برحيل فنّان البهجة والفرح حسين ماضي، يبدو العالم أكثر وحشة؛ فقد أخذ على عاتقه أن يبث الألوان في أعماله، وكأنما كل لوحة عيد، وظهور لقوس قزح. ما يعزي أحبته أنْ كان له ما أراد، وبقي يعرض ويعمل حتى سنواته الأخيرة. والعام الماضي، عُرِض له ما يقارب 30 لوحة في عمّان بـ«غاليري نبض»، بعنوان «احتفاء بالمرأة»، نُفّذت بالأكريليك على القماش والورق، ومنها ما جاء وفق تقنية الغرافيك.
رسام ونحَّات له سمعة عالمية، وأعمال تُعرض في متاحف كبرى عربية وغربية استطاع أن يبني لنفسه مكانة مميزة، ولأعماله محبة كبيرة. وُلد ماضي في بلدة شبعا (جنوب لبنان) عام 1938، أدرك مبكراً حبه للفن، وأنه طريقه ومصيره، خصوصاً حين كان يذهب لزيارة جده بمنطقة كسروان، يعيش في حضن الطبيعة، ويملأ الدفاتر رسماً. التحق بالأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة في بيروت، ثم ذهب للعمل في بغداد رسّامَ كاريكاتير، وبقي لفترة قصيرة، قبل أن يسافر إلى روما عام 1963 لإتمام دراساته في أكاديمية الفنون الجميلة، التي بقي فيها ما يقارب 22 عاماً، نهل من أعمال أدبائها وكبارها، رسماً ونحتاً، كما أنه عني كثيراً بالهندسة المعمارية هناك، والجداريات الفنية، ونحت الأسقف في عصر النهضة. لكن هذا لم يمنعه من التأثر بالفن المشرقي والتراث الثقافي لمنطقته، حيث عمل على النحت والأعمال الفسيفسائية بعد عودته.

عاد إلى بيروت بعد إقامته الإيطالية الطويلة، وعمل في محترَفه، وعُرِف بلوحاته التي رسم فيها النساء والعصافير والثيران والأشجار، بطريقته التكعيبية، وهو ما جعل البعض يطلق عليه لقب «بيكاسو الشرق»، وبعضهم رأى في أعماله شبهاً ببعض نتاجات دالي. على أي حال تأثره بالفن الإيطالي كان واضحاً، ولوحاته ضجَّت بالمرأة، وهو يقول إنه أحب المرأة حتى الثمالة، وعشق رسمها، وأن يراها في لوحاته، وقد أبدع في ذلك وأجاد.
انتُخِب رئيساً لنقابة الفنانين اللبنانيين بين عامي 1982 و1992، وحقق للفنانين إنجازات عديدة. وبين عامي 1987 و1989، عرض ماضي أعماله بشكل حصري في غاليري «بلاتفورم»، وكانت قد أسسته الشاعرة المهتمة ببيع وشراء الأعمال الفنية، سامية توتنجي. وكان لها التأثير الكبير في الترويج لأعماله، خصوصاً أنها كانت صديقة مقربة ومهتمة بنتاجاته.
ويُعدّ ماضي من الفنانين الذين أنتجوا بغزارة، ورسموا دون توقف. ويروي أنه مرّ بظروف صعبة كان لا يجد خلالها ما يشتري به الخبز، لكن لا شيء جعله ينقطع عن الرسم؛ فالألوان الشيء الوحيد الذي لا يستغني عنه، ولم يحتمل أن يجد نفسه من دونها: «أنا من دون ألوان تنقطع أنفاسي». ويقول عن تعلُّقه بالتعبير رسماً: «حتى لو أنني لم أجد الألوان، فبمقدوري أن أرسم بالفحم، وحتى بالقهوة، وعصير التوت، وأي شيء ملوَّن يقع تحت يدي».

وماضي الذي لم يقتنع أهله في البداية بإهماله الدروس وانكبابه على الرسم، قرر أن لا قيمة له ولا لفنّه إلا بالتميز. «ما معنى أن أمتهن الرسم، وأقدم ما يفعله الآخرون، دون أن تكون لي بصمتي الخاصة؟». من هنا كان بحثه عن طريقه المتفردة، وهو بالفعل تمكن من أن يحقق لوحات يمكن لناظرها أن يعرف اسم الفنان الذي أنجزها من خطوطها، وتكرار عصافيرها، وأشكالها الهندسية المتوالية، أو من نسائها المضطجعات.

إنه نسيج وحده، وهذا ما يصنع سمعة الفنان، ويخلق جاذبيته. «الهزيمة ممنوعة» عند حسين ماضي، رغم كل الصعوبات؛ فهو عاد إلى لبنان في عزّ الحرب الأهلية، يوم كان سكانه يهجرونه. ليست القضية بالنسبة له وطناً أو جغرافيا. «الحدود لا تعني لي شيئاً. أنا لا أحدّ نفسي بالأمكنة، وهي لا تؤثر على عملي أو أفكاري». كل ما كان يريده حسين ماضي، هو أن يبقى يفكر ويرسم، وينحت وينتج، ويفرح بأعماله. ربما علَّق لوحته، واكتفى بأن ينظر إليها ويتمتع بها. كان يخشى أن يفقد قدرته على الرسم؛ أن يصل إلى مرحلة لا تطاوع فيها يدُه فكَره، أو تعجز عن أن تتجاوب مع ما يتخيله. «عندها يكون قد توقف اللعب. أي تكون قد انتهت اللعبة. وهذا ما لا أريده أبداً. وأتمنى ألا يحصل».







