علماء يحذرون من ضياع «بنك البذور والجينات الزراعية» في السودان

الحرب أتلفت آلاف الموارد الوراثية النباتية... ومساعٍ لإنقاذ ما تبقى

حصاد أحد المحاصيل الزراعية في ولاية الجزيرة بوسط السودان (أ.ف.ب)
حصاد أحد المحاصيل الزراعية في ولاية الجزيرة بوسط السودان (أ.ف.ب)
TT

علماء يحذرون من ضياع «بنك البذور والجينات الزراعية» في السودان

حصاد أحد المحاصيل الزراعية في ولاية الجزيرة بوسط السودان (أ.ف.ب)
حصاد أحد المحاصيل الزراعية في ولاية الجزيرة بوسط السودان (أ.ف.ب)

أطلق علماء وباحثون سودانيون «صرخة استغاثة» لإنقاذ الأصول النباتية والتقاوي و«بنك البذور والجينات المركزي» التابع لهيئة البحوث الزراعية في مدينة «ود مدني» عاصمة إقليم الجزيرة في وسط البلاد، من المخاطر التي يتعرض لها جراء الحرب التي امتدت للولاية الأهم زراعياً في السودان، حيث يُوجد البنك الرئيسي المخصص لحفظ العينات الجينية للبذور والنباتات السودانية.

وأُنشئت هيئة البحوث الزراعية السودانية في عام 1902، بهدف إنتاج التقنيات والنظم اللازمة لإنتاج المحاصيل وضمان الأمن الغذائي واستكشاف الإمكانات الزراعية في عدد من مناطق البلاد. ومن بين أجهزة الهيئة المهمة «بنك الجينات والبذور السودانية» الذي يضم عينات جينية من البذور التي جرت الأبحاث حولها منذ أكثر من قرن، وتعد تراثاً علمياً لا يقدر بثمن.

لكن الهيئة تعرضت لعمليات تخريب بعد وصول الحرب إلى ولاية الجزيرة، ويُخشى على نطاق واسع من ضياع وتلف مئات العينات الجينية للبذور السودانية بسبب التخريب الذي تعرض له البنك ومباني الهيئة، ومن عمليات النهب، بجانب الإهمال الذي ظلت الهيئة تتعرض له لسنوات، وهجرة العلماء والخبراء، وإيكال أمرها لذوي الولاء للنظام السابق الذي كان يترأسه عمر البشير.

نازحون فارّون من المعارك على طول طريق في ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة (أ.ف.ب)

سباق الزمن

أطلق عالم النبات السوداني المقيم في السويد، محمد الصافي، نداء للمجتمعين الدولي والمحلي، لإنقاذ بنك البذور الرئيسي في البلاد من الضياع والدمار، والمخاطر التي تواجه البحث العلمي الزراعي بعد وصول الحرب بين قوات «الدعم السريع» والجيش السوداني إلى ولاية الجزيرة حيث يُجد البنك. ووفقاً لنداء الصافي، الذي أطلقه عبر منصة «Research Professional News»، فإن «بنك الجينات المركزي» التابع لمركز الحفاظ على الموارد الوراثية النباتية الزراعية وأبحاثها يواجه «تهديداً وجودياً غير مسبوق»، وإن هناك حاجة طارئة لنقل الموارد الجينية من حافظات البذور، ومسابقة الزمن قبل تلفها.

وحذّر الصافي من فقدان السودان لتنوعه الوراثي الذي يضرّ بمرونته الزراعية، ويهدد النظام الغذائي العالمي، باعتبار السودان منشأ لكثير من المحاصيل الأساسية. ويضم بنك جينات النبات وفقاً لتقرير «Research Professional News» أكثر من 15 ألف عينة، تتضمن بذور المواد الغذائية والزراعية، مثل «البطيخ والذرة الرفيعة والدُخن اللؤلؤي».

وتواجه هيئة البحوث الزراعية مخاطر الهجمات البرية والقصف المدفعي والجوي، وانقطاع التيار الكهربائي، بينما يحاول موظفون وعمال حمايتها، لكن المخاطر لا تزال تهدد العينات الموجودة في غرف التبريد الخاصة. وقال الصافي: «تم نهب المجمدات العميقة التي تحتوي على البذور»، واستدرك قائلاً: «نظراً إلى أن البذور محفوظة في مظاريف مغلفة بالألمونيوم، فستظل قابلة للحياة لعدة أشهر».

الحرب السودانية طالت مناطق عدة من البلاد (رويترز)

«قبو البذور الدولي»

دعا الصافي إلى نقل البذور إلى أماكن آمنة بضمانات دولية، وطلب من شركاء السودان في أبحاث المدى الطويل، ووكالة المعونة السويدية، ومركز الموارد الوراثية في السويد، المساعدة في نقل مجموعات بنك البذور إلى مكان أكثر أماناً داخل السودان. وحثّ مجتمع علوم النبات الدولي على مساعدة السودان في الحفاظ على مجموعة البذور، ونقلها إلى «قبو البذور الدولي» في أرخبيل سفالبارد بالنرويج، قائلاً: «تتطلب هذه الأزمة اتخاذ إجراءات عالمية فورية لحماية ثراء التنوع البيولوجي الزراعي في السودان، ومنع إلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه بهذه المؤسسة المحورية».

وإزاء ذيوع أخبار تعرض «هيئة البحوث الزراعية» لمخاطر الحرب وأعمال التخريب والنهب، سارعت قوات «الدعم السريع»، التي تسيطر على ولاية الجزيرة، إلى زيارة مقر الهيئة، ونشرت مقطع فيديو يظهر فيه قائد قواتها هناك، المدعو أبو عاقلة كيكل، وهو يتعهد لموظفين داخل الهيئة بإعادة تعميرها وتوفير خدمات الكهرباء لها. ونفى متحدث باسم القوات من داخل «مصفى فرز وتصنيف البذور»، اتهام قوات «الدعم السريع» بتخريب الهيئة، مؤكداً أنهم وجدوها على هيئتها الخربة.

وظهر في الفيديو شخص عرّف نفسه بأنه الدكتور محمد الحاج مختار، وقال إنه يعمل في هيئة البحوث الزراعية ولم يغادرها، ووجّه اتهامات لمن أسماهم العلماء «الفاسدين والمفسدين» في إدارة الهيئة، بجانب عاملين ومواطنين من المجتمع المحلي، قاموا بتدمير الهيئة. وأضاف: «نحن باقون في الهيئة لأن مستقبلها هو مستقبلنا، والأشخاص الذين هجموا على الهيئة واستولوا على البذور، يعرفون طبيعتها وأهميتها، وعلى وعي ودراية بقيمتها، وهم عاملون مغبونون نفثوا غبنهم في الهيئة. فقد كُسرت مخازن العينات من قبل أشخاص يعرفونها، مخزن تلو آخر».

الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير (أ.ف.ب)

تخريب وإهمال

كما ظهر في فيديو «الدعم السريع» شخص عرّف نفسه بأنه فني بالهيئة اسمه فضل عبد الله، وقال: «أنا لم أغادر منزلي داخل الهيئة، وبشهادتنا وأمام أعيننا، تم تخريب الهيئة من سكان المناطق المحيطة بالهيئة». ووفقاً لتقارير صحافية صادرة في عام 2019، نقلها موقع «الراكوبة» الإلكتروني السوداني المستقل، في حينه، فإن بنك البذور والجينات، وهيئة البحوث الزراعية، كانا يعانيان منذ وقت طويل من الإهمال، الذي وصفه الموقع بـ«المخطط التدميري للمشروع»، الذي اشتغل عليه «نظام الإسلاميين» السابق، وأدى إلى تدهور مستوى البحث العلمي والإداري لهيئة البحوث الزراعية في مدينة «ود مدني»، بالإضافة إلى «تمكين» كوادر الإسلاميين ومؤيديهم من المناصب في الهيئة، دون مراعاة الكفاءة والمؤهل والخبرة، ما دفع أعداداً كبيرة من العلماء والخبراء إلى مغادرة البلاد.


مقالات ذات صلة

دفاعات الجيش السوداني تتصدى لمسيرات استهدفت الخرطوم

شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

دفاعات الجيش السوداني تتصدى لمسيرات استهدفت الخرطوم

أفادت تقارير بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدت لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق في مدينة أم درمان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

تجسّد قصص الأطفال صورة مصغرة لما تعيشه آلاف الأسر السودانية التي دفعتها الحرب إلى اللجوء، حيث بدأ الأطفال ينظرون إلى الوطن والانتماء والعودة بعيون مختلفة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان يلتقي المبعوث الأممي بيكا هافيستو في الخرطوم يوم الأحد (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يبحث مع مبعوث الأمم المتحدة جهود إنهاء الحرب في السودان

بحث رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي والقائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، الأحد في الخرطوم، مع المبعوث الأممي جهود إنهاء الحرب.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا حميدتي يقرع جرس الامتحانات الموازية في مدينة نيالا صباح الأحد (إعلام «تأسيس»)

امتحانات موازية في السودان تُعمّق مخاوف الانقسام

انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة «تأسيس» بدارفور وكردفان يثير مخاوف من ترسيخ الانقسام الإداري والسياسي في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
تحليل إخباري صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

تحليل إخباري سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

كشفت اجتماعات أديس أبابا عن أنَّ إنهاء الحرب في السودان، لا يمر فقط عبر وقف إطلاق النار، بل عبر مواجهة أسئلة سياسية أكثر تعقيداً، تتعلق بشكل الدولة وقوى البناء.

أحمد يونس (كمبالا)

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)
جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)
جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

أنهى مسؤول عسكري أميركي رفيع المستوى، اليوم الأربعاء، زيارة للجزائر دامت يومين، عقد خلالها لقاءات مع مسؤولين مدنيين وعسكريين محليين، تناولت برامج تمارين حربية مشتركة والأمن والإرهاب في منطقتي الساحل وغرب البحر الأبيض المتوسط.

الوفد العسكري الأميركي بقيادة الأميرال جورج ويكوف بمقر وزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

أجرى الأميرال جورج م. ويكوف، قائد القوات البحرية الأميركية في أوروبا وأفريقيا، زيارته الرسمية الأولى إلى الجزائر، حيث عقد مباحثات مع كبار المسؤولين العسكريين الجزائريين، بهدف تعزيز العلاقات على أعلى المستويات، والخروج بخريطة طريق واضحة وملموسة لمواصلة العمل المشترك، حسب ما رشح من مباحثاته مع كبار مسؤولي وزارة الدفاع الجزائرية، وعلى رأسهم الوزير المنتدب للدفاع، ورئيس أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة.

وفي مقابلة مع صحيفة «الوطن» الجزائرية، نشرت اليوم الأربعاء، أوضح الأميرال الأميركي أن زيارته تهدف إلى الاستماع المباشر لوجهات النظر الجزائرية، ومناقشة آليات تثبيت شراكة مستقرة وموثوقة، إلى جانب المشاركة في احتفالات السفارة الأميركية بالذكرى الـ250 للاستقلال الأميركي.

وأوضح المسؤول الأميركي أن هذه المناسبة «تكتسب أهمية خاصة بتزامنها في بلد يمتلك تاريخاً قوياً في السيادة والكرامة الوطنية، مما يجعلها فرصة لترسيخ قيم الاستقلال وتقرير المصير، وتأكيد شراكة مبنية على الاحترام المتبادل».

إشادة بـ«الاحترافية»

وصف القائد الأميركي العلاقات البحرية بين البلدين بأنها «مهنية وبناءة وتسير في اتجاه إيجابي، وتتجاوز الأنشطة الرمزية إلى خطوات أساسية تخدم الأمن البحري». وتتجلى هذه العلاقات، حسب تصريحاته، في خطوات ملموسة شملت توقف السفن في الموانئ، والتفاعلات في عرض البحر، وتبادل الخبرات بما يسهم في تعزيز المعرفة المتبادلة، وبناء الثقة بين البحارة والقيادات.

رئيس أركان الجيش الجزائري مع قائد القوات البحرية الأميركية في أوروبا وأفريقيا (وزارة الدفاع الجزائرية)

وأكد ويكوف أن الولايات المتحدة تعتبر الجزائر «فاعلاً إقليمياً بارزاً في مجال الأمن، وتحظى بالاعتراف بفضل احترافيتها وخبرتها الواسعة، لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب»، معرباً عن «تقدير بلاده لهذه الخبرة ورغبتها في توسيع التعاون العملي والمفيد للطرفين».

وفيما يخص فرص تعزيز التعاون مستقبلاً، يرى الأميرال ويكوف إمكانية توسيع التعاون في عدة مجالات بصورة عملية وملموسة، تتمثل في التمارين والتدريب، وتعزيز الجاهزية العملياتية عبر الأطر متعددة الأطراف، ويبرز هنا تمرين «فينيكس إكسبريس 2026» بوصفه نموذجاً مميزاً تثمن فيه واشنطن المشاركة الجزائرية القوية، حسب ويكوف. والتمرين هو مناورة بحرية دولية تنظم سنوياً بهدف تعزيز التعاون والأمن البحري، وتطوير قدرات المراقبة، واعتراض الأنشطة غير المشروعة في البحر المتوسط.

وزير خارجية الجزائر مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي (وزارة الخارجية الجزائرية)

كما أشار المسؤول العسكري نفسه إلى الابتكار والقدرات البحرية الناشئة، كأحد مجالات التعاون مع الجزائر، بالتركيز على تكنولوجيا الروبوتات البحرية والأنظمة المستقلة، التي تؤدي دوراً متزايداً في المهام المعاصرة، حيث يمثل التمرين فرصة لتبادل الآراء العملياتية في هذا المجال، وفق ما جاء في تصريحاته لـ«الوطن»، مبرزاً أهمية الاتصالات العسكرية المهنية، والتوسع في مشاورات قيادتي أركان الجيش في البلدين، وتبادل الخبراء، والتفاعلات البحرية المنتظمة، بالإضافة إلى بحث إمكانية زيادة زيارات السفن الحربية الأميركية للجزائر، وتكثيف التبادلات حول تطوير القدرات والتكنولوجيات الجديدة.

وبالحديث عن الجانب التنظيمي، أشار الأميرال إلى الأثر الملموس لمذكرة التفاهم العسكرية، الموقعة بين البلدين عام 2025، التي تؤطر التعاون الدفاعي.

شراكة مستدامة

أوضح الأميرال أن هذه الاتفاقية «أسست لإطار عمل واضح، ونقلت العلاقات من نوايا عامة إلى أنشطة مبرمجة ومستدامة». كما ساهمت، حسبه، في تحسين التنسيق بين القوات المسلحة، وضمان استمرارية العلاقات، وبناء قاعدة صلبة للتعاون العملي. مشدداً على أن هذه الاتفاقية «تعكس فهماً مشتركاً بأن الأمن والاستقرار هما الركيزتان الأساسيتان لتحقيق الازدهار والفرص على المدى الطويل، مما يساعد القوات البحرية على أداء دورها في تهيئة هذه الظروف عبر الاحترافية والجاهزية، والشراكة الموثوقة والمستدامة.

سفير الجزائر في واشنطن مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي (السفارة الأميركية بالجزائر)

من جانبه، أكد الفريق أول السعيد شنقريحة في كلمة أثناء استقباله أمس الثلاثاء، الأميرال ويكوف بمقر وزارة الدفاع، أن العلاقات العسكرية الثنائية «تشهد ديناميكية جديدة ومتصاعدة، لا سيما بعد التوقيع على مذكرة تفاهم 2025، وهو ما يتوافق مع إرادة البلدين في بناء شراكة استراتيجية، تقوم على الاحترام المتبادل والحفاظ على المصالح المشتركة».

وأبرز شنقريحة أن الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، وعلى رأسها الزيارة الأخيرة لقائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا في أبريل (نيسان) الماضي، «شكّلت محطة مهمة في مسار تطوير العلاقات الثنائية، من خلال تعزيز آليات الحوار الاستراتيجي، وتكثيف التنسيق حول التحديات الأمنية الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك».

بارجة عسكرية أميركية خلال توقفها في ميناء الجزائر في أكتوبر الماضي (وزارة الدفاع الجزائرية)

في السياق ذاته، أكد رئيس أركان الجيش أن الجزائر «تحرص على توطيد وتوسيع علاقات التعاون مع مختلف الدول، وهي متمسكة بثوابتها الراسخة، وفي مقدمتها مبدأ عدم الانحياز وصون استقلالية قرارها السيادي». وشدد على أن بلاده «ستبقى وفية لإرثها التاريخي، ومعتزة بسيادتها واستقلالها اللذين انتزعتهما بفضل التضحيات الجسام، التي قدمها الشعب الجزائري على امتداد مسيرة كفاحه الوطني من سنة 1830 إلى 1962».


الجنوب الليبي للخروج من «العزلة السياسية» بتكتل «نخب فزان»

اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

الجنوب الليبي للخروج من «العزلة السياسية» بتكتل «نخب فزان»

اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)

في خطوة تعكس حراكاً سياسياً متصاعداً في جنوب ليبيا، أعلن أكاديميون وباحثون وشخصيات اجتماعية ووطنية عن تأسيس «التجمع السياسي الوطني فزان»، في محاولة لإعادة تموضع الإقليم في المشهد الوطني، بعد سنوات من التهميش والصراعات التي جعلت الجنوب، وفق مؤسسي المبادرة، «ورقة تفاوض» أكثر منه شريكاً فاعلاً في» صناعة القرار.

ويأتي الإعلان في وقت تشهد فيه منطقة فزان حالة من الهدوء النسبي مقارنة بسنوات سابقة، وبالتوازي مع جهود قبلية ومجتمعية متواصلة لترسيخ المصالحة بين مكونات الإقليم، الذي يضم العرب والطوارق والتبو، ويُعدّ أحد الأقاليم التاريخية الثلاثة في ليبيا.

منظر للسيول الأخيرة التي ضربت مدينة غات بالجنوب الليبي الذي يشتكي التهميش (الهلال الأحمر الليبي)

وقالت رانيا الصيد، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن أهمية المبادرة تكمن في أنها تجمع للمرة الأولى مختلف التيارات السياسية والاجتماعية في فزان تحت إطار واحد.

وأضافت رانيا موضحة أن فزان شهدت خلال الأشهر الماضية «حواراً غير مسبوق جمع شخصيات تنتمي إلى اتجاهات سياسية وفكرية متباينة، من أنصار ثورة فبراير (شباط)، إلى شخصيات محسوبة على النظام السابق، وأنصار النظام الملكي ومستقلين، وتمكنا من الجلوس إلى طاولة واحدة، والاتفاق على تشخيص المشكلات، ووضع تصورات للحلول في إطار وطني».

ويشير البيان التأسيسي للتجمع، الذي صدر الثلاثاء ولم يحمل أسماء المشاركين فيه، إلى أن المشروع الجديد لا يحمل أي أبعاد انفصالية أو جهوية، بل ينطلق من التمسك بوحدة ليبيا وسيادتها، ويهدف إلى معالجة ما وصفه بـ«الاختلالات التنموية والسياسية التاريخية»، التي عانى منها الجنوب، عبر الحوار الوطني والعمل السلمي، وتقديم مبادرات تدعم الاستقرار وبناء الدولة.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

وشدد البيان على أن أبواب التجمع مفتوحة أمام جميع أبناء فزان بمختلف توجهاتهم، وانتماءاتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية، مع التأكيد على مبدأ الشراكة المتكافئة واحترام التنوع، بصفته أحد عناصر القوة في الإقليم.

ويُنظر إلى الحراك الجديد على أنه محاولة من نخب الجنوب للخروج من دائرة التهميش السياسي والاقتصادي، واستمرار الانقسام الذي اشتكى منه سكان فزان منذ سنوات، وتعثر المسارات السياسية المؤدية إلى انتخابات عامة.

وتشير الصيد إن الجنوب الليبي ظل لسنوات «ضحية للعزلة السياسية والصراع في البلاد»، مبرزة أن فزان استخدمت مراراً كورقة تفاوض بين الأطراف المتنافسة، من دون أن تحظى بتمثيل يعكس ثقلها الجغرافي والاستراتيجي.

كما أوضحت أن النخب المنضوية في التجمع «تسعى إلى تقديم مشروع وطني متوازن، يفتح باب المصالحة الوطنية، ويقوم على احترام الاختلاف السياسي وتوسيع دائرة المشاركة، بعيداً عن سياسات الإقصاء والعزل لبعض التيارات، التي أضعفت كثيراً من المبادرات السابقة».

ويعتقد متابعون أن هذه المبادرة هي بمثابة محاولة من قطاعات في فزان لتسجيل موطئ قدم في ترتيبات مرحلة انتقالية مرتقبة في ليبيا، خصوصاً بعد اقتراح الحوار المهيكل، الذي رعته الأمم المتحدة، ضرورة أن يتم اختيار الحكومة و«المجلس الرئاسي» المقبلين من بين أعضاء «لجنة الحوار»، لولاية محددة لا تزيد على عامين. بموازاة مبادرة منسوبة لواشنطن منذ أشهر لتقاسم السلطة بين الفاعلين الرئيسيين في شرق ليبيا وغربها.

يشتكي عدد كبير من سكان الجنوب الليبي من الافتقار للبنيات التحتية الضرورية (الشرق الأوسط)

كما تأتي هذه المبادرة بعد يوم واحد من الجدل، الذي أثاره إعلان عدد من بلديات المنطقة الغربية والوسطى إنشاء «إقليم الوسطى»؛ وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول الأقاليم التاريخية، وشكل الإدارة المحلية ومستقبل اللامركزية في ليبيا.

ورغم تأكيد مؤسسي «التجمع السياسي الوطني فزان» أن مبادرتهم لا تستهدف إنشاء كيان سياسي موازٍ، أو المطالبة بترتيبات خاصة للإقليم، فإنها تعكس اتجاهاً متنامياً لدى مناطق ليبية عدة نحو البحث عن أطر تنظيمية وسياسية، تعزز حضورها في معادلة السلطة والثروة، في ظل استمرار أزمة الدولة المركزية، وتعثر جهود التسوية الوطنية الشاملة.

بهذا الخصوص، يقول الباحث السياسي الليبي محمد الأمين إن «أي تجمع سياسي جاد في الجنوب لا بد أن يتجاوز البيانات والشعارات العامة، ويطرح رؤية عملية لمعالجة أزمات البنية التحتية والصحة، والتعليم والأمن والحدود والخدمات»، مؤكداً أن هذه الملفات «تمثل جوهر مطالب السكان وأساس أي تغيير حقيقي ومستدام».

كما يأتي تأسيس التجمع بالتوازي مع تحركات يقودها «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» لتعزيز السلم الاجتماعي في المنطقة، حيث ناقش رئيس المجلس، الشيخ إبراهيم أبو بكر نصر، خلال اجتماع مع لجنة المصالحة، الثلاثاء، آليات توسيع جهود المصالحة، وتشكيل لجان فرعية في مختلف المناطق لمعالجة النزاعات المحلية، وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش.

وأكد نصر أن حالة الاستقرار النسبي، التي تشهدها فزان حالياً، هي ثمرة لتكاتف أبناء المنطقة وجهود المؤسسات الوطنية، داعياً إلى البناء على هذا المناخ لتعزيز الأمن والتنمية.


الاعتداءات على دول الخليج... عائق في مسار تطور العلاقات المصرية - الإيرانية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

الاعتداءات على دول الخليج... عائق في مسار تطور العلاقات المصرية - الإيرانية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

بينما كانت العلاقات المصرية - الإيرانية تتخذ على مدى العامين الماضيين مساراً تصاعدياً نحو استعادة العلاقات الكاملة، يبدو الآن أن حرب إيران الحالية وما تبعها من اعتداءات نفذتها على دول خليجية تعرقل هذا المسار إلى حد بعيد؛ إذ ترى فيها مصر مخالفة أحد أهم اشتراطاتها لعودة العلاقات كاملة، وهو عدم تهديد أمن الخليج والمنطقة.

وعبْر أكثر من بيان وتصريح رسمي، أدانت مصر بشدة الهجمات والاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج العربي، عادَّةً إياها تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة الدول، وتهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها.

وفي أحدث هذه المواقف أدانت مصر، الأربعاء، بـ«أشد العبارات الهجمات الإيرانية الآثمة التي استهدفت المملكة الأردنية ومملكة البحرين ودولة الكويت، والتي تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة هذه الدول الشقيقة وسلامة أراضيها، وتصعيداً بالغ الخطورة من شأنه تهديد أمن واستقرار المنطقة بأسرها»، وفق بيان لوزارة خارجيتها.

وشددت مصر على أن «أمن الدول العربية الشقيقة واستقرارها يمثلان جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي»، مجددة رفضها القاطع لأي أعمال أو ممارسات تستهدف المساس بسيادة الدول أو تهديد أمنها وسلامة أراضيها، ومؤكدة أهمية خفض التصعيد واحترام قواعد القانون الدولي بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة.

أما إيران، فتبذل من جانبها جهوداً لاستعادة مسار تطور العلاقات مع مصر. وأعلنت بعثتها بالقاهرة، الاثنين، عن انعقاد لقاء في طهران بين وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة مجتبى فردوسي لبحث مسار العلاقات مع مصر.

وأوضحت في بيان أن فردوسي استعرض خلال اللقاء آخر تطورات العلاقات الثنائية، إلى جانب مسار الاتصالات السياسية والتعاون بين البلدين في عدد من المجالات.

الرئيسان المصري والإيراني ووفدا البلدين على هامش قمة «بريكس» في روسيا أكتوبر 2024 (الرئاسة المصرية)

ووفق البعثة، أكد عراقجي أهمية مواصلة المشاورات الثنائية، وقال إن العلاقات المصرية - الإيرانية شهدت تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، وإن «الحوار والتشاور المستمرين بين القاهرة وطهران يمثلان ركيزة مهمة لدعم جهود السلام والاستقرار في الشرق الأوسط».

«الحد الأدنى»

كانت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قد انقطعت عام 1979 قبل أن تُستأنف بعد 11 عاماً، لكن على مستوى القائم بالأعمال. وشهد العامان الماضيان لقاءات بين وزراء مصريين وإيرانيين في مناسبات عدة لبحث إمكانية تطوير العلاقات، وهو الأمر الذي حدث بالفعل في مايو (أيار) 2023 بتوجيه رئاسي إيراني لوزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر.

كما انعقدت لقاءات على مستوى وزراء الخارجية، إلى جانب لقاءات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس إيران الراحل إبراهيم رئيسي، ورئيسها الحالي مسعود بزشكيان.

وعن إمكانية تطوير العلاقات بين البلدين في الوقت الحالي، قال وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي: «لا مجال للحديث الآن عن تطور في العلاقات المصرية - الإيرانية؛ فالمنطقة في حالة اضطراب تدفع فقط إلى الحفاظ عن الحد الأدنى من العلاقات؛ حتى يمكن إدارة الموقف وتخفيض حدة التوتر ووقف التصعيد».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر حالياً ليس بالزخم الذي تدَّعيه طهران، فهناك اتصالات وتشاور بالتأكيد، لكن بغرض التعامل الصريح مع المخاوف التي قد تزيد من انفلات الأوضاع في الإقليم، وليس بهدف توطيد العلاقات؛ فمصر ترفض اعتداءات إيران على دول الخليج وأدانت هذا العدوان بشدة، وهي الرسالة التي وصلت إيران التي تسعى حالياً في المقابل لاستعادة التقارب السابق على الحرب».

وزير الخارجية المصري خلال استقبال نظيره الإيراني بالقاهرة سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

ويقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة القاهرة طارق فهمي: «القاهرة من حيث المبدأ خلال الفترة التي سبقت الحرب كانت تقترب بحذر من الجانب الإيراني؛ لأن مصر كانت تفتقد الثقة في إيران بمراحل وفترات زمنية معينة. حتى حينما تجاوبت إيران وغيَّرت اسم شارع الإسلامبولي، قاتِل الرئيس أنور السادات، فإن جميع التأكيدات المصرية كانت تقول إن هذا ليس أساس المطالب المصرية لاستعادة العلاقات مع إيران، لكن هناك متطلبات سياسية وأمنية تتعلق بأمن المنطقة، في مقدمتها دول الخليج وعدم التدخل في شؤون الدول العربية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رغم التعهدات الإيرانية بتقديم حسن النية والعمل على تنفيذ المتطلبات المصرية؛ وهو ما دفع العلاقات في مسار التقدم بعض الشيء، جاءت الحرب الإيرانية وما تبعها من صواريخ وجَّهتها إيران نحو دول الخليج، فكانت مصر بطبيعة الحال تقف مع أمن دول الخليج».

«الرسالة وصلت»

وفي اتصالين هاتفيين مع الرئيس الإيراني، في مارس (أذار) ومايو (أيار) الماضيين، شدد السيسي على رفض بلاده القاطع لأي انتهاك لسيادة دول الخليج.

وقال فهمي: «الرسالة وصلت إيران وانتبهت لها، وهي تعمل حالياً على معالجة الأمر لمحاولة استعادة مسار العلاقات مع القاهرة مرة أخرى».

ويرى فهمي أن إيران تريد أن تكون مصر أحد الأطراف الرئيسية في أي تفاوض حالي ومستقبلي مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية «لما لها من مصداقية وانفتاح على الجميع؛ فطهران تعلم أن مسار مفاوضاتها لا يمكن أن يعتمد على باكستان فقط، فضلاً عن رؤيتها لمصر ضابطاً رئيسياً للاستقرار والأمن في المنطقة».

ورغم ذلك، لا يتوقع فهمي أن تعيد القاهرة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع طهران ما لم تلتزم بتحقيق متطلباتها واشتراطاتها. واختتم حديثه قائلاً: «ولن تفعل مصر ذلك إلا في ضوء تحقيق التوازن والاستقرار بمنطقة الخليج والمنطقة ككل».