«العدل الدولية» تشرع الأبواب أمام لبنان لمقاضاة إسرائيل

قانونيون: يمكن محاكمتها بتهمة ارتكاب «جرائم حرب»

من تشييع 3 فتيات وجدّتهن قُتلن بغارة اسرائيلية في نوفمبر الماضي بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)
من تشييع 3 فتيات وجدّتهن قُتلن بغارة اسرائيلية في نوفمبر الماضي بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)
TT

«العدل الدولية» تشرع الأبواب أمام لبنان لمقاضاة إسرائيل

من تشييع 3 فتيات وجدّتهن قُتلن بغارة اسرائيلية في نوفمبر الماضي بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)
من تشييع 3 فتيات وجدّتهن قُتلن بغارة اسرائيلية في نوفمبر الماضي بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)

فتحت محكمة العدل الدولية المسارات القانونية لمقاضاة إسرائيل على جرائمها، وقد لا تتوقف الملاحقات عند الإبادة الجماعية في غزّة، بل من شأنها أن تشرع الأبواب أمام لبنان الذي تنتهك أمنه، وترتكب الجرائم يومياً على أرضه.

وتتضارب آراء خبراء القانون حول أي محكمة يمكن أن يلجأ إليها لبنان. ويرى وزير العدل السابق إبراهيم نجّار أنه «كان حرياً بالدولة اللبنانية أن تطلب الانضمام إلى القضية التي أقامتها دولة جنوب أفريقيا ضدّ إسرائيل في لاهاي»، مؤكداً أن «الإمكانية ما زالت قائمة، وعلى الحكومة اللبنانية أن تتحرّك سريعاً».

وتنتسب كلّ الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حكماً إلى نظام محكمة العدل الدولية، وهذا ينطبق على لبنان، لكن ثمة إشكالية في ما إذا كان باستطاعته أن يتقدّم بدعوى مستقلة أم لا، ويؤكد نجّار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في لبنان تصنّف في خانة جرائم الحرب، وليست جرائم إبادة جماعية، وثمة فارق كبير بينهما»، مشيراً إلى أن «محكمة العدل الدولية تحاكم دولاً، بينما الجنائية الدولية تحاكم قادة ومسؤولين».

وقال نجّار: «صحيح أن لبنان ليس منضماً إلى نظام المحكمة الجنائية الدولية، إنما تستطيع الأخيرة أن تجري تحقيقاً وملاحقات ضدّ القادة الإسرائيليين، كما فعلت مع الرئيس السوري بشار الأسد على الجرائم التي ارتكبها ضدّ شعبه، وكما تفعل بملاحقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إثر الحرب التي شنّها على أوكرانيا».

واكتفت الحكومة اللبنانية بتقديم شكاوى لدى مجلس الأمن الدولي على الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية، وجرائم القتل التي أودت بحياة مدنيين. وربط وزير العدل السابق إبراهيم نجّار بين انكفاء الدولة عن تحريك دعاوى قضائية، وبين المساعي التي تبذلها الولايات المتحدة لتسوية النزاع الحدودي مع إسرائيل، لافتاً إلى أن لبنان «يحاول عدم استفزاز الأميركيين الذين يمارسون ضغوطاً كبيرة على تلّ أبيب لمنعها من شنّ حرب واسعة على لبنان، وسعيها لتطبيق القرار 1701 وفق الصيغة التي ترضي الطرفين».

جرائم حرب

وما دام لبنان عضواً في الأمم المتحدة، فمن حقّه أن يقاضي الدولة العبرية. ويرى رئيس مؤسسة «جوستيسيا» الحقوقية في لبنان المحامي الدكتور بول مرقص، أن «محكمة العدل الدولية تعدّ جهازاً قضائياً تابعاً للأمم المتحدة، ويحق للبنان أن يتقدّم بدعوى أمامها، لكن الإشكالية تكمن في الاتفاقية الدولية التي يمكن له مداعاة إسرائيل على خرقها». ويقول مرقص لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجرائم الإسرائيلية المرتكبة في لبنان ليست بالضرورة من فئة الإبادة الجماعية، ولا تخضع للاتفاقية العائدة لها لعام 1948، فقد تكون من فئة جرائم الحرب أو سواها، وتالياً ربما تكون خاضعة لمواثيق واتفاقات دولية أخرى».

ويتفق الدكتور مرقص مع المقاربة القانونية التي قدّمها الوزير نجّار، مؤكداً أن «المرجع الذي يمكن الاحتكام إليه هو المحكمة الجنائية الدولية الدائمة المنشأة بمقتضى نظام روما لعام 1998 والتي تختص أيضاً بالجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان، لكن لبنان ليس عضواً فيها وكذلك طبعاً إسرائيل». ويلفت مرقص الذي يشغل منصب عميد جامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ، إلى أن «لبنان يتقدم بشكاوى أمام مجلس الأمن وسائر أجهزة الأمم المتحدة دون أن يكون لديها جدوى فعلية سوى أنها على سبيل الضغط فقط».

وذكّر بأنه «سبق للبنان أن نجح بالحصول على قرار من الأمم المتحدة ألزم إسرائيل بتعويض لبنان، ودفع مبلغ 856 مليون دولار أميركي، نتيجة الأضرار التي لحقت جراء قصفها محطة الجية للطاقة الكهربائية في عام 2006، وتسرّب كميات من النفط إلى البحر، والتسبب بتلوث المياه».

محكمة العدل الدولية

ومن جهته، قدّم القاضي عفيف شمس الدين، العضو في المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، قراءة مختلفة، فشدد على أن لبنان «أمام فرصة مهمّة لتقديم دعوى أمام محكمة العدل الدولية لمعاقبة إسرائيل على جرائمها، وهذه الدعوى يجب أن تكون مستقلّة عن القضية التي رفعتها دولة جنوب أفريقيا». وأوضح في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن المحكمة «لن تتردد بالنظر في هذه الدعوى، وتناقش مدى مطابقة الجرائم التي وقعت في لبنان على جريمة الإبادة الجماعية»، مشيراً إلى أن الدولة اللبنانية «يمكنها أن تضمّن هذه الدعوى مجزرة قانا التي ارتكبتها إسرائيل خلال حرب «عناقيد الغضب» في العام 1996، والتي ذهب ضحيتها نحو 190 مدنياً جلّهم من الأطفال والنساء الذين لجأوا إلى مقرّ الأمم المتحدة هرباً من الغارات على بلداتهم ومنازلهم، والمجزر التي ارتكبتها في عام 2006 في المكان نفسه».

لا يمكن المقارنة بين عدد الضحايا الذين سقطوا في لبنان ومن قضوا في المجازر الإسرائيلية في غزّة وتجاوز عددهم الـ26 ألف شخص، 40 بالمائة منهم من الأطفال، لكن القاضي عفيف شمس الدين أكد أن «عدد القتلى ليس هو المعيار الذي تستند إليه محكمة العدل الدولية لتصنيف جرائم الإبادة الجماعية». وقال: «المهم بالنسبة إليها سقوط الأبرياء في هذه الحرب، وإمعان إسرائيل في جرائمها من دون تحييد المدنيين، بدليل تدميرها الممنهج للمنشآت المدنية والمؤسسات الإنسانية ومنها المستشفيات والمدارس ومراكز إيواء اللاجئين ودور العبادة».

لا تأثير لمفاعيل الأحكام القضائية على الدولة العبرية، التي اعتادت تاريخياً أن تضرب بعُرض الحائط القرارات الدولية والقرارات والأحكام التي تدينها، وبرأي القاضي شمس الدين فإن «أهمية الحكم ليست بمفاعليه القانونية فحسب، بل بالقوّة المعنوية التي تعرّي إسرائيل أمام أعلى المراجع القضائية في العالم، وتجعل من قادتها مجرمي حرب، عدا قوّته المعنوية وإلزامها بدفع تعويضات لضحايا الجرائم».


مقالات ذات صلة

لاكروا في بيروت: تمسّك ببقاء «يونيفيل» ورفض الفراغ الدولي في الجنوب

المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)

لاكروا في بيروت: تمسّك ببقاء «يونيفيل» ورفض الفراغ الدولي في الجنوب

تصدّر مستقبل القوات الدولية العاملة في الجنوب «يونيفيل» محادثات وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا مع المسؤولين اللبنانيين

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من بحرية الجيش اللبناني خلال إنقاذهم مهاجرين سوريين (الجيش - إكس)

بعثة أوروبية لدعم أمن الحدود والمرافئ في لبنان... أين تقف حدود الدور الأمني؟

يفتح قرار «الاتحاد الأوروبي» إنشاء بعثة جديدة لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي أسئلة بشأن طبيعة الحضور الأوروبي في أمن الحدود والمرافئ...

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي تحت عنوان «وعد والتزام» أعلن رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» الشيخ علي دعموش عن برنامج مساعدة النازحين والمتضررين (إ.ب.أ)

مساعدات «حزب الله» للمتضررين من الحرب... محاولة لاحتواء الغضب

في محاولة لاحتواء غضب بيئته النازحة والمتضررة، أعلن «حزب الله» برنامجاً جديداً للإيواء والأثاث تحت عنوان «وعد والتزام».

كارولين عاكوم
المشرق العربي سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

لبنان: العفو العام يجتاز المجلس الدستوري إلى التنفيذ

انتقل ملف قانون العفو العام في لبنان من معركة الطعن، إلى اختبار التنفيذ القضائي

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الحكومة)

سلام يتوعّد بمحاسبة المتورطين في قضية المتفجرات

أكد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، أنه «لا تساهل ولا تغاضٍ، بل الحقيقة والمحاسبة»، متوعّداً بملاحقة جميع المتورطين في شحنة المتفجرات...

كارولين عاكوم (بيروت)

العراق يرجح حسم ملف القوات التركية خلال 3 أشهر

جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)
جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)
TT

العراق يرجح حسم ملف القوات التركية خلال 3 أشهر

جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)
جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)

رجح صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، حسم ملف القوات التركية الموجودة شمالي البلاد خلال 3 أشهر.

وتتمركز القوات التركية في قاعدة زليكان، على جبل ناحية بعشيقة التي تبعد نحو 30 كيلومتراً شمال شرقي مدينة الموصل، كما أنها تنتشر في نقاط ومواقع عديدة شمالي البلاد قرب الحدود المشتركة.

وقال النعمان، في تصريحات صحافية، الأربعاء، إن حكومة بلاده «وضعت جدولاً زمنياً للتحرك خلال الشهرين إلى الأشهر الثلاثة المقبلة لإنهاء الوجود العسكري التركي في القواعد المقامة شمالي البلاد، وإن الترتيبات الخاصة بتسلم القواعد العسكرية تجري بصورة تدريجية».

ورغم تأكيد النعمان أن «التوجه الحكومي النهائي يتمثل في إنهاء وجود القواعد والقوات الأجنبية على كامل الأراضي العراقية، بما يعزز السيادة الوطنية واستقلال القرار الأمني»، لكنه لم يبين ما إذا كان الانسحاب التركي يشمل جميع قواعده ونقاط سيطرته في العراق، أم أنه يقتصر على قاعدة زليكان العسكرية.

وتشغل القوات التركية، حسب تقارير محلية، نحو 130 نقطة تفتيش تنتشر داخل الحدود العراقية وعلى الشريط الحدودي بين البلدين.

وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد عقد قمة ثنائية في سبتمبر (أيلول) الماضي، مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأسفرت عن اتفاق يقضي بـ«الإخلاء التدريجي» للقوات التركية من قاعدة زليكان على أن يبدأ رسمياً في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) ونقل السيطرة وإخلاء المعسكر لصالح الحكومة الاتحادية في بغداد وفق جدول زمني وآلية متفق عليها.

قوات عراقية منتشرة في سنجار مطلع ديسمبر 2020 (رويترز)

معضلة سنجار

ولطالما ربط الجانب التركي عملية إخلاء القاعدة بمسار التقدم الأمني الذي تحرزه بغداد في قضاء سنجار شمال محافظة نينوى، حيث تشترط أنقرة أن تقوم الحكومة العراقية ببسط سلطتها في القضاء وطرد العناصر المسلحة، لا سيما أجنحة «العمال الكردستاني» التي لم تلتزم بقرار حل الحزب وتسليم الأسلحة الذي اتخذه زعيمه عبد الله أوجلان نهاية فبراير (شباط) 2025.

ويعود تاريخ بدء الوجود والعمليات العسكرية التركية في شمال العراق لملاحقة عناصر حزب العمال إلى أواسط عام 1983، حيث وقّعت بغداد وأنقرة اتفاقية «التعاون وأمن الحدود»، التي سمحت حينها للقوات التركية بالتوغل لمسافة محدودة داخل الأراضي العراقية لمطاردة عناصر الحزب.

ورغم عدم وضوح موقف السلطات العراقية بعد عام 2003، من اتفاقية «التعاون وأمن الحدود»، فإن قيام تركيا بإنشاء قاعدة زليكان التي تبعد نحو 150 كيلومتراً عن الحدود التركية، كانت لسنوات طويلة إحدى أبرز نقاط الخلاف والتوتر الدبلوماسي بين بغداد وأنقرة.

واعتبرت الحكومات العراقية المتعاقبة الوجود العسكري التركي فيها انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية.

وأنشأت تركيا القاعدة أواسط عام 2015، وفق ترتيبات محلية مع سلطات إقليم كردستان وليس الحكومة الاتحادية في بغداد، تحت مزاعم تدريب القوات المحلية في محافظة نينوى وتأهيلهم للمشاركة في الحرب ضد تنظيم «داعش» الذي سيطر على أجزاء واسعة من البلاد وضمنها محافظة نينوى عام 2014.


لاكروا في بيروت: تمسّك ببقاء «يونيفيل» ورفض الفراغ الدولي في الجنوب

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)
TT

لاكروا في بيروت: تمسّك ببقاء «يونيفيل» ورفض الفراغ الدولي في الجنوب

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)

مع اقتراب انتهاء ولاية قوات الـ«يونيفيل» في جنوب لبنان، تصدّر هذا الموضوع محادثات وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا مع المسؤولين اللبنانيين، في جولة شملت رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وعكست المواقف اللبنانية توافقاً رسمياً على ضرورة عدم ترك الجنوب أمام فراغ أمني ورقابي بعد انتهاء ولاية «يونيفيل» بصيغتها الحالية، مع التشديد على أهمية استمرار الدور الدولي في دعم الاستقرار ومساعدة لبنان على استعادة سيادته الكاملة.

عون: متمسكون ببقائها

وأكد الرئيس عون، خلال استقباله لاكروا، أن «لبنان متمسك ببقاء القوات الدولية العاملة في الجنوب (يونيفيل)، نظراً إلى أهمية ما قامت به منذ بدء مهمتها حتى اليوم».

وشدد على أن «انسحاب قوات (يونيفيل) سيترك فراغاً له انعكاسات سلبية على الوضع الأمني في المنطقة، فضلاً عن أن المنطقة ستخلو من أي رقابة دولية على ما يجري فيها». وأشار إلى أن «هذه القوات تؤدي أيضاً أدواراً اجتماعية وإنسانية وصحية وتربوية، عززت العلاقة بينها وبين المواطنين الجنوبيين الذين يرتاحون لوجودها ويثقون بدورها ويتمسكون ببقائها في بلداتهم وقراهم».

وأعرب رئيس الجمهورية عن أمله في أن «يتجاوب مجلس الأمن مع الطلب الذي تقدم به لبنان للإبقاء على المهمة العملانية لـ(اليونيفيل) خلال السنة المقبلة، ولا سيما إذا تحقق انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية وانتشر الجيش اللبناني، الذي سيكون في حاجة إلى الاستفادة من الخدمات الإنسانية واللوجستية التي تقدمها القوات الدولية».

من جهته، قال لاكروا إن «الوضع الميداني لا يزال معقداً، في ظل استمرار الأنشطة العسكرية وتأثر السكان بها بشدة»، مؤكداً أنه «من المهم، بل من الضروري، أن يُسمع صوت لبنان في المناقشات داخل مجلس الأمن، باعتبار أن لبنان هو الدولة المعنية مباشرة بهذا الموضوع».

وأضاف أن «الأمم المتحدة لا تزال قادرة على أداء دور في دعم الجهود الرامية إلى إعادة الاستقرار إلى لبنان والمنطقة واستعادة السيادة الكاملة للبنان»، مشيراً إلى أن الخيارات التي عرضها الأمين العام بشأن استمرار الوجود الأممي بعد انتهاء ولاية «يونيفيل» لا تزال مطروحة، وأن مواقف السلطات اللبنانية، ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار.

بري: موقف موحّد

بدوره، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري، خلال لقائه لاكروا والوفد المرافق، «وحدة الموقف الرسمي اللبناني لجهة التمسك بوجود القوات الدولية ومهمتها تنفيذاً للقرار 1701»، في ظل مواصلة إسرائيل حربها على لبنان وخرقها القرار الأممي.

وتناول اللقاء مفاعيل القرار 2790 والمطالب اللبنانية المتعلقة بمستقبل القوات الدولية، ودورها في مراقبة الحدود الدولية على امتداد الخط الأزرق وتصحيح مساره، ولا سيما في النقاط الخلافية التي يتحفظ عليها لبنان، إضافة إلى توثيق الخروقات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية.

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً لاكروا (الوكالة الوطنية للإعلام)

ونوّه بري بـ«جهود وتضحيات قوات (اليونيفيل) طوال ما يقارب نصف قرن من مهمتها في الجنوب، والتي تجاوزت الدور الأمني والعسكري إلى أدوار إنسانية واجتماعية وثقافية واقتصادية، وإلى العيش المشترك بين أفرادها والمجتمع المحلي». وشدد على أن «لبنان سيستمر بمساعيه على مختلف المستويات من أجل صون حقوقه السيادية وحماية حدوده وتحرير آخر ذرة من أرضه من الاحتلال الإسرائيلي»، مشيراً إلى «وجود إجماع» وتحرك برلماني لبناني باتجاه المجتمع الدولي والأمم المتحدة في هذا الإطار.

سلام: لا فراغ

وأكد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، خلال استقباله لاكروا، «رفضه حصول أي فراغ بعد انتهاء مهمة (اليونيفيل) بصيغتها الحالية»، مشدداً على «حاجة لبنان إلى قوة دولية تتولى مهام المراقبة والإفادة والتواصل».

وأبدى سلام «انفتاح لبنان على البحث في أي صيغة دولية جديدة لهذه القوة، مع التمسك بضرورة أن يكون تفويضها صادراً عن مجلس الأمن الدولي».


«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
TT

«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)

أيقظ مشهد طفلة في محافظة الحسكة (شمال شرقي) تجمع روث الحيوانات لاستخدامه في التدفئة ذاكرة المعاناة من برد الشتاء خلال سنوات الحرب في سوريا، وسط مؤشرات اقتصادية تنذر بتجدد وتفاقم الأزمات المعيشية، من جراء ارتفاع أسعار المحروقات وتفاعل قضية «البنزين المغشوش» وتدني قيمة الليرة وما أثارته من مخاوف معيشية.

وأظهر مقطع فيديو يتم تداوله على نطاق واسع طفلة في ريف محافظة الحسكة، تجمع روث الحيوانات من الأراضي الزراعية بهدف تحويله إلى وقود «جلة» كوسيلة من وسائل التدفئة البدائية، مع اقتراب فصل الشتاء وعدم توفر المازوت لأنه «غالٍ» حسب تعبيرها.

هذا المشهد ذّكر فاطمة حميد (49 عاماً) بأول شتاء لها بعد التهجير من دير الزور إلى صحنايا بريف دمشق، لتسكن مع أطفالها الثلاثة في قبو بارد ومعتم لعدة سنوات لم تعرف خلالها الدفء.

تقول فاطمة إن ذكرى تلك الأيام السوداء أحياها رفع سعر المازوت والحديث عن توفير نوع رخيص بجودة أقل للتدفئة، وتضيف: (أيام الأسد) كانوا يبيعونا بالتقطير مازوت أسود طين للمدافئ يخنقنا برائحته»، ونخشى اليوم من أن يكون المازوت الرخيص الذي يتحدثون عنه مثل البنزين الأحمر الذي عطل السيارات.

رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

وكانت وزارة الطاقة السورية رفعت أسعار المازوت والمشتقات النفطية سبتمبر (أيلول) الماضي بنسبة 40 في المائة، وحُدد سعر لتر المازوت (الديزل) بـ175 ليرة سورية من 125 ليرة. ثم طرحت لاحقاً مازوت مدعوماً أقل جودة للتدفئة والزراعة بـ115 ليرة سورية.

وسجلت قيمة الليرة تراجعاً أمام الدولار لتتجاوز 141 ليرة، الثلاثاء، بعد استقرار أشهر عند معدل 130 ليرة. وقد وضع اقتصاديون هذا التراجع في إطار التضخم الناجم عن قرار رفع سعر المحروقات.

الشركة السورية للبترول رفضت مؤخراً تفريغ ناقلتي «مازوت» بسبب مخالفتهما الشروط المطلوبة، وفق ما كشف مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول عدي الصطوف، معلناً «البدء بربط وتفريغ ناقلة مازوت بسعة 16 ألف طن في ‏مستودعات ميناء بانياس، فيما تنتظر ناقلة ثانية دورها للتفريغ تلبية ‏للطلب المتزايد على مادة المازوت مع اقتراب فصل الشتاء».

مستودع حمص للمشتقات النفطية (الشركة السورية للمحروقات سادكوب)

وقال صطوف في تصريح لوكالة (سانا) الرسمية، إن الشركة ‏اتخذت مجموعة من الإجراءات أبرزها التنسيق مع مصفاة حمص لزيادة الكميات ‏المنتجة والمباشرة بتوريد المادة بسعر 150 ليرة سورية للتر ‏الواحد لجميع المحافظات بهدف سد النقص الحاصل، وإنتاج ‏كميات جديدة بسعر 115 ليرة سورية للتر الواحد ‏في مصافي الحسكة والاستفادة من المخزون المتبقي في مستودعي ‏تشرين وبانياس، متوقعاً «تحسن استقرار مادة المازوت في السوق مع ‌‏انتظام التوريدات وعودة مصفاة بانياس إلى العمل».

وما تزال قضية طرح كمية من «البنزين المغشوش» في الأسواق السورية تتفاعل منذ مطلع الشهر الحالي، وجاءت عقب أزمة في توفر المادة وارتباك حاد بسبب رفع أسعار البنزين (أوكتان 90) إلى 185 ليرة، و(البنزين أوكتان 95) إلى 195 ليرة.

من الصور المتداولة للبنزين المغشوش في سوريا

وأفاد عامل في إحدى محطات تزويد الوقود في دمشق لـ«الشرق الأوسط»، بأن كميات البنزين المغشوش سحبت من جميع المحطات الحكومية «سادكوب» وتم البدء بتزويدها بنوع نظيف، منذ فجر الثلاثاء، بكميات مطابقة للمواصفات بعد التأكد في المصدر وفي موقع التسليم بدمشق، وهذا الأمر الذي أخر التوريدات إلى المحطات في العديد من المحافظات، نافياً وجود أزمة في توفر المادة، داعياً المواطنين إلى التزود بالبنزين من المحطات الحكومية حالياً، ريثما يتم الانتهاء من سحب كامل كمية البنزين المغشوش من باقي محطات القطاع الخاص.

وكان عضو لجنة المحروقات في مجلس الشعب السوري خالد جمال الخلف، طالب بإقالة ومحاسبة مدير شركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، وقال خلال مداخلة له على شاشة القناة الإخبارية السورية، الأحد الماضي، إن القبلاوي يتحمل كامل المسؤولية عما وصفه بـ«كارثة البنزين المغشوش» نظراً لحجم الأضرار الجسيمة التي لحقت بمركبات المواطنين.

صورة تعبيرية من فيسبوك لمحل ميكانيك

فادي الأكرم كان في ورشة لتصليح السيارات بدمشق يحاول شفط البنزين المغشوش من سيارته، والكشف عن الأضرار التي ألحقها بالمضخة، وقال إن خسارته الأولية مليونا ليرة ثمن البنزين فقط، أما إصلاح الأضرار فربما تصل إلى خمسة ملايين متسائلاً عمن يتحمل تعويضها؟

ولم تعلن نتائج التحقيقات في قضية «البنزين المغشوش» التي سبق أن قالت الشركة السورية للمشتقات النفطية «سادكوب» إنها تجريها لتحديد مصدر المادة المخالفة، وكيفية وصولها إلى المحطات، وفق بيان أصدرته لدى تزايد الشكاوى، أكدت فيه أن نتائج العينات التي تم سحبها من مراحل مختلفة من سلسلة الإمداد، أظهرت مطابقتها للمواصفات المعتمدة، مع الإقرار برصد حالات لوجود مادة غير مطابقة للمواصفات في السوق المحلية.