ما الأبعاد الجيوسياسية للصراع في البحر الأحمر؟

وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهات مع الحوثيين

لم تكن الضربات الأميركية البريطانية على مواقع الجماعة الحوثية مفاجأة وسبقتها تهديدات علنية (إكس)
لم تكن الضربات الأميركية البريطانية على مواقع الجماعة الحوثية مفاجأة وسبقتها تهديدات علنية (إكس)
TT

ما الأبعاد الجيوسياسية للصراع في البحر الأحمر؟

لم تكن الضربات الأميركية البريطانية على مواقع الجماعة الحوثية مفاجأة وسبقتها تهديدات علنية (إكس)
لم تكن الضربات الأميركية البريطانية على مواقع الجماعة الحوثية مفاجأة وسبقتها تهديدات علنية (إكس)

على مدى يومين متتاليين، وجّهت الولايات المتحدة وبريطانيا ضربات محددة على مراكز تابعة للحوثيين في اليمن، تقول إنها تستخدم لإطلاق الصواريخ والمسيرات لاستهداف سفن في البحر الأحمر، الأمر الذي أثار كثيراً من المخاوف، بحسب مراقبين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، من تداعيات جيوسياسية واسعة في المنطقة التي تحظى بأهمية استراتيجية، فضلاً عن إمكانية توسع نطاق المواجهة، في ظل تنافس إقليمي ودولي للهيمنة على الممرات الملاحية والتجارة الدولية.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية توجيه ضربة جديدة في الساعات الأولى من صباح السبت إلى منشأة رادار تابعة للحوثيين باستخدام صواريخ من طراز «توماهوك» أطلقت من السفينة الحربية «يو إس إس كارني». ونقلت شبكة تلفزيون «سي إن إن» عن مسؤول أميركي قوله إن ضربات السبت «أصغر بكثير» من حيث الحجم بالمقارنة بالهجمات الأميركية البريطانية على عدة محافظات في اليمن ليل الخميس الماضي.

طائرة تابعة لسلاح الجو البريطاني من طراز «تايفون» تقلع لتنفيذ ضربات جوية ضد أهداف عسكرية في اليمن (رويترز)

في المقابل، أعلن المجلس السياسي الأعلى للحوثيين أن كل المصالح الأميركية والبريطانية «أصبحت أهدافاً مشروعة» رداً على الضربات التي تعرضت لها مواقع الجماعة، حسبما أفاد تلفزيون «المسيرة» التابع للحوثيين. وتحدى الحوثيون إنذارات دولية لوقف هجماتهم على السفن التي تعبر البحر الأحمر، ما أدى إلى تشكيل تحالف تقوده الولايات المتحدة، تحت اسم «حارس الازدهار» لحماية الملاحة في جنوب البحر الأحمر.

نقطة تحول

رأى ريتشارد وايتز، مدير مركز التحليل السياسي العسكري في معهد هدسون بالولايات المتحدة، أن الضربات الأخيرة للحوثيين «نقطة تحول» في الاستراتيجية الأميركية للتعامل مع الحوثيين، ويمكن اعتبارها «تصحيحاً لأخطاء سابقة»، لافتاً إلى أن تعاظم القدرات العسكرية للحوثيين في منطقة تمثل مسرحاً لمصالح استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وحول العالم، فضلاً عن وضع الجماعة اليمنية «تعريفات فضفاضة لمعايير استهداف السفن»، دفع إدارة بايدن التي كانت قد رفعت الحوثيين من قائمة الإرهاب، وحاولت تجنب الصدام مع الجماعة، ومن ورائها إيران، إلى تغيير نهجها، واتباع استراتيجية ضرب مصادر الخطر كجزء من منظومة يرى أنها «لا تزال دفاعية» رغم الضربات الأخيرة.

وأوضح وايتز، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الولايات المتحدة سعت عبر الضربات الأخيرة إلى إطلاق عدة رسائل، منها الفصل بين ما يجري في غزة وبين أي تطورات على جبهات أخرى، وأنها ستتعامل مع أي استهداف لمصالحها في المنطقة بغضّ النظر عما يجري من صراع على جبهة غزة.

ثانياً أنها لن تتردد في «تحييد أذرع إيران» إذا ما تمادت في استهداف المصالح الأميركية، وثالثاً أن واشنطن تدرك حساسية مواقف بعض حلفائها الإقليميين من الانخراط المباشر في صراع ضد الحوثيين، لذا بادرت للتعامل المباشر مع مصادر التهديدات. واعتبر وايتز ذلك رسالة لأطراف عدة، منها «حزب الله» اللبناني، مفادها أن الولايات المتحدة لا تريد توسيع نطاق المواجهة في المنطقة، وخاصة مع إيران، لكنها في الوقت ذاته لن تتخذ موقفاً دفاعياً سلبياً إذا تغيرت قواعد الاشتباك أو استمر تهديد مصالحها.

جنّدت الجماعة الحوثية آلاف المسلحين مستغلة الحرب الإسرائيلية في غزة (إ.ب.أ)

وكانت المندوبة الأميركية لدى مجلس الأمن، ليندا توماس غرينفيلد، قد دافعت عن الهجمات التي شنّتها الولايات المتحدة بالاشتراك مع بريطانيا على جماعة الحوثي في اليمن، وقالت في جلسة مجلس الأمن، يوم الجمعة، إن الهجمات «كانت ضرورية ومتناسبة وتتسق مع القانون الدولي... وجزءاً من ممارسة الولايات المتحدة لحقّها في الدفاع عن النفس».

وشدّدت المندوبة الأميركية على أن الولايات المتحدة حاولت مواجهة خطر الهجمات على السفن في البحر الأحمر، دون اللجوء للقوة العسكرية، لكنها لم تتمكن، وأن بلادها لا ترغب في توسيع النزاع في المنطقة، وإنما «تريد نزع فتيل التوتر واستعادة الاستقرار في البحر الأحمر».

قواعد الاشتباك

ورأى اللواء محمد الحربي، الخبير الاستراتيجي السعودي، أن التصعيد الأميركي الأخير بتوجيه ضربات مركزة للقدرات الحوثية في المناطق الساحلية وبعض مواقع إطلاق الصواريخ ومنشآت الرادار «لا يزال ضمن قواعد الاشتباك المعمول بها في المنطقة، ولا يوحي بتوسع كبير في أمد وأفق الصراع».

ودلّل الحربي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على رأيه بعدم سقوط عدد كبير من الخسائر البشرية، وانسحاب سفن إيرانية من المنطقة قبيل تنفيذ الضربة بساعات معدودة، ما يبدو مؤشراً على وجود «ترتيبات تحت الطاولة» قبل توجيه الضربات، فضلاً عن قصف مواقع مرصودة سلفاً ومعروفة بنشاطها في توجيه الضربات الصاروخية وإطلاق المسيرات، كما أنها منتخبة بعناية لتكون بعيدة عن المواقع المدنية، إلا أنه ذهب كذلك إلى اعتبار الضربات بمثابة «رسالة شديدة اللهجة» لإيران وأذرعها في المنطقة.

وأعرب الخبير الاستراتيجي السعودي عن اعتقاده بأن قواعد الاشتباك في منطقة البحر الأحمر «لا تزال منضبطة»، لكنها قد تتغير إذا تمادى الحوثيون في استهدافهم للملاحة بالمنطقة التي عدّها ذات أهمية استراتيجية بالغة، سواء للولايات المتحدة أو لخصومها من الصينيين والروس، معتبراً الضربات الأولى بمثابة «خطوة مبدئية»، يُفهم منها أن الضربة التالية ستكون «قاصمة وأكثر اتساعاً وعمقاً، وربما لن تقتصر على الحوثيين».

وقبل أسبوع، أصدرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة و10 دول أخرى، منها ألمانيا وإيطاليا وأستراليا والبحرين واليابان، تحذيراً في بيان مشترك، تم تفسيره على نطاق واسع على أنه تهديد بالقيام بعمل عسكري ضد أهداف حوثية في اليمن، كأماكن تخزين الصواريخ وإطلاقها، وقالوا إن الهجمات تشكل «تهديداً مباشراً لحرية الملاحة التي تشكل حجر الأساس للتجارة العالمية في أحد أهم الممرات المائية في العالم».

تستغل الجماعة الحوثية الموانئ اليمنية في الساحل المطل على البحر منطلقاً لهجماتها في البحر الأحمر (رويترز)

تنافس دولي

من جانبه، أبدى اللواء أركان حرب ياسر سعد هاشم، رئيس القسم السياسي والعسكري في معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع (IGSDA)، اتفاقاً مع الرأي السابق، معتبراً الضربات الأميركية والبريطانية للقدرات الحوثية كانت «متوقعة»، بل إن توقيت الضربات «كاد يكون معروفاً» لتجنب سقوط خسائر بشرية بأعداد كبيرة، وهو ما عده «مؤشراً على عدم رغبة في إشعال صراع مفتوح».

وربط هاشم، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بين مجريات الأحداث في البحر الأحمر وبين التنافس الدولي على الممرات الملاحية في العالم، خاصة بين الصين وروسيا من جانب، وبين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جانب آخر، مشيراً إلى أن الضربة الأخيرة إعلان واضح من جانب الولايات المتحدة على أنها حاضرة على مسرح العمليات في المنطقة التي تحظى بأهمية استراتيجية بالغة لمختلف الأطراف، لافتاً إلى الرفض الروسي والصيني للتصويت على القرار الصادر من مجلس الأمن بشأن التهديدات في البحر الأحمر، لإدراكهما أن واشنطن كانت ستتحرك، سواء بغطاء أممي أو من دونه، وربما أرادت موسكو وبكين «توريط الأميركيين في الصراع».

مقاتلة «تايفون» بريطانية تعود إلى قاعدة عسكرية في قبرص بعد تنفيذها عملية عسكرية في اليمن (أ.ف.ب)

وأضاف أن الصراع الواسع بين الولايات المتحدة من جانب، وروسيا والصين من جانب آخر، ومحاولة الأخيرتين توسيع مناطق نفوذهما (روسيا باتجاه أوكرانيا، والصين تجاه تايوان وبحر الصين الجنوبي)، قد يكون هو الحافز لهما في تحدي واشنطن، من خلال الإيحاء لأنظمة حاكمة في إيران وكوريا الشمالية وغيرهما لتهديد مناطق تعتبرها أميركا ضمن أولوياتها الاستراتيجية، في إطار خلق «عملية مقايضة سياسية واسعة». وشدّد على أنه من واجب حكومات وشعوب المنطقة أن «تنأى بنفسها عن هذا الصراع الخطير الذى يعتبر المنطقة ساحة مواجهة خلفية لا أكثر».

ورأى رئيس القسم السياسي والعسكري بمعهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، وهو مؤسسة فكرية غير ربحية متخصصة في أبحاث الأمن، ومقره الإمارات، أن التطور الجديد وانخراط الولايات المتحدة في مواجهة مع الحوثيين يفتح الأفق أمام تطورين مهمين، يتعلق أولهما بتصاعد احتمالات المواجهة مع إيران التي ترتبط بها جماعة الحوثي عقائدياً وتسليحياً، وإن زعمت استقلالية قرارها السياسي. أما الثاني فيشير إلى تحدي تعامل واشنطن مع الميليشيات التي تسيطر على إقليم من الأرض، وهي حالة متكررة في المنطقة العربية في اليمن وسوريا وغزة، وهو تحدٍ أصعب من مواجهة دولة أو تنظيم إرهابي، لأن التدخل يكون محفوفاً باحتمالات تعرض مدنيين ومدن ومناطق آهلة بالسكان للخطر، وهو وضع تراه الولايات المتحدة «خطراً ينبغي تفكيكه لأنه يمثل تحدياً»، خصوصاً إذا كانت تلك الميليشيات تسيطر على مناطق ذات أهمية استراتيجية.

الهجمات الحوثية في البحر الأحمر تؤثر في قناة السويس (أرشيفية - رويترز)

ويمر عبر البحر الأحمر ما يقرب من 15 في المائة من التجارة العالمية المنقولة بحراً، وتربط قناة السويس المصرية بينه وبين البحر الأبيض المتوسط، وهو أقصر طريق شحن بين أوروبا وآسيا، كما يكمن الخوف في ارتفاع أسعار الوقود التي سجلت ارتفاعاً خلال الأسابيع الأخيرة، وتضرر سلاسل التوريد.

وتقول غرفة الشحن الدولية إن 20 في المائة من سفن الحاويات في العالم باتت تتحاشى حالياً طريق البحر الأحمر، وتستخدم بدلاً من ذلك الطريق الأطول بكثير حول الطرف الجنوبي لأفريقيا، أو ما يعرف بطريق «رأس الرجاء الصالح»، واعترفت قناة السويس قبل يومين، في بيان، بتراجع عدد السفن العابرة بنحو 30 في المائة.


مقالات ذات صلة

مصر تشدد على وحدة الصومال وتُحذر من زعزعة استقرار «القرن الأفريقي»

العالم العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الممثل الشخصي لسكرتير عام حلف «الناتو» لشؤون الجوار الجنوبي الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على وحدة الصومال وتُحذر من زعزعة استقرار «القرن الأفريقي»

شددت مصر، الثلاثاء، على تمسكها بوحدة وسيادة الصومال على أراضيه، محذرةً من أن يؤدي الاعتراف إسرائيل بما يسمى "أرض الصومال"، إلى تقويض أسس الاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

آبي أحمد يزور جيبوتي ويعيد الجدل بشأن «صفقة المنفذ البحري»

زار رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، جيبوتي، وركز على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر بسبب تمسكه بحصول بلاده، الحبيسة، على منفذ بالبحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)
خاص وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)

خاص وزير الخارجية الصومالي: أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية غير قابل للحياة

وجّه وزير الخارجية الصومالي تحذيراً واضحاً من مغبة أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية، معتبراً أن مثل هذه الخطوات غير قابلة للحياة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شمال افريقيا لا خسائر بشرية في حادث جنوح قارب بالبحر الأحمر (أرشيفية - محافظة البحر الأحمر)

إنقاذ 20 سائحاً في مصر بعد جنوح قارب بالبحر الأحمر

شهدت سواحل مدينة مرسى علم المصرية الواقعة على ساحل البحر الأحمر، الاثنين، جنوح قارب سياحي يقل 28 شخصاً بينهم سائحون أجانب.

محمد عجم (القاهرة)
الاقتصاد سفينة الحاويات «ميرسك هانغتشو» تبحر في قناة وييلينغن بويسترسشيلد (رويترز)

«ميرسك» تُكمل أول رحلة لها في البحر الأحمر منذ عامين تقريباً

أعلنت شركة الشحن الدنماركية «ميرسك» يوم الجمعة أن إحدى سفنها نجحت في عبور البحر الأحمر ومضيق باب المندب لأول مرة منذ نحو عامين.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن )

العراق: إخفاق جديد في تحديد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية

رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
TT

العراق: إخفاق جديد في تحديد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية

رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)

فشل البرلمان العراقي في إدراج بند انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن جدول أعماله المقرر اليوم (الاثنين)، ليكون بذلك ثالث إخفاق من نوعه منذ إجراء الانتخابات البرلمانية قبل أكثر من شهرين.

ويأتي هذا الإخفاق وسط استمرار الخلافات السياسية بين القوى الشيعية والكردية؛ مما أعاق التوصل إلى توافق على مرشح للرئاسة، ويؤكد استمرار حالة الانسداد السياسي في البلاد.

ويقود رئيسُ الحكومة الحالية، محمد شياع السوداني، حكومةَ تصريف أعمال، بعد تجاوز المدد الدستورية لتشكيل حكومة جديدة وانتخاب رئيس للجمهورية؛ مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي العراقي ويضعف فاعلية المؤسسات الدستورية.

ويشير مراقبون إلى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من الشلل في عمل الدولة وتأخير إنجاز الاستحقاقات الدستورية الأخرى، وسط أجواء من التوتر والانقسام بين القوى السياسية.


ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)

كشفت صحيفة «ذا أتلانتيك» الأميركية تفاصيل نادرة عن كواليس حكم الرئيس السوري بشار الأسد في الفترة التي سبقت سقوط نظامه.

وقالت في مقدمة التقرير، الذي تحدث فيه كاتبه إلى مصادر من داخل النظام السوري السابق ومسؤولين إسرائيليين ولبنانيين، إن «بعض الطغاة يموتون وهم يقاتلون، بعضهم يُشنقون، وبعضهم يموتون في فراشهم. لكن تصرف الأسد كان اللجوء إلى الخداع بطريقة صدمت حتى المقربين منه، فقد طمأن مساعديه وكبار الضباط بأن «النصر قريب»، وبأن اتصالات إقليمية ستؤدي إلى وقف الهجوم.

كان ذلك مع اقتراب فصائل المعارضة من دمشق في 7 ديسمبر (كانون الأول) 2024، اليوم السابق لسقوط النظام، كانت الفصائل قد وصلت إلى حمص بعد أن دخلت حلب وحماة.

فرّ بشار ليلاً على متن طائرة روسية، دون أن يُخبر أحداً تقريباً. في حين أعلن البيان المراوغ الذي صدر في تلك الليلة أن «الأسد كان في القصر يؤدي واجباته الدستورية».

فرار الأسد فجّر غضباً بين من كانوا يعلنون الولاء له، وشهادات المقربين منه، تظهر أن الغضب انطلق من شعورهم بأنهم تعرضوا للخيانة، فبعضهم كان مستعداً للقتال أو على الأقل للانسحاب المنظم، لو واجههم بالحقيقة، لكن الأسد استخدمهم واجهة سياسية وأمنية لتغطية عملية فراره التي تركت خلفها فوضى واجهها المؤيدون له.

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)

لم تكن أي جهة تتوقع سقوط الأسد السريع، لا الموساد ولا الاستخبارات الأميركية، لكن التفسيرات التي تلت انهيار نظامه أن داعمي الأسد، روسيا وإيران و«حزب الله»، تورطوا في صراعات أخرى مثل حرب أوكرانيا والمواجهة مع إسرائيل على التوالي، ولم يعودوا قادرين على حمايته. وكشف انشغالهم بملفات أخرى ما كان خفياً لسنوات؛ جيش منهك يحكمه الفساد، كما حدث مع النظام المدعوم من أميركا في أفغانستان، الذي سقط عام 2021، «كانت سلالة الأسد في مواجهة إعادة تشكيلات جيوسياسية أوسع في المنطقة والعالم، وبدا سقوطها حتمياً»، يقول التقرير.

لقطة من فيديو لقناة «سوريا» تظهر طائرات حربية روسية رابضة في قاعدة حميميم باللاذقية خلال عمليات «ردع العدوان»

كان بشار الأسد، في ذروة المعارك وتدهور الوضع الميداني، منفصلاً إلى حد كبير عن الأحداث، ونقل مصدر سابق في «حزب الله»، أنه أمضى أوقات طويلة في ممارسة الألعاب على هاتفه المحمول، أبرزها لعبة «كاندي كراش».

في السابع من ديسمبر 2024، قبل يوم من انهيار النظام، عُقد اجتماع في الدوحة بمشاركة وزراء خارجية من المنطقة وخارجها، في محاولة أخيرة لمنع السقوط الكامل والدفع نحو انتقال سياسي تدريجي، إلا أن الجهود فشلت، بعدما تعذر التواصل مع الأسد، الذي أغلق هاتفه ولم يشارك في أي نقاش.

ونقلت «ذا أتلانتيك» شهادات عشرات من رجال البلاط والضباط في قصر تشرين دمشق، الذين قدّموا رواية مغايرة تعتبر أن سقوط النظام لم يكن حتمياً بفعل الجغرافيا السياسية وحدها، بل كان مرتبطاً بشخصية الأسد نفسه، إذ وصفوه بالمنفصل عن الواقع، والمهووس بالجنس وألعاب الفيديو، وكان قادراً على إنقاذ نظامه قبل سنوات لو لم يكن عنيداً ومغروراً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري بشار الأسد في سوتشي 20 نوفمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأضاف تقرير الصحيفة أن عدة دول في المنطقة لم تكن تريد سقوط الأسد وقدمت له سابقاً شرايين إنقاذ، وأن وزراء خارجية اتصلوا به حتى في أيامه الأخيرة عارضين عليه الصفقات، لكنه لم يجب، وبدا أنه يتعامل مع أي طرح بوصفه إهانةً شخصية.

أما الإسرائيليون قد نظروا طويلاً إلى الأسد بوصفه «عدواً يمكن التعايش معه»، فهو شخص يردد الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني، لكنه يحافظ على هدوء الحدود بين البلدين، ونقل عن مسؤول إسرائيلي سابق قوله: «الجميع في المنطقة كان مرتاحاً لبقائه هناك، ضعيفاً، ولا يشكل تهديداً لأحد».

حتى الحلفاء الذين أنقذوه سابقاً من نهاية محتومة لم يسلموا من عنجهيته، بمن فيهم إيران، في حين اقتنعت روسيا بأنه عبء ولا يستحق الدفاع عنه.

ديبرا تايس أمام صورة لابنها أوستن في واشنطن 2023 الذي اختُطف أثناء تغطيته الأحداث بسوريا عام 2012 (رويترز)

وفي مثال على عناد الأسد، أوردت «ذا أتلانتيك» مثالاً لرفض الأسد حبل نجاة مُدَّ إليه من الأميركيين، مرتبط بالصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ 2012، إذ أوفدت واشنطن في 2020 روجر كارستنز وكاش باتيل إلى لبنان، واصطحبهما اللواء عباس إبراهيم، رئيس الأمن العام اللبناني آنذاك، إلى دمشق للقاء علي مملوك، أحد أعلى مسؤولي الأمن في النظام، وطرح الأميركيون ملف تايس غير أن ردّ مملوك بأن أي بحث يتطلب أولاً رفع العقوبات وسحب القوات الأميركية من سوريا، وأبدت الحكومة الأميركية استعدادها لصفقة مقابل إثبات أن تايس حي. لكن الأسد رفض الاتفاق وقطع الحوار، ونقل عباس إبراهيم للصحيفة أن تبرير مملوك للرفض «لأن ترمب وصف الأسد» بالحيوان قبل سنوات.

ونقلت «ذا أتلانتيك» عن عباس إبراهيم أن الأميركيين كانوا سيغلقون الملف حتى لو كان تايس قد مات ما داموا عرفوا مصيره، وأن عباس إبراهيم قال إنه تلقى اتصالاً من مايك بومبيو أبدى فيه استعداده للسفر إلى سوريا بطائرة خاصة، وأن رفض الأسد يعد جنوناً.

وحاولت إدارة الرئيس جو بايدن عام 2023 تجديد العرض عبر وفد رفيع إلى سلطنة عُمان للقاء مسؤولين سوريين، لكن الأسد تصرف، وفق رواية عباس إبراهيم، بأسلوب شبه مهين حين رفض إرسال مسؤول رفيع وأوفد بدلاً منه سفيراً سابقاً لم يُسمح له حتى بالحديث عن تايس.


مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
TT

مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)

قُتل خمسة أشخاص على الأقل، اليوم الأحد، بمدينة طرابلس في شمال لبنان إثر انهيار مبنى، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي، بينما تواصل فرق الإنقاذ البحث عن ناجين، في ثاني حادثة من نوعها خلال أسبوعين.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بـ«سقوط مبنى قديم» في حي باب التبانة، أحد أفقر أحياء طرابلس، مؤكدة «إنقاذ 8 أشخاص» فيما «تم سحب 5 ضحايا، بينهم طفل وامرأة مسنّة».

وعملت السلطات على إخلاء المباني السكنية المجاورة «خوفاً من انهيارها».

وعرضت وسائل الإعلام المحلية صوراً لسكان وعمال إنقاذ يحاولون إزالة الأنقاض بعد الانهيار بمعدات متواضعة، وباستخدام أيديهم لإزاحة الركام.

وجاءت هذه الحادثة بعد انهيار مبنى آخر في طرابلس أواخر الشهر الماضي.

وأمر رئيس الجمهورية جوزيف عون أجهزة الإسعاف بـ«الاستنفار للمساعدة في عمليات الإنقاذ»، وتأمين مأوى لـ«سكان المبنى (المنهار) والمباني المجاورة التي أخليت تحسباً لأي طارئ»، وفق بيان للرئاسة.

وينتشر في لبنان العديد من المباني المأهولة بالسكان رغم أنها متداعية أو آيلة للسقوط.

وقد بُني العديد منها بشكل غير قانوني، لا سيما خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990، بينما أضاف بعض المالكين طوابق جديدة إلى مبانٍ سكنية قائمة دون الحصول على التراخيص اللازمة.

وسجلت انهيارات مبانٍ في طرابلس ومناطق أخرى في بلد لا يتم الالتزام فيه، في أحيان كثيرة، بمعايير السلامة الإنشائية للأبنية المأهولة التي شُيِّد قسم منها عشوائياً منذ عقود على أراضٍ مشاع.

ويعاني لبنان من انهيار اقتصادي منذ أكثر من ست سنوات بات معه الكثير من سكانه تحت خط الفقر.

وانعكست تبعات الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة على قطاعات مختلفة بما في ذلك البناء، فيما تردى وضع الكثير من البنى التحتية.

وحثّت منظمة العفو الدولية عام 2024 السلطات اللبنانية على إجراء مسح ميداني شامل «على وجه السرعة لتقييم سلامة المباني في جميع أنحاء البلاد»، ونشر نتائجه.

وحذّرت المنظمة حينها خصوصاً من الوضع في طرابلس، كبرى مدن الشمال اللبناني، حيث يقطن «آلاف الأشخاص... في أبنية غير آمنة» عقب وقوع زلزال مدمر في تركيا وسوريا في فبراير (شباط) 2023، ألحق أضراراً بأبنية في لبنان.

وأضافت أنه «حتى قبل وقوع الزلازل، كان السكان في طرابلس قد دقوا ناقوس الخطر بشأن حالة مساكنهم المروّعة والناجمة عن عقود من الإهمال».