مصدر أردني: قدمنا معلومات عن مواقع تصنيع المخدرات والمهربين للجانب السوري... ولم يتحرك

قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يمكن التعامل مع الأمر بـ«حسن النيات»

أنقاض مبنى مدمر عقب غارة جوية أردنية على السويداء جنوب سوريا الخميس (رويترز - السويداء 24)
أنقاض مبنى مدمر عقب غارة جوية أردنية على السويداء جنوب سوريا الخميس (رويترز - السويداء 24)
TT

مصدر أردني: قدمنا معلومات عن مواقع تصنيع المخدرات والمهربين للجانب السوري... ولم يتحرك

أنقاض مبنى مدمر عقب غارة جوية أردنية على السويداء جنوب سوريا الخميس (رويترز - السويداء 24)
أنقاض مبنى مدمر عقب غارة جوية أردنية على السويداء جنوب سوريا الخميس (رويترز - السويداء 24)

لم تأخذ عمّان التصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية السورية على «محمل الجد»، وذهبت مصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البيان الرسمي السوري جاء «تبريراً لإخفاق مؤسسات النظام، وعدم جديتها في تنفيذ ما جرى التوافق عليه خلال الاجتماعات الأمنية التي انطلقت منذ صيف العام الماضي، وجاءت ضمن مستويات فنية متخصصة، لكن شيئاً منها لم ينعكس على مستوى ضبط عمليات التهريب ومحاولات الميليشيات القادمة من الأراضي السورية التسلل عبر الحدود».

وقللت المصادر الأردنية من أهمية التصريحات السورية التي عدّتها «محاولة لاحتواء غضب» مناطق الجنوب السوري من عشائر ومجموعات سكانية، تتهم «النظام السوري بالتحالف ودعم ميليشيات تهريب المخدرات نحو الأردن، وأن الجهات المحسوبة على النظام تغامر بأمن وسلامة السكان المدنيين، وأن تلك أزمة سورية داخلية».

مخدرات وأسلحة مهربة عبر الحدود السورية الأردنية (القوات المسلحة الأردنية)

لكن المصادر نفسها تابعت، وذكرت أنه «من حق الأردن الدفاع عن حدوده، خصوصاً بعدما أعلن الجيش تغيير قواعد الاشتباك مع قوافل المهربين».

وفي السياق نفسه، أكد مصدر سياسي أردني مطّلع في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان الرسمي السوري جاء مشبعاً بـ«المغالطات حتى لا أقول أكاذيب»، مشدداً على أن الجانب السوري لم «يلتزم بتطبيق ما خلصت إليه سلسلة اجتماعات أمنية بين الطرفين وما خرج عنها من توصيات، وأن جميع ما جرى التوافق عليه لم ينفذه السوريون، بعد تردد واضح وتباطؤ في تنفيذ وعودهم». وشدد المصدر على أن الأجهزة العسكرية والأمنية الأردنية قدمت للسوريين «معلومات كاملة عن مواقع تصنيع المخدرات وعناوين لمهربين، لكن الجانب السوري لم يحرك ساكناً على مدى الأشهر الماضية، وهو ما لا يمكن التعامل معه بحسن نيات».

أنقاض مبنى مدمر عقب غارة جوية أردنية على السويداء جنوب سوريا الخميس (رويترز - السويداء 24)

وذهب مصدر حكومي أردني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إلى رغبة بلاده «في أن يمارس النظام السوري سيادته وسيطرته على أرضه، وأن يضع حداً لفوضى تصنيع المخدرات في الجنوب السوري». وقال إن عمّان تحاول بجدية دعم استقرار الحدود، ووقف تدفق المخدرات من خلال إجراءات دفاعية وأخرى وقائية، مضيفاً أن عمّان «لا تريد إحراج السوريين الذين ظهروا كأنهم رعاة لميليشيات إيرانية تبعث برسائل القلق عبر الحدود». وجاء البيان الرسمي السوري في ظل إصرار أردني على موقفه الدفاعي في الرد على هجمات عصابات المخدرات القادمة من الداخل السوري، وتنفي المصادر الرسمية حدوث أي عمليات عسكرية لـ«الجيش العربي» في الجنوب السوري، كما ترفض عمّان التعليق على الأنباء المتداولة على نطاق واسع عن تنفيذ 4 طلعات جوية لسلاح الجو الأردني استهدفت مصانع مخدرات في درعا والسويداء.

طائرة مسيّرة آتية من سوريا تحمل مخدرات أسقطها الجيش الأردني في يوليو الماضي (رويترز)

وكانت «الشرق الأوسط» قد نشرت قبل أيام تقريراً عن نقطة التحول في مواجهة خطر عصابات تهريب المخدرات المدعومة من ميليشيات إيرانية ووحدات عسكرية محسوبة على النظام السوري، وأخرى تابعة لماهر الأسد شقيق الرئيس بشار الأسد، في ظل ما واجهته القوات المسلحة الأردنية من هجمات متزامنة من المهربين تحت غطاء السلاح.

وقد ألقى الجيش أواسط ديسمبر (كانون الأول) القبض على 9 مهربين وقتل آخرين، ومع هذا «الصيد الثمين» بدأت تتكشف مع اعترافاتهم خيوط عمليات تهريب منظمة لها حواضن في مناطق شرق البلاد، الأمر الذي استدعى تنفيذ عمليات عسكرية نوعية أسفرت عن إلقاء القبض على مجرمين مصنفين خطرين، وكميات ضخمة من المواد المخدرة والأسلحة.

المهربون المحليون المتعاونون مع عصابات في جنوب سوريا (القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي)

وفي مطلع الشهر الحالي، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على 15 مهرباً ومجرماً، وقُتل 5 آخرون، تبعتها بأيام قليلة عملية نوعية لـ«قوة خاصة» داهمت أوكار مهربين وتجار قبضت خلالها على 7 ممن يرتبطون بالعصابات، في حين تحدثت معلومات لم يتسنّ التحقق منها عن أسماء رجال أعمال أردنيين ومحسوبين على الطبقات السياسية تدور حولهم شبهات التعاون مع ميليشيات التهريب.

إضافة إلى ذلك، من المرجح، وفق مصادر مطلعة، أن يستمع الأردنيون خلال أيام إلى جانب من اعترافات المهربين القادمين من الداخل السوري والتي ستكون كاشفة لحجم عمليات التهريب، وخطورة الاستهداف المستمر للحدود الأردنية التي تصل إلى 375 كيلومتراً طولاً مع الجارة الشمالية، كما ستكشف تلك الاعترافات جانباً من اقتصاد المخدرات المحمي من مؤسسات نظامية سورية والذي صار يمتلك مصانع وقوافل وجيشاً من المتعاونين، ويدر أموالاً طائلة مشكّلاً اقتصاداً موازياً للاقتصاد التقليدي الناشئ عن القطاعات العاملة.

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

بلجيكا تكشف عن «حجم مخيف» لتجارة المخدرات بالرسائل المشفرة

أوروبا رسائل الهاتف المشفرة تُستخدم في تجارة الكوكايين بالأخص (رويترز)

بلجيكا تكشف عن «حجم مخيف» لتجارة المخدرات بالرسائل المشفرة

أعلنت سلطات بلجيكا، الجمعة، التعرف على هويات 5 آلاف مشتبه بهم، وتوقيفات في دبي والمغرب ومنطقة البلقان، في تحقيق ضد مستخدمي رسائل الهاتف المشفرة بتجارة المخدرات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق الأمير هاري وزوجته ميغان يزوران مركز الملك حسين للسرطان برفقة وفد من منظمة الصحة العالمية في عمّان (رويترز)

رسالة الأمير هاري للمتعافين: لا عيب في الإدمان... «شاركوا شجاعتكم»

في إطار زياراته الإنسانية للأردن، وجّه الأمير البريطاني هاري رسالة تضامن واضحة إلى المتعافين، مؤكداً أن الإدمان ليس وصمة عار، بل تحدٍ يمكن تجاوزه بالإرادة.

«الشرق الأوسط» (عمان)
الولايات المتحدة​ جندي يظهر بجانب مركبة متفحمة بعد إضرام النار فيها بولاية ميتشواكان المكسيكية في أعقاب وفاة زعيم أحد الكارتلات (أ.ب)

10 ملايين دولار... مكافأة أميركية للقبض على شقيقين يقودان عصابة «سينالوا»

كشفت وزارة الخارجية الأميركية أمس إنها ستدفع ما يصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال أو إدانة شقيقين تم تحديدهما كزعيمين لعصابة «سينالوا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص توزيع مساعدات إنسانية لنحو 800 عائلة من الوافدين في عدة قرى بريف السويداء الثلاثاء (سانا)

خاص دمشق لتطبيق سيناريو الشمال على السويداء خلال شهرين وحرص على «اندماج سلمي»

مسؤول: ستكون هناك خصوصية إدارية للسويداء، إضافة إلى استكمال تطبيق «خريطة الطريق» التي تم الاتفاق عليها بين الدولة السورية والولايات المتحدة والأردن

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الورشات الفنية والهندسية تواصل تنفيذ مشروع تأهيل مطار دير الزور المدني (الهيئة العامة للطيران المدني السوري)

الاتحاد الأوروبي يدرس تعديل نظام العقوبات على سوريا دعماً للمرحلة الانتقالية

يتضمن المقترح استهداف جماعات مسلحة، ومنتهكي حقوق الإنسان، وأطرافاً فاعلة متورطة في الفساد المرتبط بإعادة الإعمار

«الشرق الأوسط» (لندن)

«فصيل عراقي» يعلن قصف قاعدة للجيش الأميركي في مطار بغداد

متظاهر في بغداد يحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بعد إعلان مقتله (رويترز)
متظاهر في بغداد يحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بعد إعلان مقتله (رويترز)
TT

«فصيل عراقي» يعلن قصف قاعدة للجيش الأميركي في مطار بغداد

متظاهر في بغداد يحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بعد إعلان مقتله (رويترز)
متظاهر في بغداد يحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بعد إعلان مقتله (رويترز)

أعلن فصيل عراقي يعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم (الاثنين)، أنه شنت هجوما بسرب من الطائرات المسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلح في بيان، أنه «التزاما منا بتكليفنا الشرعي وقصاصا للقائد علي الخامنئي ودعما للجمهورية الإسلامية الإيرانية نفذ مجاهدونا اليوم الاثنين هجوما بسرب من الطائرات المسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».

وكانت سرايا أولياء الدم أعلنت الليلة الماضية قصف مواقع أمريكية في مدينة أربيل في إقليم كردستان.


رحيل البريطاني بول كونروي... شاهد العيان على «مجزرة الصحافيين» في بابا عمرو

الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
TT

رحيل البريطاني بول كونروي... شاهد العيان على «مجزرة الصحافيين» في بابا عمرو

الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)

عاد اسم المصوّر الصحافي البريطاني بول كونروي إلى الواجهة، مع استعادة واحدة من أبرز التجارب الإعلامية التي وثّقت مرحلة مفصلية من تاريخ الثورة السورية، وذلك بعد رحيله، أمس (السبت)، عن عمر ناهز 61 عاماً إثر أزمة قلبية مفاجئة، ومسيرة حافلة في تغطية أخطر الحروب، وبؤر الصراع حول العالم، مثل البلقان، ليبيا، سوريا، أوكرانيا، وغيرها.

استحضار تجربة كونروي اليوم لا يأتي من باب التوثيق فقط، بل بوصفها شهادة حية على الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحقّ المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، حتى الصحافيون الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكشف الحقيقة، حيث كانت مهمته الصحافية أكثر من مجرد توثيق، كانت مواجهة مباشرة مع آلة القتل، ومحاولة لإيصال الحقيقة إلى العالم رغم الحصار والقصف والتهديد الدائم للحياة، بحسب وكالة «سانا» الرسمية.

المصوّر الصحافي البريطاني بول كونروي رحل عن 61 عاماً إثر أزمة قلبية (إكس)

كونروي كان واحداً من القلائل الذين تمكنوا من دخول حي بابا عمرو في مدينة حمص عام 2012، في وقت كانت فيه الصورة تحاصر كما البشر، وكان الوصول إلى الحقيقة محفوفاً بالموت.

هناك، تحولت مهمته الصحافية إلى مواجهة مباشرة مع آلة القتل، حين تعرض المركز الإعلامي الذي كان يعمل فيه لقصف، أسفر عن مقتل الصحافية الأميركية ماري كولفن، والمصور الفرنسي ريمي أوشليك، فيما أُصيب هو، ونجا لاحقاً بعد إخراجه إلى لبنان في عملية معقدة، شارك فيها ناشطون، وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.

توثيق الجرائم... من قلب حمص

لم يكن ما وثّقه كونروي في بابا عمرو مجرد مشاهد حرب، بل دلائل حية على حجم الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق المدنيين. ووصف كونروي بعد خروجه القصف على حمص بأنه يشبه مذبحة سربرنيتسا (في البوسنة)، «مذبحة عشوائية للرجال والنساء والأطفال»، مشيراً إلى أن آلاف المدنيين ظلوا محاصرين بلا كهرباء أو ماء، وبقليل من الطعام، وسط البرد وتساقط الثلوج.

بول كونروي الصحافي البريطاني يرفع علم الثورة السورية من أمام السفارة السورية في لندن رفقة متظاهرين عام 2012

وقال كونروي وقتها من غرفته في مستشفى لندن: «كيف سمحنا لهذا أن يحدث؟ إنهم يموتون وهم بحاجة إلى المساعدة»، ودعا المجتمع الدولي إلى التدخل لإنقاذ سكان سوريا مما ينتظرهم، لتظل شهادته إحدى أكثر الروايات تأثيراً في نقل معاناة المدنيين إلى العالم.

وفي تلك المرحلة، شكّلت الصور والشهادات التي خرجت من حمص عنصراً أساسياً في كسر العزلة الإعلامية التي حاول النظام البائد فرضها، وكشفت حجم المعاناة الإنسانية الحقيقية.

محاولة لإسكات الحقيقة

في المكان ذاته الذي سقط فيه عدد من الصحافيين، كان استهداف الإعلاميين رسالة واضحة: إسكات الصورة، ومنع الحقيقة من الوصول إلى الرأي العام الدولي.

غير أن تلك المحاولة لم تنجح، إذ تحولت حادثة قصف المركز الإعلامي إلى نقطة تحول في مسار التغطية الإعلامية للأحداث، وساهمت في تسليط الضوء على الانتهاكات التي ارتكبت بحقّ الصحافيين والمدنيين على حد سواء.

بول كونروي أصدر كتاباً في بريطانيا عن تجربته في حي بابا عمرو بسوريا رفقة زميلته الصحافية الفرنسية الأميركية ماري كولفن التي قضت في المجزرة التي ارتكبها نظام الأسد بحق الصحافيين في حمص 2012

بعد خروجه من حمص، لم تتوقف رواية كونروي عند حدود التجربة الشخصية، بل استمر في نقل شهادته عبر وسائل الإعلام والمنابر المختلفة، مستنداً إلى ما عايشه ميدانياً، ومسلطاً الضوء على الانتهاكات التي شهدها.

وشكّلت هذه الشهادات جزءاً من السردية التي نقلت معاناة السوريين إلى الخارج، وأسهمت في إبقاء القضية حاضرة في النقاشات الإعلامية والسياسية على المستوى الدولي.

مسارات العدالة الدولية

ومع مرور السنوات، عادت حادثة استهداف المركز الإعلامي في بابا عمرو إلى الواجهة، في سياق المسارات القضائية الدولية، حيث أصدر القضاء الفرنسي مذكرات توقيف بحقّ عدد من مسؤولي النظام البائد، على خلفية استهداف الصحافيين.

وتعكس هذه الخطوات استمرار الجهود الرامية إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، والتأكيد على أن استهداف المدنيين والصحافيين لا يمكن أن يمر دون مساءلة.

بين العدسة والرحيل... شهادة لا تموت

رحل المصور الصحافي بول كونروي، لكن إرثه باقٍ، حيث لم تكن عدسته مجرد أداة لتوثيق الأحداث، بل كانت صوتاً يصرخ بالحقيقة حين حاول النظام البائد طمسها، ووسيلة لإنقاذ الإنسانية في لحظات كان الموت فيها قريباً من كل زاوية.

في بابا عمرو، حيث قتل صحافيون ودمرت مبانٍ، ووسط القصف العشوائي الذي وصفه كونروي لاحقاً بـ«مذبحة للرجال والنساء والأطفال»، لم يخف من الاقتراب من الخطر، بل كان يركض نحوه لينقذ من يستطيع، مصوراً كل لحظة من الشجاعة والمعاناة والإنسانية.

صور وحكايات كونروي تبقى شاهدة على الحقائق التي حاول النظام البائد دفنها، وعلى الأطفال والنساء الذين عاشوا تحت الحصار والبرد والجوع، وعلى الصحافيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكشف الحقيقة.

رحل كونروي، لكن صوته يبقى: في كل صورة نجت، في كل شهادة بقيت حية، وفي كل ذكرى للمدنيين الذين وثق معاناتهم، شهادة لم تمت، لأنها حملت الحقيقة، والحقيقة تبقى حية.


الإسرائيليون استخدموا وسائل قديمة ضد إيران... وفوجئوا من نجاحها

صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
TT

الإسرائيليون استخدموا وسائل قديمة ضد إيران... وفوجئوا من نجاحها

صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)

على الرغم من قيود الرقابة العسكرية الشديدة، تتسرب للإعلام العبري والأجنبي معلومات عديدة تبين كيف دارت عمليات الإعداد للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكيف تحققت المفاجأة التي كان لها دور حاسم في توجيه الضربة الأولى القاصمة، بيد أن المعلومة الأهم في هذه التسريبات هي ما يكشفه الطيارون الإسرائيليون الذين نفذوا عمليات الاغتيال الأولى. فهؤلاء يتحدثون عن «مفاجأة حقيقية» من سهولة نجاحهم في تنفيذها.

ويقصد الطيارون، الذين تحدثوا إلى الإذاعة الرسمية، الأحد، الغارات الأولى التي استهلت بها إسرائيل عملياتها الحربية، والتي لم يعرف بعد مدى الخسائر الإيرانية فيها.

ونقلت الإذاعة الرسمية أنه تم إرسال الطيارين لتدمير 3 مواقع، يجتمع فيها أهم القادة العسكريين والأمنيين، ومعهم المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعادوا منها وقد اغتالوا معه 42 شخصية قيادية، بينهم وزير الدفاع عزيز نصير زاده، وهو نفسه صاحب خبرة عسكرية غنية، إذ كان قد تولى عدة مناصب عليا في الماضي، مثل قائد سلاح الجو ونائب رئيس أركان القوات المسلحة، كما كان مسؤولاً عن الصناعات التي تنتج صواريخ بعيدة المدى ووسائل قتالية نُقلت إلى حلفاء النظام، وكذلك عن منظمة «سبند» التي دفعت مشاريع في مجالات السلاح النووي والبيولوجي والكيميائي.

كما اغتالوا علي شمخاني، الأمين العام لمجلس الدفاع، الذي تعتبره إسرائيل «من أبرز صُنّاع القرار الأمني في إيران والمستشار الشخصي للمرشد الإيراني علي خامنئي للشؤون الأمنية» وتحمله مسؤولية البطش الشرس في قمع المظاهرات الأخيرة التي أدت إلى مقتل أكثر من 30 الفاً، ومحمد باكبور، قائد «الحرس الثوري» الذي تقول عنه إنه «يعد من العقول المدبرة لـ«خطة تدمير إسرائيل»، وصلاح أسدي، رئيس شعبة الاستخبارات في قيادة الطوارئ وكبير ضباط الاستخبارات في القيادة العليا للقوات الإيرانية، وغيرهم.

أما الأمر الذي فاجأ الإسرائيليين أنهم استخدموا الأدوات نفسها التي اعتمدوها في يونيو (حزيران) الماضي، خلال الجولة الأولى للحرب، التي أصبحت تعرف بـ«حرب الـ12 يوماً».

ففي حينه، تم رصد اجتماع لرئاسة أركان سلاح الجو الإيراني في طهران، وتم تفجير المكان وقتل غالبية الحاضرين، ومع ذلك فإن الإيرانيين لم يظهروا جدية في الإفادة من تلك التجربة. وتمكن الإسرائيليون من رصد تحركات هؤلاء القادة فرداً فرداً، طيلة 9 أشهر، عبر أجهزة التجسس البشرية والإلكترونية، ومن خلال العمليات التي يقودها عملاء الموساد، الذين أقاموا لهم فرعاً نشطاً داخل الأراضي الإيرانية يعمل على مدار 24 ساعة في اليوم.

دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية في طهران الثلاثاء 17 يونيو 2025 (نيويورك تايمز)

وتشير وسائل الإعلام العبرية إلى أن حجم الانكشاف ظهر في أن الإسرائيليين علموا بانعقاد 3 اجتماعات رفيعة المستوى في آن واحد، الثامنة من صبيحة السبت.

ويتضح أن الاجتماع الأهم، الذي جمع بين المرشد خامنئي وبين وزير الدفاع وغيره من القادة العسكريين، كان مقرراً مساء السبت، وفي سبيل التكتيك الأمني تم تبكيره إلى الثامنة صباحاً، وكانت إسرائيل على علم بذلك التغيير أيضاً، إذ إن طائراتها كانت تحلق في الجو عند موعد الاجتماع، وتم تحديد ساعة الصفر لحظة دخول خامنئي بالضبط.

متى اتخذ القرار؟

كشف تقرير لصحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتخذ قرار اللجوء إلى هذه الحرب فقط في يوم الجمعة، أي قبل يوم واحد من تنفيذ الهجوم المشترك مع إسرائيل، فبينما كانت التهديدات الأميركية لإيران تسير جنباً إلى جنب مع المفاوضات بين البلدين، حيث تلقى تقريراً من نائبه جي دي فانس، الذي كان تكلم لتوّه مع المبعوثين ستيف وتكوف وجارد كوشنير، بأن المفاوضين الإيرانيين يتخذون موقفاً عبثياً، وهدفهم بالأساس إطالة المفاوضات.

وبحسب الصحيفة، فإن ترمب أعطى عندها الأوامر، فانطلق الهجوم، الذي يجري الإعداد له منذ شهور طويلة، واتخذ طابعاً عملياً في 14 يناير (كانون الثاني) الماضي، إذ كان يرغب في شنّ الحرب في نهاية الشهر، لكن الضغوط العربية جعلته يعطي مهلة أخرى للمفاوضات.

وتابعت الصحيفة، نقلاً عن مصادرها، أنه «بعد شهر، وتحديداً في 18 فبراير (شباط)، حدّد ترمب لإيران 10 أيام لإنهاء المفاوضات بشكل ايجابي، لكنهم في طهران لم يفهموا الرسالة. وتصرفوا من خلال الاتفاق على استئناف المفاوضات الاثنين المقبل، تماماً كما حصل عشية الحرب في يونيو».

التوقيت

تقول إسرائيل إن توقيت الهجوم حدّدته عملياً إيران. وذلك أن المخابرات الإسرائيلية، نتيجة اختراقها العميق للدولة على اختلاف أجهزتها، حصلت على معلومة ذهبية عن 3 اجتماعات سيعقدها قادة إيرانيون في الثامنة من صبيحة السبت، 28 فبراير. واعتبرت توجيه ضربة قاضية وقاتلة على هذه الاجتماعات سيكون أفضل صدمة معنوية للقيادة الإيرانية.

ونظراً لأن البداية ستكون يوم السبت، فإن الردّ الإيراني سيأتي بأقل تأثير ممكن، على تل أبيب، حيث إنه يوم العطلة الأسبوعية، والإسرائيليون المتدينون يبقون في بيوتهم. فإذا سقطت صواريخ وشظايا ستصيب الحدّ الأدنى منهم.

الرمز

ولم تخلُ الحرب كعادة إسرائيل من رموز دينية، إذ إنها جاءت قبل يوم من عيد المساخر (البوريم) في إسرائيل، أو عيد الفرح والهزل.

ويرتبط «عيد المساخر» بشكل وطيد بإيران، إذ إن نشأته تعود إلى بلاد فارس القديمة. ويحكى أن الزعيم المهووس بالعظمة (هامان) كان يعمل مستشاراً لدى ملك فارس، أحشويروش، الذي لا يعتبر فذّاً في الذكاء، وكان همه الأساس المتع الشخصية وحفلات الطعام والشراب.

ووفق الرواية اليهودية، قد حرّض هامان ملكه على اليهود الأغنياء، وأقنعه بأن يسمح بذبحهم جميعاً، لكن تدخل مستشار آخر للملك، هو اليهودي موردخاي، وأجهض المؤامرة وأنقذ اليهود، بعدما أحضر للملك بنت أخيه الجميلة، إستير، التي كانت ملكة جمال، فأغرته وأقنعته بأن يعفو عن اليهود ويقتل هامان، وهو ما حدث، ومنذ ذلك الحين يقيم اليهود احتفالات يسخرون فيها من هامان وكل عدو آخر، ويرتدون ملابس تنكرية.