«حرب غزة»: تحركات مصرية لإنضاج اتفاق جديد لتبادل الأسرى

مصادر في القاهرة أكدت دخول المشاورات مع الأطراف «مراحل متقدمة»

صورة تم التقاطها تُظهر الدخان يتصاعد فوق خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
صورة تم التقاطها تُظهر الدخان يتصاعد فوق خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«حرب غزة»: تحركات مصرية لإنضاج اتفاق جديد لتبادل الأسرى

صورة تم التقاطها تُظهر الدخان يتصاعد فوق خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
صورة تم التقاطها تُظهر الدخان يتصاعد فوق خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تُكثف القاهرة من تحركاتها واتصالاتها مع الأطراف المعنية بالحرب في غزة؛ بهدف «التوصل إلى اتفاق لوقف القتال وتبادل الأسرى بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية». وقالت مصادر مصرية مطلعة على جهود الوساطة المصرية، الجمعة: إن الاتصالات الجارية حالياً «متواصلة مع مختلف الأطراف المعنية»، والمشاورات الراهنة «على وشك التوصل إلى تفاهمات بشأن اتفاق جديد يتضمن هدنة طويلة يتم خلالها تبادل عدد يجري التفاوض عليه من الأسرى في الجانبين».

وأوضحت المصادر التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، شريطة عدم نشر هويتها، أن الطرح الذي يجري التشاور بشأنه «يراعي مصالح مختلف الأطراف، ويضع في الحسبان الصعوبات الحالية والمواقف المعلنة»، لافتة إلى أن الطرح الجديد «لن يكون بديلاً عن المقترح المصري الشامل لوقف الحرب وترتيبات المرحلة المقبلة، بل سيكون جزءاً من المساعي لتهيئة الأجواء لوقف القتال وتخفيف المعاناة الإنسانية لسكان القطاع، ومن ثم الانتقال لمرحلة تالية».

وكانت القاهرة قد قدمت مقترحات قبل اغتيال نائب رئيس حركة «حماس»، صالح العاروري ببيروت في الثاني من الشهر الحالي، تتضمن 3 مراحل متتالية ومترابطة تنتهي بوقف إطلاق النار، إلا أن «عملية الوساطة واجهت حالة من الجمود في أعقاب عملية اغتيال العاروري».

وأضافت المصادر المطلعة، أن مصر تلقت «مؤشرات إيجابية رغم صعوبة الموقف الراهن»، إلا أن البلورة النهائية للاتفاق «لا تزال في مرحلة الإنضاج»، مشددة على أن الرسالة المصرية التي أكدها الوسيط المصري لجميع الأطراف تضمنت أهمية التجاوب مع جهود التهدئة، وأنه «لا بديل عن التفاوض للخروج من الأزمة».

مبانٍ مدمرة بشمال غزة خلال وقت سابق بعد القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

اتفاق قيد البلورة

في السياق ذاته، عززت تقارير أميركية إمكانية حدوث انفراجة على مسار الوساطة من أجل تبادل الأسرى والمحتجزين؛ إذ نقلت شبكة «إن بي سي نيوز» الأميركية، مساء الخميس، عن مسؤولين القول: إن «اتفاقاً جديداً لإطلاق سراح المحتجزين في قطاع غزة ربما يكون قيد البلورة». ونسبت الشبكة إلى مسؤول أميركي كبير، ومسؤولين حكوميين إسرائيليين اثنين، ودبلوماسي عربي، القول: إنه «سيتم إطلاق سراح المحتجزين على مراحل»، لكن أحد المسؤولين ذكر أنه «ليس من الواضح مدى جدية المناقشات حول الاتفاق المقترح».

وبحسب مسؤول إسرائيلي، فإن أحد بنود الاتفاق المقترح سيحدد إطاراً زمنياً مدته 90 يوماً للإفراج عن المحتجزين على مراحل، بما يقود إلى وقف دائم لإطلاق النار. وشدد على أن أي اقتراح لإبقاء حركة «حماس» في السلطة بغزة «بآلتها العسكرية هو أمر غير مقبول على الإطلاق».

من جانبها، ترفض حركة «حماس» إطلاق سراح المحتجزين لديها؛ إلا «بشروطها»، وفق ما أعلنه رئيس مكتبها السياسي، إسماعيل هنية، في مناسبات عدة، والذي شدد على أن إسرائيل لن تستعيد المحتجزين في قطاع غزة؛ إلا إذا تم إطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. وأكدت الفصائل الفلسطينية مراراً رفضها التفاوض على هدن مؤقتة، وإصرارها على وقف كامل لإطلاق النار، وتبادل للأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل».

في المقابل، ورغم الرفض الإسرائيلي المتكرر للحديث عن وقف دائم لإطلاق النار؛ فإن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، عضو مجلس الحرب الحالي، غادي إيزنكوت، أبدى موقفاً مختلفاً؛ إذ قال في مقابلة متلفزة: إنه «من المستحيل إعادة المختطفين أحياء في المستقبل القريب دون اتفاق» مع «حماس». ورفض إيزنكوت في مقابلة مع «القناة12» الإسرائيلية، الخميس، تنفيذ عملية عسكرية جديدة لإعادة الأسرى. وقال: «ما زلنا نبذل الجهود ونبحث عن كل فرصة؛ لكن الاحتمال ضئيل». ورداً على سؤال حول ما إذا كان من الضروري تجنب إيذاء الأسرى حتى على حساب «تفويت» فرصة القضاء على قائد «حماس» في غزة، يحيى السنوار. أجاب إيزنكوت بشكل قاطع: «الجواب هو نعم».

مسعفون فلسطينيون مع آخرين يضعون الجثث المغطاة بأغطية بيضاء داخل سيارة إسعاف بعد غارة جوية على مخيم المغازي بغزة (رويترز)

تفكيك الأزمة

من جانبه، أشار أستاذ العلاقات الدولية، مساعد رئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، والمتخصص في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية، الدكتور طارق فهمي، إلى أن مسارات الوساطة تجري حالياً على 3 مسارات، أولها «المسار المصري الذي يركز على الرؤية الشاملة لإنهاء الحرب، ومن بينها تبادل الأسرى، والمسار الثاني الذي تنشط فيه الوساطة القطرية، إضافة إلى مسار أممي برز في الأيام الأخيرة ويركز على البعد الإنساني في غزة».

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط»، أن الوساطة المصرية سعت خلال الآونة الأخيرة إلى تفكيك أبعاد الأزمة، وتحقيق التزامن بين المسارات السياسية والأمنية، لافتاً إلى أن الرؤية المصرية «باتت تحظى بقبول فلسطيني وتجاوب إسرائيلي»، مضيفاً أن الاتصالات المصرية ركزت أخيراً على «المسارين الأميركي والأممي لتوفير إطار أوسع لتبادل الأسرى، بما يحسن الوضع الإنساني في القطاع، ويدفع باتجاه الدخول في مستويات أعمق بشأن مقاربة إقليمية شاملة في مرحلة ما بعد توقف القتال».

وتوقع فهمي حدوث «انفراجة في الموقف» قريباً، لافتاً إلى أن الفصائل الفلسطينية بطريقها إلى القبول. وأوضح، أن السلطة الفلسطينية بدأت في إجراء اتصالات مُكثفة على هذا المسار في أعقاب القمة الثلاثية المصرية - الأردنية - الفلسطينية الأخيرة في العقبة، وأن هناك مؤشرات على إحراز تقدم في هذا الصدد، لافتاً إلى أن «الخطاب المتشدد» من جانب إسرائيل وحركة «حماس» «سياسي وإعلامي بالدرجة الأولى».

أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى ناصر في خان يونس (إ.ب.أ)

سيناريو قابل للتطوير

ومنذ انقضاء الهدنة الوحيدة إلى الآن في قطاع غزة نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والتي دامت أسبوعاً لوساطة مصرية وقطرية، وبتنسيق مع الولايات المتحدة، وتم خلالها إطلاق سراح أكثر من 100 من المحتجزين بالقطاع، تسعى الدول الثلاث إلى إقرار هدنة جديدة، بعد مضي 105 أيام من القتال.

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن نحو 130 من الأسرى والمحتجزين لا يزالون تحت سيطرة الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، بينما قُتل 25 منهم على الأقل، بحسب ما أعلنته حركة «حماس» وفصائل أخرى في أكثر من مناسبة جراء القصف الإسرائيلي للقطاع.

ويرى الباحث المساعد في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مهاب عادل حسن، أن التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، وتمرير صفقة لتبادل الأسرى «يُمثل سيناريو مرحلياً قابلاً للتطوير والبناء عليه للوصول إلى سيناريو مقبول لليوم التالي للحرب فيما يتعلق بمسألة حكم القطاع، وكذلك مسارات حل وتسوية الصراع في صورته الكلية». وأشار حسن، في تحليل منشور على الموقع الإلكتروني للمركز، أخيراً، إلى إمكانية أن تلجأ الفصائل الفلسطينية للقبول بهدنة لإيقاف إطلاق النار، على غرار الهدنة التي تم التوصل إليها في نوفمبر الماضي، وإطلاق سراح الأسرى المدنيين لديها وليس العسكريين، في مقابل إطلاق أعداد من الأسرى الفلسطينيين الأمنيين في السجون الإسرائيلية، مع إمكانية تطوير هذه الهدنة إلى اتفاق لإطلاق سراح باقي الأسرى الإسرائيليين».


مقالات ذات صلة

«الصحة» الفلسطينية: الجيش الإسرائيلي يقتل فتى بالضفة الغربية

المشرق العربي أحد أقارب الفتى وليد نضال وليد أبو سنينة الذي قتله الجيش الإسرائيلي يبكيه في مستشفى برام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

«الصحة» الفلسطينية: الجيش الإسرائيلي يقتل فتى بالضفة الغربية

قتل الجيش الإسرائيلي فتى فلسطينياً وأصاب آخرَين بجروح في مخيم قلنديا للاجئين قرب رام الله في وسط الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)

حقوقيون: تدهور صحة مدير مستشفى بغزة معتقَل لدى إسرائيل

أفاد محامٍ ونشطاء في مجال حقوق الإنسان بأن مدير مستشفى كمال عدوان بقطاع غزة حسام أبو صفية يواجه خطراً كبيراً خلال احتجازه لدى إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطيني يتفحص سيارة تعرضت لغارة إسرائيلية في مخيم المغازي وسط قطاع غزة (أ.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

قتل 4 فلسطينيين، يوم الجمعة، في غارتين إسرائيليتين منفصلتين استهدفتا وسط قطاع غزة وشماله.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني يشير إلى عبارات عنصرية خطَّها مستوطنون على جدران مسجد أبو بكر الصديق في قرية تل غرب نابلس شمال الضفة الغربية (أ.ف.ب)

إسرائيل تتهم مستوطنين بارتكاب «أعمال إرهابية» في الضفة الغربية

وجَّه الادعاء العام الإسرائيلي اتهامات لـ6 أشخاص، أحدها يتعلق بارتكاب «أعمال إرهابية»، في أعقاب هجوم لمستوطنين على قرية فلسطينية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يقتل فلسطينياً في الضفة الغربية

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينياً في الضفة الغربية المحتلة، بينما أكد الجيش الإسرائيلي أن قواته أطلقت النار على شخص كان يلقي مقذوفات على الجنود.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

السجن 18 عاماً بحق مرشح سابق للرئاسة التونسية

المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية سمير العبدلي (متداولة)
المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية سمير العبدلي (متداولة)
TT

السجن 18 عاماً بحق مرشح سابق للرئاسة التونسية

المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية سمير العبدلي (متداولة)
المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية سمير العبدلي (متداولة)

أصدرت محكمة متخصصة في قضايا الإرهاب في تونس، اليوم (الأربعاء)، حكماً بسجن المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، سمير العبدلي لمدة 18 عاماً بتهم ترتبط بجرائم إرهابية وغسل أموال، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية.

وكان العبدلي ضمن المرشحين للانتخابات الرئاسية في عام 2014، التي فاز بها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي. وأوقف في مايو (أيار) 2024 للتحقيق في شبهات بالتورط في قضايا إرهابية ومالية، ووجهت له أيضاً «تهمة التآمر على أمن الدولة». وأصدرت المحكمة أيضاً حكماً بسجن سائقه لمدة 3 سنوات بتهم التستر عن إبلاغ السلطات، بما توفر له من معلومات عن ارتكاب احدى الجرائم، وفق ما ذكرته وكالة تونس أفريقيا للأنباء الرسمية اليوم.

وإلى جانب العبدلي يلاحق أيضاً عدد آخر من السياسيين من بين المرشحين للرئاسة في 2024 والقابعين في السجن في قضايا إرهابية ومالية، وتآمر على أمن الدولة وتهم بالتزوير، من بينهم عبير موسى ولطفي المرايحي والعياشي زمال. كما صدرت أحكام ضد المرشح لانتخابات 2024 المنذر الزنايدي، والرئيس السابق المنصف المرزوقي، الموجودين خارج تونس.

وتقول المعارضة إن الاتهامات الموجهة لقيادييها في السجون «سياسية»، وتتهم القضاء بالافتقاد إلى معايير المحاكمة العادلة، وهو ما تنفيه السلطة.

ويأتي هذا القرار بعد يوم واحد فقط من إصدار محكمة تونسية، أمس (الثلاثاء)، أحكاماً بسجن صناع محتوى على منصات تواصل اجتماعي، لفترات تتراوح بين عام واحد و27 عاماً، بتهمة غسل أموال ونشر محتوى إباحي، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية. وتشمل الأحكام 18 متهماً، من بينهم عدد من الصناع المحتوى على تطبيق «تيك توك» و«إنستغرام»، بحسب ما ذكر راديو «موزاييك» الخاص ووسائل إعلام أخرى.

واعتمدت المحكمة في قراراتها على عدة فصول قانونية، من بينها مرسوم مثير للجدل أصدره الرئيس قيس سعيد في عام 2022، يضبط الجرائم المرتبطة بأنظمة الاتصال والمعلومات، وكان سبباً مباشراً أيضاً في إيقاف نشطاء وصحافيين بتهم، مثل نشر أخبار غير صحيحة والتشويه. ومن بين التهم الأخرى التي يواجهها الموقوفون، الاتجار بالبشر، والاستغلال وبثّ صور ومقاطع تصويرية لاعتداءات جنسية على الغير.


أزمة رئاسة جهاز المخابرات الليبية تتصاعد

الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)
الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)
TT

أزمة رئاسة جهاز المخابرات الليبية تتصاعد

الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)
الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)

دخلت أزمة رئاسة جهاز المخابرات الليبية فصلاً جديداً، يوم الأربعاء، إثر تمسك رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، باستمرار الفريق أول حسين العائب في ممارسة مهامه رئيساً للجهاز، وذلك في أحدث حلقة من الخلاف المتصاعد مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بشأن الجهة المخولة قانوناً بإجراء تغييرات في قيادة أحد أبرز الأجهزة السيادية في البلاد.

ويعكس التحرك الجديد استمرار النزاع بين المؤسسات السياسية حول الصلاحيات الدستورية، في وقت يرى فيه مراقبون أن الخلاف تجاوز مسألة تغيير مسؤول أمني إلى صراع أوسع على النفوذ داخل المؤسسات السيادية التي كثيراً ما كانت محل تجاذب بين الأطراف الليبية المتنافسة.

جلسة سابقة لمجلس النواب برئاسة صالح وبحضور نائبيه دومة (يمين) والنويري (يسار) (النواب الليبي)

ووجّه صالح، في رسالة رسمية إلى رئيس جهاز المخابرات، استمرار العائب في مباشرة مهامه «رئيساً لجهاز المخابرات الليبية»، مستنداً إلى أحكام الإعلان الدستوري وتعديلاته، والاتفاق السياسي الليبي، إضافة إلى القانون رقم «8» لسنة 2023، الخاص بإعادة تنظيم جهاز المخابرات.

وشدد صالح على «ضرورة احترام الشرعية الدستورية والقانونية، والحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة، وضمان انتظام عمل المرافق العامة»، مؤكداً أن العائب سيواصل ممارسة جميع اختصاصاته القانونية والإدارية، والإشراف على إدارات الجهاز وفروعه ووحداته. كما كلّفه باتخاذ ما يلزم لضمان سير العمل، وحماية مقار الجهاز ووثائقه ومعلوماته ومعداته من أي اعتداء أو استيلاء أو تصرف غير مشروع، إلى جانب اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت مخالفته لأحكام القانون.

عبد المجيد مليقطة (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

ودعا صالح إلى استمرار الجهاز في أداء مهامه الأمنية، وتعزيز التعاون مع مختلف مؤسسات الدولة، وكذلك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يضمن تنفيذ اختصاصاته وفق الأطر القانونية، مطالباً رئيس الجهاز برفع تقارير دورية إلى رئاسة مجلس النواب حول سير العمل، وإبلاغها بأي تطورات أو ظروف استثنائية قد تؤثر في أداء الجهاز.

وانتهى صالح في توجيهاته بتأكيد ضرورة التزام جميع منتسبي الجهاز بأحكام القانون، والحفاظ على وحدة المؤسسة وإبعادها عن التجاذبات السياسية، بما يُسهم في حماية الأمن الوطني واستقرار الدولة.

ويعيد هذا الموقف تأكيد ما أعلنه صالح في نهاية يونيو (حزيران) الماضي، عندما رفض قرار رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، إعفاء العائب من منصبه، معتبراً أن تغيير رؤساء المؤسسات السيادية يجب أن يكون وفق الأطر القانونية والتوافقات السياسية، بعيداً عن القرارات الأحادية.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

وكان المنفي قد أصدر في أواخر يونيو الماضي قراراً بإعفاء حسين العائب من رئاسة جهاز المخابرات، وتكليف عبد المجيد مليقطة برئاسة الجهاز، وعبد الشفيع الجويفي نائباً له، وهو القرار الذي قوبل باعتراض معلن من عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، إلى جانب رفض رئيس مجلس النواب.

وفي موازاة ذلك، واصل الكوني حشد الدعم لموقفه الرافض للتغييرات التي طالت قيادة جهاز المخابرات، في تحرك يعكس استمرار الانقسام داخل المجلس الرئاسي نفسه بشأن هذه القضية.

وأكد الكوني، خلال لقائه وفداً من «تجمع أبناء فزان القاطنين في طرابلس»، أن «وحدة ليبيا ومؤسساتها السيادية خط أحمر لا يمكن المساس به»، مجدداً الدعوة إلى تغليب المصلحة الوطنية، والابتعاد عن التجاذبات السياسية التي تُهدد استقرار مؤسسات الدولة.

وقال المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي إن اللقاء تناول مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية، وسبل تعزيز اللحمة الوطنية، والحفاظ على وحدة البلاد، في ظل تصاعد الجدل بشأن التغييرات الأخيرة في قيادة جهاز المخابرات.

وسبق أن نقل الكوني عن وفد من شيوخ وأعيان وحكماء المنطقة الغربية، كان قد التقاه في طرابلس، رفضه القاطع لسياسات فرض الأمر الواقع، أو اتخاذ قرارات أحادية قد تمس بسلامة المؤسسات السيادية للدولة واستقرارها.

وشدد الوفد، حسب الكوني، على ضرورة «النأي الكامل بالمؤسسات الأمنية والسيادية الحساسة عن التجاذبات والخلافات السياسية»، معتبراً أن التعيينات في المناصب العليا يجب أن تخضع للضوابط والآليات المتفق عليها، بعيداً عن «سياسة المغالبة أو الانفراد بالرأي».

ويرى متابعون أن استمرار تمسك كل طرف بقراراته يُنذر بإطالة أمد الأزمة، خصوصاً في ظل غياب توافق سياسي أو قضائي يحسم الجهة صاحبة الاختصاص في إجراء التغييرات داخل المؤسسات السيادية.

كما يخشى مراقبون من أن ينعكس هذا الخلاف على أداء جهاز المخابرات نفسه، في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات أمنية وسياسية متزايدة، تتطلب الحفاظ على تماسك المؤسسات الأمنية، وإبعادها عن صراعات النفوذ بين الأطراف المتنافسة.


تحذيرات دولية للجزائر من «نزيف العجز» بعد شطبها من «القائمة الرمادية»

نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
TT

تحذيرات دولية للجزائر من «نزيف العجز» بعد شطبها من «القائمة الرمادية»

نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

أشاد صندوق النقد الدولي بخروج الجزائر من «القائمة الرمادية» للدول التي تعاني أنظمتها من ثغرات في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، غير أنه دعا حكومتها إلى تنفيذ «ضبط مالي كبير»، عاداً أن «تعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود أصبح أكثر إلحاحاً» في ظل تآكل الهوامش المالية، والخارجية.

من اجتماع أطر مجموعة العمل المالي (جافي)

وعبّر عن هذا الارتياح رئيس بعثة الصندوق، تشارالامبوس تسانغاريدس، في ختام مشاورات مع الجزائر (وفقاً للمادة الرابعة من القانون الأساسي للصندوق)، التي جرت في الفترة الممتدة من 16 إلى 30 يونيو (حزيران) الماضي، حيث التقى خلالها مسؤولو البعثة مع مسؤولين جزائريين، من بينهم وزير المحروقات محمد عرقاب.

وكانت الجزائر قد أُدرجت ضمن هذه القائمة التي تضعها «مجموعة العمل المالي» (جافي)، وهي الهيئة الدولية المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، قبل أن تثمر جهودها المكثفة وإصلاحاتها العديدة عن سحبها رسمياً في 19 يونيو الماضي، خلال اجتماع المجموعة بمقر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في باريس.

إجراءات محاصرة «الكاش»

أشار تقرير حديث لبعثة صندوق النقد الدولي إلى أن الوفود المشاركة سجلت ارتياحها للمشاورات، مبرزاً «التقدم الكبير الذي أحرزته البلاد في تعزيز منظومتها الوطنية للوقاية من الجريمة المالية، ومكافحتها، وهو ما يعزز ثقة المجتمع الدولي في متانة النظام المالي الجزائري، ومرونته».

وزير المحروقات الجزائري مع رئيس وفد صندوق النقد الدولي (الوزارة)

ووصف رئيس البعثة خروج الجزائر من القائمة بأنه «إنجاز مهم يعكس إرادة قوية، ومواصلة للجهود الإصلاحية»، داعياً السلطات الجزائرية إلى الاستمرار في هذا المسار التنموي. كما شدد تقرير المؤسسة المالية الدولية على أن مساعي الجزائر لتنويع الاقتصاد، وخروجها من القائمة الرمادية خطوتان إيجابيتان للغاية، مشيراً إلى ضرورة أن يترافق ذلك مع إصلاحات هيكلية أكثر عمقاً لدعم نمو أقوى، وأكثر مرونة، يقوده القطاع الخاص.

وكانت مجموعة «جافي»، التي تتبع مجموعة السبع، قد قررت في اجتماعها الشهر الماضي سحب الجزائر من «القائمة الرمادية» للدول التي تعاني أنظمتها من ثغرات في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وإلى جانب الجزائر، شطبت المجموعة ثلاث دول أخرى من القائمة ذاتها، وهي: ناميبيا، والبوسنة والهرسك، والعراق، في حين لا تزال ثلاث دول مدرجة في القائمة السوداء للمجموعة، وهي إيران، وكوريا الشمالية، وميانمار.

اجتماع سابق لموثقين جزائريين بحثوا إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)

وسارعت الحكومة الجزائرية، خلال العامين الماضيين، إلى مضاعفة إجراءاتها لمكافحة غسل الأموال، حيث قامت بملاءمة التشريعات الوطنية مع متطلبات «جافي»، وشددت من إجراءات محاربة الأموال القذرة. وشنت الأجهزة الأمنية في هذه الفترة عمليات عديدة ضد شبكات الأموال المشبوهة، وقد أسفرت عن توقيفات، وحجز مبالغ مالية ضخمة، وتفكيك شبكات نفوذ قوية.

ومن بين أبرز الإجراءات التي اتخذتها الجزائر للخروج من هذه القائمة منع الدفع نقداً في المعاملات العقارية، واقتناء السيارات الجديدة، بالإضافة إلى تشديد الرقابة على عمليات الإيداع النقدي في الحسابات البنكية، وفي البريد.

تحذير من «الإفراط» في طبع العملة

في نفس التقرير، حثّ صندوق النقد الدولي السلطات الجزائرية على تبني سياسة «ضبط مالي واسعة النطاق»، مؤكداً أن تعزيز مناعة الاقتصاد الوطني بات مطلباً ملحاً في ظل تراجع الهوامش المالية، والخارجية. ودعت بعثة الصندوق إلى تشديد السياسة المالية والنقدية لمجابهة اتساع عجز الحساب الجاري، والضغوط التضخمية المستمرة، مع التوقف التام عن الاعتماد على التمويل النقدي (طبع العملة) لتغطية عجز الموازنة.

اجتماع لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (صورة أرشيفية)

يشار إلى أن الرئيس عبد المجيد تبون هاجم في مناسبات كثيرة رئيس الحكومة سابقاً، أحمد أويحيى، المسجون منذ 2020 بتهم «الفساد المالي»، بسبب «الإصدار النقدي المفرط».

وعلى الرغم من تسجيل الاقتصاد الجزائري نموا بنسبة 3.9 في المائة خلال عام 2025 مدفوعاً بحركية الاستثمارات، فإن الصندوق نبّه إلى أن العجز المالي لا يزال مرتفعاً للغاية، رغم تقلصه إلى 10.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وأوضح التقرير أن هذا التحسن المحدود يعود إلى تحويلات استثنائية من الشركات العمومية و«بنك الجزائر»، إلى جانب نمو الجباية العادية (غير النفطية)، مضيفاً أن تنامي احتياجات التمويل دفع بالدين العام ليرتفع إلى 52.1 في المائة من الناتج المحلي.

وحذر الصندوق من أن استمرار العجز بمستوياته الحالية سيهدد استدامة المالية العامة على المدى المتوسط، وسيؤدي حتماً إلى تآكل الاحتياطيات النقدية، وارتفاع الدين العام، معتبراً أن أبرز المخاطر تكمن في تقلبات سوق الطاقة، والارتباط المالي الوثيق بين الحكومة والشركات والبنوك العمومية.

وتعتمد الجزائر على عوائد النفط والغاز لتأمين الإنفاق العام الواسع؛ حيث رصدت ميزانية 2026 أكثر من 5 مليارات دولار لدعم المواد الأساسية، ومنها الطاقة، والحليب، والسكر، والزيوت، بالإضافة إلى قطاعي الصحة، والتعليم.

وزير المحروقات الجزائري (وسط) مع رئيس بعثة صندوق النقد الدولي (يسار) (وزارة المحروقات)

وكان ارتفاع سعر المحروقات، عقب اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قد منح الخزينة انتعاشة، قبل أن تتجه الأسعار نحو الهبوط لتستقر حاليًا عند 72 دولاراً للبرميل، وهو مستوى قريب جداً من السعر المرجعي (70 دولاراً) المعتمد في قانون المالية.