4 محاولات انقلابية في بوركينا فاسو... تصفية حسابات أم صراع أجنحة؟

إبراهيم تراوري انقلابي يعيش مع شبح الانقلابات

النقيب إبراهيم تراوري وسط حراسه (أرشيفية - رئاسة بوركينا فاسو)
النقيب إبراهيم تراوري وسط حراسه (أرشيفية - رئاسة بوركينا فاسو)
TT

4 محاولات انقلابية في بوركينا فاسو... تصفية حسابات أم صراع أجنحة؟

النقيب إبراهيم تراوري وسط حراسه (أرشيفية - رئاسة بوركينا فاسو)
النقيب إبراهيم تراوري وسط حراسه (أرشيفية - رئاسة بوركينا فاسو)

تشتعلُ الحرب على الإرهاب في شمال بوركينا فاسو، أما في العاصمة واغادوغو فتشتعل حرب صامتة بين أجنحة متصارعة على السلطة، تظهر بشكل متكرر في بيانات حكومية تعلن إحباط محاولات انقلابية للإطاحة بالرئيس الشاب النقيب إبراهيم تراوري (36 عاماً).

ولكن هذه المحاولات الانقلابية تثير الكثير من الشكوك، بسبب الغموض الكبير الذي يحيط بها، فمنذ أن وصل النقيب تراوري إلى السلطة بعد انقلاب عسكري ناجح نهاية سبتمبر (أيلول) 2022، جرى أربع محاولات فاشلة للإطاحة به، وهو رقم قياسي سجله في أقل من خمسة عشر شهراً.

كان آخر هذه المحاولات الانقلابية الفاشلة، تلك التي أعلنتها حكومة بوركينا فاسو الخميس الماضي، حين قالت إن شبكة خططت للإطاحة بالرئيس يوم 14 يناير (كانون الثاني) الجاري، وهي شبكة تتكون من عسكريين ومدنيين وناشطين وضباط مطرودين من الجيش.

رواية وحيدة

تثير الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها بوركينا فاسو، خاصة فيما يتعلق بمستوى الحريات، قلق العديد من متابعي أوضاع البلد الغرب أفريقي الحبيس. بين هؤلاء الصحافي إبراهيم الهريم الذي يتولى منذ سنوات تغطية الأحداث السياسية والأمنية في غرب أفريقيا، ولكنه يجد صعوبة في متابعة ما يجري في بوركينا فاسو.

يقول إبراهيم الهريم في حديث مع «الشرق الأوسط» إنّ «معرفة حقيقة ما يجري في بوركينا فاسو مهمة صعبة، بسبب تهديد السلطات لوسائل الإعلام، ضمن ما تسميه سياسة خلق (إعلام ذي توجه وطني)، وهو ما يعني عدم قدرة الإعلام الخاص على أن يكون موضوعياً، خشية إحراج السلطات، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات».

عناصر من جيش بوركينا فاسو (أرشيفية - رويترز)

ويوضح الهريم أنه لاحظ أن «الحديث عن المحاولات الانقلابية الأخيرة، جاء فقط من طرف الحكومة، التي تعلنها دون أدنى تسرب للمعلومات في وسائل الإعلام قبل ذلك. وهو ما يطرح تساؤلات، بالنسبة لي، حول هذه المحاولات، إن كانت فعلاً حقيقية، أم أنها مجرد ذر للرماد في عيون البوركينيين لإلهائهم عن المشاكل الحقيقية التي تواجهها البلاد».

ولكن الهريم يعود ليؤكد أن وجود رواية وحيدة صادرة عن الحكومة «لا ينفي وجود تذمر لدى بعض عناصر الجيش، وبعض القيادات من وضعهم، ومن قدرتهم على المواجهة في أرض المعركة، رغم أن تراوري منذ قدومه تعهد بتسليح الجيش وتمكينه من تأدية مهامه». ويخلص الهريم إلى أن «هذا التذمر قد لا يصل فعلياً إلى درجة التخطيط للانقلاب، وإن كانت الانقلابات في هذا الجزء من القارة لا تخضع لمنطق واضح».

شيطنة فرنسا

القاسم المشترك بين جميع المحاولات الانقلابية في بوركينا فاسو، هو أصابع الاتهام التي توجه بشكل غير مباشر إلى فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة التي خسرت الكثير من نفوذها في هذه المنطقة من العالم، لصالح قوى صاعدة مثل روسيا والولايات المتحدة والصين.

وفي بيان الخميس الماضي، قالت الحكومة إن منظمات من المجتمع المدني تلقت «تمويلات خارجية» لدعم الانقلاب، وهو ما عده إشارة لدور فرنسي خفي، على حد تعبير الصحافي إبراهيم الهريم.

ويضيف الهريم في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن السلطات وإن كانت لم تسم جهة معينة «فإن فرنسا تبدو الأقرب لأن تكون المتهمة، بعد تدهور علاقاتها ببوركينا فاسو منذ وصول تراوري إلى الحكم، والتقارب الكبير الذي بدأه مع روسيا، أو على الأقل هذا ما يتم تسويقه لدى داعمي تراوري الذين يسعون دوماً إلى شيطنة باريس، التي لها فعلاً تاريخ طويل من الوقوف خلف الانقلابات في أفريقيا».

ولعل من أشهر الانقلابات التي تتهم فرنسا بدعمها، كان عام 1987 في بوركينا فاسو، وقتل فيه رئيس البلاد آنذاك توماس سانكارا، وهو أشهر رئيس ثوري حكم البلاد، وتبنى سياسات اشتراكية مناهضة للغرب، وتوجه نحو التحالف مع الاتحاد السوفياتي. ويقدم اليوم النقيب إبراهيم تراوري على أنه الوريث الشرعي لسانكارا.

ورغم أن المسؤولين الفرنسيين كثيراً ما نفوا أي علاقة لهم بالأحداث الجارية في بوركينا فاسو، فإن بلادهم لا تزال حاضرة بشكل كبير في النقاش بين السياسيين في بوركينا فاسو، ويحملونها مسؤولية الأوضاع التي تعيشها بلادهم.

العقلُ المدبر

منذ أن أعلنت بوركينا فاسو إحباط محاولة انقلابية، والجميع يسأل عن عقلها المدبر، وهو السؤال الذي رد عليه الصحافي إبراهيم الهريم بالقول إن «السلطات لم تعلن بالتحديد عن العقل المدبر للمحاولة المزعومة الأخيرة، لكن القائد العام السابق للجيش إيفراد سومداه، هو أكثر اسم جرى تداوله، وخضع للتوقيف الأسبوع الماضي، وقبل ذلك شُطب اسمه من الجيش».

جنود بوركينا فاسو يحرسون مدخل محطة التلفزيون الوطنية في العاصمة واغادوغو الاثنين 24 يناير 2022 (أ.ب)

ويضيف الهريم: «هناك قيادات أخرى في الجيش برتب أدنى، وهناك أيضاً مدنيون على رأسهم وزيرة الخارجية السابقة التي أقيلت منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وتقول وسائل إعلام إن إقالتها لها علاقة مباشرة بمحاولة الانقلاب المزعومة، حيث يتهمها تراوري بالتواطؤ وبأن لها اتصالات مع القائد السابق للجيش وعسكريين آخرين».

يشير الهريم إلى أنه كثيراً ما تنتشر الشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي بالتزامن مع أي محاولة انقلابية في بوركينا فاسو، وهو ما حدث قبل أسابيع من إعلان تشكيلة الحكومة الجديدة، «لكن أغلب المتابعين لم يهتموا لها، وبالتالي بقيت مجرّد شائعات، إلا أن تحركات السلطات الأخيرة والإقالات والتوقيفات، جعلت البوركينيين يظنون أن شيئاً ما يحدث».

ولكن الصحافي الذي يغطّي منذ سنوات الأحداث السياسية والأمنية في غرب أفريقيا، يشير إلى أن المحاولة الانقلابية الأخيرة «لم يكن لها صدى كبير، خارج محيط داعمي تراوري، فلم تهتم بها سوى حركات مجتمع مدني ولدت مع وصول تراوري إلى السلطة، وتطلق على نفسها اسم (حماة تراوري) الذي ترى فيه سانكارا جديداً».

سانكارا جديد؟

أغلب أنصار النقيب إبراهيم تراوري هم مجموعة من الشباب المتحمسين والشعوبيين، الذين انخرطوا في منظّمات تعقد أنشطة وتنظم مسيرات لدعم الرجل الذي ترى فيه «القائد الشاب الطموح الذي تحتاجه بوركينا وفاسو، وسيخرجها من مستنقع العنف والفوضى ويضعها على جادة البناء»، على حد تعبير إبراهيم الهريم.

ولكن الهريم يشير إلى أنه «في ظل صمت الأغلبية العظمى من الشعب في بوركينا فاسو، يرى بعض النخبة أن في ذلك غلواً، لأن تراوري يلعب على وتر الشعبوية من أجل خلق مناخ يطبعه الخوف؛ الخوف من عودة الفوضى في حال سقط أو خرج، والخوف من (أذرع) فرنسا والغرب الذين يريدون إعادة البلاد إلى ما يصفونه بعصر الظلام والإذعان للمستعمر».

وفي هذا السياق المشحون بالعاطفة، يتم الترويج لفكرة أنه من غير المستبعد أن تتم تصفية تراوري كما حدث مع سانكارا قبل 36 عاماً، في انقلاب عسكري نفذه رفيقه في السلاح بليز كومباوري، بدعم من فرنسا. وهنا يقول الصحافي إبراهيم الهريم في ختام حديثه مع «الشرق الأوسط»: «عموماً جيش بوركينا فاسو جيش منقسم، وإن بدا خلاف ذلك، وتراوري في رأيي يحركه قادة في الجيش، وبعض الضباط الذين يرون أن بقاءه في السلطة يخدم مصالحهم».


مقالات ذات صلة

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) p-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) p-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) p-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)

القوات النيجيرية تتصدى لأول هجوم كبير على مايدوغوري منذ سنوات

سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (أرشيف - رويترز)
سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (أرشيف - رويترز)
TT

القوات النيجيرية تتصدى لأول هجوم كبير على مايدوغوري منذ سنوات

سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (أرشيف - رويترز)
سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (أرشيف - رويترز)

هاجم مسلّحون، اليوم (الاثنين)، مركزاً عسكرياً في ضاحية مايدوغوري مركز ولاية بورنو بشمال شرقي نيجيريا، في أول هجوم من نوعه منذ سنوات.

وقال شاهد عيان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه رأى جثث أربعة مهاجمين. ولم تصدر السلطات التي تواجه تمرّداً لحركات مسلحة متشددة منذ 16 عاماً، أي حصيلة بعد.

وفي الفترة الأخيرة، كثّف مسلّحو جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «داعش» - ولاية غرب أفريقيا، هجماتهم على أهداف عسكرية ومدنية.

ووقع الهجوم نحو منتصف الليل في حي أجيلاري كروس في الضاحية الجنوبية الغربية لمايدوغوري التي تقع على مسافة بضعة كيلومترات من مطار المدينة.

وأفاد ناطق باسم خدمة الإسعاف في ولاية بورنو للوكالة عن «ورود تقارير عن هجوم لجهات مسلّحة خارجة عن الدولة» قام «الجيش بالتصدّي له».

وأكّد مسؤول في الشرطة أن «الهدوء عاد» إلى أجيلاري كروس، مشيراً إلى أن «الإرهابيين المفترضين نفذّوا هجوماً آخر بالتزامن (نحو الأولى فجراً) في دائرة دامبوا الواقعة على مسافة عشرات الكيلومترات في جنوب مايدوغوري. وتمّ التصدّي أيضاً لهذا الهجوم».

عاد الهدوء نسبياً إلى مايدوغوري في السنوات الأخيرة بعدما شهدت عمليات إطلاق نار وتفجيرات بلغت ذروتها في منتصف العشرية الثانية. ويعود آخر هجوم كبير فيها إلى عام 2021 عندما هاجم عناصر «بوكو حرام» بالمدفعية المدينة، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص.

ومنذ 2009، أسفرت الهجمات الدامية في شمال شرقي نيجيريا المنفّذة خصوصاً على أيدي «بوكو حرام» وتنظيم داعش، عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص ونزوح نحو مليونين، بحسب الأمم المتحدة.

وبالإضافة إلى «بوكو حرام»، تشكّلت مجموعات متطرفة في نيجيريا وتوسّعت رقعة الاضطرابات إلى النيجر وتشاد والكاميرون المجاورة.


قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)

تناولت قمة رئاسية بين قادة جيبوتي وإثيوبيا والصومال، تعقد للمرة الثانية خلال نحو 40 يوماً، ملفات مثار توتر في المنطقة، في حين فتحت الأبواب أمام تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي من جراء «سد النهضة» ورغبة إثيوبيا في منفذ على البحر الأحمر.

ونقلت «وكالة الأنباء الإثيوبية»، الخميس، صوراً للقاء الذي عُقد في جيبوتي، مشيرة إلى أن رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد أجري محادثات حول التعاون الإقليمي، من دون مزيد من التفاصيل.

وأفادت «وكالة الأنباء الصومالية»، بأن رئيس الصومال حسن شيخ محمود شارك أيضاً في القمة الثلاثية التي انعقدت الأربعاء، إلى جانب رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلي، مضيفةً أنها ركزت على تعزيز التنسيق المشترك، خاصة في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب.

كما بحث الاجتماع دعم جهود الصومال في مسار التحول الديمقراطي وتطوير الاستثمارات المشتركة، وتسهيل حركة التنقل بين دول المنطقة، وتعزيز مشاريع البنية التحتية الاقتصادية بما يدعم التكامل الإقليمي ويعزز فرص التنمية.

وهذه ثاني قمة خلال أقل من شهرين، إذ سبق أن اجتمع القادة الثلاثة يوم 31 يناير (كانون الثاني) الماضي في شرق إثيوبيا. ووقتها ذكرت «الوكالة الصومالية» أن الاجتماع بحث الوضع الأمني والسياسي في القرن الأفريقي، وسبل إيجاد حلول للتحديات القائمة وتعزيز التعاون الاقتصادي.

ترقب مصري

وقال مصدر مصري مطلع إن القاهرة «ترصد النشاط الإثيوبي بهذه المنطقة وتخشى محاولة استغلال تقلبات الأوضاع في الإقليم وانشغال العالم بحرب إيران لإعادة ترتيب النفوذ».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «المهم لدينا أن ردود فعل جيبوتي والصومال تتسق مع ما تم الاتفاق عليه بشأن رفض هيمنة أديس أبابا»، مستدركاً: «هذا لا يعني تدخلاً مصرياً في العلاقات بين هذه الدول، لكن فكرة الهيمنة والتوغل مرفوضة من جانب مصر، وسنرى ما يترتب على القمة».

ولا يتوقع خبراء مصريون أن تسفر القمة عن تحالف، بل عن تعاون ثلاثي وتعظيم للمصالح على حساب الخلافات التي كانت مشتعلة العامين الماضيين بين إثيوبيا والصومال.

وشهدت منطقة القرن الأفريقي قمماً لافتة وسط توتر كبير بالمنطقة، كانت أبرزها قمة رئاسية صومالية - مصرية - إريترية في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في ظل توتر بين مقديشو وأديس أبابا على خلفية الخلاف على السيطرة على ميناء متنازع عليه. وأكد البلدان الثلاثة على «التحالف في مواجهة التحديات والتهديدات بالمنطقة».

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وفي اعتقاد نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق صلاح حليمة، فإن القمة «لا ترقى لوصف تحالف جديد، والواقع يقول إنه تعاون ثلاثي بين دول بالمنطقة، ومساعٍ لتنسيق يدور بشكل أساسي حول ملفات حيوية في مقدمتها مكافحة الإرهاب، وتطوير سبل التعاون في مجالات الاستثمار المختلفة والأوضاع الداخلية».

وأضاف: «الموضوعات التي تناولتها القمة تدفع كما تقول إلى تحقيق الأمن والاستقرار ودفع عملية التنمية المشتركة، ولا تشير لتحالف حتى الآن؛ وهو توجه لا يتعارض مع التوجهات المصرية التي تهدف بدورها إلى شيوع السلام في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن ثمّ تعزيز العلاقات بين دول الجوار».

يتفق معه عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق رخا أحمد حسن، الذي يشير إلى أن القمة تأتي في إطار تعزيز المصالح المشتركة بدلاً من الخلافات، لا سيما بين الصومال وإثيوبيا.

تحركات إثيوبية

وقبل تلك القمة الأولى بنحو 10 أيام، زار آبي أحمد جيبوتي، التي عرضت عليه قبل نحو عامين صفقة للوصول إلى منفذ بحري. وركز رئيس الوزراء الإثيوبي على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر منذ أكثر من عام بسبب تمسكه بوجود منفذ على البحر الأحمر لبلاده في ظل رفض مصر والدول المشاطئة.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود؛ ما جعلها تعتمد على مواني جيرانها. وهي تعتمد في الأساس على ميناء جيبوتي الذي يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية، وتدفع رسوماً سنوية كبيرة مقابل هذه الخدمات اللوجيستية التي تُدرّ دخلاً ضخماً على جيبوتي.

 

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى جيبوتي يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الصومالية)

واستبعد السفير حليمة أن يكون التحرك الأخير جزءاً من ترتيبات تخص ملف النفاذ الإثيوبي للبحر الأحمر، موضحاً أن مسألة المنفذ البحري تُناقش عادة في إطار اتفاقيات دولية بين دولتين، وليس كشأن إقليمي داخل دولة واحدة.

وفيما يتعلق بالصومال، قال إنها تتحرك وفق استراتيجية تهدف لتحقيق أمنها واستقرارها وتحولها السياسي، وتسعى لبناء علاقات متوازنة مع كل الأطراف، مشدداً على أن العلاقات مع الدول المتشاطئة على البحر الأحمر هي علاقات متينة وتسير في إطارها الصحيح.

ووافقه في هذا الرأي السفير حسن الذي قال إن حضور الصومال مثل هذه الاجتماعات مع إثيوبيا لا يعني خسارتها مصر، «خاصة أن مقديشو لن تستطيع تعويض تعاونها مع مصر بتحالف مع أديس أبابا»، بحسب قوله.


جنوب أفريقيا تستدعي السفير الأميركي بسبب «تصريحات غير دبلوماسية»

السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)
السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)
TT

جنوب أفريقيا تستدعي السفير الأميركي بسبب «تصريحات غير دبلوماسية»

السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)
السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)

استدعى وزير خارجية جنوب أفريقيا رونالد لامولا السفير الأميركي الجديد برنت بوزيل، اليوم الأربعاء، لتوضيح تصريحات اعتُبرت «غير دبلوماسية»، بعد أقل من شهر من توليه منصبه في بريتوريا.

تولى بوزيل مهامه في ظل تدهور شديد في العلاقات الثنائية، بعدما انتقدت الولايات المتحدة جنوب أفريقيا بسبب شكواها ضد إسرائيل أمام القضاء الدولي بتهمة «الإبادة الجماعية» في غزة، وبسبب ما اعتبرته اضطهاداً للأقلية البيضاء في البلاد.

في أول خطاب له منذ وصوله إلى بريتوريا في فبراير (شباط)، انتقد الدبلوماسي الأميركي، الثلاثاء، كلمات أنشودة «اقتلوا البوير، اقتلوا المزارع» التي وصفها بأنها «تحض على الكراهية»، علماً أنها وضعت خلال النضال ضد نظام الفصل العنصري. كما انتقد العديد من البرامج والقوانين في جنوب أفريقيا.

وقال وزير خارجية جنوب أفريقيا في مؤتمر صحافي: «استدعينا سفير الولايات المتحدة، السفير بوزيل، لتوضيح تصريحاته غير الدبلوماسية».

سبق أن قضت المحاكم الجنوب أفريقية بأن الشعار التاريخي «اقتلوا البوير» لا يشكل خطاب كراهية، ويجب النظر إليه في سياق نضال التحرير ضد نظام الفصل العنصري.

كما انتقد السفير الأميركي برنامجاً اقتصادياً يهدف إلى تصحيح أوجه عدم المساواة الموروثة من نظام الفصل العنصري ويهدف إلى تعزيز فرص العمل للسود، مقدراً أن مثل هذه السياسات أدت إلى «ركود» الاقتصاد.

ورد رونالد لامولا قائلاً إن «برامج التمييز الإيجابي في التوظيف ليست عنصرية عكسية، كما ألمح السفير للأسف»، مؤكداً: «هذه أداة أساسية مصممة لمعالجة الاختلالات الهيكلية المتأصلة في تاريخ جنوب أفريقيا الفريد. إنها ضرورة دستورية لا يمكن لحكومة جنوب أفريقيا أن تتخلى عنها ولن تتخلى عنها أبداً».