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)
يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)
TT

روبوت صغير يحفر الأسنان بدقة تمهيداً لتركيب التيجان

يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)
يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)

طوّر باحثون في جامعة بازل السويسرية نموذجاً أولياً لروبوت صغير يعمل داخل الفم، بهدف مساعدة أطباء الأسنان في تحضير الأسنان لتركيب التيجان. ولا يقدم المشروع روبوتاً يحل محل الطبيب، بل أداة دقيقة يمكن أن تنفذ جزءاً محدداً من العلاج وفق خطة رقمية مسبقة، بما قد يقلل عدد الزيارات المطلوبة، ويجعل الإجراء أكثر اتساقاً.

النموذج يحمل اسم «مير» (MIR) اختصاراً لـ«Miniature Intraoral Robot» أي «الروبوت الفموي المصغّر». وتقول جامعة بازل إن الجهاز صُمم لإزالة أجزاء محددة من السن بدقة تمهيداً لتركيب تاج، وهي مرحلة تحتاج عادة إلى مهارة عالية، لأن السن يجب أن يُشكّل بطريقة تسمح للتاج بالثبات، والتوافق مع الأسنان المحيطة.

من المسح الرقمي إلى التاج

الفكرة الأساسية تقوم على ربط الروبوت بسير عمل رقمي كامل. في البداية يجري الطبيب مسحاً رقمياً للفم، والسن المراد علاجه. بعد ذلك تُحدد كمية المادة التي يجب إزالتها من السن، ويُصمم التاج رقمياً وفق هذه الخطة. ويمكن أيضاً تصنيع قالب خاص بالمريض لتثبيت الروبوت في مكانه أثناء العلاج.

في العلاجات التقليدية، قد يحتاج تركيب التاج إلى أكثر من زيارة. يزيل الطبيب التسوس، أو الجزء المتضرر، ثم يجهز السن، ويأخذ طبعة، أو مسحاً، ويضع تاجاً مؤقتاً، قبل أن يعود المريض في موعد لاحق لتركيب التاج الدائم. أما التصور الذي يعمل عليه باحثو بازل فيسعى إلى اختصار هذه الخطوات، بحيث يُحضّر السن آلياً وفق التصميم الرقمي، ما يسمح بإنتاج التاج النهائي بشكل أسرع، وربما تقليل الحاجة إلى زيارات إضافية.

لا يستبدل الروبوت طبيب الأسنان بل ينفذ جزءاً ميكانيكياً دقيقاً تحت إشرافه ووفق خطة علاجية مسبقة (الجامعة)

كيف يعمل الروبوت؟

يبلغ حجم النموذج الأولي تقريباً حجم سدادة زجاجة، وهو مصمم ليتسع داخل الفم المفتوح. وتبقى أجزاء التحكم والمحركات خارج الفم، بينما يتحرك الجزء الصغير داخل التجويف الفموي لتنفيذ الحفر، أو البرد المطلوب. وتشير تغطيات متخصصة إلى أن أبعاد الجهاز تبلغ نحو 43 في 26 في 28 مليمتراً، ما يعكس حجم التحدي الهندسي في تصميم روبوت قادر على العمل داخل مساحة ضيقة، وحساسة.

وخلال الاختبارات، عمل الروبوت على تحضير السن على مرحلتين. في المرحلة الأولى استخدم أداة أوسع لإزالة جزء من السطح العلوي للسن. وفي المرحلة الثانية استخدم أداة أدق لتشكيل الجوانب. ويهدف هذا التدرج إلى الوصول إلى الشكل المطلوب لتركيب التاج مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من بنية السن.

أقل من عُشرَي مليمتر

اختُبر الروبوت حتى الآن في ظروف مخبرية على نماذج أسنان مصنوعة من الراتنج الصناعي، وعلى مادة خزفية تحاكي صلابة مينا الأسنان. ووفق النتائج المنشورة، كان هامش الخطأ في تحديد الموضع أقل من 0.2 مليمتر، قبل دمج حساسات موضعية مخصصة في التصميم. ومن المتوقع أن يساعد إدخال هذه الحساسات في تحسين الدقة، وأن يسمح للروبوت بمعرفة الموضع الذي يجب أن يستأنف منه العمل إذا توقف الإجراء، أو انقطع.

هذه الدقة مهمة، لأن تحضير السن للتاج لا يقتصر على إزالة المادة المتضررة، بل يتطلب إنشاء شكل هندسي مناسب يضمن ثبات التاج، وعدم إضعاف السن، والحفاظ على العلاقة الصحيحة مع الأسنان المجاورة، والمقابلة. وكلما كان التحضير أقرب إلى التصميم الرقمي، ازدادت احتمالات تقليل التعديلات اليدوية اللاحقة.

يعتمد الروبوت على خطة رقمية تبدأ بمسح السن وتحديد كمية المادة التي يجب إزالتها (الجامعة)

استقلالية عمل الروبوت

رغم الطابع الآلي للمشروع، لا تشير جامعة بازل إلى أن الروبوت سيعمل مستقلاً عن الطبيب. فالطبيب يظل مسؤولاً عن الفحص، والتشخيص، والتخطيط، وتحديد كمية المادة المراد إزالتها، ومراقبة العلاج. ويقتصر دور الروبوت على تنفيذ جزء ميكانيكي دقيق بناءً على الخطة الرقمية.

ويجعل ذلك المشروع أقرب إلى أدوات الجراحة الروبوتية المساعدة، لا إلى نموذج «طبيب أسنان آلي» يعمل وحده. فالأسنان تختلف بين المرضى، والفم بيئة متحركة، وحساسة، وأي إجراء داخلها يحتاج إلى ضوابط أمان، وتوقف فوري، ومراقبة مستمرة.

تحديات قائمة

لا يزال المشروع في مرحلة البحث، ولم يتحول بعد إلى علاج متاح للمرضى. وتوضح جامعة بازل أن الفريق يواصل العمل على قضايا مثل قوى الحفر، والضجيج، والحساسات، والسلامة، ومدى ملاءمة التقنية للاستخدام السريري. كما يحتاج الانتقال من المختبر إلى العيادة إلى اختبارات أوسع، تشمل ظروف الفم الحقيقية، وحركة المريض، واختلاف شكل الأسنان، واللثة، وتقييم شعور المريض أثناء الإجراء، إضافة إلى المتطلبات التنظيمية، والطبية.

مع ذلك يعكس المشروع اتجاهاً أوسع في طب الأسنان نحو الدمج بين المسح الرقمي، والتصميم بمساعدة الحاسوب، والتصنيع السريع، والروبوتات الدقيقة. وإذا أثبتت التقنية سلامتها وفعاليتها لاحقاً، فقد تجعل تحضير الأسنان للتيجان أكثر دقة، وتقلل الزيارات، وتخفف التفاوت بين الإجراءات اليدوية.


«سيمنس السعودية» لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تعيد صياغة نموذج اقتصاد المستقبل الرقمي

ينتقل استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي من المشروعات التجريبية إلى التشغيل الفعلي في المباني والمصانع والشبكات (شاترستوك)
ينتقل استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي من المشروعات التجريبية إلى التشغيل الفعلي في المباني والمصانع والشبكات (شاترستوك)
TT

«سيمنس السعودية» لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تعيد صياغة نموذج اقتصاد المستقبل الرقمي

ينتقل استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي من المشروعات التجريبية إلى التشغيل الفعلي في المباني والمصانع والشبكات (شاترستوك)
ينتقل استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي من المشروعات التجريبية إلى التشغيل الفعلي في المباني والمصانع والشبكات (شاترستوك)

تدخل البنية التحتية في الشرق الأوسط مرحلة لا تقتصر على بناء المزيد من الأصول، بل تقوم على جعل شبكات الطاقة والمصانع والمباني ومراكز البيانات أكثر ذكاءً وكفاءة وقدرة على مواجهة الاضطرابات. ويظهر تقرير جديد صادر عن «سيمنس» أن مؤسسات المنطقة تتقدم على المتوسط العالمي في وضع أهداف خفض الانبعاثات، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي، والاستثمار في الشبكات الذكية.

لكن هذا التقدم لا يلغي فجوات التنفيذ، حيث إن الأهداف المعلنة تحتاج إلى خطط ممولة، وأطر قياس موحدة، وأنظمة بيانات مترابطة، وشبكات كهرباء قادرة على استيعاب الأحمال الجديدة، إضافة إلى كفاءات بشرية تستطيع تشغيل أصول تعتمد بصورة متزايدة على البرمجيات.

ويستند تقرير «تمكين التحول: كيف يعيد جيل جديد من أصول البنية التحتية رسم ملامح الشرق الأوسط» إلى استطلاع شمل 400 من كبار التنفيذيين، إلى جانب مقابلات معمقة مع قادة وخبراء في المنطقة. وأفاد 70 في المائة من المؤسسات بأنها وضعت أهدافاً مباشرة وغير مباشرة لخفض الانبعاثات، مقارنة بـ58 في المائة عالمياً، فيما يتوقع 62 في المائة أن يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل عمليات البنية التحتية خلال السنوات الثلاث المقبلة.

أحمد هوساوي الرئيس التنفيذي لشركة «سيمنس السعودية» (سيمنس)

خفض الانبعاثات يتصدر الأولويات

لا يظهر تقدم المنطقة في عدد الأهداف المعلنة فحسب، بل في موقعها داخل أولويات المؤسسات. فقد أصبح خفض الانبعاثات الناتجة عن العمليات التشغيلية الأساسية الأولوية الأولى للمؤسسات في الشرق الأوسط، بينما يأتي هذا الملف في المرتبة السابعة عالمياً.

وفي لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، قال أحمد هوساوي الرئيس التنفيذي لشركة «سيمنس السعودية»، إن نتائج التقرير تعكس تحولاً تقوده رؤية واضحة وتتقدم بوتيرة مدروسة، مشيراً إلى أن 66 في المائة من التنفيذيين في المنطقة يطالبون بتسريع تحول قطاع الطاقة. وأضاف أن الأهم «لا يكمن في وجود هذه الأهداف فحسب، بل في ترتيب الأولويات نفسها»، إذ نجحت القيادات في المنطقة في ربط تحديث القطاع الصناعي بصورة مباشرة بتعزيز التنافسية الوطنية على المدى الطويل.

ويشير التقرير كذلك إلى أن 68 في المائة من المشاركين ينظرون إلى الرقمنة باعتبارها عاملاً أساسياً لتمكين تحول البنية التحتية، فيما أفادت 65 في المائة من الشركات بأنها تعمل بصورة وثيقة مع الجهات الحكومية في سياسات أنظمة الطاقة، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 59 في المائة.

بدوره، ذكر هاكان أوزديمير، الرئيس التنفيذي لشركة «سيمنس» للبنية التحتية الذكية في الشرق الأوسط و«سيمنس قطر»، أن تطور البنية التحتية يجعلها محركاً للتنافسية والمرونة والنمو المستدام، موضحاً أن النجاح سيعتمد على ربط البيانات والذكاء والبنية التحتية المادية على نطاق واسع.

يتقدم الشرق الأوسط على المتوسط العالمي في وضع أهداف خفض الانبعاثات وتسريع تحول البنية التحتية (شاترستوك)

فجوة بين الهدف وآليات التنفيذ

رغم أن 70 في المائة من المؤسسات وضعت أهدافاً لخفض الانبعاثات، فإن نسبة من لديها مسارات واضحة لتحقيقها تبلغ نحو 61 في المائة، بينما تستخدم أقل من نصف المؤسسات أطر قياس موحدة تستند إلى أسس علمية. وأفادت نسبة مماثلة بأنها تتمتع بوصول سلس إلى التمويل المخصص لتحول البنية التحتية. وصرح هوساوي: «من السهل الإعلان عن هدف، لكن العمل الحقيقي يبدأ عند بناء المنظومة الهندسية والمالية القادرة على تحويله إلى واقع».

وتبرز هذه الفجوة الحاجة إلى أنظمة رقمية تستطيع قياس استهلاك الطاقة والانبعاثات بصورة مستمرة، وربط البيانات التشغيلية بالقرارات المالية والهندسية، بدلاً من الاكتفاء بأهداف بعيدة المدى يصعب التحقق من التقدم نحوها.

وأعد هوساوي أن «الاستراتيجية التي تفتقر إلى آليات قياس وتحقق آنية تظل معرضة لأن تبقى مجرد طموح»، مشيراً إلى أن الشفافية الرقمية أصبحت أساساً للتشغيل وليست ميزة إضافية.

كما يتطلب تحويل الالتزامات الكربونية إلى نتائج قابلة للقياس بنية رقمية تتابع استهلاك كل أصل، وتحدد فرص خفض الهدر، وتؤتمت جوانب من الكفاءة، وتوفر معلومات يمكن استخدامها في التحقق والمحاسبة.

تحتاج شبكات الكهرباء إلى برمجيات أكثر ذكاءً لاستيعاب الطاقة المتجددة (غيتي)

من التجارب إلى التوسع

تظهر نتائج التقرير أن استخدام التقنيات الرقمية في المنطقة بدأ يتجاوز مرحلة التجارب المحدودة. فأكثر من نصف قادة البنية التحتية المشاركين يستخدمون بالفعل الذكاء الاصطناعي الصناعي لإدارة العمليات أو يطبقون تقنيات المباني المستقلة بدعم من ميزانيات رأسمالية. كما اعتبرت 56 في المائة من المؤسسات أنها مستعدة لتطبيق أنظمة مستقلة في المباني، فيما تخطط 57 في المائة لضخ استثمارات كبيرة في هذا المجال خلال العام المقبل.

ولفت هوساوي أن المنطقة تشهد «تحولاً حاسماً من مرحلة إثبات المفهوم والمشروعات التجريبية الاستكشافية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على نطاق واسع». لكن التوسع يضع الأنظمة القديمة تحت ضغط أكبر. فعندما تنتقل المؤسسة من تجربة محدودة إلى تشغيل التقنية عبر مواقع وأصول متعددة، تظهر مشكلات فصل البيانات، وصعوبة ربط المعدات القديمة بالمنصات الحديثة، وتعدد الأنظمة التي لا تتبادل المعلومات بسهولة. وأفاد 69 في المائة من المشاركين بأن مؤسساتهم تحتاج إلى حلول أكثر تطوراً لتسريع تكامل البيانات، فيما تخطط النسبة نفسها تقريباً لزيادة الإنفاق على تقنيات التكامل. وبرأي هوساوي «التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الرؤية أو محدودية رأس المال، بل في التعقيد التشغيلي الناتج عن الأنظمة القديمة المنعزلة».

تقليل مخاطر الاعتماد المركزي

يزيد ترابط أصول البنية التحتية من قدرتها على تبادل البيانات والعمل بصورة منسقة، لكنه يثير في المقابل مخاطر جديدة إذا اعتمدت عدة قطاعات على المنصة نفسها، أو مصادر البيانات ذاتها، أو مجموعة محدودة من نماذج الذكاء الاصطناعي.

وقال هوساوي إن مخاطر التركّز تمثل مصدر قلق مشروع، وإن الحد منها يتطلب «أنظمة مفتوحة، وتصميماً معيارياً قابلاً للفصل، وتوزيعاً جغرافياً يعزز المرونة». ويعني ذلك ألا تصبح البنية التحتية مترابطة إلى درجة يؤدي فيها تعطل منصة واحدة إلى تعطيل شبكة من المباني والمصانع وأنظمة الطاقة في وقت واحد. لذلك تحتاج الأصول إلى القدرة على الانفصال والعمل بصورة مستقلة عند الضرورة، مع الحفاظ على التشغيل البيني خلال الظروف الطبيعية.

وأشار هوساوي إلى منصة «سيمنس إكسيليريتور» بوصفها نموذجاً لهذه المقاربة، إذ تقوم على منظومة رقمية مفتوحة تتيح تكامل المباني الذكية والمصانع والشبكات، مع الحفاظ على قدرة كل نظام على العمل بصورة مستقلة عند الحاجة. وقال إن مؤسسات المنطقة «لا تركز اليوم على بناء المزيد من البنية التحتية فحسب، بل على إعادة تصميمها لتكون أكثر قدرة على الصمود والعمل بكفاءة تحت مختلف الظروف».

تبقى فجوات القياس والتمويل وتكامل البيانات من أبرز العوائق أمام تحويل الأهداف إلى نتائج ملموسة (شاترستوك)

نمو الكهرباء يختبر الالتزامات المناخية

يتزامن تحول البنية التحتية مع نمو كبير في الطلب على الكهرباء. فبحسب البيانات، تضاعف الطلب في الشرق الأوسط ثلاث مرات منذ مطلع القرن، ومن المتوقع أن يرتفع بنسبة 50 في المائة إضافية خلال العقد المقبل. يأتي هذا النمو مدفوعاً بالتوسع الصناعي والعمراني، والطلب على التبريد وتحلية المياه، وانتشار المركبات الكهربائية، وبناء مراكز البيانات اللازمة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وأشار هوساوي إلى أن الاقتصادات لا يمكن مطالبتها بإبطاء نموها من أجل تحقيق أهداف الاستدامة، ولذلك يتمثل التحدي في جعل البنية التحتية أكثر ذكاءً، بما يسمح بتحقيق أداء أعلى باستخدام موارد أقل.

وتظهر مراكز البيانات هذه المعادلة بوضوح باعتبارها تضيف طلباً كبيراً على الكهرباء، كما تستهلك أنظمة التبريد فيها نسبة مهمة من الطاقة.

ووفق هوساوي، يمكن لدمج الذكاء الاصطناعي الصناعي في تصميم المنشآت منذ مراحلها الأولى أن يخفض استهلاك الطاقة المخصصة للتبريد بنسبة تصل إلى 30 في المائة. ويوضح أن «المؤسسات الأكثر نجاحاً ستكون تلك التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي ليس بوصفه محركاً إضافياً للطلب على الطاقة فحسب، بل باعتباره الأداة التي تجعل منظومة الطاقة بأكملها أكثر كفاءة ومرونة». كما تشير نتائج التقرير إلى أن 61 في المائة من قادة المنطقة يرون أن الذكاء الاصطناعي الصناعي يسهم بالفعل في تعزيز مرونة البنية التحتية الحيوية.

الشبكات القديمة تواجه تدفقات جديدة

يُعد تحديث شبكات الكهرباء أحد المحاور الأساسية لتحول الطاقة، إذ قال 64 في المائة من المشاركين إن الشبكات الذكية وبرمجيات إدارة الشبكات تمثل عوامل تمكين رئيسية للطاقة النظيفة.

وصُممت شبكات الكهرباء التقليدية لتعمل في اتجاه واحد، من محطات توليد مركزية إلى مستهلكين نهائيين. أما اليوم، فعليها استيعاب تدفقات متغيرة ومتعددة الاتجاهات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب الأحمال الجديدة الناتجة عن المركبات الكهربائية والمصانع المؤتمتة ومراكز البيانات. وأفاد 62 في المائة من التنفيذيين بأن قيود الشبكات تعرقل بالفعل التوسع في كهربة القطاع الصناعي.

وشدد هوساوي على أن الاعتماد على التوسع المادي وحده لن يكون كافياً، نظراً إلى التكلفة والمدة الزمنية اللازمتين لإنشاء محطات وخطوط نقل جديدة. وتابع: «الحل لا يكمن في بناء شبكة أكبر فحسب، بل في بناء شبكة أكثر ذكاءً وكفاءة». وتستطيع منصات البرمجيات الصناعية التنبؤ بالأحمال قبل بلوغها مستويات حرجة، وإدارة مرونة الطلب، وتحسين موازنة العرض والطلب في الوقت الفعلي.

وبحسب هوساوي، يمكن لهذه التقنيات رفع القدرة الاستيعابية للشبكات القائمة بنسبة تصل إلى 20 في المائة، من دون الاعتماد الكامل على توسعات مادية تستغرق سنوات. كما تسهم مشروعات الربط الكهربائي بين دول مجلس التعاون الخليجي والربط العابر للحدود مع مصر في تعزيز مرونة الإمدادات وتبادل الطاقة خلال فترات الضغط أو الاضطراب. ونوه هوساوي إلى مراكز التحكم الرقمية في مناطق مختلفة من السعودية، التي تمنح المشغلين رؤية فورية لأداء الشبكة، وتدعم إدارة الطلب خلال فترات الذروة الاستثنائية، مثل موسم الحج.

تواجه السعودية تحديين رئيسيين هما تحديث الشبكات وبناء الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة الأصول الرقمية المعقدة (شاترستوك)

الإنسان يبقى داخل دائرة القرار

رغم توسع الذكاء الاصطناعي والأتمتة، لا يتوقع هوساوي أن تعمل البنية التحتية الحيوية بصورة مستقلة تماماً في المستقبل القريب. ويرى أن شبكات الكهرباء والمياه والنقل لا يمكن التعامل معها «كما لو كانت تطبيقات برمجية لا تزال في مرحلة الاختبار»، لأن الأخطاء في هذه الأنظمة قد تؤثر في السلامة العامة واستمرارية الخدمات والإنتاج الصناعي. ويتمثل النموذج الأقرب في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل مليارات نقاط البيانات، واكتشاف الأنماط، والتنبؤ بالأعطال، وتقديم توصيات فورية، بينما تبقى القرارات المصيرية خاضعة لإشراف المشغلين والخبراء. وأضاف: «ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه معززاً لقدرات الإنسان، لا بديلاً عنه». ويسمح هذا النموذج باستخدام التقنية في الصيانة التنبؤية وتحسين العمليات وإدارة الأحمال، مع احتفاظ العنصر البشري بالسيطرة النهائية عند اتخاذ قرارات تمس سلامة الأصول أو استمرارية الخدمات.

الترابط الرقمي يوسع سطح الهجمات

يؤدي ربط المصانع والمباني والشبكات بالبرمجيات إلى تحسين الرؤية التشغيلية وسرعة الاستجابة، لكنه يزيد أيضاً عدد النقاط التي يمكن أن تستهدفها الهجمات السيبرانية.

وأوضح هوساوي الأمر قائلاً: «نعم، إن توسيع نطاق الترابط الرقمي يؤدي بطبيعته إلى اتساع مساحة التعرض للهجمات السيبرانية». لكنه أشار إلى أن إبقاء البنية التحتية محدودة الاتصال والرقمنة قد يخلق مخاطر تشغيلية أكبر، لأنه يقلل القدرة على رصد الأعطال والاستجابة للاضطرابات. ولذلك يجب دمج الأمن السيبراني في التصميم الهندسي منذ البداية، بدلاً من إضافته بعد تشغيل الأنظمة. ويشمل ذلك استخدام دفاعات متعددة الطبقات، وتصميم مكونات يمكن فصلها عند الحاجة، وضمان قدرة بعض الأنظمة على مواصلة العمل بصورة مستقلة إذا تعطل جزء آخر.

يجب أن يعمل الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الحيوية تحت إشراف بشري مع دمج الأمن السيبراني منذ التصميم (شاترستوك)

السعودية تعيد بناء قاعدة صناعية رقمية

تتحرك السعودية ضمن هذا التحول باستثمارات واسعة في الطاقة والصناعة والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، مدفوعة بمستهدفات «رؤية 2030». وذكر هوساوي أن المملكة «لا تكتفي بتحديث بنيتها التحتية، بل تعيد صياغة النموذج الذي سيقوم عليه اقتصاد المستقبل الرقمي». وأشار إلى مبادرات واسعة النطاق، من بينها مشروع «ترانسندنس» للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة 100 مليار دولار، بوصفه مثالاً على حجم الطموح المرتبط ببناء القدرات الحاسوبية والرقمية داخل المملكة. واستشهد أيضاً بشراكة «سيمنس» مع شركة «سير» للسيارات، التي تتضمن المساهمة في بناء مصانع ذكية لإنتاج سيارات كهربائية، إلى جانب تدريب أكثر من مائة مهندس سعودي على تشغيل هذه المنشآت وإدارتها.

وتبقى أبرز فجوات التنفيذ مرتبطة بتحديث شبكات الكهرباء لاستيعاب الطاقة المتجددة والأحمال الصناعية، وتأهيل الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة أصول معقدة تعتمد على البرمجيات والبيانات.

وقال هوساوي إن توفير التكنولوجيا يمثل جزءاً واحداً من المسؤولية، بينما يتمثل الجزء الآخر في نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية. وتحتاج المرحلة المقبلة إلى مهارات في الذكاء الاصطناعي الصناعي، وبرمجيات الشبكات، والأمن السيبراني، والأتمتة، وتكامل الأنظمة. ولا ترتبط هذه المهارات بتشغيل المشروعات الحالية فقط، بل بقدرة المملكة على إدارة بنيتها التحتية الرقمية وتطويرها على المدى الطويل.

ويظهر التقرير أن الشرق الأوسط قطع خطوات أسرع من المتوسط العالمي في تحديد الاتجاه والاستثمار في التقنيات، إلا أن قياس النجاح سيعتمد على تحويل الالتزامات إلى نتائج موثقة، وربط الأنظمة القديمة، وتحديث الشبكات، وتأمين الأصول، وبناء الكفاءات القادرة على تشغيلها. وبذلك ينتقل اختبار تحول البنية التحتية من حجم الطموحات إلى قدرتها على تحقيق أثر قابل للقياس والتوسع والاستمرار.