«IBM» و«ناسا» تطوران «الذكاء الاصطناعي الجغرافي المكاني» لمواجهة تحديات المناخ

من اكتشاف الفيضانات وحتى تقييم مخاطر الحرائق...

تمتلك هذه النماذج القدرة على إحداث ثورة في جهود تغيّر المناخ. (شاترستوك)
تمتلك هذه النماذج القدرة على إحداث ثورة في جهود تغيّر المناخ. (شاترستوك)
TT

«IBM» و«ناسا» تطوران «الذكاء الاصطناعي الجغرافي المكاني» لمواجهة تحديات المناخ

تمتلك هذه النماذج القدرة على إحداث ثورة في جهود تغيّر المناخ. (شاترستوك)
تمتلك هذه النماذج القدرة على إحداث ثورة في جهود تغيّر المناخ. (شاترستوك)

تعمل شركة «IBM» على مضاعفة التزامها بمكافحة تغير المناخ من خلال حلول الذكاء الاصطناعي المبتكرة بما في ذلك نموذج الأساس الجغرافي المكاني الذي تم تطويره بالتعاون مع وكالة «ناسا» الفضائية الأميركية. وتتراوح هذه المبادرات من تحليل الجزر الحرارية الحضرية في دولة الإمارات إلى دعم جهود إعادة التشجير في كينيا وتعزيز القدرة على التكيف مع المناخ في المملكة المتحدة.

«IBM» و«ناسا» تسعيان لإنشاء نموذج أساس جديد للذكاء الاصطناعي للطقس والمناخ (آي.ب.إم)

نماذج الذكاء الاصطناعي للعمل المناخي

تتخذ شركة «IBM» خطوات كبيرة في مجال نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث تعمل على توسيع نطاق تطبيقها إلى ما هو أبعد من فهم اللغة الطبيعية. تمتلك هذه النماذج، المتجذرة في البيانات الجغرافية المكانية مثل صور الأقمار الصناعية وأنماط الطقس، القدرة على إحداث ثورة في جهود تغيّر المناخ. وعلى عكس نماذج الذكاء الاصطناعي المتخصصة، فإن نماذج الأساس الجغرافي المكاني هذه، التي تغذيها كميات هائلة من البيانات ذات الصلة بالمناخ، تقدم رؤى سريعة حول التحديات البيئية، بدءاً من اكتشاف الفيضانات وحتى تقييم مخاطر الحرائق.

وأعرب أليساندرو كوريوني نائب رئيس برنامج «Accelerated Discovery» من «IBM» عن الحاجة الملحة لتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي لمعالجة تغيّر المناخ. ويعتقد كوريوني أن «نماذج الأساس الجغرافية المكانية للذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤدي إلى استجابة أكثر استنارة وسرعة للأحداث المتعلقة بالمناخ»، مما يؤدي في النهاية إلى خلق كوكب أكثر أماناً للأجيال القادمة.

تغذي هذه النماذج كميات هائلة من البيانات ذات الصلة بالمناخ، تقدم رؤى سريعة حول التحديات البيئية (شاترستوك)

الجزر الحرارية الحضرية

تشكل الجزر الحرارية الحضرية، وهي مناطق ذات درجات حرارة أعلى بكثير مقارنة بمحيطها، تهديداً متزايداً للمدن في جميع أنحاء العالم بسبب ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة. وبالشراكة مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، تستخدم شركة «IBM» نسخة دقيقة من نموذج الأساس الجغرافي المكاني الخاص بها لرسم الخرائط وفهم الجزر الحرارية الحضرية في أبوظبي على نطاق أوسع. وقد ساهم النموذج بالفعل في تقليل تأثيرات الجزر الحرارية في المنطقة بما يزيد على 3 درجات مئوية.

تتيح هذه المنصة في كينيا تتبع وتصور زراعة الأشجار ونموها وإنشاء نماذج دقيقة لرصد استعادة الغابات. (شاترستوك)

إعادة التشجير واستدامة المياه في كينيا

تواجه الحملة الوطنية الطموحة لزراعة الأشجار واستعادتها في كينيا، التي تهدف إلى زراعة 15 مليار شجرة بحلول عام 2032، تحدي إزالة الغابات في مناطق أبراج المياه. ولدعم هذه الحملة، تعاونت «IBM» مع مكتب المبعوث الخاص المعني بتغير المناخ التابع للحكومة الكينية وأطلقت الأخيرة مبادرة مدعومة بمنصة رقمية تستخدم نموذج الأساس الجغرافي المكاني لشركة «IBM». تتيح هذه المنصة تتبع وتصور زراعة الأشجار ونموها، وتمكين المطورين المحليين من إنشاء نماذج دقيقة لرصد استعادة الغابات.

وقال حسين محمد المتحدث باسم الرئيس الكيني: «نحن ندرك أن التكنولوجيا تلعب دوراً محورياً في إطلاق إمكاناتنا الكاملة، وتحسين استخدام الموارد، واغتنام الفرص. إنها بمثابة وسيلة لضمان تسخير مواردنا بشكل أكثر فعالية».

التكيف مع المناخ في المملكة المتحدة

وفي المملكة المتحدة، تتعاون «IBM» ومركز «هارتري» التابع لمجلس مرافق العلوم والتكنولوجيا (STFC)، وشركة «Royal HaskoningDHV» لأتمتة تقييم مخاطر المناخ للمؤسسات.

سيقوم الذكاء الاصطناعي الجغرافي المكاني من «IBM» بتقييم التأثيرات قصيرة المدى وطويلة المدى للطقس المتغير بشدة وتغير المناخ على عمليات المطارات والبنية التحتية. بالإضافة إلى ذلك، تعمل «IBM» ومركز «هارتري» مع «Dark Matter Labs» و«Lucidminds» على مشروع «TreesAI» الذي يسعى لرسم خرائط للمواقع الحضرية لزراعة الأشجار بهدف تقليل فيضانات المياه السطحية.

يهدف النموذج إلى تعزيز دقة وسرعة التنبؤ بالطقس والتطبيقات الأخرى كالتنبؤ بحرائق الغابات وظواهر الأرصاد الجوية. (شاترستوك)

الغوص في التوقعات المناخية

يمتد تعاون «IBM» و«ناسا» إلى ما هو أبعد من نماذج الذكاء الاصطناعي الجغرافية المكانية لإنشاء نموذج أساسي منفصل للذكاء الاصطناعي للطقس والمناخ. ويهدف هذا النموذج إلى تعزيز دقة وسرعة توقع الطقس والتطبيقات المناخية الأخرى، بما في ذلك توقع حرائق الغابات وتحديد ظواهر الأرصاد الجوية.

مع تاريخ يعود إلى أكثر من خمسة عقود من الالتزام البيئي، تمثل حلول الذكاء الاصطناعي المبتكرة من «IBM» خطوة هامة إلى الأمام في معالجة أزمة المناخ العالمية.


مقالات ذات صلة

أجهزة الإطفاء في جنوب أوروبا تكافح حرائق بدأ موسمها مبكراً

أوروبا طائرة تتبع الحماية المدنية تلقي بمواد إطفاء الحرائق فوق كول ديه أوزين بجنوب فرنسا (أ.ف.ب)

أجهزة الإطفاء في جنوب أوروبا تكافح حرائق بدأ موسمها مبكراً

بدأ موسم الحرائق في جنوب أوروبا مبكراً، هذه السنة؛ إذ اندلع عدد منها في جنوب فرنسا وإسبانيا والبرتغال واليونان مترافقة مع موجة حر جديدة.

الولايات المتحدة​ أمواج مرتفعة قبالة سواحل جزيرة غوام قبل ساعات من وصول «إعصار شديد الخطورة» (أ.ف.ب)

إعصار «شديد الخطورة» يقترب من الجزر الأميركية في المحيط الهادئ

اجتاحت رياح عاتية وأمطار غزيرة غوام وجزر ماريانا الشمالية قبل ساعات من وصول «إعصار شديد الخطورة» بقوة تعادل قوة إعصار من الفئة الخامسة فوق هذه الجزر.

«الشرق الأوسط» (غوام)
أوروبا مروحية إطفاء حرائق تكافح حريقاً هائلاً قرب كالونغ في إسبانيا (رويترز)

حريق في إسبانيا يلتهم 22 مليون متر مربع من الأراضي

أتى حريق اندلع، صباح أمس (الجمعة) قرب كوستا برافا في شمال شرقي إسبانيا على 2200 هكتار (22 مليون متر مربع) من المساحات الحرجية والزراعية.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)

فرنسا شهدت هذا العام أشدّ أشهر يونيو حرّاً

شهدت فرنسا هذا العام أشدّ أشهر يونيو (حزيران) حرّاً منذ البدء بتسجيل بيانات الطقس في عام 1947، إذ تجاوزت الحرارة 40 درجة في كثير من المناطق.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا العامل الإسباني أنطونيو ريينا يرتدي سواراً لمراقبة درجة الحرارة في برشلونة (رويترز)

برشلونة توزع أساور لمراقبة درجة الحرارة للعاملين في الأماكن المفتوحة

بدأت مدينة برشلونة في توزيع أساور لمراقبة درجة الحرارة على العاملين في المناطق المفتوحة لتكون نظام إنذار مبكراً للمخاطر الصحية.

«الشرق الأوسط» (برشلونة )

«أوبن إيه آي» تستعد لطرح نموذجها الجديد للذكاء الاصطناعي GPT-5.6

سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يحضر فعالية في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يحضر فعالية في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
TT

«أوبن إيه آي» تستعد لطرح نموذجها الجديد للذكاء الاصطناعي GPT-5.6

سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يحضر فعالية في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يحضر فعالية في طوكيو (أرشيفية - رويترز)

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» أمس (الثلاثاء) أنّها ستطرح نموذجها الجديد GPT-5.6 للعامّة الخميس، بعد فترة تجريبية اقتصر خلالها استخدامه على عدد محدود من شركائها في الولايات المتحدة.

وقالت الشركة في بيان عبر «إكس» «إنّ مجموعة GPT-5.6 ونماذج سول وتيرا ولونا ستُصبح متاحة للعامة اعتباراً من الخميس»، مضيفة: «نبدأ اعتباراً من اليوم إتاحة الوصول المبكر إلى هذه النماذج للمستخدمين حول العالم»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأثار GPT-5.6 وغيره من نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة بما في ذلك سلسلة "ميتوس" من شركة "أنثروبيك"، مخاوف بشأن ما يُوصَف بقدرة غير مسبوقة على تحديد ثغر البرمجيات، أي نقاط الضعف في الشيفرات البرمجية التي يمكن أن يستغلها القراصنة لاختراق أنظمة أو شن هجمات إلكترونية.

وكانت "اوبن ايه آي" أعلنت في أواخر يونيو (حزيران) أنها أتاحت الوصول التجريبي إلى GPT-5.6 لمجموعة محدودة من الشركاء في الولايات المتحدة فقط، نزولا عند طلب واشنطن.

وتتضمّن سلسلة GPT-5.6 ثلاثة نماذج جديدة: "سول" وهو النموذج الرئيسي للشركة، و"تيرا" المخصص للاستخدامات اليومية، و"لونا" الذي يُعدّ خيارا سريعا ومنخفض التكلفة.

ونقلت وكالة أنباء "أكسيوس" الأميركية عن مصدر قوله إن إدارة ترامب منحت "أوبن إيه آي" الضوء الأخضر لإطلاق GPT-5.6 على نطاق واسع، وذلك بعد إجراء اختبارات وعقد اجتماعات بين الشركة ومسؤولين في الحكومة.

وكانت شركة "أنثروبيك"، المنافسة الأبرز لـ"أوبن إيه آي"، أعلنت الأسبوع الفائت أنها ستتيح مجددا الوصول على مستوى العالم لأقوى نماذجها للذكاء الاصطناعي "فيبل 5" و"ميتوس 5"، بعد أن رفعت الحكومة الأميركية القيود المفروضة على أماكن طرحها.


«ديب سيك» تتجه إلى تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها

تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)
تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)
TT

«ديب سيك» تتجه إلى تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها

تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)
تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)

تعمل شركة «ديب سيك» الصينية على تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها، وفق ما نقلته «رويترز» عن مصادر مطلعة، في خطوة تعكس اتجاهاً كبيراً لدى شركات الذكاء الاصطناعي الصينية نحو تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية، خصوصاً مع استمرار القيود الأميركية على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين.

ولا تزال المبادرة في مراحلها الأولى، حسب التقرير، إذ تعمل الشركة مع شركاء خارجيين، وتوظف مهندسين متخصصين في تصميم الشرائح. وتركز الشريحة المتوقعة على الاستدلال، أي تشغيل النماذج والرد على المستخدمين بعد تدريبها، وليس بالضرورة على تدريب النماذج الضخمة من البداية.

من النماذج إلى العتاد

برزت «ديب سيك» خلال الفترة الماضية بوصفها إحدى أبرز شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، بعدما قدمت نماذج حققت اهتماماً عالمياً بسبب كفاءتها وقدرتها على منافسة نماذج كبيرة بتكاليف تشغيل أقل نسبياً. لكن قصة الذكاء الاصطناعي لم تعد تتعلق بالنموذج وحده، بل بالبنية التي تشغله.

فكلما زاد عدد المستخدمين والتطبيقات، أصبحت تكلفة الاستدلال واستهلاك الطاقة وسرعة الاستجابة عوامل حاسمة. ولذلك تسعى شركات كثيرة إلى تحسين العلاقة بين البرمجيات والشرائح، بحيث تُصمم النماذج بطريقة تستفيد من خصائص العتاد، أو يُطوَّر العتاد نفسه بما يناسب احتياجات النموذج.

بالنسبة إلى «ديب سيك»، قد يمنحها امتلاك شريحة خاصة قدرة أكبر على ضبط الأداء والتكلفة، بدلاً من الاعتماد الكامل على شرائح جاهزة من «إنفيديا» أو «هواوي». لكنه في المقابل يفتح أمامها تحديات هندسية وتصنيعية معقدة.

تستهدف الشريحة مرحلة الاستدلال أي تشغيل النماذج والرد على المستخدمين وليس تدريب النماذج من البداية (رويترز)

خلفية مرتبطة بالقيود الأميركية

تأتي الخطوة في سياق أوسع من التوترات التكنولوجية بين واشنطن وبكين. فقد فرضت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية قيوداً على تصدير شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين، ما دفع الشركات الصينية إلى البحث عن بدائل محلية أو تطوير حلول مخصصة.

وكانت «ديب سيك» قد اعتمدت في مراحل سابقة على شرائح «إنفيديا» H800، وهي شرائح صُممت أصلاً للسوق الصينية قبل تشديد القيود الأميركية. كما أفادت «رويترز» في تقارير سابقة بأن نموذج «ديب سيك V4» عُدّل للعمل بكفاءة على شرائح «هواوي» Ascend، في إشارة إلى توسع الاعتماد على العتاد المحلي داخل قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني.

ولا يعني تطوير شريحة خاصة أن «ديب سيك» ستستغني فوراً عن الموردين الحاليين. فتصميم شريحة ذكاء اصطناعي لا يكفي وحده، إذ تحتاج الشركة إلى تصنيعها، وتوفير الذاكرة المتقدمة، وبناء منظومة برمجية قادرة على تشغيل النماذج بكفاءة عليها.

لماذا الاستدلال تحديداً؟

يركز تقرير «رويترز» على أن الشريحة التي تطورها «ديب سيك» موجهة إلى الاستدلال. وهذا اختيار مهم، لأن المرحلة التي تلي تدريب النماذج أصبحت تمثل العبء اليومي الأكبر على شركات الذكاء الاصطناعي. التدريب يحتاج إلى كميات هائلة من القدرة الحاسوبية خلال فترة محددة، لكن الاستدلال يحدث باستمرار مع كل سؤال يطرحه المستخدم أو كل طلب ينفذه التطبيق. ومع اتساع استخدام النماذج في محركات البحث والمساعدات الذكية وخدمة العملاء والبرمجة، تصبح كفاءة الاستدلال عاملاً مباشراً في تكلفة الخدمة وربحيتها.

ويُظهر بحث تقني سابق حول «DeepSeek-V3» أن الشركة ركزت على تحسين كفاءة النماذج عبر تصميمات تراعي قيود العتاد، مثل إدارة الذاكرة والاتصال بين المعالجات وتقليل تكلفة الحسابات. ويعزز ذلك فكرة أن تطوير شريحة مخصصة قد يكون امتداداً طبيعياً لاستراتيجية تربط النموذج بالبنية التي تشغله.

لا تزال الخطوة في مراحلها الأولى وتواجه تحديات كبيرة في التصميم والتصنيع والذاكرة وتكامل البرمجيات (أ.ف.ب)

منافسة داخلية أيضاً

لا تتحرك «ديب سيك» في فراغ، حيث إن السوق الصينية تشهد سباقاً واسعاً في شرائح الذكاء الاصطناعي، تقوده شركات مثل «هواوي» و«علي بابا» و«بايدو» وغير ذلك. وتشير «رويترز» إلى أن «هواوي» أصبحت البديل المحلي الأبرز لـ«إنفيديا» في الصين، خصوصاً عبر سلسلة «أسيند» (Ascend).

لكن اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى على مورد واحد يحمل مخاطر تتعلق بالتوافر والسعر والأداء. لذلك قد تسعى «ديب سيك» إلى بناء خيار خاص بها لاستخدامه في أعباء عمل محددة، أو لتقليل الضغط على سلاسل الإمداد، أو لتحسين تكامل نماذجها مع بيئتها التشغيلية.

وتشير «رويترز» أيضاً إلى أن الشركة تستعد لجولة تمويل كبيرة قد تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات. وإذا تحقق ذلك، فقد يمنحها رأس المال اللازم لدخول مجال يتطلب استثمارات طويلة المدى في التصميم، والاختبار، والبرمجيات، والشراكات التصنيعية.

تحديات أمام الطموح

رغم أهمية الخطوة، فإن تطوير شريحة منافسة في مجال الذكاء الاصطناعي ليس مساراً سهلاً. فالصين لا تزال تواجه قيوداً على الوصول إلى بعض تقنيات التصنيع المتقدمة، ومعدات إنتاج الشرائح، وأنواع من الذاكرة عالية الأداء المطلوبة لتشغيل النماذج الضخمة بكفاءة.

كما أن نجاح الشريحة لا يقاس بالمواصفات النظرية فقط، بل بقدرتها على العمل داخل مراكز البيانات، والتكامل مع أطر البرمجة، وتشغيل النماذج بثبات، وتقديم أداء اقتصادي أفضل من البدائل المتاحة.

لذلك تمثل خطوة «ديب سيك» إشارة استراتيجية أكثر من كونها تحولاً فورياً في السوق. فهي تكشف أن شركات الذكاء الاصطناعي الصينية لم تعد ترى الشرائح مجرد مكون تشتريه من الموردين، بل ذلك جزء من معركة الكفاءة والسيادة التقنية. وفي حال نجحت، قد تنتقل المنافسة من تطوير نماذج أقل تكلفة إلى بناء منظومات كاملة تجمع النموذج والبرمجيات والعتاد في بنية واحدة.


روبوت صغير يحفر الأسنان بدقة تمهيداً لتركيب التيجان

يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)
يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)
TT

روبوت صغير يحفر الأسنان بدقة تمهيداً لتركيب التيجان

يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)
يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)

طوّر باحثون في جامعة بازل السويسرية نموذجاً أولياً لروبوت صغير يعمل داخل الفم، بهدف مساعدة أطباء الأسنان في تحضير الأسنان لتركيب التيجان. ولا يقدم المشروع روبوتاً يحل محل الطبيب، بل أداة دقيقة يمكن أن تنفذ جزءاً محدداً من العلاج وفق خطة رقمية مسبقة، بما قد يقلل عدد الزيارات المطلوبة، ويجعل الإجراء أكثر اتساقاً.

النموذج يحمل اسم «مير» (MIR) اختصاراً لـ«Miniature Intraoral Robot» أي «الروبوت الفموي المصغّر». وتقول جامعة بازل إن الجهاز صُمم لإزالة أجزاء محددة من السن بدقة تمهيداً لتركيب تاج، وهي مرحلة تحتاج عادة إلى مهارة عالية، لأن السن يجب أن يُشكّل بطريقة تسمح للتاج بالثبات، والتوافق مع الأسنان المحيطة.

من المسح الرقمي إلى التاج

الفكرة الأساسية تقوم على ربط الروبوت بسير عمل رقمي كامل. في البداية يجري الطبيب مسحاً رقمياً للفم، والسن المراد علاجه. بعد ذلك تُحدد كمية المادة التي يجب إزالتها من السن، ويُصمم التاج رقمياً وفق هذه الخطة. ويمكن أيضاً تصنيع قالب خاص بالمريض لتثبيت الروبوت في مكانه أثناء العلاج.

في العلاجات التقليدية، قد يحتاج تركيب التاج إلى أكثر من زيارة. يزيل الطبيب التسوس، أو الجزء المتضرر، ثم يجهز السن، ويأخذ طبعة، أو مسحاً، ويضع تاجاً مؤقتاً، قبل أن يعود المريض في موعد لاحق لتركيب التاج الدائم. أما التصور الذي يعمل عليه باحثو بازل فيسعى إلى اختصار هذه الخطوات، بحيث يُحضّر السن آلياً وفق التصميم الرقمي، ما يسمح بإنتاج التاج النهائي بشكل أسرع، وربما تقليل الحاجة إلى زيارات إضافية.

لا يستبدل الروبوت طبيب الأسنان بل ينفذ جزءاً ميكانيكياً دقيقاً تحت إشرافه ووفق خطة علاجية مسبقة (الجامعة)

كيف يعمل الروبوت؟

يبلغ حجم النموذج الأولي تقريباً حجم سدادة زجاجة، وهو مصمم ليتسع داخل الفم المفتوح. وتبقى أجزاء التحكم والمحركات خارج الفم، بينما يتحرك الجزء الصغير داخل التجويف الفموي لتنفيذ الحفر، أو البرد المطلوب. وتشير تغطيات متخصصة إلى أن أبعاد الجهاز تبلغ نحو 43 في 26 في 28 مليمتراً، ما يعكس حجم التحدي الهندسي في تصميم روبوت قادر على العمل داخل مساحة ضيقة، وحساسة.

وخلال الاختبارات، عمل الروبوت على تحضير السن على مرحلتين. في المرحلة الأولى استخدم أداة أوسع لإزالة جزء من السطح العلوي للسن. وفي المرحلة الثانية استخدم أداة أدق لتشكيل الجوانب. ويهدف هذا التدرج إلى الوصول إلى الشكل المطلوب لتركيب التاج مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من بنية السن.

أقل من عُشرَي مليمتر

اختُبر الروبوت حتى الآن في ظروف مخبرية على نماذج أسنان مصنوعة من الراتنج الصناعي، وعلى مادة خزفية تحاكي صلابة مينا الأسنان. ووفق النتائج المنشورة، كان هامش الخطأ في تحديد الموضع أقل من 0.2 مليمتر، قبل دمج حساسات موضعية مخصصة في التصميم. ومن المتوقع أن يساعد إدخال هذه الحساسات في تحسين الدقة، وأن يسمح للروبوت بمعرفة الموضع الذي يجب أن يستأنف منه العمل إذا توقف الإجراء، أو انقطع.

هذه الدقة مهمة، لأن تحضير السن للتاج لا يقتصر على إزالة المادة المتضررة، بل يتطلب إنشاء شكل هندسي مناسب يضمن ثبات التاج، وعدم إضعاف السن، والحفاظ على العلاقة الصحيحة مع الأسنان المجاورة، والمقابلة. وكلما كان التحضير أقرب إلى التصميم الرقمي، ازدادت احتمالات تقليل التعديلات اليدوية اللاحقة.

يعتمد الروبوت على خطة رقمية تبدأ بمسح السن وتحديد كمية المادة التي يجب إزالتها (الجامعة)

استقلالية عمل الروبوت

رغم الطابع الآلي للمشروع، لا تشير جامعة بازل إلى أن الروبوت سيعمل مستقلاً عن الطبيب. فالطبيب يظل مسؤولاً عن الفحص، والتشخيص، والتخطيط، وتحديد كمية المادة المراد إزالتها، ومراقبة العلاج. ويقتصر دور الروبوت على تنفيذ جزء ميكانيكي دقيق بناءً على الخطة الرقمية.

ويجعل ذلك المشروع أقرب إلى أدوات الجراحة الروبوتية المساعدة، لا إلى نموذج «طبيب أسنان آلي» يعمل وحده. فالأسنان تختلف بين المرضى، والفم بيئة متحركة، وحساسة، وأي إجراء داخلها يحتاج إلى ضوابط أمان، وتوقف فوري، ومراقبة مستمرة.

تحديات قائمة

لا يزال المشروع في مرحلة البحث، ولم يتحول بعد إلى علاج متاح للمرضى. وتوضح جامعة بازل أن الفريق يواصل العمل على قضايا مثل قوى الحفر، والضجيج، والحساسات، والسلامة، ومدى ملاءمة التقنية للاستخدام السريري. كما يحتاج الانتقال من المختبر إلى العيادة إلى اختبارات أوسع، تشمل ظروف الفم الحقيقية، وحركة المريض، واختلاف شكل الأسنان، واللثة، وتقييم شعور المريض أثناء الإجراء، إضافة إلى المتطلبات التنظيمية، والطبية.

مع ذلك يعكس المشروع اتجاهاً أوسع في طب الأسنان نحو الدمج بين المسح الرقمي، والتصميم بمساعدة الحاسوب، والتصنيع السريع، والروبوتات الدقيقة. وإذا أثبتت التقنية سلامتها وفعاليتها لاحقاً، فقد تجعل تحضير الأسنان للتيجان أكثر دقة، وتقلل الزيارات، وتخفف التفاوت بين الإجراءات اليدوية.