إدارة بايدن تحت «نيران إيران»... والجمهوريين

دعوات جمهورية للرد «مباشرةً» على طهران

صورة التقطها قمر «بلانت لابس» الاصطناعي من قاعدة عسكرية تُعرف باسم «البرج 22» شمال شرقي الأردن 12 أكتوبر 2023 (أ.ب)
صورة التقطها قمر «بلانت لابس» الاصطناعي من قاعدة عسكرية تُعرف باسم «البرج 22» شمال شرقي الأردن 12 أكتوبر 2023 (أ.ب)
TT

إدارة بايدن تحت «نيران إيران»... والجمهوريين

صورة التقطها قمر «بلانت لابس» الاصطناعي من قاعدة عسكرية تُعرف باسم «البرج 22» شمال شرقي الأردن 12 أكتوبر 2023 (أ.ب)
صورة التقطها قمر «بلانت لابس» الاصطناعي من قاعدة عسكرية تُعرف باسم «البرج 22» شمال شرقي الأردن 12 أكتوبر 2023 (أ.ب)

سلَّط الهجوم على القوات الأميركية على الحدود الأردنية - السورية الضوء على الشرخ الكبير في الولايات المتحدة بين إدارة جو بايدن والجمهوريين الذين سارعوا إلى الإعراب عن سخطهم الشديد من سقوط ضحايا أميركيين جراء الهجمات المتتالية من وكلاء إيران في المنطقة.

وبعد تأكيد القيادة الوسطى الأميركية سقوط 3 قتلى في صفوف الجيش الأميركي، وإصابة 34 آخرين إثر هجمات بالمُسيرات على قاعدة أميركية في الأردن على الحدود مع سوريا، تهافت المشرعون الجمهوريون في مجلسَي الشيوخ والنواب على انتقاد سياسة بايدن «اللينة» تجاه طهران واتهمه بعضهم بالتسبب في زيادة الهجمات من هذا النوع بسبب عدم اتخاذه قراراً صارماً للرد بحزم وبشكل مباشر على إيران، وهي خطوة يتردد في اتخاذها خوفاً من إشعال فتيل حرب أوسع نطاقاً.

ودعا رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، الإدارة الأميركية عبر منصة «إكس»، (تويتر سابقاً)، إلى «إرسال رسالة واضحة حول العالم مفادها أن الاعتداءات على قواتنا لن يجري التساهل معها».

وأشار رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مايك مكول، في بيان شديد اللهجة، إلى أن «وكلاء إيران شنوا أكثر من 150 اعتداءً على القوات الأميركية منذ أكتوبر (تشرين الأول)».

لكن حتى هجوم الأحد على موقع ناءٍ يُعرف باسم «البرج 22» قرب الحدود الشمالية الشرقية للأردن مع سوريا، لم تكن الضربات قد تسببت في مقتل جنود أميركيين أو إصابة كثيرين. وأتاح ذلك لبايدن مساحة سياسية لتوزيع وطأة الرد الأميركي بإلحاق خسائر بقوات مدعومة من إيران دون المخاطرة بحرب مباشرة مع طهران.

وقال مكول: «إن سياسة إدارة بايدن الفاشلة في الشرق الأوسط دمَّرت سياسة الردع الأميركية ضد خصومنا في الشرق الأوسط». وقال بنبرة حازمة: «نحتاج إلى إعادة نظر جذرية في سياستنا في الشرق الأوسط لحماية مصالحنا المتعلقة بالأمن القومي واستعادة الردع».

بين الرد المباشر و«استعادة الردع»

واستعرض المشرعون الخيارات الواردة أمام الإدارة للرد على إيران، وأتى الطرح الأكثر «جرأة» على لسان السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي دعا البنتاغون إلى «استهداف إيران بشكل مباشر».

وقال غراهام في بيان: «يمكن لإدارة بايدن استهداف كل وكلاء إيران لكنّ هذا لن يوقف الاعتداءات الإيرانية». وتابع: «أنا أدعو إدارة بايدن إلى ضرب أهداف مهمة داخل إيران، ليس فقط للرد على قتل قواتنا بل للردع ضد أي اعتداءات مستقبلية».

ولم يتوقف غراهام عند هذا الحد بل تابع قائلاً: «إن الشيء الوحيد الذي يفهمه النظام الإيراني هي القوة. وإلى أن يدفع النظام الثمن من خلال بناه التحتية وعناصره، فسوف تستمر الاعتداءات على القوات الأميركية».

وقال السيناتور الجمهوري توم كوتون: «لقد ترك قواتنا أهدافاً سهلة... الرد الوحيد على هذه الهجمات يجب أن يكون انتقاماً عسكرياً مدمراً ضد القوات الإرهابية الإيرانية في إيران وفي أنحاء الشرق الأوسط».

كما دعا النائب الجمهوري مايك روجرز، الذي يرأس لجنة الرقابة العسكرية الأميركية في مجلس النواب، إلى اتخاذ إجراء ضد طهران.

وقال روجرز: «مر وقت طويل بالفعل، فليقم الرئيس بايدن أخيراً بمحاسبة النظام الإيراني الإرهابي وحلفائه المتطرفين على الهجمات التي نفّذوها».

وحذّر البعض من أن اعتماد هذه المواقف الحادة من شأنه أن يخلق أزمة متعددة الأطراف تجر الولايات المتحدة إلى صراع شرس في المنطقة، وهذا ما تتخوف منه الإدارة الأميركية التي توعدت على لسان رئيسها جو بايدن، ومستشار الأمن القومي فيها جون كيربي، بالرد في «المكان والزمان المناسبين».

وقال كيربي في حديث لشبكة «سي إن إن»: «الرئيس بايدن سيردّ على الهجوم بالطريقة الملائمة، لكننا لا نسعى إلى حرب مع إيران. لا نريد نزاعاً أوسع في الشرق الأوسط».

وعبَّر وزير الدفاع لويد أوستن، عن أسفه وغضبه لمقتل عسكريين أميركيين في الهجوم، مؤكداً أنه وبايدن لن يتسامحا إزاء الهجمات على القوات الأميركية وسيتخذان «كل التحركات الضرورية» للدفاع عنها.

لكن يبدو أن الجمهوريين اصطفّوا بأغلبيتهم هذه المرة حول أهمية الرد الحاسم والمباشر، فقال زعيمهم في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل: «لقد انعكس الفشل في ردع خصوم أميركا مجدداً على خسارة حياة الأميركيين. لا يمكننا تحمل تكلفة الرد على الاعتداء العنيف هذا من خلال التردد والتدابير الناقصة».

ووصف الرئيس السابق دونالد ترمب، الذي يأمل في مواجهة بايدن في الانتخابات الرئاسية هذا العام، الهجوم بأنه «نتيجة لضعف جو بايدن واستسلامه».

تحفُّظ ديمقراطي

من ناحيتهم تحفَّظ الديمقراطيون على انتقاد سياسة بايدن ودعم أي رد مباشر بشكل علني فاكتفى زعيمهم في مجلس النواب حكيم جيفريز، بالقول: «يجب أن يُحمّل المسؤولية كل عنصر مسؤول (عن الاعتداءات)».

وعبّرت سياسية ديمقراطية علانيةً عن قلقها من فشل استراتيجية بايدن لاحتواء الصراع بين إسرائيل و«حماس» ضمن نطاق قطاع غزة.

وقالت النائبة الديمقراطية باربرا لي: «كما نرى الآن، الأمر يخرج عن نطاق السيطرة. وبدأ يظهر مثل حرب إقليمية ولسوء الحظ فإن هذا يجعل الولايات المتحدة وقواتنا عرضة للأذى»، وجددت الدعوات لوقف إطلاق النار في الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس».

وعارض النائب الديمقراطي سيث مولتون، الذي خدم أربع فترات في العراق جندياً في مشاة البحرية، دعوات الجمهوريين للحرب قائلاً: «الردع صعب والحرب أسوأ».

وقال مولتون: «إلى الصقور الجبناء الذين يدعون إلى الحرب مع إيران، أفعالكم تصبّ في صالح العدو، وأودّ أن أراكم ترسلون أبناءكم وبناتكم للقتال... يجب أن يكون لدينا رد فعل استراتيجي فعّال وفقاً لشروطنا وجدولنا الزمني».

خيارات الرد

يقول الخبراء إن خيارات الرد أمام بايدن يمكن أن تتراوح ما بين استهداف قوات إيرانية في الخارج، وحتى داخل إيران، واختيار تنفيذ هجوم انتقامي أكثر حذراً ليقتصر على استهداف مسلحين مسؤولين عن الهجوم مدعومين من إيران حسب «رويترز».

وقال قائد القيادة الوسطى السابق الجنرال جوزيف فوتيل لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن أي رد يجب أن يكون خالياً من الغموض وأن يُظهر أننا نُحمّل إيران مباشرةً مسؤولية هذا الاعتداء. هذا يعني أن الضربة يجب أن تكون ضد شيء تقدِّره طهران وأن تؤدي خسارته إلى شعورهم بنتيجة هذه الخسارة. قادة (الحرس الثوري) الإيراني هم مثال جيد، لكن هناك أيضاً أمثلة أخرى».

وعارض فوتيل النظرية القائلة بأن رداً أميركياً من هذا النوع من شأنه أن يوسّع رقعة الصراع فقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أعتقد أن ردنا يعني اتساع رقعة الصراع أو البدء بحرب ضد إيران».

وأضاف: «هذا الاعتداء على البرج 22 حصل من دون استفزاز، فالقوات كانت هناك بطلب من بلد ذي سيادة بهدف مكافحة تنظيم (داعش)، لكننا لا يمكننا السماح لهذا الاعتداء بالمرور من دون عقاب وعلى ردنا أن يرسل رسالة واضحة ومباشرة لإيران بأننا نُحمّلهم المسؤولية كاملةً عن هذا الاعتداء وغيره من الاعتداءات التي يشنها وكلاؤهم في المنطقة في العراق ولبنان وسوريا والبحر».

ويُحذّر خبراء من أن أي ضربات ضد القوات الإيرانية داخل إيران قد تُجبر طهران على الرد بقوة، بما يصعّد الموقف بطريقة قد تجرّ الولايات المتحدة إلى حرب كبرى في الشرق الأوسط.

وقال جوناثان لورد، مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد، إن الضرب مباشرةً داخل إيران من شأنه أن يثير تساؤلات لدى طهران بشأن بقاء النظام. وقال: «عندما تفعل الأمور علناً فإن ذلك يشكل تصعيداً كبيراً بالنسبة للإيرانيين».

وقال تشارلز ليستر، من معهد الشرق الأوسط، ومقره واشنطن، إن الرد المحتمل سيكون استهداف موقعاً مهماً أو قيادياً بارزاً في جماعات مدعومة من إيران في العراق أو سوريا.

وأضاف: «ما حدث هذا الصباح كان على مستوى مختلف تماماً عن أي شيء فعله هؤلاء الوكلاء في الشهرين أو الثلاثة أشهر الماضية... (لكن) على الرغم من كل الدعوات لفعل شيء ما داخل إيران، لا أرى أن هذه الإدارة ستبتلع هذا الطعم».

وقال مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية، طلب عدم ذكر اسمه، لوكالة «رويترز» إنه من غير الواضح ما قد تكون عليه التأثيرات الثانية والثالثة التي ستترتب على ملاحقة إيران.

وقال المسؤول: «إذا لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لحرب شاملة، فما الذي ستحققه لنا مهاجمة إيران؟».

ويقول الخبراء إن إسرائيل ضربت أهدافاً إيرانية في سوريا على مدى سنوات دون أن يوقِف ذلك إيران، بما في ذلك مقتل أربعة مسؤولين من «الحرس الثوري» في دمشق في 20 يناير (كانون الثاني).

وضربت الولايات المتحدة أهدافاً مرتبطة بإيران خارجها في الأشهر القليلة الماضية. وقال الجيش الأميركي في نوفمبر (تشرين الثاني)، إنه ضرب منشأة لا تستخدمها جماعة مدعومة من إيران فحسب بل (الحرس الثوري) الإيراني نفسه أيضاً.

لكنّ ليستر يقول إن الولايات المتحدة استهدفت إيرانيين خارج إيران من قبل، مثل عملية في 2020 استهدفت مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» قاسم سليماني، ولم تردّ طهران إلا خلال فترة زمنية محدودة.

وقال ليستر: «لذا إلى حدٍّ ما، إذا وُجِّهت ضربة قوية وعلى مستوى عالٍ بما يكفي، فلدينا سجلّ سابق يُظهر أن إيران يمكنها أن تتراجع أولاً».


مقالات ذات صلة

البيت الأبيض: ميلانيا ترمب تتوصل لاتفاق هدنة في مدينة بجنوب أوكرانيا

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب خلال الإدلاء بتصريحات من حديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)

البيت الأبيض: ميلانيا ترمب تتوصل لاتفاق هدنة في مدينة بجنوب أوكرانيا

أعلن البيت الأبيض أن ميلانيا ترمب نجحت في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين روسيا ‌وأوكرانيا في ‌مدينة ​أوليشكي ‌بجنوب أوكرانيا.

تحليل إخباري الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (أ.ب)

تحليل إخباري مجلس الشيوخ... معركة على الأغلبية تهدّد أجندة ترمب

على خلاف مجلس النواب، يتجاوز «الرقم السحري» في مجلس الشيوخ الأغلبية البسيطة إلى 60 صوتاً تتيح تجاوز عرقلة الأقلية لمعظم التشريعات.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ قاعة «جيمس برادي» للإيجاز الصحافي في البيت الأبيض (أ.ب)

ترمب يريد تحويل قاعة الصحافيين في البيت الأبيض إلى مسبح

يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تحويل قاعة المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض إلى مسبح، في إطار رغبته في نقل الصحافيين المعتمدين إلى خارج الجناح الغربي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يستضيف اجتماع مائدة مستديرة حول الجرائم الإلكترونية التي تستهدف كبار السن في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (د.ب.أ)

ترمب يروّج لمكافحة الاحتيال الإلكتروني وسط تساؤلات عن ثروة عائلته

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إن إدارته ألحقت أضراراً كبيرة بشبكات إجرامية أجنبية تستدرج الأميركيين إلى استثمارات احتيالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

يستعرض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، جهود إدارته لمكافحة الشبكات الإجرامية الأجنبية التي تستدرج الأميركيين لاستثمارات احتيالية في العملات المشفرة...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
TT

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

تستعدّ واشنطن لسيناريو صراع طويل الأمد مع طهران، في وقت تتزايد فيه التقارير عن احتمال شنّ ضربات جديدة ضد إيران، قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي أو بعدها، رغم تأكيد الرئيس دونالد ترمب إمكان انتهاء الحرب قريباً.

وأكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن بلاده تستعد لاحتمال استمرار الصراع مع إيران فترة طويلة، رغم آمال واشنطن في أن تؤدي الضربات والعقوبات الاقتصادية إلى انتزاع تنازلات من طهران بشأن البرنامج النووي وإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز.

من جانبه، قال ترمب إن واشنطن قادرة على السيطرة على إيران والاستيلاء على نفطها.ولم يستبعد السفير الأميركي لدى تركيا توم براك احتمال شنّ ضربة أميركية ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيراً إلى أن ترمب أتاح لطهران فرصاً متكررة للتوصل إلى اتفاق.


تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
TT

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز وملفات إقليمية ودولية.

ضم الاجتماع الذي نسقته تركيا -والذي عقد للمرة الأولى، بوصفه لقاءً تنسيقياً لبحث التعاون في حل الأزمات- وزراء خارجية مجموعة «آر 4» التي تشكّلت في مارس (آذار) الماضي، وهم وزير خارجية السعودية، الأمير فيصل بن فرحان، ونظراؤه المصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي استضاف الاجتماع الذي عُقد في قصر تشيران سراي، المطل على البسفور في إسطنبول، ومجوعة «إي 3» التي مثلها وزراء الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، والبريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، وانضم إلى الاجتماع وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني.

قضايا متعددة وحلول إقليمية

وناقش الوزراء القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن، وهجمات الحوثيين على السعودية، وأزمة مضيق هرمز، وسبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا.

وأكد فيدان، في بداية الاجتماع، أهمية الحلول القائمة على مبدأ «الملكية الإقليمية»، مشدداً على أنه لا يمكن فرض الحلول القادمة من الخارج، لافتاً إلى أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) الماضي، تعطي مثالاً على تطبيق هذا المبدأ عملياً.

اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان قبل انطلاق الاجتماع (الخارجية التركية)

وأوضح أن الاتفاقية تهدف إلى حماية الأمن والسلام والازدهار الإقليمي، مستندة إلى الشعور بالملكية الإقليمية، مؤكداً دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، وضرورة حماية حرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

ولفت إلى أن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واستمرار الحوار حول القضايا والأزمات أمر ضروري، حتى إذا كان التقدم بطيئاً وهشاً، موضحاً أن هذا النهج تجسّد في عدد من التحركات التركية، بينها المحادثات بين روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب.

كان فيدان قد أكد، خلال كلمته في افتتاح «مؤتمر إسطنبول التاسع للوساطة»، الذي عُقد في إسطنبول الجمعة، تزايد حالة انعدام الثقة على المستوى العالمي، مشيراً إلى أن شعوب عدد من المناطق باتت تواجه صراعات مسلحة، رغم أن السلام ظل مقبولاً لسنوات طويلة.

فيدان متحدثاً في افتتاح مؤتمر «إسطنبول التاسع للوساطة» (الخارجية التركية)

وأضاف فيدان أن السنوات القليلة الماضية شهدت استمرار صراعات متعددة في مناطق مختلفة من العالم، ما أثّر في طرق تجارية برية وبحرية بالغة الأهمية، فيما أصبحت خروقات وقف إطلاق النار أمراً روتينياً.

ولفت إلى أن خروقات إسرائيل اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة تقوض الثقة بالنظام الدولي، مؤكداً أن إيصال المساعدات الإنسانية وحماية الأطفال يجب أن يكونا أولوية.

هجمات الحوثيين ومضيق هرمز

وقبل قليل من انطلاق «الاجتماع الثُّماني» في إسطنبول، قال مكتب وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، إن المحادثات، خلال الاجتماع، ستتمحور، بشكل أساسي، حول «مضيق هرمز والوضع في السعودية، وأنه سيدعو إلى حل دبلوماسي لأزمة مضيق هرمز، يُعيد الحقوق والحريات الملاحية الكاملة، وسيوضح كيف يجري تكرار التكتيكات الإيرانية في أنحاء المنطقة؛ حيث تؤدي الهجمات على السعودية إلى زيادة زعزعة استقرار المنطقة، وتصعيد الضغوط على الممرات المائية الحيوية والمضايق الاستراتيجية العالمية، مثل باب المندب وقناة السويس.

لقاء بين فيدان وميليباند قبل انطلاق الاجتماع الثُماني في إسطنبول (الخارجية التركية)

وأشارت «الخارجية الفرنسية» إلى أن المحادثات، التي تُعقد بهذه الصيغة، للمرة الأولى على خلفية حالة من عدم الاستقرار الشديد وعدم اليقين في المنطقة، ستغطي «الأزمة الإيرانية بمختلف تداعياتها».

وأضافت أن «الاجتماع يهدف إلى تعزيز التنسيق بين الأوروبيين ودول الشرق الأوسط في مواجهة أزمات لم نخترها، لكنها تؤثّر علينا جميعاً».

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي في إسطنبول (رويترز)

وقبل الاجتماع، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إنه من المهم أن يتم استجلاء جميع الفرص للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الصراع اليمني، قبيل تصويت البرلمان المصري الأسبوع المقبل على تفويض ​القوات المسلحة المصرية لدعم السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين المتحالفين مع إيران.

حرية الملاحة البحرية

وحذّر وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، من تداعيات الهجمات على الممرات البحرية، سواء في مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين أو الهجمات الروسية على شحنات الحبوب.

وقال إنه «لا يمكننا مواجهة هذه التحديات الجسيمة إلا إذا عملنا معاً، متجاوزين الأطر القائمة، سواء تعلّق الأمر بالنزاع حول مضيق هرمز، أو هجمات الحوثيين على السعودية وحرية الملاحة البحرية، أو تداعيات الهجمات الروسية المتصاعدة باستمرار على شحنات الحبوب في البحر الأسود».

ولفت إلى أن الدول المشاركة في الاجتماع يجمعها إدراك أن هذه النزاعات المستعصية لها تداعيات كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن رغبتها في البحث عن حلول.

فاديفول ووزيرا الخارجية الفرنسي والبريطاني على هامش اجتماع إسطنبول (رويترز)

وأضاف فاديفول: «لن نقبل أن تبتز إيران وميليشيات الحوثيين التجارة العالمية، وأن تواصل إبقاء إمدادات العالم من الطاقة والأسمدة تحت قبضتها الخانقة. يجب أن تتوقف الهجمات العشوائية على حرية الملاحة البحرية والدول المجاورة»، لافتاً إلى أن النزاع يؤدي، من بين أمور أخرى، إلى الجوع.

وذكر أن الوضع في البحر الأسود يُسهم أيضاً في تفاقم الأزمة، متهماً روسيا بأنها تُحاول من خلال مهاجمة شحنات الحبوب المجازفة بحدوث نقص في الغذاء في دول الجنوب العالمي، وهذا يُلحق الضرر بأشد فئات العالم فقراً، التي يعتمد توفير احتياجاتها بدرجة كبيرة على القمح، وكذلك بشركائنا، مثل تركيا التي تُعدّ أكبر دولة في العالم من حيث معالجة القمح المخصص للتجارة العالمية. وقال إن اجتماع إسطنبول، الأول من نوعه بهذا التنسيق، يهدف إلى محاولة تحريك مسار هذين النزاعين.


تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
TT

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)

رأى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

ودعمت تركيا على امتداد سنوات النزاع الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، إلا أن علاقاتها شهدت في السنوات الأخيرة تحسّناً ملحوظاً مع سلطات الشرق الليبي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال فيدان للصحافيين: «لقد بلغنا مرحلة أصبحت فيها الظروف مهيأة لترسيخ إعادة توحيد الشرق والغرب بشكل دائم». وأضاف: «لكل طرف هياكل عسكرية، وهذه الهياكل ينبغي أن تُدمج في إطار جيش وطني».

ترسيم الحدود البحرية

وجاءت تصريحات فيدان إثر استضافته اجتماعاً في إسطنبول ضمّ نظراءه من دول أوروبية وإقليمية، بينها مصر.

وتابع: «لعل إحدى أهم ركائز الوحدة الوطنية تتمثّل في كيفية جمع الوحدات العسكرية الخاضعة حالياً لسيطرة الجانبين تحت مظلّة واحدة».

وأضاف الوزير التركي: «بإذن الله، ستسمعون قريباً أخباراً جيدة جداً من تركيا تخصّ هذا الملف».

كان مجلس النواب في شرق ليبيا قد صادق، الثلاثاء، على مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بعدما رفضها لدى توقيعها للمرة الأولى في عام 2019.

لكن الاتفاق أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي، لا سيما إيطاليا واليونان، بينما اعترضت عليه مصر بوصفه يمس حقوقها في البحر المتوسط.

ولفت فيدان إلى أن «تركيا تتّخذ موقفاً بنّاءً للغاية في هذا الملف»، مضيفاً: «يمكن لتركيا وإيطاليا ومصر أن تجتمع لبحث هواجس» جميع الأطراف.

حرب إيران

وأشار فيدان إلى أن شن هجوم جديد على إيران من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التوتر وتوسيع نطاق الصراع، مضيفاً أن الدبلوماسية والحوار هما السبيل الوحيد لإنهاء الحرب.

وقال: «نتفق جميعاً على أن أي هجوم جديد على إيران سيؤدي إلى توسيع نطاق الحرب في المنطقة... التدخل العسكري في إيران ليس حلاً على الإطلاق. ولا أحد يوافق على ذلك في الوقت الحالي».

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بعد اجتماعات اليوم إن أي تصعيد جديد بين إيران والولايات المتحدة لن يسفر إلا عن خاسرين، وسيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتأتي هذه التصريحات عقب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يوم الأربعاء، يفيد بأن الجيشين الأميركي والإسرائيلي وضعا خططاً محددة لشن هجمات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، الشهر المقبل.