ما الأبعاد الجيوسياسية للصراع في البحر الأحمر؟

وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهات مع الحوثيين

لم تكن الضربات الأميركية البريطانية على مواقع الجماعة الحوثية مفاجأة وسبقتها تهديدات علنية (إكس)
لم تكن الضربات الأميركية البريطانية على مواقع الجماعة الحوثية مفاجأة وسبقتها تهديدات علنية (إكس)
TT

ما الأبعاد الجيوسياسية للصراع في البحر الأحمر؟

لم تكن الضربات الأميركية البريطانية على مواقع الجماعة الحوثية مفاجأة وسبقتها تهديدات علنية (إكس)
لم تكن الضربات الأميركية البريطانية على مواقع الجماعة الحوثية مفاجأة وسبقتها تهديدات علنية (إكس)

على مدى يومين متتاليين، وجّهت الولايات المتحدة وبريطانيا ضربات محددة على مراكز تابعة للحوثيين في اليمن، تقول إنها تستخدم لإطلاق الصواريخ والمسيرات لاستهداف سفن في البحر الأحمر، الأمر الذي أثار كثيراً من المخاوف، بحسب مراقبين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، من تداعيات جيوسياسية واسعة في المنطقة التي تحظى بأهمية استراتيجية، فضلاً عن إمكانية توسع نطاق المواجهة، في ظل تنافس إقليمي ودولي للهيمنة على الممرات الملاحية والتجارة الدولية.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية توجيه ضربة جديدة في الساعات الأولى من صباح السبت إلى منشأة رادار تابعة للحوثيين باستخدام صواريخ من طراز «توماهوك» أطلقت من السفينة الحربية «يو إس إس كارني». ونقلت شبكة تلفزيون «سي إن إن» عن مسؤول أميركي قوله إن ضربات السبت «أصغر بكثير» من حيث الحجم بالمقارنة بالهجمات الأميركية البريطانية على عدة محافظات في اليمن ليل الخميس الماضي.

طائرة تابعة لسلاح الجو البريطاني من طراز «تايفون» تقلع لتنفيذ ضربات جوية ضد أهداف عسكرية في اليمن (رويترز)

في المقابل، أعلن المجلس السياسي الأعلى للحوثيين أن كل المصالح الأميركية والبريطانية «أصبحت أهدافاً مشروعة» رداً على الضربات التي تعرضت لها مواقع الجماعة، حسبما أفاد تلفزيون «المسيرة» التابع للحوثيين. وتحدى الحوثيون إنذارات دولية لوقف هجماتهم على السفن التي تعبر البحر الأحمر، ما أدى إلى تشكيل تحالف تقوده الولايات المتحدة، تحت اسم «حارس الازدهار» لحماية الملاحة في جنوب البحر الأحمر.

نقطة تحول

رأى ريتشارد وايتز، مدير مركز التحليل السياسي العسكري في معهد هدسون بالولايات المتحدة، أن الضربات الأخيرة للحوثيين «نقطة تحول» في الاستراتيجية الأميركية للتعامل مع الحوثيين، ويمكن اعتبارها «تصحيحاً لأخطاء سابقة»، لافتاً إلى أن تعاظم القدرات العسكرية للحوثيين في منطقة تمثل مسرحاً لمصالح استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وحول العالم، فضلاً عن وضع الجماعة اليمنية «تعريفات فضفاضة لمعايير استهداف السفن»، دفع إدارة بايدن التي كانت قد رفعت الحوثيين من قائمة الإرهاب، وحاولت تجنب الصدام مع الجماعة، ومن ورائها إيران، إلى تغيير نهجها، واتباع استراتيجية ضرب مصادر الخطر كجزء من منظومة يرى أنها «لا تزال دفاعية» رغم الضربات الأخيرة.

وأوضح وايتز، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الولايات المتحدة سعت عبر الضربات الأخيرة إلى إطلاق عدة رسائل، منها الفصل بين ما يجري في غزة وبين أي تطورات على جبهات أخرى، وأنها ستتعامل مع أي استهداف لمصالحها في المنطقة بغضّ النظر عما يجري من صراع على جبهة غزة.

ثانياً أنها لن تتردد في «تحييد أذرع إيران» إذا ما تمادت في استهداف المصالح الأميركية، وثالثاً أن واشنطن تدرك حساسية مواقف بعض حلفائها الإقليميين من الانخراط المباشر في صراع ضد الحوثيين، لذا بادرت للتعامل المباشر مع مصادر التهديدات. واعتبر وايتز ذلك رسالة لأطراف عدة، منها «حزب الله» اللبناني، مفادها أن الولايات المتحدة لا تريد توسيع نطاق المواجهة في المنطقة، وخاصة مع إيران، لكنها في الوقت ذاته لن تتخذ موقفاً دفاعياً سلبياً إذا تغيرت قواعد الاشتباك أو استمر تهديد مصالحها.

جنّدت الجماعة الحوثية آلاف المسلحين مستغلة الحرب الإسرائيلية في غزة (إ.ب.أ)

وكانت المندوبة الأميركية لدى مجلس الأمن، ليندا توماس غرينفيلد، قد دافعت عن الهجمات التي شنّتها الولايات المتحدة بالاشتراك مع بريطانيا على جماعة الحوثي في اليمن، وقالت في جلسة مجلس الأمن، يوم الجمعة، إن الهجمات «كانت ضرورية ومتناسبة وتتسق مع القانون الدولي... وجزءاً من ممارسة الولايات المتحدة لحقّها في الدفاع عن النفس».

وشدّدت المندوبة الأميركية على أن الولايات المتحدة حاولت مواجهة خطر الهجمات على السفن في البحر الأحمر، دون اللجوء للقوة العسكرية، لكنها لم تتمكن، وأن بلادها لا ترغب في توسيع النزاع في المنطقة، وإنما «تريد نزع فتيل التوتر واستعادة الاستقرار في البحر الأحمر».

قواعد الاشتباك

ورأى اللواء محمد الحربي، الخبير الاستراتيجي السعودي، أن التصعيد الأميركي الأخير بتوجيه ضربات مركزة للقدرات الحوثية في المناطق الساحلية وبعض مواقع إطلاق الصواريخ ومنشآت الرادار «لا يزال ضمن قواعد الاشتباك المعمول بها في المنطقة، ولا يوحي بتوسع كبير في أمد وأفق الصراع».

ودلّل الحربي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على رأيه بعدم سقوط عدد كبير من الخسائر البشرية، وانسحاب سفن إيرانية من المنطقة قبيل تنفيذ الضربة بساعات معدودة، ما يبدو مؤشراً على وجود «ترتيبات تحت الطاولة» قبل توجيه الضربات، فضلاً عن قصف مواقع مرصودة سلفاً ومعروفة بنشاطها في توجيه الضربات الصاروخية وإطلاق المسيرات، كما أنها منتخبة بعناية لتكون بعيدة عن المواقع المدنية، إلا أنه ذهب كذلك إلى اعتبار الضربات بمثابة «رسالة شديدة اللهجة» لإيران وأذرعها في المنطقة.

وأعرب الخبير الاستراتيجي السعودي عن اعتقاده بأن قواعد الاشتباك في منطقة البحر الأحمر «لا تزال منضبطة»، لكنها قد تتغير إذا تمادى الحوثيون في استهدافهم للملاحة بالمنطقة التي عدّها ذات أهمية استراتيجية بالغة، سواء للولايات المتحدة أو لخصومها من الصينيين والروس، معتبراً الضربات الأولى بمثابة «خطوة مبدئية»، يُفهم منها أن الضربة التالية ستكون «قاصمة وأكثر اتساعاً وعمقاً، وربما لن تقتصر على الحوثيين».

وقبل أسبوع، أصدرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة و10 دول أخرى، منها ألمانيا وإيطاليا وأستراليا والبحرين واليابان، تحذيراً في بيان مشترك، تم تفسيره على نطاق واسع على أنه تهديد بالقيام بعمل عسكري ضد أهداف حوثية في اليمن، كأماكن تخزين الصواريخ وإطلاقها، وقالوا إن الهجمات تشكل «تهديداً مباشراً لحرية الملاحة التي تشكل حجر الأساس للتجارة العالمية في أحد أهم الممرات المائية في العالم».

تستغل الجماعة الحوثية الموانئ اليمنية في الساحل المطل على البحر منطلقاً لهجماتها في البحر الأحمر (رويترز)

تنافس دولي

من جانبه، أبدى اللواء أركان حرب ياسر سعد هاشم، رئيس القسم السياسي والعسكري في معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع (IGSDA)، اتفاقاً مع الرأي السابق، معتبراً الضربات الأميركية والبريطانية للقدرات الحوثية كانت «متوقعة»، بل إن توقيت الضربات «كاد يكون معروفاً» لتجنب سقوط خسائر بشرية بأعداد كبيرة، وهو ما عده «مؤشراً على عدم رغبة في إشعال صراع مفتوح».

وربط هاشم، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بين مجريات الأحداث في البحر الأحمر وبين التنافس الدولي على الممرات الملاحية في العالم، خاصة بين الصين وروسيا من جانب، وبين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جانب آخر، مشيراً إلى أن الضربة الأخيرة إعلان واضح من جانب الولايات المتحدة على أنها حاضرة على مسرح العمليات في المنطقة التي تحظى بأهمية استراتيجية بالغة لمختلف الأطراف، لافتاً إلى الرفض الروسي والصيني للتصويت على القرار الصادر من مجلس الأمن بشأن التهديدات في البحر الأحمر، لإدراكهما أن واشنطن كانت ستتحرك، سواء بغطاء أممي أو من دونه، وربما أرادت موسكو وبكين «توريط الأميركيين في الصراع».

مقاتلة «تايفون» بريطانية تعود إلى قاعدة عسكرية في قبرص بعد تنفيذها عملية عسكرية في اليمن (أ.ف.ب)

وأضاف أن الصراع الواسع بين الولايات المتحدة من جانب، وروسيا والصين من جانب آخر، ومحاولة الأخيرتين توسيع مناطق نفوذهما (روسيا باتجاه أوكرانيا، والصين تجاه تايوان وبحر الصين الجنوبي)، قد يكون هو الحافز لهما في تحدي واشنطن، من خلال الإيحاء لأنظمة حاكمة في إيران وكوريا الشمالية وغيرهما لتهديد مناطق تعتبرها أميركا ضمن أولوياتها الاستراتيجية، في إطار خلق «عملية مقايضة سياسية واسعة». وشدّد على أنه من واجب حكومات وشعوب المنطقة أن «تنأى بنفسها عن هذا الصراع الخطير الذى يعتبر المنطقة ساحة مواجهة خلفية لا أكثر».

ورأى رئيس القسم السياسي والعسكري بمعهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، وهو مؤسسة فكرية غير ربحية متخصصة في أبحاث الأمن، ومقره الإمارات، أن التطور الجديد وانخراط الولايات المتحدة في مواجهة مع الحوثيين يفتح الأفق أمام تطورين مهمين، يتعلق أولهما بتصاعد احتمالات المواجهة مع إيران التي ترتبط بها جماعة الحوثي عقائدياً وتسليحياً، وإن زعمت استقلالية قرارها السياسي. أما الثاني فيشير إلى تحدي تعامل واشنطن مع الميليشيات التي تسيطر على إقليم من الأرض، وهي حالة متكررة في المنطقة العربية في اليمن وسوريا وغزة، وهو تحدٍ أصعب من مواجهة دولة أو تنظيم إرهابي، لأن التدخل يكون محفوفاً باحتمالات تعرض مدنيين ومدن ومناطق آهلة بالسكان للخطر، وهو وضع تراه الولايات المتحدة «خطراً ينبغي تفكيكه لأنه يمثل تحدياً»، خصوصاً إذا كانت تلك الميليشيات تسيطر على مناطق ذات أهمية استراتيجية.

الهجمات الحوثية في البحر الأحمر تؤثر في قناة السويس (أرشيفية - رويترز)

ويمر عبر البحر الأحمر ما يقرب من 15 في المائة من التجارة العالمية المنقولة بحراً، وتربط قناة السويس المصرية بينه وبين البحر الأبيض المتوسط، وهو أقصر طريق شحن بين أوروبا وآسيا، كما يكمن الخوف في ارتفاع أسعار الوقود التي سجلت ارتفاعاً خلال الأسابيع الأخيرة، وتضرر سلاسل التوريد.

وتقول غرفة الشحن الدولية إن 20 في المائة من سفن الحاويات في العالم باتت تتحاشى حالياً طريق البحر الأحمر، وتستخدم بدلاً من ذلك الطريق الأطول بكثير حول الطرف الجنوبي لأفريقيا، أو ما يعرف بطريق «رأس الرجاء الصالح»، واعترفت قناة السويس قبل يومين، في بيان، بتراجع عدد السفن العابرة بنحو 30 في المائة.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد رئيس مجلس الوزراء يشهد توقيع اطلاق المشروع (الشرق الأوسط)

مصر: إطلاق مشروع سياحي وسكني بالعين السخنة بقيمة مليار دولار

شهد مجلس الوزراء المصري، الأحد، إطلاق مشروع «أبراج ومارينا المونت جلالة» بالعين السخنة، باستثمارات تبلغ قيمتها 50 مليار جنيه (نحو مليار دولار).

صبري ناجح (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الممثل الشخصي لسكرتير عام حلف «الناتو» لشؤون الجوار الجنوبي الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على وحدة الصومال وتُحذر من زعزعة استقرار «القرن الأفريقي»

شددت مصر، الثلاثاء، على تمسكها بوحدة وسيادة الصومال على أراضيه، محذرةً من أن يؤدي الاعتراف إسرائيل بما يسمى "أرض الصومال"، إلى تقويض أسس الاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

آبي أحمد يزور جيبوتي ويعيد الجدل بشأن «صفقة المنفذ البحري»

زار رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، جيبوتي، وركز على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر بسبب تمسكه بحصول بلاده، الحبيسة، على منفذ بالبحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)
خاص وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)

خاص وزير الخارجية الصومالي: أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية غير قابل للحياة

وجّه وزير الخارجية الصومالي تحذيراً واضحاً من مغبة أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية، معتبراً أن مثل هذه الخطوات غير قابلة للحياة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
TT

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي» الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، وأبلغ الوفد رئيس الحكومة نواف سلام بملاحظاته على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف واسترداد الودائع.

وتتزامن الزيارة مع مناقشة اللجان البرلمانية لمشروع قانون «الفجوة المالية» واسترداد الودائع العالقة في المصارف منذ 2019، وهو مشروع قانون أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب لدراسته. كما تأتي الجولة عقب إقرار قانون الموازنة العامة للعام الحالي.

لقاء مثمر

وبحث الوفد في بيروت، الخطوات التي تؤدي إلى اتفاق مع صندوق النقد، سبق أن تعثر إبرامه في ربيع عام 2022. واستقبل رئيس الحكومة نواف سلام الوفد برئاسة إرنستو راميريز ريغو.

وأكد سلام أن اللقاء «كان إيجابياً ومثمراً، حيث تم البحث في ملاحظات الصندوق على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف، إضافةً إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع». وأشارت رئاسة الحكومة اللبنانية في بيان إلى أن البحث «تناول الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق».

كذلك، زار الوفد رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ويتابع وفد الصندوق الخطوات التشريعية لقانون «الفجوة المالية» الذي يرى مسؤولون ماليون لبنانيون أن ثغرات قانونية وإجرائية في المشروع الحكومي، «تتنافى مع توصيات الصندوق»، ولا سيما ما يخص تطوير خطة «قيد الخسائر وتوزيعها، واستعادة قوة القطاع المصرفي بما يتناغم مع المعايير الدولية واعتبارات حماية صغار المودعين واستدامة القدرة على تحمل الدين العام».


قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
TT

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول القطاعات الإنتاجية اللبنانية والصادرات إلى الدول العربية وقطاع النقل البري، فضلاً عن انعكاسات سلبية على تكلفة التبادل التجاري، والقطاعات الإنتاجية في البلدين، لا سيّما الزراعة والصناعات الغذائية.

كانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا أصدرت الأحد قراراً جديداً ينظّم حركة الشحن عبر المنافذ البرية والمرافئ البحرية، متضمناً قيوداً على دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية، ويقضي بإلزامها بتفريغ حمولتها داخل الساحات الجمركية ونقلها إلى شاحنات سورية، واستثنى القرار الشاحنات العابرة بنظام «الترانزيت».

تحركات لبنانية

وعُقِدَ اجتماع موسّع في المديرية العامة للنقل البري والبحري، ضمّ ممثلين عن اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، والمصدّرين والوكلاء البحريين ووسطاء النقل، إضافة إلى ممثل عن وزارة الزراعة ورئيس مصلحة النقل البري طوني عساف، خُصّص لبحث تداعيات القرار.

مشاركون في اجتماع المديرية العامة للنقل البري والبحري في بيروت لمناقشة القرار السوري (الوكالة الوطنية)

وأجمع الحاضرون على أنّ القرار «انعكس سلباً على قطاع النقل البري اللبناني وشركات الشحن والترانزيت، وعلى السائقين والعاملين في هذا القطاع، إضافة إلى المصدّرين اللبنانيين، لا سيّما في ما يتعلّق بالمواد الغذائية والسلع القابلة للتلف»، محذّرين من تراجع حجم وانسيابية حركة التبادل التجاري بين الجانبين.

كما رأى المجتمعون أنّ المسار الدبلوماسي لم يفضِ، حتى الآن، إلى معالجة تضمن التوازن في حركة النقل البري بين البلدين، رافضين تحميل القطاع اللبناني أعباء إضافية ناتجة عن إجراءات أحادية الجانب. ودعوا وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إلى اتخاذ إجراءات تحمي القطاع، بما فيها اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل إلى حين إعادة تطبيق أحكام الاتفاقية النافذة.

سوريا متنفس أساسي

في قراءة اقتصادية أوسع، قال رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد لـ«الشرق الأوسط»، إنّه يتمنّى أن تكون الإجراءات المتّخذة «مؤقّتة وقابلة للإزالة، بما يسمح بعودة الأمور إلى طبيعتها»، مذكّراً بأنّ سوريا تشكّل «متنفّساً أساسياً للبنان، سواء لجهة الصناعة أو الزراعة».

وأوضح أنّ «هناك مساعي وإجراءات قيد البحث لمعالجة التداعيات»، معرباً عن أمله في أن تتمّ المعالجة «من خلال سياسة واضحة للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين لبنان وسوريا، تقوم على الشفافية الكاملة، وتراعي مصالح البلدين على حدّ سواء».

وأكد عربيد أنّ «أي قرار من هذا النوع يترك انعكاسات مباشرة، لا سيّما على تصدير الخضار والفاكهة وسائر المنتجات»، معتبراً أنّ ذلك «يضغط أكثر على قطاع إنتاجي يعاني أساساً من أوضاع صعبة»، وشدد على أنّ لبنان «بحاجة ماسّة إلى تسهيل التصدير، وتسهيل العبور والنقل، بوصفها ركائز أي مقاربة جديّة للتبادل التجاري بين بلدين جارين تربطهما علاقات اقتصادية تاريخية».

تكلفة مرتفعة

في المقابل، قدّم مدير «المعهد اللبناني لدراسات السوق»، الدكتور باتريك مارديني، قراءة تقنية - اقتصادية للقرار، موضحاً أنّه «سيؤدي إلى ارتفاع التكلفة، ولا سيما على المستهلك السوري». ولفت إلى أنّ «السلطات السورية منعت الشاحنات الأجنبية من تفريغ أو تحميل بضائعها داخل سوريا، ما فرض اعتماد نظام (باك تو باك)، حيث تُفرغ الشاحنات حمولتها عند الحدود لتتسلّمها شاحنات سورية، والعكس صحيح».

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا خلال اعتصام رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

ورأى مارديني أنّ «هذا النظام يزيد التكلفة والوقت، ويعقّد العمليات اللوجستية، الأمر الذي ينعكس سلباً على المستهلك السوري، في بلد خارج من حرب ويعتمد بشكل كبير على الاستيراد، سواء للمواد الغذائية أو للأدوية وسائر السلع الأساسية».

وأشار إلى أنّ «المرحلة السابقة شهدت تسهيلاً لعمليات الاستيراد والتصدير في سوريا، ما أدّى إلى انخفاض ملحوظ في أسعار السلع الاستهلاكية بعد كسر الاحتكارات الداخلية، وهو ما استفاد منه المستهلكون، لا سيّما الفئات الأكثر فقراً»، معتبراً أنّ «القرار الجديد يُعيد تعزيز هذه الاحتكارات، إذ يخفّف من رغبة الدول المجاورة في التصدير إلى سوريا أو الاستيراد منها، بسبب ارتفاع التكلفة وزيادة الوقت والمخاطر، خصوصاً بالنسبة للمنتجات الزراعية القابلة للتلف».

وفي ما يتعلّق بالأرقام، أكّد مارديني أنّه «لا توجد بعد تقديرات رسمية للخسائر أو للانعكاسات الاقتصادية على لبنان»، معتبراً أنّ «الوقت لا يزال مبكراً لإعطاء أرقام دقيقة»، مشيراً إلى أنّ «تجارب سابقة أظهرت أنّ تغيّر سلاسل الإمداد قد يكلّف ما بين مليونين وعشرة ملايين دولار، تبعاً لسرعة معالجة الأزمة وكيفية تطبيق الإجراءات».

إنعاش قطاع النقل السوري

وعن خلفيات القرار، أوضح أنّ «هناك رغبة لدى الحكومة السورية في إعادة إنعاش قطاع النقل الذي تضرّر خلال الحرب، من خلال اعتماد نوع من سياسات الحماية»، إلا أنّه شدّد على أنّ «هذه السياسة، وإن هدفت إلى دعم قطاع النقل، تؤدي عملياً إلى الإضرار بالاقتصاد السوري ككل، وبالمصدرين السوريين، نتيجة ارتفاع التكلفة وطول مدة النقل، ما يضعف قدرتهم التنافسية إقليمياً». كما أشار إلى «محاولة موازية لإعادة تنشيط المرافئ السورية، في ظل اعتماد السوق السورية حالياً على مرافئ خارجية، مثل مرفأ بيروت أو المعابر عبر الأردن».

وأكد أنّ «تأثير القرار على القطاعات الإنتاجية، سواء الزراعية أو الصناعية، هو تأثير متبادل، إذ تزداد أكلاف تصدير المنتجات اللبنانية إلى سوريا، كما ترتفع أكلاف تصدير المنتجات السورية إلى لبنان»، معتبراً أنّ هذه السياسات تمثّل «خسارة للطرفين» من الناحية الاقتصادية.

خسائر فورية

بدوره، وصف رئيس «الاتحاد الوطني للفلاحين في لبنان» إبراهيم الترشيشي القرار بأنّه «مرتبك، ولا يستند إلى أي دراسة عادلة أو مدروسة»، لافتاً إلى أنه «أدّى إلى إرباك كبير وأضرار جسيمة».

وأوضح أنّ «التنفيذ الفوري ألحق خسائر مباشرة بأصحاب الشاحنات وبالتجّار والمزارعين، مع تلف بضائع زراعية حساسة، لا سيّما الموز، وارتفاع تكلفة الشاحنة المبرّدة بما يتراوح بين 500 و600 دولار إضافية، فضلاً عن أعباء التنزيل والتحميل والتأخير».

وأشار إلى أنّ لبنان «يصدّر يومياً ما بين 10 و15 شاحنة موز إلى سوريا، إضافة إلى سلع صناعية وغذائية أخرى باتت تتحمّل الأعباء نفسها، ما ينعكس خسائر على المنتج والمستهلك في آنٍ واحد». وشدّد على أنّ لبنان «ليس المقصود بهذا القرار»، رافضاً منطق المعاملة بالمثل، ومؤكداً أنّ «لبنان كان وسيبقى مع أشقائه العرب»، وحذّر من تداعيات هذا الإجراء، معتبراً أنّه «سيرفع تكلفة النقل وتكلفة الإنتاج، ما سينعكس سلباً على كلٍّ من المنتج والمستهلك في آنٍ واحد»، مؤكّداً أنّ «أي تصعيد من هذا النوع بين دولتين لا يصبّ في مصلحة الشعب، ولا يخدم الإنتاج الوطني».

Your Premium trial has ended


تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
TT

تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، الثلاثاء، حرص بلاده على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها، مشدداً على أن قرار نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين في السجون والمعتقلات السورية إلى العراق جاء «بقرار عراقي سيادي»؛ يهدف إلى حماية الأمن الوطني والإقليمي والدولي، في حين أكد مسؤول أمني بارز أن تحقيقات العراق مع السجناء «بدأت من الصفر».

وجاءت تصريحات السوداني خلال استقباله سفير الأردن في بغداد، ماهر سالم الطراونة، حيث ناقش الجانبان تطورات الملف الأمني الإقليمي، إلى جانب سبل تعزيز التعاون الثنائي والثلاثي بين العراق والأردن ومصر، بما يسهم في دعم الاستقرار بالمنطقة.

وأعرب السفير الأردني عن شكر بلاده للعراق على «دوره المحوري في حفظ أمن المنطقة واستقرارها»، مؤكداً استعداد عمّان للتعاون في ملف نقل سجناء «داعش» وتعزيز إجراءات الأمن الإقليمي.

تحقيقات قضائية

ووفق بيانات أمنية عراقية، فقد بلغ إجمالي عدد عناصر تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من السجون والمعتقلات السورية إلى العراق حتى الآن 4583 عنصراً، من أصل ما بين 7 و8 آلاف معتقل، ينتمون إلى 42 دولة عربية وأجنبية.

وقال رئيس «خلية الإعلام الأمني» في «قيادة العمليات المشتركة»، الفريق سعد معن، إن عمليات النقل ما زالت مستمرة «جواً وبراً، وعلى شكل دفعات»، ووفق إجراءات أمنية مشددة، وصولاً إلى «أماكن احتجاز مؤمنة بالكامل»، مؤكداً أنه «لا مجال لحدوث أي خروقات».

وأوضح معن، في تصريحات متلفزة، أن نقل المعتقلين جاء نتيجة «ثقة المجتمع الدولي بالعراق»، إضافة إلى «حق العراقيين في الكشف عن حجم الجرائم والظلم الذي تعرضوا له»، مشيراً إلى أن التحقيقات القضائية مع المعتقلين بدأت منذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، وأنه يشرف عليها قضاة كبار في محكمة تحقيق بغداد - الكرخ.

حافلات تنقل «دواعش» من سوريا إلى العراق بمدينة القامشلي السورية (رويترز)

قيادات خطرة

وكشفت التحقيقات الأولية، وفق المسؤول الأمني، عن وجود «عناصر شديدة الخطورة وقيادات كبيرة في تنظيم (داعش)»، بعضهم متورط في جرائم مباشرة ضد العراقيين منذ عام 2014، فيما أظهرت التحقيقات أن عدداً منهم استخدم أسلحة كيمياوية في تنفيذ هجمات داخل العراق.

وأكد معن أن القضاء العراقي باشر التحقيق «من الصفر» رغم امتلاك الأجهزة الأمنية معلومات واسعة عن كثير من المتهمين، متوقعاً أن تستمر التحقيقات «أشهراً عدة»، وأن تسفر عن نتائج مهمة لتحديد المسؤوليات الجنائية بدقة.

وأشار إلى أن الجانب السوري لم يُجرِ محاكمات بحق عناصر التنظيم؛ مما يتيح للعراق محاكمتهم وفق قانون العقوبات العراقي وقانون مكافحة الإرهاب، وبما يتناسب مع الاختصاص المكاني والجرائم المرتكبة، لافتاً إلى أن المعتقلين يمثلون العراق وسوريا إلى جانب عشرات الدول الأخرى.

«قنبلة موقوتة»

ووصف رئيس «خلية الإعلام الأمني» عناصر «داعش» المنقولين من سوريا بأنهم «قنبلة بشرية موقوتة لو كانوا خارج السجون»، مؤكداً أن احتجازهم في سجون عراقية مؤمنة «جنّب المنطقة أخطاراً جسيمة».

وشدد على أن العراق بات «رأس حربة في محاربة الإرهاب»، ويتمتع بتنسيق وتعاون أمني مستمر مع مختلف دول العالم، إلى جانب جهود داخل السجون لتفكيك الفكر المتطرف عبر لجان حكومية ومستشاري الأمن القومي.

في موازاة ذلك، أكد معن أن العمليات العسكرية والاستخبارية ضد خلايا «داعش» النائمة مستمرة، وأن القوات العراقية تنفذ عمليات استباقية وضربات دقيقة، مشيراً إلى أن الشريط الحدودي مع سوريا «مؤمّن بشكل كامل» بقوات قتالية وتحصينات واسعة، وأن لدى العراق «رؤية شاملة لما يجري خارج حدوده»، على حد تعبيره.