اتهامات لـ«الدعم السريع» بممارسة العنف والنهب في بلدات وسط السودان

شهود أكدوا نشرها «رعباً هستيرياً» وسط السكان... وانتقادات للجيش بتخليه عن حماية المواطنين

قوات «الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)
قوات «الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)
TT

اتهامات لـ«الدعم السريع» بممارسة العنف والنهب في بلدات وسط السودان

قوات «الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)
قوات «الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

يوماً بعد يوم، تكثر الروايات عن أعمال العنف والنهب التي يمارسها أفراد قوات «الدعم السريع» في المناطق التي يدخلونها، ومنها ولاية الجزيرة، وعدد كبير من هذه الروايات جاء على ألسنة شهود عيان، تعرضوا للعنف وسُرقت ممتلكاتهم من قبل من تصفهم قيادة «الدعم السريع» بأنهم «عناصر متفلتة»، لكنها لا تقوم بما يجب لوقفهم عن تلك الممارسات.

بالتوازي مع ذلك، هناك روايات مماثلة، وإن كانت أقل عدداً، من ممارسات مشابهة قام بها عناصر من الجيش، إضافة إلى تأكيد بعض الشهود أن الجيش، بانسحابه المستغرب من المناطق التي سيطرت عليها قوات «الدعم السريع»، ترك الناس لقمة سائغة أمام أعمال النهب، وبالتالي يتحمل جزءاً من المسؤولية.

شعور بالغبن والكراهية

يصف أحد الشهود ما حصل في قرى كثيرة بالقول: «لقد كان أمراً مخيفاً بحق: مسلحون مشحونون بأفكار تحمل الكثير من الغبن والكراهية». وهذا ما عبّر عنه عدد من المواطنين، بقولهم: «سمعنا كلمات غريبة على شاكلة: أنتم أثرياء تسرقون حقوقنا».

وتقول إحسان بلول، معبرة عن درجة الخوف إزاء هذه القوات: «كنا نتكدس جميعاً في غرفة واحدة ونكتم أنفاسنا إلى أن يغادروا القرية».

وفي شهادته، يصف بشير عبادي، وهو شاب من قرية (ع)، قوات «الدعم السريع» بأنهم «لصوص يتسابقون من أجل نصيب في الغنيمة».

الاشتباكات في ولاية الجزيرة أجبرت آلاف السودانيين على الفرار من ود مدني (أ.ف.ب)

يقول بشير: «أيقظني صوت يأمرني بالنهوض، يسألني: هل هذه سيارتك؟ لأجد أمامي صبياً لم يتجاوز 15عاماً، يضع قطعة كبيرة من القماش على رأسه يطلق عليها اسم (الكدمول) ويصوب بندقيته نحو رأسي، ويقف إلى جانبه شخص آخر يقاربه في العمر».

ويضيف: «خارت قواي، ولم تقوَ قدماي على حملي من الخوف الشديد، فناولته المفتاح من تحت الوسادة، ثم أدار محرك السيارة وانطلق بعيداً».

ويقسم بشير بأنه لم يشعر بمثل هذا الفزع في حياته، قائلاً: «مرت لحظات أدركت فيها أنني في حكم الميت، إذ خفت أن يفرغ رصاصات بندقيته في جسدي».

عدد من الشهود أكدوا أنه بعد يوم من سيطرة قوات «الدعم السريع» على مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تدفق جنودها بأعداد كبيرة وهاجموا البلدات الواحدة تلو الأخرى، بحثاً عن السيارات. ولم تكن هناك قوات للجيش، فقد انسحبت من مواقعها العسكرية في الولاية الوسطية.

وفرت مئات الأسر التي تقطن في المناطق الواقعة على طريق الأسفلت الرئيسي إلى القرى في وسط «مشروع الجزيرة الزراعي»، ظناً منهم أنهم سيكونون في مأمن من هجمات «الدعم السريع»، لكنها لحقت بهم هناك.

سرقة من داخل المسجد

يحكي (ع. أ)، الذي سُرقت سيارته من داخل المسجد: «أثناء أدائنا صلاة الظهر، اقتحمت المكان مجموعة من الدعم السريع بأزيائها المعروفة، وأخذت تطلق الرصاص الكثيف في الهواء، وبشق الأنفس أكملنا صلاتنا».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، مشدداً على عدم كشف هويته لدواعٍ أمنية محضة: «خاطبنا قائدهم قائلاً إن كل من يملك سيارة داخل أسوار المسجد عليه أن يسلمهم مفتاحها». ويضيف: «كنت أعتقد أن لا أحد يجرؤ على السرقة من بيوت الله، إلا أنني كنت مخطئاً».

سودانيون يفرون من تمدد المعارك إلى ود مدني قبل سيطرة «الدعم السريع» عليها (أ.ف.ب)

والواقع أنه إذا كنت تملك سيارة فأنت معرض بدرجة كبيرة للترهيب والأذى، وإذا اعترضت طريقهم فتأكد أنك في عداد المصابين أو القتلى. لقد أصبح وجود السيارات مصدر قلق كبير لسكان البلدة، ينتظرون سرقتها لينتهي هذا الكابوس.

الحاج عبد الرحمن الفكي (77 عاماً)، استبق المشكلة، فقاد سيارته (نصف نقل) إلى طرف القرية، وترك المفتاح داخلها ليأخذوها، على الرغم من أن السيارة مصدر رزقه الوحيد، لكنه خشي أن تتعرض أسرته للأذى بسببها.

وفي بلدة مجاورة، رفض أحد الشباب إعطاءهم سيارته (شاحنة نقل)، فأردوه قتيلاً في الحال وأخذوها. إثر ذلك، اجتمع أهالي البلدة ونصحوا بعضهم بألا يقاوموا هؤلاء الأشخاص «لأن لا سيارة أو مال يساوي إزهاق روح من أجله».

وفي كل بلدة يدخلونها، يتسابق جنود «الدعم السريع» بجنون للبحث عن السيارات الفخمة ذات المحركات الكبيرة (الدفع الرباعي)، ويركزون على الموديلات الجديدة من «البيك أب» (البكاسي)، وأحياناً تجري بينهم اشتباكات عنيفة بالرصاص الحي للفوز بإحدى تلك السيارات، ويسقط على أثرها قتلى وسطهم.

ويروي شاهد عيان، قطع ساعات طويلة سيراً على الأقدام من ود مدني إلى القرية، بذهول مشاهد تفوق حد التصور. يقول: «أخذوا كل شيء، وكل ما يخطر على البال، من سيارات ودراجات نارية وآليات زراعية. نقلوا البضائع والأثاث في شاحنات مسروقة، واتجهوا بها نحو العاصمة الخرطوم».

خنادق ومتاريس وحراسات

وقد دفع الخوف أهالي بعض البلدات إلى حفر الخنادق وإقامة متاريس لمنع دخول سيارات «الدعم السريع»، وهم يتناوبون في مجموعات، ليل نهار، حماية لأرواحهم وممتلكاتهم. وأكثر ما يخشونه وقوع اعتداءات جنسية على نسائهم وبناتهم. ويقول بعضهم: «سنواجه بنادقهم بأيادينا العارية، ولو كلفنا ذلك أرواحنا».

وأعادت تلك الأحداث مناطق الجزيرة سنين طويلة إلى الوراء، إذ توقفت محركات السيارات قسراً، وأصبح السكان يعمدون في تحركاتهم المحدودة إلى السير على الأقدام، أو الاعتماد على «الكاروهات» وهي عربات تجرها الخيول والحمير، ينقلون بها مرضاهم إلى المراكز الطبية في البلدات المجاورة، ويحملون عليها احتياجاتهم من السلع الأساسية، مثل السكر والدقيق، التي خلت منها المتاجر، مع حالة الهلع والذعر من دخول قوات «الدعم السريع» إلى الولاية.

يقول (ك. ف): «إنهم يخدعوننا. يحدثوننا عن المتفلتين ولا يفعلون شيئاً لإيقافهم»، ويضيف: «الحقيقة أن كل هذه الأفعال يقوم بها مسلحو (الدعم السريع) ممن يرتدون أزياء عسكرية أو مدنية، وشاهدناها بأعيننا».

وتحدث مواطنون في عدد من البلدات عن أن قوات «الدعم السريع» اجتمعت بالأعيان وكبار القوم، وعرضت عليهم تسليح أعداد محددة من الشباب لحماية مناطقهم من «المتفلتين»، ووجد هذا المقترح قبولاً لدى البعض، ورفضه آخرون خوفاً من مآلاته.

وعلى الرغم من الاتفاقات التي عقدتها المجتمعات المحلية مع القادة العسكريين لـ«الدعم السريع» في تلك المناطق، لم تتوقف عمليات النهب والسلب والاعتداء على المواطنين العزل، حتى في وجود سيارات عسكرية وجنود مدججين بالسلاح يتبعون لهم يحرسون مداخل البلدات الريفية.

ولا تبدو عمليات النهب والإرهاب والترويع التي تعرض لها المواطنون في تلك البلدات في نظر كثيرين عمل «متفلتين» أو «حوادث فردية عشوائية».

يقول ميرغني أبشر، الذي طلب عدم ذكر اسم بلدته: «لم يكن أمامنا سوى إظهار بعض الولاء لقوات (الدعم السريع). خرجنا لاستقبالهم خوفاً منهم». ويتابع: «كنا مجبرين على التعامل معهم لنأمن شرهم، إذ لا يوجد جيش يحمينا. لقد انسحب وتركنا نواجه مصيرنا وحدنا».

ويواصل أبشر: «لم نعد نحتمل مواجهة الخوف والموت بلا سبب، ولم يكن أمامنا خيار سوى أن نطلب منهم تسليح شبابنا لحماية أنفسنا منهم».

والسيناريو الأكثر خطورة الذي تمضي إليه الأوضاع في أرياف ولاية الجزيرة هو الرغبة والاستعداد الكبير الذي يبديه الأهالي للحصول على أسلحة نارية لحماية أنفسهم، في وقت يواصل أنصار النظام المعزول حشد المواطنين تحت دعاوى المقاومة الشعبية.


مقالات ذات صلة

رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

شمال افريقيا القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)

رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

حمّل رئيس حكومة «تأسيس» المدعومة من قوات «الدعم السريع»، محمد الحسن التعايشي، الحركة الإسلامية مسؤولية إدخال الاغتيالات السياسية إلى البلاد

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

في خطوة عدّها البعض تُكرس تقسيم السودان إلى دولتين، أعلنت حكومة «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في مناطقها.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا صورة جوية لملاجئ مؤقتة بمخيم أدري في تشاد للسودانيين الذين فرّوا من الصراع بدارفور (رويترز)

السودان يمدد فتح معبر «أدري» مع تشاد وسط ضغوط دولية

أعلنت وزارة الخارجية السودانية تمديد فتح معبر «أدري» على الحدود مع تشادية لـ3 أشهر أخرى، أمام المعونات الإنسانية وسط ضغوط دولية ومخاوف أمنية.

أحمد يونس (كمبالا)
العالم العربي «محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

تشهد رحلات العودة الطوعية للسودانيين من مصر إلى بلادهم، زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا لقطة من فيديو متداول لآثار المعارك في الدلنج السبت

«مسيّرات» طرفي النزاع تحصد عشرات السودانيين

قتلت «مسيّرات» تابعة لطرفَي النزال في السودان؛ الجيش و«قوات الدعم السريع»، عشرات المواطنين وجرحت آخرين، خلال عمليات عسكرية استهدفت مناطق سيطرة كل منهما.

أحمد يونس (كمبالا)

مفترق طرق أميركي ــ عراقي

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفترق طرق أميركي ــ عراقي

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات الأميركية ـ العراقية مفترق طرق جديداً بعد تحذيرات حادة أطلقتها سفارة واشنطن في بغداد، أمس (الخميس)، شملت دعوة الرعايا الأميركيين إلى مغادرة العراق «فوراً»، والتنبيه إلى احتمال هجمات تنفذها ميليشيات متحالفة مع إيران خلال 24 إلى 48 ساعة.

وتزامن التصعيد الدبلوماسي مع إعلان مكافأة قدرها 3 ملايين دولار مقابل معلومات عن منفذي الهجمات على المنشآت الأميركية، ومع ضربات جوية استهدفت مواقع لفصائل مسلحة في الأنبار ونينوى من دون خسائر بشرية معلنة.

وقال مستشار سابق لدى الحكومة العراقية، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن التحذير الصادر عن السفارة الأميركية «يُمثل مؤشراً إلى تراجع الثقة بقدرة بغداد على اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الفصائل المسلحة»، مضيفاً أن السياسة الأميركية «انتقلت من منح الحكومة مساحة للتحرك إلى ممارسة ضغط مباشر عليها لإظهار موقف واضح».

في المقابل، شدد ائتلاف «إدارة الدولة» على رفض انتهاك السيادة العراقية، ومنع استخدام أراضي البلاد للاعتداء على دول الجوار.


من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تتواصل الضربات لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة في عدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا قد يمهد لقيود جديدة تجاه الجماعة، التي تصنفها دول عربية «إرهابية».

تلك التحركات ضد «الإخوان» سلّط إعلام مصري الضوء عليها بكثافة، وعدّها خبراء «خطوة للأمام متأخرة أوروبياً، واستكمالاً لحصار أنشطتها في العالم». وتوقعوا «عمليات ترحيل للعناصر المتورطة في أعمال عنف من دول أوروبية للقاهرة لمحاسبتهم قضائياً».

وأفادت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الأربعاء، بأن «هولندا تتحرك لحظر (الإخوان)»، لافتة إلى أن «هناك تصويتاً برلمانياً يفتح باب المواجهة في أوروبا».

وتحدث الموقع الإلكتروني لصحيفة «الأخبار» الرسمية بمصر، الثلاثاء، عن أن هناك «مخاوف تتنامى للقيادات والكوادر والعناصر (الإخوانية) الهاربة بدولة هولندا من قيام أجهزتها الأمنية بإرجاء النظر في منح الحاصلين منهم على حقّ اللجوء السياسي للجنسية الهولندية. الأمر الذي قد يهدد بترحيل عدد منهم خارج الأراضي الهولندية».

وتأتي المخاوف مع إقرار البرلمان الهولندي، في مارس (آذار) الماضي، مقترحاً يدعو إلى حظر جماعة «الإخوان» والمنظمات المرتبطة بها، وصوّت كل من حزب «الاتحاد» (يمين وسط) وحزب «Plus 50» (وسط) لصالح الاقتراح، ما منحه أغلبية بـ76 مقعداً من أصل 150 مقعداً، ولم يدخل حيز التنفيذ بعد في ظل دراسة الحكومة آلياته.

الخبير الأمني المصري، اللواء فاروق المقرحي، يرى أن «هذه خطوة للأمام متأخرة لحصار خطر تلك الجماعة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الحراك يجب أن تتبعه قرارات بترحيل عناصر تلك الجماعة، لمحاسبتهم بالقانون على جرائمهم في حق مصر وشعبها».

فيما يضيف الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حظر فروع جماعة (الإخوان) من واشنطن، ثم تحرك أمستردام، وإمكانية امتداده لدول أوروبية أخرى، يعكس نجاعة القاهرة في ملاحقة (الإخوان) وتنامي القناعات العربية والدولية بخطر تلك الجماعة».

ويتوقع أديب أن يصل الحظر إلى دول أوروبية أخرى تباعاً، مثل ألمانيا وبلجيكا، حتى يتم إدراج «الإخوان» على «قوائم الإرهاب»، ويتم التعامل معها كـ«القاعدة» و«داعش» باعتبارهما تنظيمين متطرفين وإرهابيين.

ووفق تقرير حديث لـ«مركز تريندز للبحوث» في الإمارات، فإن موافقة البرلمان الهولندي تعدّ تطوراً لافتاً يعكس تنامي الوعي الأوروبي بمخاطر الإسلام السياسي، ومحطة مفصلية في مسار المواجهة الأوروبية.

ويشير التقرير إلى أن التحرك الهولندي في هذا التوقيت يستفيد من زخم دولي غير مسبوق، دشّنته الإدارة الأميركية، مطلع عام 2026، عبر سلسلة من قرارات التصنيف الإرهابي التي شملت فروعاً رئيسية للجماعة في الشرق الأوسط؛ لتنتقل المواجهة من مربع المراقبة السلبية إلى مربع المواجهة المباشرة والتفكيك المؤسسي ونهاية سياسة الاحتواء.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، صنّفت واشنطن جماعة «الإخوان» بمصر، رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، وتلاه في مارس الماضي وضع فرعها في السودان بالقائمة ذاتها.

ووافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي في يناير الماضي على دعوة المفوضية الأوروبية، لإضافة جماعة «الإخوان» وقادتها إلى قائمة المنظمات الإرهابية.

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان»، «جماعة إرهابية» منذ عام 2013، و«تنتشر الجماعة في واشنطن وأوروبا تحت لافتات إسلامية، لا ترفع اسم الجماعة صراحة»، بحسب مراقبين.

ويأتي هذا الحراك الأوروبي مع خطوات مصرية لتجفيف منابع الجماعة وملاحقة عناصرها، وأحدثها قبل أيام مع بثّ وزارة الداخلية اعترافات قيادي بحركة «حسم» الإرهابية بشأن مخططات تخريبية كانت تستعد الحركة للقيام بها ضد الدولة المصرية.

ويعتقد المقرحي أن الضربات، التي تلاحق الجماعة أميركيا وأوروبياً وعربياً، ستجعل «الإخوان» تنغلق على نفسها، خاصة أن الضربات الأمنية في مصر متواصلة ضد عناصرها، ولم يغلق ملفهم، ولن يغلق مهما مرت السنوات.

ويؤكد أديب أن «قرارات الحظر ستؤدي إلى فرض قيود صارمة على الجماعة، تشمل حركة الأموال، وتنقل القيادات، والأنشطة والفعاليات التي يقومون بها»، كما يشير إلى أن «أوروبا، التي كانت تمثل ملاذاً لهذه التنظيمات وتوفر لها منصات إعلامية وحاضنة، سوف تشهد قيوداً حقيقية على بقائهم وعملهم، ما سيؤثر بشكل عام على نشاطهم، وتدفع لترحيل عناصر منهم إلى مصر»، وفق رأيه.


ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
TT

ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

وجد «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، نفسه أمام تساؤلات عديدة مجدداً بشأن حصوله فيما يبدو على «أسلحة جديدة» في ظل الحظر الدولي المفروض على ليبيا منذ عام 2011.

وجاءت هذه التساؤلات بعد تقرير لوكالة «رويترز»، الخميس، عن وجود ثلاث طائرات «مسيرة قتالية» جديدة أظهرتها صور أقمار اصطناعية تجارية في قاعدة «الخادم» الجوية بشرق ليبيا، يعتقد خبراء أنها «صينية وتركية الصنع»، دون نفي أو تأكيدات رسمية من «الجيش الوطني».

وتأتي هذه الأنباء في ظل سعي «الجيش الوطني» للتسلح، وتطوير أسلحته بقصد الدفاع عن سيادة البلاد، لكن قياداته دائماً ما تشكو الحظر الأممي وتداعياته.

طائرات في عرض عسكري بحضور حفتر في شرق ليبيا مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

وأمام أحاديث متضاربة بشأن إدخال الجيش أسلحة جديدة إلى ترسانته، فضّل مصدر عسكري ليبي عدم التحدث في هذا الأمر؛ لأنه غير مخوّل بالحديث إلى وسائل الإعلام، مكتفياً بالقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الملف «حساس وليس في سلطاتي الخوض فيه»، لتبقى الحقيقة معلقة أمام صور الأقمار الاصطناعية التي أظهرت الطائرات، بحسب «رويترز»، الخميس.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة خبراء، قالت إنهم بعد مراجعة صور الأقمار الاصطناعية «يرجحون» أن تكون إحدى المسيرات هي الطائرة فيلونغ - 1 (إف إل - 1) صينية الصنع، وهي طائرة استطلاع وهجوم متطورة. واتفق الخبراء الثلاثة على أن الطائرتين الأخريين تبدوان من طراز «بيرقدار تي بي 2» التركية الصنع، وهي طائرات أقل قوة، لكنهم لم يستبعدوا أن تكونا من طرازات أخرى.

ولا ينقطع الحديث عن سباق تسلح محموم بين طرفي النزاع في ليبيا، التي تخضع لحظر تصدير السلاح وفق قرار أممي، إبان الحرب الأهلية التي أعقبت «الثورة» ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

الباحث العسكري محمد الترهوني فضل التذكير بقرار مجلس الأمن الدولي بتخفيف حظر التسلح على ليبيا في مطلع عام 2025، والذي يسمح بتوريد أسلحة ومعدات لأغراض «الدفاع ومكافحة الإرهاب»، بناءً على طلب حكومي، مشيراً إلى أن هذا القرار «أسهم في رفع مستوى التسليح والجاهزية».

ورأى الترهوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن خطوة اقتناء الطائرات المسيرة «منطقية وضرورية»، بالنظر إلى ما أثبتته هذه الطائرات من كفاءة وفاعلية في ميادين القتال في الشرق الأوسط، مشيراً إلى «التحديات الأمنية على الشريط الحدودي مع دول الساحل والصحراء، بما في ذلك نشاط الجماعات المتطرفة العابرة للحدود».

وأضاف الترهوني موضحاً أن الطائرات توفر «أدوات مراقبة وهجوم حديثة لتعزيز قدرة الجيش على التصدي للتهديدات وحماية الأمن الوطني».

وتوصل «الجيش الوطني» الليبي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى اتفاق لشراء معدات عسكرية، بقيمة أربعة مليارات دولار من باكستان، تشمل طائرات مقاتلة من طراز «جيه إف - 17»، التي تم تطويرها بالتعاون مع الصين.

ويعتقد الترهوني أن الجيش عزز التعاون العسكري والتدريبي مع دول ذات وزن عسكري، مثل روسيا وبيلاروسيا وباكستان ومصر وتركيا، حيث حصل أفراد عسكريون ليبيون على دورات تدريبية متقدمة، ما رفع من «القدرة على التسليح والتأهب العملياتي».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وأشار الترهوني إلى الانفتاح الملحوظ للسلطات في شرق ليبيا على تركيا في المجالات العسكرية والاقتصادية وإعادة الإعمار، مؤكداً أن زيارات نائب القائد العام للجيش، الفريق صدام حفتر، إلى أنقرة أسهمت في تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي، بما في ذلك لقاءات مع رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين ووزير الدفاع.

ومنذ أعوام، قطع «الجيش الوطني» خطوات لتعزيز قوته، حيث أعلن إطلاق خطة «2030» لتطوير الجيش، كما استعرض قوته العسكرية في عرض ضخم في مايو الماضي، بمناسبة ذكرى إطلاق عملية الكرامة ضد الجماعات المتطرفة في شرق ليبيا.

ورغم ذلك، لا يستبعد محللون أن يبقى الحديث عن التسليح في ليبيا مفتوحاً على تساؤلات أخرى، في ضوء الصراع المستمر في البلاد بين شرقها وغربها، والقيود الدولية في مقابل الاحتياجات الأمنية المتصاعدة، علماً بأن «الجيش الوطني» خاض مواجهات مع تشكيلات مسلحة و«جماعات إرهابية» في شرق ليبيا وعلى حدودها الجنوبية من عام 2014.

ولم تتمكن «رويترز» من تحديد الجهة التي وردت منها الطائرات المسيرة أو متى حدث ذلك. ولم يرد «الجيش الوطني» الليبي وحكومتا الصين وتركيا، والشركتان المصنعتان للطائرات المسيرة، وهما «تشونغ تيان فيلونغ» الدفاعية التي تتخذ من مدينة شيآن مقراً، و«بايكار» ومقرها إسطنبول، على أسئلة تفصيلية. كما لم تعلق الحكومة التي ‌تتخذ من طرابلس مقراً أيضاً.