ارتياح روسي لرفض محكمة العدل الدولية مطالبات أوكرانيا حول القرم

موسكو «تراقب الوضع» بعد تخصيص أوروبا 50 مليار يورو لكييف

قضاة محكمة العدل الدولية (إ.ب.أ)
قضاة محكمة العدل الدولية (إ.ب.أ)
TT

ارتياح روسي لرفض محكمة العدل الدولية مطالبات أوكرانيا حول القرم

قضاة محكمة العدل الدولية (إ.ب.أ)
قضاة محكمة العدل الدولية (إ.ب.أ)

استعدّت موسكو لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية برفض الجزء الأكبر من مطالب كييف، المتعلقة باتهام الروس بارتكاب انتهاكات ضد سكان شبه جزيرة القرم.

مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (رويترز)

وبدا (الخميس)، مع بروز الارتياح الروسي الواسع لصيغة القرار الصادر، أن الكرملين يسعى إلى العمل سريعاً لإعادة تنشيط روايته للأحداث التي سبقت اندلاع الحرب في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. وهو الأمر الذي برز من خلال مسارعة الدبلوماسية الروسية إلى مطالبة الغرب بتقديم اعتذار رسمي لروسيا على المواقف التي تبناها بناء على الشكوى الأوكرانية.

قضاة محكمة العدل الدولية (إ.ب.أ)

وقدمت أوكرانيا الشكوى أمام محكمة العدل الدولية في عام 2017، وطالبت بإعلان أن تصرفات روسيا في دونباس تشكّل انتهاكاً للاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب، كما دعت لتأكيد مطلبها بأن روسيا انتهكت في شبه جزيرة القرم، الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

من هجوم أوكراني سابق استهدف جسر القرم الذي يربط البر الرئيسي الروسي بشبه الجزيرة (أ.ب)

وفي حالة دونباس، وجدت المحكمة أن موسكو امتثلت لالتزاماتها بموجب معظم أحكام الاتفاقية. أما بالنسبة لشبه جزيرة القرم، فقد رفضت المحكمة أيضاً في هذه الحالة معظم شكاوى كييف.

القوات الروسية تتسلم طائرات قتالية من دون طيار جرى تجميعها من قِبل متطوعين خلال حفل التسليم في سيمفيروبول بشبه جزيرة القرم (رويترز)

وفي المطلبين، كانت كييف بنت شكواها على أساس ممارسات روسيا في شبه جزيرة القرم، التي وقعت تحت السيطرة العسكرية الروسية في عام 2014. وقامت الشكوى على أن «موسكو مارست سياسات عنصرية ضد السكان التتار (الذين يعدون السكان الأصليين لشبه الجزيرة)». ومعلوم أن تتار القرم رفضوا قرارات ضم شبه الجزيرة إلى روسيا، وحافظوا على ولائهم لكييف، وتحدثوا عن حملات قمع وتعسف واسعة شنّتها موسكو ضدهم. لكن رئيس محكمة العدل الدولية، جوان دونوغو، قال في منطوق القرار إن المحكمة رفضت معظم الدعاوى التي قدمتها أوكرانيا ضد روسيا ولم تجد لها أساساً قانونياً.

عاصمة القرم سيفاستوبول مقر الأسطول الروسي (إ.ب.أ)

وسارعت ماريا زابولوتسكايا، نائب مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، إلى مطالبة الغرب بـ«تقديم اعتذار صريح» لموسكو. وقالت إن «كل مَن اتّهم في الجمعية العامة موسكو بالتمييز ضد تتار القرم والأوكرانيين عموماً، مطالب اليوم بتقديم اعتذار واضح وصريح».

دخان يتصاعد فوق خزان وقود بعد هجوم مزعوم بطائرة من دون طيار في سيفاستوبول بشبه جزيرة القرم (رويترز)

وأشارت الدبلوماسية الروسية إلى أن «الأمر تم على هذا النحو، على الرغم من الضغوط السياسية الهائلة التي مارسها الغرب على المحكمة».

ووفقاً لها، فقد وجدت محكمة العدل الدولية بهذا القرار «أكاذيب في تصريحات أوكرانيا ورعاتها الغربيين، وكذلك لدى المنظمات غير الحكومية المدفوعة الأجر بشأن سياسة روسيا المزعومة بالتمييز ضد تتار القرم والأوكرانيين في شبه جزيرة القرم».

وزادت أن «هذه التصريحات اتُّخذت أساساً للقرارات التي اعتمدتها أصوات الدول الغربية في الجمعية العامة على مر السنوات، وكذلك تصريحات بعض مسؤولي الأمم المتحدة».

وأكدت: «نتوقع مِن كل مَن نشر الافتراءات منذ سنوات اعتذاراً لروسيا وضمانات بعدم التكرار. وننطلق من حقيقة أنه لن تصوت أي دولة تحترم القانون الدولي من الآن فصاعداً لصالح قرارات مشوّهة في الجمعية العامة».

ودعت زابولوتسكايا المجتمع الدولي إلى التفكير في التدابير التي ينبغي اتخاذها لمنع مجموعة من الدول من إساءة استخدام منصة الجمعية العامة لنشر «تشهير وادعاءات».

ووفقاً للدبلوماسية فإن «أحد جوانب القرار الدولي المتعلق بانتهاك موسكو المزعوم الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب، دلّ على عدم اقتناع المحكمة باتهامات أوكرانيا بأن جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك هما تشكيلان إرهابيان».

ورأت أن هذا المدخل «مهم للغاية؛ لأن هذه الكذبة شكّلت الأساس لقرار كييف شنّ ما تسمى (عملية مكافحة الإرهاب ضد دونباس) في عام 2014، وبالتالي، يترتب على قرار المحكمة أن كييف اتخذت قراراً إجرامياً ببدء عملية عسكرية ضد دونباس». وزادت أن «هذا القرار الإجرامي هو الذي أدى إلى الوضع الحالي في أوكرانيا».

ورأت الخارجية الروسية، أن محكمة العدل الدولية «لم تتبع خطى كييف، ورفضت بشكل أساسي الاعتراف بموسكو بوصفها (دولةً معتديةً)». وأشارت الوزارة، في بيان، إلى أنه مع صدور الحكم سوف يسقط رهان أوكرانيا التي كانت تأمل في تعزيز مطالبها بنقل الأصول الروسية المصادَرة في الغرب إليها، وفرض قيود دولية على روسيا.

ووفقاً لدبلوماسيين روس، فإن القرار الدولي يمنح موسكو فرصاً واسعة لإعادة تنشيط دبلوماسيتها لشرح أسباب الهجوم على أوكرانيا، خصوصاً ما يتعلق بمساعدة سكان دونباس على مواجهة العمليات العسكرية التي أطلقتها كييف ضدهم.

من جانب آخر، ومع الخبر السار لموسكو في لاهاي، فإن روسيا تلقت بحذر وترقب خبر حصول أرمينيا على عضوية كاملة في محكمة الجنايات الدولية. وهو أمر كانت موسكو حذّرت سابقاً من عواقبه، خصوصاً على خلفية أن محكمة الجنايات، التي لا تعد روسيا عضواً فيها، كانت أصدرت مذكرات توقيف ضد الرئيس فلاديمير بوتين، ومفوضة حقوق الإنسان في روسيا على خلفية اتهامات بنقل أطفال أوكرانيين من بلادهم، والمشاركة في عمليات تدخل ضمن اتهامات «بالإبادة الجماعية».

وأعلن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أنه «من المهم بالنسبة لروسيا ألا تؤثر عضوية أرمينيا في المحكمة الجنائية الدولية، بحكم القانون والأمر الواقع، سلباً في العلاقات الثنائية».

كانت المحكمة الجنائية الدولية أعلنت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أن أرمينيا، اعتباراً من مطلع فبراير 2024، ستصبح الدولة الطرف رقم 124 التي تنضم إلى نظام روما الأساسي، والدولة التاسعة عشرة من مجموعة أوروبا الشرقية.

ورأى سياسيون روس أن انضمام أرمينيا إلى المحكمة الجنائية الدولية يوسع هوة التباعد مع موسكو، ويضيف إلى العلاقة بين البلدين عنصر توتر جديداً.

على صعيد آخر، أعلن بيسكوف أن بلاده «تراقب عن كثب» الوضع بعد إعلان الاتحاد الأوروبي توافقاً على منح أوكرانيا مساعدات مالية طويلة الأجل بقيمة 50 مليار يورو. وهو أمر كان مثار تباينات داخلية في الاتحاد خلال الأشهر الماضية.

زيلينسكي يخاطب المجلس الأوروبي في بروكسل الخميس (إ.ب.أ)

وعقد زعماء دول الاتحاد الأوروبي اجتماعاً استثنائياً وحاسماً (الخميس) في بروكسل؛ لمناقشة القضايا الرئيسية المتعلقة بتصحيح ميزانية الاتحاد متعددة السنوات من أجل تضمين المساعدة المالية الكلية لأوكرانيا للفترة حتى عام 2027 بقيمة 50 مليار يورو.

وقال بيسكوف تعليقاً على القرار: «بالطبع، نحن نراقب جميع المعلومات. نحن ندرك أن كييف لا تزال تعاني من مشكلات، وأن الغرب الجماعي يعاني أيضاً من مشكلات. ومن الواضح الآن أنه ستكون هناك عملية لمحاولة تحويل العبء المالي لهذا الدعم إلى الغرب». وزاد: «نظام كييف يقوم على أكتاف دافعي الضرائب الأوروبيين، لكننا سنراقب عملية صنع القرار».

رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال بعد الاجتماع فى بروكسل (أ.ف.ب)

في هذا الشأن، قال رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، إن «زعماء الاتحاد الأوروبي اتفقوا في قمة بروكسل على تقديم المساعدة المالية الكلية لكييف، بوصفه جزءاً من ميزانية الاتحاد الأوروبي المتعددة السنوات. وهذا سيضمن تمويلاً مستداماً وطويل الأجل، ويمكن التنبؤ به لأوكرانيا»، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي «يحافظ على مستوى القيادة والمسؤولية في دعم أوكرانيا».


مقالات ذات صلة

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

أوروبا مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة من شريط فيديو لإطلاق راجمة الصواريخ الروسية «أوراغان» باتجاه هدف في أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)

موسكو تعلن السيطرة على أراض واسعة في أوكرانيا هذا العام

قال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف: «منذ بداية هذا العام صار تحت سيطرتنا 80 منطقة سكنية إجمالاً وأكثر من 1700 كيلومتر ⁠مربع من الأراضي»

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم صورة نشرتها وزارة النقل الروسية لعمال في موقع بناء الجسر (أ.ف.ب)

روسيا وكوريا الشمالية تدشنان أول جسر برّي يربط البلدين

أقامت روسيا وكوريا الشمالية مراسم، اليوم (الثلاثاء)، احتفالاً بإنشاء أول جسر برّي يربط البلدين والمقرر فتحه أمام حركة السير هذا الصيف، حسبما أعلنت موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي يتهم مبعوثَي الولايات المتحدة بعدم احترام أوكرانيا

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبعوثي الولايات المتحدة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بإظهار نقص في الاحترام تجاه أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

طلبت أوكرانيا من تركيا السعي لعقد اجتماع بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي وسط ترحيب فاتر من روسيا باستئناف محادثات السلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت كالاس أنها طلبت من وزراء الخارجية خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ تعزيز البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط التي تعمل حالياً على حماية السفن من هجمات جماعة الحوثي اليمنية في البحر الأحمر.


ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

رفضت ألمانيا وإيطاليا، اليوم الثلاثاء، الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت إسبانيا وآيرلندا مجدداً تعليق العمل بالاتفاق المبرم في يونيو (حزيران) 2000 أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

ووصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المقترح بأنه «غير مناسب». وقال في مستهل الاجتماع: «علينا التحدّث مع إسرائيل عن القضايا المهمة»، مضيفاً أن الأمر يجب أن يتم عبر «حوار بنّاء مع إسرائيل».

وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أنه «لن يتم اتّخاذ قرار اليوم» في هذا الشأن.

وبعدما نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزّة، اتّخذت بلدان في الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشدداً إزاء الدولة العبرية بعد عملياتها العسكرية في لبنان، وإقرارها قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها بشكل فعلي بحق الفلسطينيين.

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي: «علينا التحرّك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية».

وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي في لوكسمبورغ (أ.ب)

وطرح الاتحاد الأوروبي العام الماضي سلسلة إجراءات محتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين لحرب غزة، شملت قطع العلاقات التجارية معها وفرض عقوبات على وزراء الحكومة. لكن أياً من الخطوات التي طرحتها بروكسل لم تحصل بعد على دعم الدول الأعضاء ليتم تطبيقها.

ويتطلب تعليق اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي إجماع الدول الأعضاء الـ27 في التكتل، وهو أمر يرجّح بأن يعرقله حلفاء إسرائيل.

وقد يكون تعليق الجزء من الاتفاق الذي يسهّل تعزيز العلاقات التجارية أمراً قابلاً أكثر للتطبيق، إذ إن هذا الإجراء لا يتطلب سوى دعم أغلبية مرجِّحة من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه سيتطلب تبديل مواقف القوى المؤثّرة في التكتل مثل ألمانيا أو إيطاليا.

ولمّحت روما إلى أنها قد تكون منفتحة على تشديد موقفها حيال إسرائيل بعدما علّقت اتفاقاً دفاعياً.

لكنّ مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن الدول تبدو مترددة في اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصاً بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

في الأثناء، كانت هناك جهود لفرض تدابير أصغر بدلاً من ذلك. وجدّدت فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول الاتحاد الأوروبي للتكتل للنظر في وقف استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وعرقلت المجر مقترحاً منفصلاً لفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين» في الضفة الغربية لعدة أشهر.

لكن الإطاحة مؤخرا برئيس الوزراء المجري الداعم بشدّة لإسرائيل فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية عزّزت آمال بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكان تطبيقها قريباً.


الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.