مسؤول لـ«الشرق الأوسط»: إسرائيل تعمل على تفكيك السلطة

والتخلص من المخيمات التي ترمز لـ«حق العودة»

جانب من مخيم النصيرات جنوبي قطاع غزة (إ.ب.أ)
جانب من مخيم النصيرات جنوبي قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

مسؤول لـ«الشرق الأوسط»: إسرائيل تعمل على تفكيك السلطة

جانب من مخيم النصيرات جنوبي قطاع غزة (إ.ب.أ)
جانب من مخيم النصيرات جنوبي قطاع غزة (إ.ب.أ)

اغتالت إسرائيل 9 فلسطينيين في قصف استهدف مركبة قرب مخيم بلاطة في نابلس شمال الضفة الغربية، ومجموعة شبان في مخيم طولكرم، في تصعيد جديد آخر في حرب تركز على المخيمات في الضفة.

وأغارت طائرة مسيرة على مركبة قرب مخيم بلاطة شرق نابلس، مستهدفة القيادي في «كتائب الأقصى» التابعة لحركة «فتح» عبد الله أبو شلال وقتلته مع 4 من رفاقه المسلحين.

ونشر الجيش الإسرائيلي فيديو للاستهداف الذي حول المركبة إلى حطام، وترك جثثاً متفحمة.

وقال الجيش، في بيان، إنه في عملية مشتركة مع جهاز الأمن العام «الشاباك» تم تصفية خلية مخربين ترأسها المدعو عبد الله أبو شلال بالقرب من مخيم بلاطة. وكانت الخلية مسؤولة عن واحدة من أكبر شبكتيْن إرهابيتيْن في منطقة يهودا والسامرة في الضفة الغربية.

واتهم البيان أبو شلال بأنه كان مسؤولاً عن عدة عمليات نفذت في العام الأخير، من بينها عملية إطلاق نار في القدس، والتي أسفرت عن إصابة مواطنيْن إسرائيلييْن، كما كان مسؤولاً عن عملية زرع عبوة ناسفة ضد قوات الجيش في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وبحسب البيان فإنه «تم تصفية الخلية من الجو نظراً لورود معلومات استخبارية عن نية أفراد الخلية تنفيذ عملية على المدى الوشيك».

واتهم الجيش أبو شلال بتلقي تمويل وتوجيهات من إيران بمشاركة قيادات من قطاع غزة والخارج، في وقت أصبح استخدام المسيرات في قتل الفلسطينيين في الضفة نهجاً منذ بداية الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر الماضي، وتحديداً في المخيمات الفلسطينية.

وقتلت مسيرة ثانية 4 فلسطينيين في مخيم طولكرم بعد قليل على اغتيال الشبان في مخيم بلاطة.

ومنذ السابع من أكتوبر عندما نفذت «حماس» هجوم «طوفان الأقصى» ضد إسرائيل في منطقة غلاف قطاع غزة، اقتحم الجيش معظم مخيمات الضفة، وقتل واعتقل وخاض اشتباكات في مخيمات جنين وطولكرم وبلاطة والجلزون وعسكر ونور شمس والفارعة، وتعمد تخريب الطرقات هناك والبنى التحتية بشكل غير مسبوق، وهدم منازل كذلك.

وقال القيادي في حركة «فتح» منير الجاغوب إنها حرب مفتوحة على المخيمات في الضفة وفي غزة.

وأضاف الجاغوب لـ«الشرق الأوسط»: «يريدون إزالة المخيمات، يفعلون ذلك في قطاع غزة، وكذلك في الضفة. يمسحون المخيمات في غزة، ويعملون على نفكيكها في الضفة. يقصفون بالمسيرات، يهاجمون منازل، ويجرفون الشوارع. يخططون لمحو المخيمات والتخلص منها لأنها تحمل رمزية نضالية وهي رمز للعودة». وتابع قوله: «إنها تذكر الناس بالعودة إلى أراضي 48. باختصار يعملون على تصحيح مسار سابق، يلغون معه اتفاق أوسلو وأي تطلعات فلسطينية لدولة أو عودة. الحرب في الضفة لا تقل خطراً إن لم تكن أخطر إلى حد ما من الحرب الدائرة في غزة».

ولا تستهدف الحرب في الضفة المخيمات فحسب، وإن كانت تركز عليها.

وأغلقت إسرائيل الضفة بشكل كامل، وحولتها في الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى معازل بعدما حاصرت المدن والقرى ببوابات حديدية وكتل إسمنتية وحواجز ترابية، وشددت إجراءاتها على الحواجز العسكرية المغلقة طيلة الوقت، والتي تحولت في أوقات محددة إلى ممرات مذلة بالنسبة للفلسطينيين المضطرين إلى التنقل بين المدن.

وبعدما قالت إسرائيل مع بداية الحرب على غزة إنها تخشى من تحول الضفة إلى جبهة ثالثة، لم تنتظر أصلاً الفعل الفلسطيني، وهاجمت بكل قوة.

وحتى اليوم الأربعاء، قتلت إسرائيل في الضفة منذ بداية العام 43 فلسطينياً، ومنذ بداية الحرب على قطاع غزة 362، واعتقلت الآلاف.

وقال الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، إن مسلسل جرائم القتل اليومية التي يشنها جيش الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية، هو حرب إبادة شاملة على الشعب الفلسطيني.

وأضاف أبو ردينة أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول بشتى السبل جر المنطقة بأسرها إلى العنف والتدمير عبر مواصلته سياسات الإبادة والقتل والتدمير وسرقة الأرض الفلسطينية وحجز الأموال الفلسطينية والاستيطان وإرهاب المستوطنين، في ظل صمت دولي غير مقبول إطلاقاً؛ لأن هذه الأوضاع المتفجرة ستحرق المنطقة ولن يسلم منها أحد.

لكن مصدراً أمنياً قال لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري يشبه محاولة إعادة احتلال الضفة من جديد. وأضاف: «إنها حرب لتصفية القضية، تعتقد إسرائيل أن الفرصة مواتية لذلك، وهي تريد في أثناء تنفيذها الخطة، قتل المزيد من الفلسطينيين خصوصاً في المخيمات. إنه نوع من الانتقام».

وأطلقت المخيمات خصوصاً في شمال الضفة الغربية، شرارة المواجهة الجديدة في الضفة قبل السابع من أكتوبر بكثير، عندما أعلن مسلحون في مخيم جنين خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2021 تشكيل «كتيبة جنين» التي أخذت على عاتقها مواجهة القوات الإسرائيلية بالسلاح والنار، فيما كانت المدن الفلسطينية الأخرى تتصدى للإسرائيليين بالحجارة، وهي ظاهرة سرعان ما نمت وتوسعت وانتشرت في جنين ومخميها ثم نابلس القريبة، ثم طولكرم وباقي مخيمات الضفة إلى حد ما.

والمواجهة القديمة في الضفة يقودها شبان في المخيمات يعملون أغلب الوقت دون غطاء تنظيمي معروف، وتحولوا إلى أبطال ورموز شعبيين على الشبكات الاجتماعية، وهم، بحسب إسرائيل، يشعرون بالإحباط من الأوضاع في الضفة، واستغلوا ضعف قدرة السلطة الفلسطينية على فرض سيطرتها، وهو ما أدى إلى وضع لا يوجد فيه قانون ومنفذ للقانون، وخلق حالة فراغ في شمال الضفة الغربية، تسللت إليها الفصائل والمسلحون.

لكن في رام الله يرون شيئاً آخر، أصبح أكثر وضوحاً بعد السابع من أكتوبر. وقال الجاغوب: «إسرائيل تريد تفكيك السلطة».

وأضاف: «الحرب الإسرائيلية على الضفة تهدف إلى التخلص من أوسلو أولاً، وتفكيك السلطة الفلسطينية ثانياً».

وأوضح: «إنهم يعملون على تفكيك السلطة بدل مواجهتها. يقتحمون مناطق السلطة يستهدفون مقراتها، يقتحمون قلب رام الله، يقتلون الناس بالمسيرات في المخيمات عوض اعتقالهم، يعتقلون المسنين والأطفال والنساء، يجرفون الشوارع، يهدمون البيوت، يحتجزون الأموال، يريدون إظهار سلطة عاجزة ولا لزوم لها أمام شعبها، وغير قادرة على حمايتهم بغرض تأليب الشارع عليها وصولاً إلى تفكيكها. إنهم يريدون تفكيكها من الداخل عوضاً عن قصف مقراتها وحصار رئيسها وقتل عناصرها».

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شن عدة مرات هجوماً كبيراً على السلطة، بوصفها ضعيفة وفاشلة، ثم تحول إلى القول بأنها لا تصلح للحكم وهي تربي أبناءها على الإرهاب، وأن وجودها من الأساس كان خطأ، مؤكداً أن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه إسرائيل كان اتفاق أوسلو.

ويوافق معظم الوزراء الإسرائيليين على ما يقوله نتنياهو، بل يذهب بعضهم أمثال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى أبعد من ذلك، مطالبين بتهجير الفلسطينيين، باعتبار أنه لا يوجد شعب فلسطيني ولا دولة، وهو توجّه يعارضه آخرون مثل وزير الدفاع يوآف غالانت الذي صرح بأن سلطة قوية مصلحة إسرائيلية، منادياً بالمساعدة على الاستقرار في الضفة.

وسخر الجاغوب من تصريحات غالانت، متسائلاً: «ومن الذي يفتك بالضفة؟ إنه الجيش الذي يأتمر بأوامر غالانت. الفرق بين غالانت ونتنياهو أن الأول واضح ويقول علانية إنه لا يريد أوسلو ولا السلطة. والثاني لا يقول ذلك علانية، لا يجرؤ لحسابات كثيرة. جميعهم لا يريدون السلطة لأنها عنوان ورمز الفلسطينيين. لا يريدون هذه الكينونة».


مقالات ذات صلة

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

المشرق العربي خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
تحليل إخباري آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة... 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

تحليل إخباري موقف أميركي «خجول» من قرارات إسرائيل الجديدة في الضفة الغربية

أعاد مسؤول في البيت الأبيض التأكيد على معارضة الرئيس، دونالد ترمب، لضم الضفة الغربية، لكن ردّ واشنطن جاء خجولاً بلا «أسنان» سياسية.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ يلتقي سفراء أجانب وعرباً ومسؤولين لبحث خطورة قرارات «الكابينت» (مكتب الشيخ)

الرئاسة الفلسطينية تأمر بعدم التعامل مع «الإجراءات الإسرائيلية»

السلطة الفلسطينية توصي أجهزتها الأمنية بعدم التعامل مع القرارات الإسرائيلية الأخيرة، وتطلب من الفلسطينيين ذلك، في محاولة لعرقلة تهميش السلطة وضم الضفة الغربية.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين (رويترز)

وزير إسرائيلي يصف إجراءات الضفة الغربية بأنها «سيادة واقعية»

قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن الإجراءات التي تبنتها الحكومة والتي تعزز السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة ترقى لمستوى تنفيذ «سيادة واقعية».

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي رجل فلسطيني يقف أمام جندي إسرائيلي في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز) p-circle 01:48

البيت الأبيض: ترمب يعارض ضم إسرائيل للضفة الغربية

أكد مسؤول في ‌البيت الأبيض، ‌الاثنين، ⁠مجدداً ​معارضة ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضم إسرائيل للضفة ⁠الغربية، رابطاً استقرار الضفة بالحفاظ على ​أمن إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
TT

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)

أفادت هيئة العمليات في الجيش السوري، اليوم الثلاثاء، بأن قوات الجيش بدأت الانسحاب من محيط مدينة الحسكة في شمال شرق البلاد، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد.

وأضافت هيئة عمليات الجيش في بيان نشرته قناة «الإخبارية السورية» التلفزيونية أن قوى الأمن الداخلي انتشرت في المناطق التي انسحبت منها قوات الجيش.

وذكر الجيش أن «قسد» تلتزم بتطبيق الاتفاق «وتقوم بخطوات إيجابية»، مضيفاً: «نقوم بالمراقبة والتقييم لتحديد الخطوة التالية».

وأعلنت الحكومة السورية و«قسد» أواخر الشهر الماضي توصلهما لاتفاق شامل لوقف إطلاق النار والدمج التدريجي للقوات والهياكل الإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ويتضمن الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بعد أن انتزعت قوات الحكومة السورية السيطرة على مساحات كبيرة من شمال وشرق سوريا من «قسد»، دخول قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي اللتين كانتا خاضعتين لسيطرة «قسد».


فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
TT

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

ثلاث رسائل رئيسية نقلها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، إلى السلطات السورية خلال جولته التي قادته إلى دمشق وبغداد وأربيل وبيروت والتي كان منطلقها الرئيسي، في المحطتين الأوليين، التحديات التي تطرحها مواصلة الحرب على «داعش» وإدارة التحولات التي شهدها الشمال الشرقي في سوريا بالنظر للمخاوف الفرنسية بشأن مصير الأكراد ومستقبل «قوات سوريا الديمقراطية».

وقالت مصادر دبلوماسية في باريس، إن فرنسا تعتبر أن «أولوية الأولويات» تتمثل في منع بروز «داعش» مجدداً وأن ثمة حاجة لقيام تنسيق ضروري وجدي بين «قسد» التي كانت تتولى سابقاً مسؤولية حراسة السجون ومراكز الاعتقال وبين القوات السورية التي انتقلت إليها مسؤولية الإشراف على عدد من هذه السجون. كذلك ترى باريس أن المهم الاستفادة من الخبرات التي تراكمت لدى «قسد» التي حظيت برعاية واهتمام فرنسيين كبيرين فيما يخص محاربة الإرهاب. ولذا، فإن من الأهمية بمكان ألا تذهب هذه الجهود سُدى.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً إلى الصحافة في مقر إقامة سفير بلاده في بيروت (أ.ف.ب)

ووفق القراءة الفرنسية، فإنه من المجدي أن تتم الاستفادة من هذه القدرات في إطار اندماج «قسد» في الجيش السوري. وتنظر فرنسا بإيجابية لما تراه من انخراط السلطات الجديدة في محاربة «داعش» ورغبتها بالتنسيق مع الأسرة الدولية، خصوصاً بعد أن انضمت دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة «داعش».

وفي اللقاءات التي عقدها بارو مع المسؤولين في دمشق وبغداد، كان همه الأول التركيز على أهمية منع «داعش» من «التشتت» أو «التبعثر»، خصوصاً بصدد عملية نقل إرهابييها من مناطق «قسد» سابقاً إلى السجون العراقية. وحصل الوزير الفرنسي على تعهدات سورية وعراقية بخصوص أن أمراً كهذا لن يحصل.

رغم أهمية ما سبق، فإن باريس حريصة على أن يتم الوفاء بالتعهدات التي قدمت للوزير الفرنسي وأن توفر لذلك القدرات اللازمة لتنفيذها. وقلق باريس ليس مرتبطاً برغبة السلطات السورية وإرادتها السياسية، بل بخصوص القدرات المتوافرة لديها؛ انطلاقاً من مبدأ أن تأمين هذه المواقع التي آل الإشراف إليها إلى القوات السورية الرسمية ليس بالأمر السهل. ولذا، فإن باريس تبدو مستعدة اليوم للعمل مع هذه القوات كما عملت سابقاً مع «قسد» لرفع جاهزيتها وقدراتها بما يضمن مواصلة محاربة «داعش» من جهة وضمان أن تكون الرقابة على السجون ومواقع الاحتجاز مضمونة تماماً.

مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

ثمة تساؤل طُرح بمناسبة زيارة بارو ويتناول عدم لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع. وثمة من اعتبر أن ذلك مرده إلى الانتقادات الفرنسية لكيفية التعامل مع «قسد» التي كانت باريس وما زالت أحد الداعمين الرئيسيين لها. لكن الجهات الفرنسية تنفي هذه المزاعم وتربط عدم حصول الاجتماع لتضارب في الأجندات بين الشرع وبين الرئيس الفرنسي، وتذكر أن زيارة بارو إلى دمشق لم تدم سوى ثلاث ساعات.

تنظر باريس بـ«إيجابية» إلى ما تحقق حتى اليوم من العمل بالاتفاق الأخير المبرم بين دمشق و«قسد» رغم أنها، في الأساس، كانت مستاءة من لجوء السلطات السورية إلى القوة العسكرية للتوصل إلى هذه النتيجة.

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ولاحقاً، أكدت فرنسا أنها لعبت دوراً فاعلاً في الدفع باتجاه الاتفاق المذكور. لكن النظرة الإيجابية لا تلغي تماماً بعض «المخاوف» الفرنسية لجهة تطبيق مضمون الاتفاق، باعتبار أن «الشيطان يكمن في التفاصيل» أكان في كيفية دمج مقاتلي «قسد» في صفوف الجيش السوري أم بشأن تسمية شخصيات كردية في مناصب مدنية وعسكرية.

والأهم من ذلك أن هناك تخوفاً لدى الأكراد من تراجع الاهتمام الدولي بقضيتهم ما قد يدفع النظام إلى التشدد في التعامل معهم. لذا، فإن باريس ترى أن زيارة بارو كانت بالغة الأهمية لأنها تعكس جانباً من الاهتمام الدولي لمتابعة مصير الاتفاق المبرم ووضعه موضع التنفيذ.

وبكلام آخر، فإن زيارة بارو تعد، بشكل ما، رسالة «طمأنة» للأكراد. وأثار بارو في لقاءاته حاجة الأكراد إلى مواصلة جهودهم على المستوى السياسي ليكونوا قادرين على إثبات حضورهم والمشاركة الكاملة في بناء سوريا الجديدة.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أما في الملف العراقي، فإن قلق باريس مرده المخاوف من انعكاس حرب جديدة بين الولايات المتحدة وإيران على العراق في حال لم تنجح المفاوضات بين الطرفين الإيراني والأميركي. ولذا، فإن الرسالة الرئيسية التي حملها بارو إلى بغداد تحث القادة العراقيين على العمل لمنع انجرار العراق إلى هذه الحرب الممكنة بسبب ما قد تقوم به بعض الميليشيات المرتبطة إلى حد بعيد بإيران.

ونقل عن مسؤولين عراقيين إشارتهم إلى هذه المخاوف التصعيدية التي يسعون لمنع حصولها، فيما أفضت التدخلات الأميركية في موضوع تسمية رئيس للوزراء في العراق إلى تشنج سياسي واضح. وإذ تشدد باريس على عدم رغبتها في التدخل في الشؤون الداخلية للعراق، فإن الامتناع لا يردعها عن الإشادة برئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، الذي تؤكد أنها عملت معه بشكل جيد وأنه نجح في تثبيت استقرار العراق وإطلاق عجلته الاقتصادية.


نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
TT

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية، وذلك في إطار إصلاحات قانونية ودستورية تجريها السلطة الفلسطينية، عقب اعتراف دول غربية كبرى، العام الماضي، بدولة فلسطينية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكلّف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لجنة من الخبراء والسياسيين في أغسطس (آب) الماضي، لصياغة دستور مؤقت. وتقول اللجنة في منصتها الإلكترونية إنها مكلفة بصياغة دستور مؤقت «للانتقال من السلطة إلى الدولة».

واعترفت دول غربية كبرى، بما فيها فرنسا، رسمياً بدولة فلسطينية في سبتمبر (أيلول)، في إطار ضغوط على إسرائيل لوقف حرب غزة، والرغبة في دعم حل الدولتين للصراع في الشرق الأوسط. وترفض إسرائيل فكرة إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين.

وأصبح قطاع غزة تحت إدارة مؤقتة بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب التي استمرت عامين وألحقت دماراً هائلاً بالقطاع، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 71 ألف فلسطيني.

وهدأ القتال إلى حد كبير في غزة بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، في إطار خطة ترمب. واندلعت الحرب في السابع من أكتوبر 2023 بعد هجوم قادته حركة «حماس» على جنوب إسرائيل في الساعات الأولى لهذا اليوم، في هجوم أسفر عن مقتل 1200 شخص.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نوفمبر (تشرين الثاني) إن بلاده ستساعد السلطة الفلسطينية في صياغة دستور لدولة فلسطينية مستقبلية.

وعندما تأسست السلطة الفلسطينية في عام 1994، كان الفلسطينيون يأملون أن تكون نقطة انطلاق نحو إقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية.

لكن هذا الهدف صار فيما يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، رغم الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطينية. فقد تسارعت وتيرة بناء المستوطنات الإسرائيلية، ويرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إقامة دولة فلسطينية بوصفها تهديداً لإسرائيل.

ودائماً ما تحث الدول المانحة السلطة الفلسطينية على إجراء إصلاحات والتصدي للفساد.

وقالت لجنة الصياغة على موقعها إن نشر المسودة جاء بناء على قرار من عباس، مشيرة إلى فتح الباب لتلقي الملاحظات خلال 60 يوماً.

وجاء في ديباجة المسودة: «انطلاقاً من الحقوق الثابتة، غير القابلة للتصرف، للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعدالة قضيته، نكتب هذا الدستور المؤقت لدولة ما زالت تحت الاحتلال، دولة تصر على أن تكتب وجودها بحبر من الصمود والأمل».

ومن أهم المواد التي تضمنتها مسودة الدستور المؤقت المادة 79 المتعلقة بتنظيم تولي منصب الرئيس في حال شغوره بسبب الوفاة أو المرض. وجاء فيها أنه «لرئيس الدولة أن يعين نائباً له، وأن يكلفه بما يراه مناسباً من مهام، وأن يعفيه من منصبه، وأن يقبل استقالته».

ونصت أيضاً على أنه «حال خلو منصب رئيس الدولة بالوفاة أو الاستقالة يحل محله رئيس مجلس النواب، وحال خلو منصب رئيس الدولة لفقدان الأهلية أو عدم قدرته على ممارسة مهامه الدستورية، يُعلن خلو المنصب بقرار من المحكمة الدستورية بناء على طلب الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، ويباشر رئيس مجلس النواب مؤقتاً سلطات رئيس الدولة».

وتوضح المادة ذاتها أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يحل رئيس المحكمة الدستورية محل رئيس مجلس النواب».

وتؤكد المادة وجوب انتخاب رئيس جديد في مدة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ شغور المنصب، وأن تبدأ مدة الرئاسة من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات.

وليس واضحاً هل في حال إقرار هذه المسودة سيُلغي المرسوم الذي أصدره عباس في وقت سابق وينص على أن يتولى نائب الرئيس منصب الرئيس المؤقت لحين إجراء انتخابات. واستُحدث منصب نائب الرئيس، العام الماضي، وأُجريت آخر انتخابات لاختيار رئيس السلطة الفلسطينية في عام 2005.

وتتضمن المسودة الجديدة تعديلاً على الفترة الرئاسية ومجلس النواب لتكون خمس سنوات بدلاً من أربع.